المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : [ركن مقالات] الشيخ د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي - حفظه الله - المنشورة بجريدة الوطن


عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:15 PM
«أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار»

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


لا يصح حديثاً

«أول شهر رمضان رحمة، وأوسطهمغفرة، وآخره عتق من النار»



د. عبد العزيز بن ندىالعتيبي

الحديث الرابع: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أول شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق منالنار». رواه العقيلي في الضعفاء الكبير (2/162)، وابن عدي في الكامل، والخطيبالبغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (2/149)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (27/19) كلهم من طريق سلام بن سوار قال: حدثنا مسلمة بن الصلت، عن الزهري، عن أبي سلمة، عنأبي هريرة به .

وقال العقيلي في كتابه الضعفاء الكبير (2/162): لا أصلله من حديث الزهري .

قلت: ضعيف جداً، وفي الإسناد: 1) سلام بن سليمان بنسوار، قال أبو حاتم في الجرح والتعديل: ليس بالقوي، وقال ابن عدي في الكامل: هوعندي منكر الحديث. 2) مسلمة بن الصلت: قال أبوحاتم في الجرح والتعديل: متروكالحديث، ووافقه الذهبي في الميزان وفي المغني في الضعفاء، وفي تلخيص موضوعات ابنالجوزي (1/167) قال جازماً: ومسلمة متروك. وقال ابن عدي في الكامل في الضعفاء فيترجمة سلام بن سليمان بن سوار: ومسلمة ليس بالمعروف.

وله شاهد من حديث سلمان الفارسي

فقد روى ابن خزيمة في صحيحه (3/192) قال: حدثنا علي بنحجر السعدي ، حدثنا يوسف بن زياد، حدثنا همام بن يحيى، عن علي بن زيد بن جدعان، عنسعيد بن المسيب، عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم منشعبان فقال: «أيها الناس! قد أظلكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألفشهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير؛ كانكمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة؛ كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه،وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزداد فيه رزق المؤمن، منفطر فيه صائماً كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أنينتقص من أجره شيء، قالوا: ليس كلنا نجد ما يفطر الصائم؟ فقال: يعطي الله هذاالثواب من فطر صائماً على تمرة، أو شربة ماء، أو مُذْقة لبن، [وهو شهر أوله رحمة،وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار]، من خفف عن مملوكه غفر الله له، وأعتقه منالنار، واستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكمعنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم؛ فشهادة أن لا إله إلا الله،وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما؛ فتسألون الله الجنة، وتعوذون به منالنار، ومن أشبع فيه صائماً؛ سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة». ومنطريقه أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (3/305) قال: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاقالمزكي، حدثنا والدي قال: قرأ علي محمد بن إسحاق بن خزيمة أن علياً بن حجر السعديحدثهم، حدثنا يوسف بن زياد به. وكذلك رواه ابن أبي الدنيا في فضائل رمضان (41)،والبغوي في التفسير (1/154) كلهم من طريق علي بن حجر قال: أخبرنا يوسف بن زياد به .


قلت: رجال إسناده:

1- علي بن زيد بن جدعان: ضعيف قال ابن حجر في التقريب: ضعيف
. 2- همام بن يحيى: قال أبو حاتم في الجرح والتعديل: ثقة صدوق في حفظه شيء،وقال ابن حجر في التقريب: ثقة ربما وهم.

3- يوسف بن زياد: قال البخاري في التاريخ الكبيروالأوسط يوسف بن زياد أبو عبدالبصري. منكر الحديث ، فالحديث بهذا لإسناد ضعيفجداً.


متابعة إياس بن عبد الغفار معلولة


ورواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده (بغية الباحث عنزوائد مسند الحارث للهيثمي رقم: 321)، وابن أبي حاتم في العلل (1/249)، والبيهقي فيشعب الإيمان (3/305) كلهم من طريق عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا إياس، عن علي بنزيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب به.

قال أبو حاتم في العلل (1/249): هذا حديث منكر، غلطفيه عبد الله بن بكر، إنما هو أبان بن أبي عياش ، فجعل عبد الله بن بكر أباناًإياساً.

قلت: وأبان بن أبي عياش: قال النسائي في الضعفاءوالمتروكين (21): متروك الحديث، وكذلك أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو حاتموالدارقطني كلهم ذهبوا إلى أنه متروك الحديث، وقال أبوزرعة في سؤالات البرذعي لأبيزرعة الرازي (2/478): واه بمرة . وقال ابن حجر في التقريب:متروك. ولذا لا تنهض بههذه المتابعة عن الضعف الشديد .


متابعة سعيد بن أبي عروبة لا تصح


ورواه المحاملي في أماليه (ص/286)، وابن عدي في الكاملفي ترجمة [عبد العزيز بن عبد الله القرشي] من طريق سعيد بن محمد بن ثواب، حدثنا عبدالعزيز بن عبد الله الجدعاني، حدثنا سعيد بن أبى عروبة، عن علي بن زيد، عن سعيد بنالمسيب به.

قلت: ليست هذه المتابعة بأحسن حال من التيقبلها؛

أولاً: الإسناد فيه رجال ضعفاء . ثانيا: لا تصح متابعةسعيد بن أبى عروبة ففي الإسناد إليها: سعيد بن محمد بن ثواب لم يوثقه غير ابن حبان،وعبد العزيز بن عبد الله الجدعاني القرشي البصري؛ قال ابن عدي في الكامل: عبدالعزيز بن عبد الله هذا؛ عامة ما يرويه لا يتابعه عليه الثقات.



تاريخ النشر 07/09/2009



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:18 PM
«سَعَيتُ قبلَ أَن أطوف»» لا يصح


د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

يذهب البعض إلَى القول بًجواز تقديم السعي على الطوافلحديث أسامة بن شريك ظناً منه بصحته، الذي نذهب إليه بعد دراسة حديث أسامة بن شريكسندا ومتنا على قواعد وأصول أهل الحديث، أنه حديث صحيح دون قوله: «سَعَيتُ قبلَ أَنأطوف»، فلا تصح هذه اللفظة عن رسولً اللهً صلَّى اللهُ عليه وسلم ولا تصح ما بُنًيَعليها من الأحكام الشرعية.

روى أبو داود في سننه (2015) قال: حدثنا عثمان بنأبي شيبة، ثنا جرير، عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: خرجت معالنبي صلى الله عليه وسلم حاجا» فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله! سعيتقبل أن أطوف، أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا، فكان يقول: (لا حرج لا حرج» إلا على رجلاقترض عرض رجل مسلم وهو ظالم، فذلك الذي حرج وهلك) . ورواه ابن خزيمةفي

صحيحه (4/237)، والدارقطني في سننه (2/251) وغيرهما.

رواه أبو إسحاق الشيباني عن زياد بن علاقة وَاخْتُلًفَعَلَيه

وأبو إسحاق الشيباني اختلف عليه رواه جرير بن عبدالحميد بزيادة: «سعيت قبل أن أطوف»، وخالفه أسباط بن محمد، فرواه ابن أبي شيبة فيالمصنف (3/837) قال: حدثنا أسباط بن محمد، عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامةبن شريك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح؟ قال: «لاحرج».والحديث صحيح غير معل، ومن طريقه رواه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (3/141)، والطبراني في الكبير(1/182)، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (2/236).

متابعات لأبًي إسحاق الشيبانًي

وقد توبع الشيباني» تابعه: (1) محمد بن جحادة، عن زيادبن علاقة، عن أسامة بن شريك كما رواه ابن خزيمة في صحيحه بسند حسن (4/310) وغيره، (2) وتابعه أيضا محمد بن بشر الأسلمي عن زيادة بن علاقة عن أسامة بن شريك كما رواهالطبراني في الكبير (1/182) بسند صحيح وغيره، دون ذكر لفظ: «سعيت قبل أن أطوف»،وهكذا نرى حديث أسامة بن شريك رواه محمد بن جحادة، ومحمد بن بشر الأسلمي وغيرهما،وجود إسناده أسباط بن محمد فرواه عن الشيباني كما رواه الثقات عن زياد بن علاقة عنأسامة بن شريك، وبًهذا تكون الزيادة ضعيفة لًمُخالفة جرير بن عبد الحميد فحكمهاالشذوذ والطرح، ولذا قال الدارقطني في السنن (2/251): وَلَم يقل: «سعيت قبل أنأطوف»، إلا جرير عن الشيباني، وقال البيهقي في السنن الكبرى (5/146): هذا اللفظ: «سعيت قبل أن أطوف»، غريب تفرد به جرير عن الشيباني فإن كان محفوظا فكأنه سأله عنرجل سعى عقيب طواف القدوم قبل طواف الإفاضة فقال لا حرج والله أعلم. قلت: قد بينَّاأنها شاذة غير محفوظة فهي ضعيفة لا ينبغي التَّكلف فًي توجيهها، وإلَى القول بأنهارواية غير محفوظة ذهب ابن القيم في زاد (2/237): وقوله: سعيت قبل أن أطوف في هذاالحديث ليس بمحفوظ والمحفوظ : تقديم الرمي والنحر والحلق بعضها علىبعض.

شواهد للرواية الصحيحة

أولا: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص

أخرجالبخاري في صحيحه (83 ) قال: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن ابن شهاب، عن عيسىبن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليهوسلم وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: لم أشعر» فحلقت قبل أنأذبح؟ فقال: «اذبح ولا حرج»، فجاء آخر فقال: لم أشعر» فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: «ارمولا حرج»، فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر إلا قال: «افعل ولاحرج». رواه مسلم في صحيحه (1306)، ومالك في الموطأ (1/421)، وأحمد في المسند (2/ 160. 192.202. 210.217)، وأبو داود في سننه (2014)، والنسائي في الكبرى (4/197)،والترمذي في سننه (915)، وابن ماجه في سننه (3051).

ثانيا: حديث عبد الله بن عباس

رواه البخاري فيصحيحه(84، 1635. 1636.، 1648)، ومسلم في صحيحه(1307)، وأحمد في المسند(1/ ، 216. 258. 269. 291. 300. 310. 328.)، وأبو داود في سننه (1983)، والنسائي فيسننه(3067)، وابن ماجه في سننه (1013) وغيرهم.

ثالثا : حديث جابر بن عبد الله

رواه أحمد فيالمسند(3/326 . 385)، وابن ماجه في السنن(1014) وغيرهما وهو صحيح.

رابعا : حديث علي بن أبي طالب

رواه أحمد فيالمسند(1/76، 156)، والترمذي في سننه(885) وغيرهما بسند حسن.

وهناك متابعاتوشواهد أخرى ليس هذا محل البسط فيها.

قال البغوي في شرح السنة (7/214):

أما إذا سعى بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت في الحج، أو فيالعمرة، فلا يحسب سعيه حتى يعيده بعد الطواف بالبيت عند عامة أهل العلم» إلا ما حكيعن عطاء أنه قال: يجزئه سعيه، واحتج بًما روي عن أسامة بن شريك قال: خرجت مع رسولالله صلى الله عليه وسلم حاجاً، فكان الناس يأتونه، فمن قائل: يا رسول الله سعيتقبل أن أطوف، أو أخرت شيئاً أو قدمت، فكان يقول: لا حرج لا حرج. وهذا عند العامة أنيكون قد سعى عقيب طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة، ويكون محسوباً له، ولا يجب عليه أنيعيده بعد طواف الإفاضة، فأما من لم يكن سعى عقيب طواف القدوم، فسعيه بعد الوقوفبعرفة لا يحسب قبل طواف الإفاضة.

وقال ابن حجر في الفتح (3/505):وحكى بنالمنذر عن عطاء قولين فيمن بدأ بالسعي قبل الطواف بالبيت وبالإجراء، قال بعض أهلالحديث: واحتج بحديث أسامة بن شريك أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: سعيت قبل أن أطوف، قال: «طف ولا حرج»، وقال الجمهور: لا يجزئه، وأولوا حديث أسامةعلى من سعى بعد طواف القدوم وقبل طواف الإفاضة اهـ. قلت: ينظر في المتن إن صح فكيفوالزيادة ضعيفة لا تثبت من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تاريخ النشر: الاثنين 17/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:21 PM
»وجهة نظري فاحترموها!... ولا» لإقصاءً رَأْيي...«




المباحات لها أحكام المقاصد فإن أدت إلى شر مُنعت وإن أفضت إلى خير قُبلت

د. عبد العزيز بن ندَى

كلمة يرددها كثير من الناس فًي نقاشهم ومجالسهمومنتدياتًهم، بل نجدها تُذْكرُ فًي كتبهم، وهذه الكلمةُ هي: »هَذًهً وُجْهَةُنَظَرًكَ وَنَحْتَرًمْهَا«، أو »كُل يَحترم وُجْهة نَظَرً الآخر«، فأردت أَنْأُمْعًنَ النظر فًي هذه الجملة ومن ثَمَّ تَحليلها، والنظر في جواز الإًطلاق، وصحةًهذا الاستعمال.

فأقول وبالله أستعين لكل إنسان أقوال وأفعال تُمثل الرأْيَالذي ذهب إليه واعتقده، وقد يُعبَّرُ عنها وتُسمى: وجهة نظره ورأيه، وعند البحثًوالنظر بًمعيارً الْحق هي قول لا بُدَّ له من أحد أحوال ثلاثة مداره بينها، فكلقولي وفعلي لا يتجاوز الأمور التالية:

(1) الصحة (2) والبطلان أو الفساد (3) الإباحة. قالالله تعالى: (وَهُدُوا إًلَى الطَّيًّبً مًنَ الْقَوْلً وَهُدُوا إًلَى صًرَاطًالْحَمًيدً) [الحج: 24]» فهناك: (1) قول طيب ورأي سديد، وهو الأحق بالقبولوالاحترام. (2) وقول غير طيب مخالف للسداد بعيد عن الصواب» فلا يقبل ولا يُحترم،ويُعد وُجهةُ نَظَرً سَاقًطَة.

أولا: الصحة ومتى تُحترم وجهة نظرك؟

التسلم لوجهة نظر معينة، حتى يُسوغ القول: »نعم نحترموجهة نظرك، تنقسم إًلَى قًسميْن:

1ـ الحق من المعتقدات الصحيحة، والعباداتالسليمة، والمعاملات الحسنة، وكُلُّ شيء بعده ضلال وباطل، قال الله تعالَى: (فَمَاذَا بَعْدَ الحق إًلاَّ الضلال)» قال بعض المفسرين أي: لا واسطة بين الحقوالضلال)، فمن تخطى الحق وقع في الضلال.اهـ .

فمن كان مع الحق أُخًذَبًقَولًهً وعُمًلَ بًرَأْيه، وهذا : »حَظّ وُجْهَةً نَظَرًهً الاحترام«، وقالتعالَى: وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطًلُ إًنَّ الْبَاطًلَ كَانَزَهُوقًا[الإسراء: 81]، وقال تعالَى: بَلْ نَقْذًفُ بًالْحَقًّ عَلَى الْبَاطًلًفَيَدْمَغُهُ فَإًذَا هُوَ زَاهًق[الأنبياء: 18]، وأما من كان واقعا فًي الضلالًمُعْلناً لرأي أهله، فلا يجوز قبول قوله والسكوت عنه، فضلا عن العمل به، ولا حرمةلوجهة نظره ولا كرامة، فالباطل لا حرمة له، ولا وجود له مع الحق ولابقاء.

2ـ الخلاف في مسألة من المسائل، ويكون خلافاً نشأ بعد استفراغً الباحثجهدة فًي مسألة معينة، وقد سلك السبل الصحيحة في الحكم على المسألة محل الخلاف مًنْطلب للدليل والبرهان من الكتاب والسنة، بلا تعصب لأحد من أئمة المذاهب وفقهاءالأمصار، عندما يكون الدليل على خلاف مذهب هذا الإمام أو ذاك الشيخ، لقول اللهتعالَى: فَإًن تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْءي فَرُدُّوهُ إًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً إًنكُنتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً[النساء: 59]، وقال تعالَى: فَلاَ وَرَبًّكَ لاَ يُؤْمًنُونَ حَتَّى يُحَكًّمُوكَ فًيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْثُمَّ لاَ يَجًدُوا فًي أَنْفُسًهًمْ حَرَجًا مًمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلًّمُواتَسْلًيمًا[النساء: 65]، وقال تعالَى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فًيهً مًنْ شَيْءفَحُكْمُهُ إًلَى اللَّهً[الشورى: 10].

ثانيا: البطلان ( لا نحترم ) وجهة نظرك

إن الباطل وكثيرا من الأقوال والأعمال التي لا تصح،وجهة نظر سقيمة، وأمور عقيمة، لا تستحق نظرا واحتراما، فكيف بًمن كان في قلبه مثقالحبة من خردل من إًيْمان أن يَحترم الكفر والْمَعاصي والباطل من أقوال وأفعال وآراءيبشرية، وقد قال الله تعالى: قُلْ لاَ يَسْتَوًي الْخَبًيثُ وَالطَّيًّبُ وَلَوْأَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبًيث[المائدة: 100]، فلا يستوي خبيث القول والرأيً» بطيبالقول والرأي، ولو كثر أصحاب القول ودعاة الرأي الخبيث، فمن الْمُحالً أن تستويوجهة نظر صحيحة بأخرى سقيمة.

(1) سب الله اصبح وجهة نظر، فهل نحترم القول والقائلبه؟!

لقد ضل من كان رأيه واعتقاده ووجهة نظره، التي يدعو إلى اعتناقها،واحترامها، هي الإساءة إلى الله سبحانه وتعالَى، تعالى الله عما يقولون علواكبيراً، وإنه لمن الضلال وصف الله تعالَى بهذه الأوصاف ومنها بأن لله ولدا سبحانه،قال تعالى: وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ[البقرة: 116].

1ـ وجهة نظر يهودية: زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، قال تعالَى: وَقَالَتً الْيَهُودُ عُزَيْر ابْنُ اللَّه[التوبة: 30]. وجهة نظر أخرى، قال تعالى: وَقَالَتً الْيَهُودُ يَدُ اللَّهً مَغْلُولَة غُلَّتْ أَيْدًيهًمْ وَلُعًنُوابًمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانً[المائدة:64].

2ـ وجهة نظرنصرانية: من النصارى من قال إن المسيح ابن الله، قال تعالى: وَقَالَتً النَّصَارَىالْمَسًيحُ ابْنُ اللَّهً ذَلًكَ [التوبة: 30].

3ـ وجهة نظر في أن الله ثالثثلاثة، قال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذًينَ قَالُوا إًنَّ اللَّهَ ثَالًثُ ثَلاَثَةوَمَا مًنْ إًلَه إًلا إًلَه وَاحًد[المائدة: 73]،

4ـ وجهة نظر بعض المشركينمن العرب في الملائكة: إًنَّها بنات الله، تَعَالَى اللهُ عمَّا يقولون علواكبيراً، قال تعالى: وَخَرَقُوا لَهُ بَنًينَ وَبَنَاتي بًغَيْرً عًلْمي سُبْحَانَهُوَتَعَالَى عَمَّا يَصًفُونَ [الأنعام: 100].

5ـ وجهة نظر في أن الله فقير،قال تعالى: لَقَدْ سَمًعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذًينَ قَالُوا إًنَّ اللَّهَ فَقًيروَنَحْنُ أَغْنًيَاءُ[آل عمران: 181].

(2) السب والاستهزاء بالرسول وجهة نظر... فهلنحترمها؟!

قال الله تعالَى: وَإًذْ يَمْكُرُ بًكَ الَّذًينَ كَفَرُوالًيُثْبًتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرًجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُوَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكًرًينَ[الأنفال: 30]، سَبُّ الرسول صلى الله عليه وسلمأصبح وجهة نظر، والمكر به وجهة نظر، وإيذائه بالأقوال والأفعال لا يتجاوز أن تكونوجهة نظر تُمثل أصحابها ـ كما يقولون ـ، وعلى المخالف أن يحترم رأي الآخرين فقداستهزئ بالرسول صلى الله عليه وسلم فذكره الله سبحانه تسلية وعزاءً بمعاناة الرسلوالأنبياء من قبله، قال تعالى: وَلَقَدً اسْتُهْزًئَ بًرُسُل مًنْقَبْلًكَ[الأنعام: 10]، وقال تعالى: وَاصْبًرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ[المزمل: 10].

(3) سب أصحاب الأنبياء وجهة نظر...وهل نؤمن بالرأيالآخر؟!

روى مسلم (50) في صحيحه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من نَبًي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان لهمن أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثُم إًنَّها تَخلف من بعدهمخلوف، يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومنجاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبةخردل)).

تسليم العقل نَهضة وحضارة، أم خيبةوخسارة؟!

وسب الصحابة وشتمهم ليلا ونَهاراً سراً وجهاراً، هل نحترمه؟ ونؤمنبأنه وجهة نظر له حظ في الاعتبار والوجود، حتى نفوز برضا فًي أوساط المجتمعات، وألانوصف بممارسة دور إقصاء الرأي الآخر، هل التسليم والسكوت عن الاعتداء على المعتقداتيُعَدُّ نهضة وحضارة، أم خيبة وخسارة؟!

سيد قطب يسب سادات وأقطاباً من الصحابة

أَبَىالأستاذ سيد قطب إلا أن يقول وجهة نظره في الصحابة فخرج عن جادة أهل السنة، وخالفجماعة العلماء ووافق أهل الأهواء، فنثر أحكامه على الصحابة، فَسَب وشتم من شاء،ورضي عمن شاء، حتى آذى نفسه،[قال: "وحين يركن معاوية وزميله (عمرو بن العاص) إلىالكذب والغش والخديعة والنفاق والرشوة وشراء الذمم« (كتب وشخصياتـ الطبعةالثالثة/1403ـ 1983م] وَنُذَكًّرُ بأقوال العلماء العاملين وحفظة الدين منالعابثين، قال إمام عصره أبو زرعة الرازي، إمام الجرح والتعديل، و الشيخ الأجللًمسلم بن الحجاج صاحب الصحيح: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من أصحاب رسول اللهفاعلم أنه زنديق ).

عقيدة السلف في الصحابة وما حدث بينهم

بعضالناس اعتدى على الصحابة بالسب والشتم، والنيل من أعراضهم وذكر ما حدث بينهم، مًمايدعو إلى التعصب، ونشوء الحقد وَإًيغار الصدور علي الصحابة، والمقرر من أصول أهلالسنة والجماعة سلامة قلوبًهم لأصحاب رسول الله، وتوليهم ومحبتهم، وذكر محاسنهموالترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهمومعرفة سابقتهم كما وصفهم الله، قال تعالى: وَالَّذًينَ جَاءُوا مًنْ بَعْدًهًمْيَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفًرْ لَنَا وَلإًخْوَانًنَا الَّذًينَ سَبَقُونَابًالإًيمَانً وَلاَ تَجْعَلْ فًي قُلُوبًنَا غًلا لًلَّذًينَ آَمَنُوا رَبَّنَاإًنَّكَ رَءُوف رَحًيم[الحشر: 10]، وقال تعالى: لَقَدْ رَضًيَ اللَّهُ عَنًالْمُؤْمًنًينَ إًذْ يُبَايًعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةً[الفتح:18]، وروى البخاري (3673)، ومسلم (2450) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قالالنَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم: »لا تسبوا أصحابًي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباًما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه«.

(4) إقصاء الرأي الآخر

ذهب جمهور من الناس،خاصة من تأثر بموجات التغريب، فحياة الغرب أفرزت ثقافة معينة، تحت تأثير حياةمادية، مليئة بالضياع والتعذيب، ذاقوا فيها الأمرين بعيدا عن الله سبحانه وتعالى،فأصبحوا يروجون لكل شيء بلا ضابط شرعي، ولا رابط عرفي، فحياة أولئك القوم ماديةإباحية، فلا تَمييز بين الحق والباطل، ولا يُعرف النور من الظلمات، فالغريب من عرفالمعروف وأنكر المنكر من الأفعال والأقوال، قال الله تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَأَحْسَنَ الْحَدًيثً) [الزمر: 23]، وقال تعالَى: وَمًنَ النَّاسً مَنْ يَشْتَرًيلَهْوَ الْحَدًيثً لًيُضًلَّ عَنْ سَبًيلً اللَّهً بًغَيْرً عًلْم[لقمان: 6]، فأصبحالحديثُ على نوعين نوع حسن، ونوع سيئ، فلا يعتد بالسيئ من القول والرأي والحديث ولايعتبر، ونرفضه دينا ونرى إقصاءه حقا، بًخلاف القول والرأي والحديث الحسن، فهو الذييُمثل وجهة نظر الْمُحقين، وهو الْهدى لأهله والنور الْمُبين.

(5) المصاببعمى الألوان يقول: أنت قادم من عصور الظلام

الذي لا يحترم الباطل ولا يقرالضلال وما عليه بعض الناس والجماعات، يُعَدُّ في نظرهم من المخالفين، وينظر لهبعين الرجعية والتخلف، وأنه قادم من عصور الظلام، فهو لا يُمارس احترام وجهات النظرالْمُتباينة، ولا يؤمن بالرأي (الباطل)، والرأي الآخر (الضلال)، وهؤلاءالْمُلَبًّسون الْمُفْلًسون صنفوه» ووضعوه تحت شعار صنعوه ( جماعة إقصاء الرأيالآخر )، وأعني إقصاء الباطل ورفضه، زاعمين أنه يصادر المبادئ، ويحجب حرياتالآخرين.

ثالثا: وجهة نظر يتوقف فيها

المباحات لَهاأحكام المقاصد، فإن أدت إلى شر مُنعت، وإن أفضت إلى خيري قُبلت، فما تعلق ببعضالعادات والأعراف التي تتغير بتغير الزمان والمكان وتتبدل من فرد إلى فرد وهو ماعرفناه بالْمباح من العادات والأمور التي لا تقبل خلافا، ولا تدخل تحت باب العقائدوالعبادات والمعاملات، روى مسلم (2363) في صحيحه عائشة أنس رضي الله عنهما أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: »قال أنتم أعلم بأمر دنياكم«. فمثلا هناك من يرى أن اللونالأصفر هو الأفضل وآخر يفضل الأزرق، وهكذا في المباحات بأنواعها بما يعود بالنفععلى الأمة كتخطيط المدن وغيره، ينبغي عدم الاختلاف بسببها فكل له ذوق خاص ونظر خاصفي أمر احتمالُ وقوعً الاحترامً وارد فيه وإقراره على وجهة نظره بلا نزاع، بحيث كلطرف يحترم ما يراه الآخر، فلا يوجد ما يوجب خلافاً. وإليكم ما قررته من وجهة نظر،فما وافق الشرع نقول به ونحترمه، وما خالف الشرع نقول لصاحبه خالفت الحق وجانبتالصواب، لا كما يجرى على ألسنة بعض المناقشين والمناظرين والكتاب من القول: »احترموجهة نظرك ولكن اختلف معك«، والحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركافيه«.

تاريخ النشر: الاثنين 12/5/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:30 PM
(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)



الإسلامُ هو الاستقامة الْمَشروعة

الدعوة إلَى الإسلام على وجه الإجمال وإيضاح السبيل والطريق الذي ارتضاه رب العالَمين بالتفصيل لعباده الْمُسلمين لن يكون إلا بكتاب الله وسنةً نَبًيًّهً على الفهمً الذي سلكه سلف هذه الأمة، فيا عباد الله! إن الْمصلين فًي جَميع أَنْحاء الْمعمورة يدعونربَّهم ليلاً ونَهارا، سًرّاً وجًهارا بطلب الْهداية والتوفيق قائلين:(اهْدًنَاالصًّرَاطَ الْمُسْتَقًيمَ صًرَاطَ الَّذًينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهًمْ غَيْرًالْمَغْضُوبً عَلَيْهًمْ وَلاَ الضَّالًّينَ)(الفاتحة:6-7)، وهو الطريق الواضح الْمستقيم الذي سار عليه من رزقهَ الله الْهداية وأسبغ عليه نعمةَ الاستقامة حَتّىيكون مع الذين أنعم الله عليهم قال تعالَى-:(صًرَاطَ الَّذًينَ أَنْعَمْتَ). والاستقامة فًي اللغةً: هي الإصابة، وملازمة الصواب والسداد، وَإًنَّ العوجَ والانْحرافَ والْميلَ» خلافُ الاستقامةً وفًي الشرع: طَريق الْهدى والنّور لا طُرقالغوايةً والضلالً كما جاء فًي قوله تعالَى-:(اهْدًنَا الصًّرَاطَ الْمُسْتَقًيمَ)(الفاتحة: 6)، وقال: (وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا)(الأنعام: 153)، وقال:(وَيَهْدًي مَنْ يَشَاءُ إًلَى صًرَاط مُسْتَقًيم)(يونس: 25)، وقال: (إًنَّ رَبًّي عَلَى صًرَاط مُسْتَقًيم) (هود : 56). ومن سار على هذا الطريق واتَّخذ الإسلام الصحيح منهجا وسبيلا هو الذي يكون بين الناس مستقيماً فًي الْمعتقد والعبادة والسلوك، وعلامته ملازمة الكتاب والسنة والاستقامة على أمر الله من غير عوج ولا انْحراف ولا إفراط ولا تفريط، قال تعالَى-:(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصلت:30)،وقال: (فَاسْتَقًمْ كَمَا أُمًرْتَ)(هود: 112)، وقال: (فَاسْتَقًيمُوا إًلَيْهً وَاسْتَغْفًرُوهُ وَوَيْل لًلْمُشْرًكًينَ)(فصلت : 6). واعلموا عباد اللهً! أنَّ الْحنيفية السَّمحة هي الاستقامة، قال تعالَى- :(وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْنَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مًلَّةَ إًبْرَاهًيمَ حَنًيفًا وَمَا كَانَ مًنَ الْمُشْرًكًينَ)(البقرة: 135)، قال الطّبَريُّ فًي تفسيره: (الْحنيفُ): فإنهالْمُستقيمُ من كلًّ شيء - إلَى قوله - فمعنَى الكلامُ إذاً: قُل يا مُحمدُ! بل نَتَّبع ملة إبراهيم مُستقيما.اهـ.

والْحنفاءً جَمعُ حنيفي وهو كل من كان على الاستقامة والإسلام، وما كان عليه إبراهيم عليه السلام، قال تعالَى:(إًنَّ إًبْرَاهًيمَ كَانَ أُمَّةً قَانًتًا لًلَّهً حَنًيفًا وَلَمْ يَكُ مًنَ الْمُشْرًكًينَ شَاكًراً لأنْعُمًهً اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إًلَى صًرَاط مُّسْتَقًيم)(النحل:120)، وقال:(وَمَنْ أَحْسَنُ دًيناً مًمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسًن واتَّبَعَ مًلَّةَ إًبْرَاهًيمَ حَنًيفاً)(النساء: 125).

الاستقامةُ مَطلب شَرعي بدليلً الكتابً والسنة

اعلم وفقك الله أن الاستقامة مطلب شرعي بدليل الكتاب والسنة

أولا: من أدلة كتاب الله:

1- قال تعالَى:(فَاسْتَقًمْ كَمَا أُمًرْتَ وَمَنْتَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إًنَّهُ بًمَا تَعْمَلُونَ بَصًير)(هود: 112).

2- وقال تعالَى:(وَهَذَا صًرَاطُ رَبًّكَ مُسْتَقًيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتً لًقَوْم يَذَّكَّرُونَ)(الأنعام:126).

3- وقال:(وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانًمَ كَثًيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذًهً وَكَفَّ أَيْدًيَ النَّاسً عَنْكُمْ وَلًتَكُونَ آَيَةً لًلْمُؤْمًنًينَ وَيَهْدًيَكُمْ صًرَاطًا مُسْتَقًيمًا)(الفتح:20).

4- وقال تعالَى:(وَأَنَّهَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا فَاتَّبًعُوهُ وَلاَ تَتَّبًعُوا السُّبُل َفَتَفَرَّقَ بًكُمْ عَنْ سَبًيلًهً ذَلًكُمْ وَصَّاكُمْ بًهً لَعَلَّكُم ْتَتَّقُونَ)(الأنعام: 153).

5- وقال: (قُلْ إًنَّمَا أَنَا بَشَر مًثْلُكُم ْيُوحَى إًلَيَّ أَنَّمَا إًلَهُكُمْ إًلَه وَاحًد فَاسْتَقًيمُوا إًلَيْهً وَاسْتَغْفًرُوهُ وَوَيْل لًلْمُشْرًكًينَ)(فصلت: 6).

6- وقال:(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهًمُ الْمَلاَئًكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشًرُوا بًالْجَنَّةً الَّتًي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلًيَاؤُكُمْ فًي الْحَيَاةً الدُّنْيَا وَفًي الآخًرَةً وَلَكُمْ فًيهَا مَا تَشْتَهًي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فًيهَا مَاتَدَّعُونَ نُزُلا مًنْ غَفُور رَحًيم وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مًمَّنْ دَعَا إًلَى اللَّهً وَعَمًلَ صَالًحًا وَقَالَ إًنَّنًي مًنَ الْمُسْلًمًينَ)(فصلت:30-33).

7- وقال:(إًنَّ اللَّهَ رَبًّي وَرَبُّكُم ْفَاعْبُدُوهُ هَذَا صًرَاط مُسْتَقًيم)(آل عمران:51).

ثانيا: من أدلة السنة التي تحث على الاستقامة:

1- ما رواه أَحمد فًي مُسنده (1/435) والدارميُّ فًي سننه (1/78) بإسناد جيد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثُم قال: (هذا سبيل الله مستقيما)، ثم خط خطوطا عن يَمينه، وعن شًماله» ثُمّ قال: (هذه سُبل على كل سَبيل منها شيطان يدعو إليه)،ثُم تلا: ((وأن هذا صرا طي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)).

2- وروى مسلم في صحيحه (38) من حديث سفيان بن عبدالله الثقفي رَضًيَ اللهُ عَنه، قال: قُلتُ: يا رسول الله! قل لًي فًي الإسلامً قولاً لا أسألعنه أحدا بعدك -أو غيرك، قال: (قُلْ آمنتُ باللهً فاستقم).وفًي رواية أحمد وغيره (3/413): (قل آمنت بالله ثُم استقم).

3- وروى ابن ماجه فًي سننه (277)،وأحمد فًي مُسنده (5/276، 280) ما صح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تُحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولايُحافظ على الوضوء إلا مؤمن). وله شاهدي رواه ابن ماجه (278) في السنن من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

ومعنى قوله:(استقيموا ولن تحصوا) . قال ابن عبد البر في الاستذكار(1/209): والذي عندي في تأويل هذا الْحديث أن قوله: (استقيموا)، يعنًي على الطريقة النهجة التًي نهجت لكم، وسددوا وقاربوا» فإنكم لن تطيقوا الإحاطة فًي أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال،فإن قاربتم ورفقتم بأنفسكم» كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم، وقد ذكرنا في التمهيد بإسناد عن الحسن فًي قول الله عز وجل: (عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) (المزمل:20) قال لن تطيقوه، قُلتُ: وهو قوله فًي التمهيد عندما فسر الاستقامة معالاستطاعة» بالسداد والْمُقاربة(24/319): قال أبو عُمَر: قوله فًي هذا الْحديث: (سددوا وقاربوا)، يُفَسًّرُ قوله: (استقيموا ولن تحصوا)، يقول: سددوا وقاربوا» فلن تبلغوا حقيقة البر، ولن تطيقواالإحاطة فًي الأعمال، ولكن قاربوا، فإنكم إن قاربتم ورفقتم» كان أجدر أن تدوموا على عملكم.ورروى فًي التمهيد عن الْحسن في قول الله عزوجل (عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) قال: لن تطيقوه. وقال ابن الأثير في النهاية فًيغريب الأثر (1/985): أي اسْتَقًموا فًي كُلًّ شيء حتّى لا تَمًيلوا ولَنْ تُطًيقواالاستقامة من قوله تعالَى-:(عَلًمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ) أي لن تُطًيقوا عَدَّه وضَبْطَه.اهـ.

ولذا قال الْحافًظُ فًي الفتحً (11/225): أي لن تبلغوا كُنْه الاستقامةً.

قلت: وهذا الْمَعنَى رواه البخاري (7288)، ومسلم (1337) فًي صحيحيهما مًن حديثً أَبًي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَن النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسلمَ قال: (فإًذا نَهَيتكم عَن شَيء فاجْتَنًبوهُ، وإًذا أمرتكم بًأَمرفَأْتُوا مًنه ما استطعتم).

ثالثا: قول الصحابة:

لقد جاء عن الصحابة الْحث على الاستقامة وبيانا لْمَعنى الْمراد منها، ومنه ما روى البخاري فًي صحيحه (7282) عن حُذَيفةَ رضًيَاللهُ عنه، قال: يا معشر القُرَّاءً! استقيموا، فقد سَبَقْتُم سَبْقًا بَعًيدًا،فَإًن أَخذتُم يَمًينًا وَشًمَالا» لقد ضَلَلتم ضلالا بعيدًا. قلت: وفًي هذا بياني للاستقامة على منهج السلف من لَدُنً مُحمدي صلى الله علبه وسلم وصحابته حتى نًهايةالقرنً الثالث، نسلك الطريق الْمُستقيم الذي سلكوه، لا نسلك جًهَة مُتوسطة، ولانبحث عن أوسطً الطُّرقً، بل نسير على الْخط الذي رُسًمَ لنا، لن نَحيد عنه قيدَ أنْمُلة يَميناً أو شًمالا، فسوف نقع فًي طُرُقً الغوايةً والضلالً. وفي معنى (القرَّاءُ): قال الْحافظُ فًي الفتحً (13/257) :والْمُراد بًهًم العلماء بالقرآنًوالسنَّة العبَّاد.اهـ

وفي العدد القادم بإذن الله سوف نكمل مقالنا مع القرون الثلاثة، والحمد لله رب العالمين.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 30/7/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:33 PM
(إًنَّ الَّذًينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)


الإسلامُ بين الاستقامةً المشروعة والوسطية!

الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

ذكرنا في العددأدلة الاستقامة من كتاب الله عز وجل ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن أقوالالصحابة ونكمل الحديث في هذا العدد، فأقول مستعيناً بالله:

من رسم بالإمامة في السنة والدعوة والهداية إلى طريقالاستقامة بعد رسول الله إمام الأئمة

رابعاً: القرون الثلاثة

سنذكر كثيرا من أهل العلم والفضل مًمّن عُرفوابالسُّنةً والدعوة والْهداية إلى طريق الاستقامة، لَم يَنحرفوا عن الْجادةالْمُستقيمة، ولَيس فيهم من سلك طريق الأشاعرة والصوفية والفرق الباطنية، بل عُرفوابالْحديث والسنة والأثر، دعوتُهم ظاهرة، وطريقتُهم مُعلنة، ساروا علَى إثًرالنَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم ونَهجوا نَهجه. قال اللالكائي فًي شرح أصول اعتقادأهل السنة والْجماعة (29/1): باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة، والدعوة،والْهداية إلَى طريق الاستقامة، بَعْدَ رسول الله إمام الأئمة.

(فمن الصحابة)

قال: (فمن الصحابة): فذكر خلقا من الصحابة منهم العشرةوعائشة وأم سلمة، وترك الكثير اختصارا، ثُم ذكر خلقا من التابعين ومنتبعهم.

(ومن التابعين ثم من بعدهم)

(ومن التابعين): من أهل المدينة: من الطبقة الأولَىذكر جُملة من العلماء على رأسهم سعيد بن الْمسيب وعروة بن الزبير، ومن الطبقةالثانية ذكر نفرا على رأسهم الزهري، وفيهم جعفر بن محمد الصادق، ومن الطبقة الثالثةذكر مَجموعة من أهل العلم والفضل» وعلى رأسهم مالك بن أنس إمام دارالْهجرة.

ومن أهل مكة أو من يُعد منهم: عطاء، وطاووس، ومُجاهد، وابن أبيمليكة، ومن بعدهم فًي الطبقة: ذكر جُملةً من أهل العلم فيهم محُمد بن إدريسالشافعي، وسفيان بن عيينة.

ومن أهل الشام والجزيرة أو من يعد فيهما منالتابعين: وذكر فيهم رجاء بن حيوة، وعبد الكريم بن مالك الْجزري، ثم من بعدهم: وذكرخلقاً من أهل العلم على رأسهم الأوزاعي، ثم من بعدهم: وفيهم أبو مسهر عبد الأعلى بنمسهر الدمشقي.

ومن أهل مصر:حيوة بن شريح، والليث بن سعد، وعبد الله بنلهيعة،ومن بعدهم: وذكر مشاهير منهم: عبد الله بن وهب، وإًسْماعيل بن يَحيَىالْمُزَنًي والبويطي، والربيع بن سليمان الْمُرادي.

ومن أهل الكوفة: ذكر مايزيد على ثَمانيي وعشرين نفسا، وفيهم الشعبي، والْحَكم بن عتيبة، وسفيان الثوري،وشريك بن عبد الله القاضي، ووكيع بن الْجراح، وأبو أسامة حَماد بن أسامة، وأبو نعيمالفضل بن دكين، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وأبو كريب محمد بن العلاءالهمذاني.

ومن أهل البصرة: ذكر خلقاً فيهم الْحسن البصري، ومُحمد بن سيرين،ومن بعدهم: ذكر جُملةً من أهل العلم منهم أيوب السختياني، وسليمان التيمي، وحَمادبن سلمة، وحماد بن زيد، ويَحْيَى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وعلي بنالْمَديني.

ومن أهل خراسان: ذكر مشاهير من أهل السنة والْحديث فيهم عبد اللهبن المبارك، ونعيم بن حماد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهويه، ومحمدبن نصر المروزي، ومُحمد بن يَحيَى الذهلي، ومُحمد بن إًسْماعيل البخاري، ويعقوب بنسفيان الفسوي، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، وأبو عبد الرحمن النسائي،ومحمد بن عيسى الترمذي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة.

ومن أهل الري: ومن أعلامهمالرازيان: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، وأبو حاتًم مُحمد بن إدريسالْحنظلي، وفي الطبقة التي بعدهم: ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتًم.

وذكر غيرهممن أهل الْموصل وطبرستان.

ذكر اللالكائي رحمه الله دعاة الاستقامة وحَملةالعلم وأرباب الشريعة، ورواة الْحديث، وحراس العقيدة، من الصحابة والتابعين ومنبعدهم، فلا يوجد بلد قد ظهر فيه العلم وانتشر» إلا ودعاة السنة والاستقامةوالْمعتقدات السليمة» هم أهل الديانة والعلم وحَملة لواء السنة، يُحاربون البدع وكلمُحدثي فًي الدين من الْمُعتقدات والأقوال والأفعال، لذا فلا غرابةَ أن لا تَجدفيهم من تلفظ أو جعل ديدنه هذه الْمُفْردة الْمُنكرة، ودعا إلَى الوسطية الْمحدثةفًي ذلك الزمان.

هل الوسطيةُ مَطلب شَرع؟!

أين الدليل من كتاب الله؟ بالنص والبرهانً على أنالوسطية مطلوبة شرعا فًي الْمُعتقدات والعبادات والْجواب: لن تقف على شيءي من ذلك،وقال الله فًي مُحكم التنزيل: (ما فرطنا في الكتاب من شيء) (الأنعام: 38)، وقال: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) (النحل: 89) أي: ما تركنا شيئا من أمر الدين» إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مُجملة يُتلقىبَيانُها من الرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالَى: (وما آتاكم الرسولفخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7).

الوسطيةُ وجَمع شَمْلً الإًنسانيّة

فأين الأدلة والبراهين؟! حتّى نتفق ولا يثار خلاف بينالْمسلمين بًمفردات شَاذَّة ظاهرها مَجهول وباطنها ظلمات وأنفاق،لكل ديانة نفق،ولكل ملة نفق، ولكل فرقة نَفَق، ولكلًّ طائفة نفق، أنفاق تنتهي إلَى نفق كبير» ونفقالوسطية مَجمع الأنفاق» هًيَ التًي جَمعت شَملها، وقَرَّبَتْ بَين مُتَفرقها،وَآلفَتْ بين مُخْتلفها، فهل الوسطية معنَى لًجَمعً شَمْلً الإنسانية؟! إننا لَمنقف على شيء مُحرر يُعَرّفُ الكفرَ، ويُحددُ موقف الْمُسلمين من الكفار، ولَم نرىبَحثاً فًي الطوائف والفرق مبيناً موقف أهل السنة والْجماعة من مُختلَفً الْمًللوالنحل» حَتَى يَتَسَنَّى لنا ولكل باحثي عن الْحقًّ» مَعْرًفَة هَويةًالوَسَطًيًّيْن، إننا نقول وبأعلى صوت: لا لًجمع الناس إلا لعبودية الله الواحدالقهّار تَحتً رايةً التوحيدً» طاعةً لله ولرسوله، ولنا ما رواه البخاري في صحيحه (7281) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالَى عنهما، يقول: جاءت ملائكةُ إلَىالنَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم، وهو نائم، فقال بعضهم: -إلَى قوله-: فمن أطاعَمُحمداً صلى الله عليه وسلم» فقد أَطاعَ الله، ومن عصى مُحمداً صلى الله عليه وسلم» فقد عصى الله، وَمُحمدي صلى الله عليه وسلم فَرْقي بَيْنَ النَّاسً. وَفًي رواية فيالصحيح: فَرَّقَ بين الناسً.

تَسويقُ الوسطيةً والدَّعوةُ إلَىالْمَجهول

وأين الدليل من سُنةً رسول الله صلى الله عليه وسلم؟الذي أُوتًي جَوامعً البيانً والكلم،والدليل ما رواه البخاري (7013) ومسلم (523) فيصحيحهما مًنْ حَدًيثً أَبًي هريرة رضًيَ الله عنه، عن رسولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُعَلَيهً وسلم أَنَّهُ قال: «أُوتًيتُ جَوَامًعَ الكَلًمً». وكان رحيما بأمته ما تركلفظا ومعنَى يُقَرّبُها إًلَى الْخير» إلا ودل أمته عليه، وبَيَّنَهُ بًأَفضلًعبارة وأَحْملً سًياق.فالعجب كل العجب! من جرأة البعض علَى تسويق مفردة الوسطية،ودعوة الناس إلى الْمَجهول... كيف يطالبنا الوسطيون بأن نسلك أوسط الطرق ؟! أيهاالوسطيون! طالبونا بالواضح الْمبين، وبًما شُرًع بالبراهين» حتّى نستجيب لدعوتكم،فالطريق الذي يُبْنَى على تأصيلي صحيح» نسلكه بلا شك أو تردد وبالله نستعين.سَمّوالنا رًجالكم...فالوسطيةُ شَجرةي لا أصل لَها!بَحثنا عن دليلي عن الوسطية ونص منكتاب الله فَلم نقف على شيء، وكذلك فًي السنة سواء كان ذلك فًي كُتُبً الْحديثالْمَعروفةً أو الكتب التًي صنفت فًي مسائل الاعتقاد كـ (كتاب السنة لعبد الله بنحنبل، والسنة للبربَهاري، والسنة لابن البناء، والسنة لابن أبي عاصم، والشريعةللآجري) وغيرها كثير. والذي وجدناه» أن القول: بالاستقامة له مرجع، فالأدلة كثيرةفًي الكتاب والسنة، وأقوال الْمُتقدمين والْمُتأخرين من علماء الأمةً، والقولبالوسطية» لا يوجد له مرجع من نصوصً الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة. وحيث لا دليلولا برهان فًي الْحديث والقرآن، فَسَمّوا لنا رجالكم الذين قالوا بًهذه الْمَقالةً،وقاموا على إطلاق عنوان الوسطية (جامع السلوك الإنساني) على اختلاف الديانات، فلاوسط فًي الْمعتقدات والعبادات» بل الاستقامة على الإسلام، والوسط يكون فًي العاداتالإنسانية، والسلوك البشري، من نوم وأكل وكلام وغيره، بعيدا عن العقيدة والعبادة،فهو الذي يطلب فيه التوسط، وعليه يَجتمع فًي هذا الوسط الذي ذهبوا إليه» كافَّةُالناسً من يهود ونصارى، وهندوس ومَجوس وغيرهم.

الوسطيةُ دين فَرْد وليس دين أمة شُرًعَ بالكتابًوالسنة

ولقد وجدنا أن الوسطيةَ شجرة لا عروق لَها، والْهويةمفقودة فًي القرون الثلاثة» قرون الْخير التًي جمعت التقدم والفضل، واعلموا أنه لَميناد أحدُ العلماء بًهذه الدعوة، ومرت القرون، القرن تلو الآخر، حتَّى جاوز أربعةعشر قرنا، ورغم بروز الْمشاهير من العلماء» الذين تَمَيَّزوا بالذكاءً والْجدوالاجتهاد، والفطنةً، والتَّفَنن فًي اختيار الألفاظ والْمفردات، التًي تُعين علىفقهً الدينً، وفهم الكتاب والسنة، وتقريب العبارات إلَى الأذهان والعقول، بل كانفًي الأمة علماءي كالْجبال، برعوا فًي العلوم ذاتًها وآلاتًها وما تركوا شيئا منأمرً الدينً إلا وضربوا فيه بسهمً البيانً والتسهيل، ومع ذلك لَم نر أحدا من هؤلاءالعلماء يطلق صيحةَ الوسطية» منقذا للأمة من الاخفاقات التًي مرتبًها.

والبين أنه لا يقول بًها إلا الْمؤسس الْمُعاصر، فأصبح فهم الْمعنَىمنه وإليه، ومُحاولة الْحكم والتقييم أمر عائد إلَى الْمُؤسس ومالك التنظير. فلاكتاب الله ينصر الوسطية ولا فًي سنة رسوله ما يشفع للْمَذهب الْجديد، وعلماء الأمةلَم يكلفوا الدخول من سَمًّ الْخياطً لفهم دين السماحة والرَّحَمة. وفي الْخًتامًعند التنازع نَجد أن الاستقامة تستند إلى وفرة من الأدلة والبراهين التي تكشفمبناها وتحرر معناها ولا نَجد للوسطية مرجعا من كتاب الله أو سنة نبيه أو قول صاحبـ وما الدين إلا ذاك ـ لا نَجد إلا ما أطلقه الْمُؤسس الْمُعاصر، وسَوّق له،وأذاعه، وابتكاره من بنات أفكاره، نراه دينَ فَرْد وليس دينَ أمة شُرًعَ بالكتابًوالسنة.

د. عبدالعزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 6/8/2007

جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:36 PM
(الْمَسألةُ خلافية لماذا؟!)..وشريعةُ اللهً لا تقبلُ الاختلاف

تقديم آراء الرجال هو منبع الخلاف

شريعة الله لا تقبل الاختلاف وما كان وضعا بشريا من الأقوال والآراء التًي وضعت على خلاف الوحيً، مصدرها أقوال وآراء الرجال، بعيدا عنالكتاب والسنة، وبثّت فًي دواوين الفقه، وكتب الاعتقاد، كالداءً يفتك بالْجسدً،ونشرت بين عباد الله في كل البلاد» حتَّى أصبحت هًي الْمَرجع فًي مسائل الدين عامة،إلَى ألئك الذين تركوا الْحقَّ وشَرَّقوا وغَرَّبوا فًي ظلماتً بَحر الفلك فيهأقوال الرجال، نقول: حذر الله سبحانه وتعالَى من هذا الْمنهج وتلك الطريق بقوله: (اتَّبًعُواْ مَا أُنزًلَ إًلَيْكُم مًّن رَّبًّكُمْ وَلاَ تَتَّبًعُواْ مًندُونًهً أَوْلًيَاءَ قَلًيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ)[الأعراف:3] والْمُرادُ بًما أنزلإليكم» هو كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنةالْمُبينة له، ولا يغرنك زخرف القول وآراء الرجال، وقال:(وَاتَّبًعُواْ أَحْسَنَمَا أُنزًلَ إًلَيْكُم مًّن رَّبًّكُمْ مًّن قَبْلً أَن يَأْتًيَكُمُ الْعَذَابُبَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ)[الزمر:55]، والْخوف على من سلكَ غير هذاالسبيلً فسيكون حكمه والْمُنافقين واحد، فالعًبْرةُ بعمومً اللفظً لا بًخصوصالسببً، لقوله تعالَى: (وَإًذَا قًيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إًلَى مَا أَنزَلَاللَّهُ وَإًلَى الرَّسُولً رَأَيْتَ الْمُنَافًقًينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً)[النساء:61]، وأَخْبَرَ خَيْرُ البشرً عن نَفْسًهً إن ضل فهذا كائنبًمخالفةً الوحي، وإن كان علَى هدى فذلك بًموافقة الكتاب والسنة، لقولهتعالَى:(قُلْ إًن ضَلَلْتُ فَإًنَّمَا أَضًلُّ عَلَى نَفْسًي وَإًنً اهْتَدَيْتُفَبًمَا يُوحًي إًلَيَّ رَبًّي)[سبأ: 50].

تَقديْمُ آراءً الرجالً علَى الكتابً والسُنَّةً

تَقديْمُ آراءً الرجالً هو منبعُ الْخلافً، والأصلُالذي قام عليه الاختلافُ، وَصارَ الشَّرعُ الواضحُ الْمُبين يُعرف عند كثير منالْمُنحرفين أن الشريعة: [دين خلافيات]، ولك أن تأخذ بأي الآراء شئت، فحيثما تيممتوقصدت» فلن تَخرجَ عن هذا الدين الْمُحدث، وما زلت وسطيا فًي دائرة الْخلافيات،أينما ذهبت» وبأي قول قلت، فأنت مسبوق إليه، ولك سلف في كل مذهب، حقاً كان ذلكالْمَذهب أو باطلا، وليس من الغريب أن يصل هذا التأصيل الفاسد دعوة الأنبياءوالْمُرسلين: مسائل التوحيد والاعتقاد، حتَّى جُعلت من [دين الْخلافيات]، وخرج علَىأمة مُحمد صلى الله عليه وسلم بعض الْمُعاصرين يدينون بالْمُحدثات، ويدّعون أن أصولالاعتقاد وتوحيد الله عَزَّ وَجَلَّ (مَسائًلَ خًلافًيَّة) بين سلف الأمةً والْخلف،وحجتهم أَنَّ لَهم سَلف فًي ذلك ومن أشهرهم حامل لواء الكفر وزعيمه، مُحدث أعظمخلاف فًي توحيد الله صاحب الفصوص ابن عربًي وتلميذه إبليس ناشر دعوته وناصر منهجهومُحيي بدعته فًي كل عصر ومصر.

الردُّ عندَ التنازعً إلَى الشريعةً إًيْمان

قال تعالَى:(فَإًن تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْء فَرُدُّوهُإًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً إًن كُنتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً)[النساء: 59]، إذا ردت مسائل الشرع إًلَى الكتاب والسنة، نَجد القولَوالْحقَّ واحد، وتتفقُ أقوالُ الناسً ولا تَختلفُ القلوبُ، وهنا لا يقع خلاف، وفًيقوله: (إًن كُنتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً)أي: أن ما يذهب إليهكثير من الناس من رد التنازع فًي الْمسائل إًلَى غيرهما لَم يكن يؤمن بالله، حيثعلق الرد بالإًيمانً، والتعويل فًي مسائلً الشَّرعً إلَى قول الأمامً والشيخًوالْمَرجعً وغيْرًهً مًمَّا زَيَّنه الشيطانُ من الأقوال، قال الله فيه: (أَمْلَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مًنَ الدًّينً مَا لَمْ يَأْذَن بًهً اللَّهُ)[الشورى:21]، ومع تعدد الْمُشرعين لا مَحالة من وقوع الاختلاف ونشأةالْخلاف، وهنا نبتت مَقولةُ الْمُقَلًّدةُ: (الْمَسألة خلافية)، والتًي جعلها البعضدينا وذهب يُفتيً بًها فًي كُلًّ ما يعرض له، ويَحسم به مسائل الدين معتقدا أَنَّهافي مَقَامً الْمُنْزلً من السماءً والعياذُ بالله.

قال ابن القيم رحمه الله:

العلـم قال الله قال رسـوله

قال الصحابة ليس خلف فيه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة

بين الرسول وبين رأيسفيه

كلا ولا نصب الخلاف جهالة

بين النصوص وبين رأي فقيـه



وهي تشابه ما قاله الْحافظ الذهبًي رحمه الله:

الفقـه قال الله قال رســوله

إن صح والإجماع فاجهد فيه

وحذار من نصب الخلاف جهالة

بين النبًي وبين رأي فقيــه

(طَريقُ الْحَقًّ واحدة لا تَختلفُ وطَرائًقُ الباطلً كثيرة)

الشَّريعةُ تُوحّدُ الطريقَ وأهلُ الأهواءً يُفرقون، وكل من تَحاكم إلَى غيرً الكتابً والسنةً وجانب الْحق وطريق الْهدى فإنه ضال حيثماتوجه لأن الْحق واحد، ومنهجه واحد متحد» يصدق بعضه بعضا، قال تعالَى: (قل هل يستويالأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور)[الرعد: 16]، وقال: (الله ولًي الذينآمنوا يخرجهم من الظلمات إًلَى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونَهم منالنور إلَى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون)[البقرة: 257 ]، وقال تعالَى: (وجعل الظلمات والنور)[الأنعام:1]، وقال: (يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلامويُخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم)[المائدة : 16].

وَحد النورَ وجمعَ الظلمات ووحد سبيلَ اللهً وجمعَالسُّبلَ

شريعة واحدة، والْحقُّ واحد، والسبيلُ واحد، ولًهذاوحد الله تعالَى لفظ النور وجَمع الظلماتً، لأن الْحق واحد، والباطل يتشعب ويتفرق،وقال تعالَى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) فوحد سبيله وجَمع السبل، لتفرق طرقها وتشعبها، وقال تعالَى: (عن اليمينوالشمائل)[النحل: 48]، والأدلة كثيرة فًي هذا الباب الذي يُبَيًّنُ تَفَردالْحقًّ.

وانتشار الباطل، وتفرقه، واختلافه، وأصبح شعار هذه الطوائف قولهم: (فًي الْمَسألة خلاف)، وهذا الشعار هو علامة أهل الباطلً ودينً الْخلافيات الذيعرفوا به.واللهم احفظ الْمسلمين من الْخلاف والْحمد لله ربالعالَمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 18/6/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:39 PM
(لا تَغلًبَنَّكُم الأَعرابُ على اسمً صلاتًكُم)

من الغرابة أن يستدل لمشروعية الديموقراطية بأدلة الشورى التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة

كتب:د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبًيّ بعده» أما بعد:

إن من يخالط الناس ويبصر ويسمع كثيرا مما يقال، عند تناول أدنَى مسألة، سواء كان من عوام المسلمين أوالمتعالمين أو طلبة العلم و المشايخ» يجد أَنَّهم بلا تأصيل واقعون تحت تأثيرمعرفًيّي غير مُحدد، يتغير بتغير الزمان والمكان، ما بين مَقروء ومَسموع ومَرئًيّ،فالمعلومات مُنوَّعة، والأفهامُ مضطربة، وعقول أكثر الناس تركوهامُشَاعة.

فجعلت أُصبعَيَّ في أُذُنَيَّ

وكان عليهم تحصين أنفسهم وحماية عقولهم وقلوبهم، كماثبت وصح عن أبي هريرة في مسند أحمد (2/387) قال أبو هريرة: (فجعلت أُصبعَيَّ فيأُذنَيَّ، ثم صحت، فقلت: صدق الله ورسوله الله الواحد الصمد لم يلد ولم يولد ولميكن له كفوا أحد. ولذلك لا تنتظر وفاقا بين الناس و اتفاقا، فإنه من الطبيعي أنتكون النتائج مُختلفة، إن لَم تكن متضادة، فعندما لا يكون أصل التلقي والتوجيهواحدا» فَسَتَخْرًجُ عقولا تَحمل أفكارا مختلفة، وأفهاما متفرقة، وهذا جعل بعضالناس كلّي يُغَرًّدُ في وادي، و أكثرهم لا يعرف طريقاً للاتحاد. وما نراه من الخبطالكثير فًي الدين والغلط الفاحش هو بسب الألفاظ الموهمة والعبارات المجملة التيتؤدي إلى طرائق مختلفة، تخالف الحق وتحرف الخلق.

التمسك بلغة الكتاب والسنة لفظا ومعنى

ولذا نجد من الضرورة الدعوة إلَى الْمحافظة علىالأسْماء والمصطلحات والألفاظ الشرعية، قال تعالَى: *فَإًنْ آَمَنُوا بًمًثْلً مَاآَمَنْتُمْ بًهً فَقَدً اهْتَدَوْا وَإًنْ تَوَلَّوْا فَإًنَّمَا هُمْ فًي شًقَاق * [البقرة: 137]، أي: في خلاف، وفرقة، ومنازعة، وقد بُليت الأمة بالخلافات، ونشأتالفرق لًما حدث من تعدي على الألفاظ الشرعية ولغة الكتاب والسنة، قال تعالَى: *يَاأَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تُحَرًّمُوا طَيًّبَاتً مَا أَحَلَّ اللَّهُلَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إًنَّ اللَّهَ لاَ يُحًبُّ الْمُعْتَدًينَ* [المائدة: 87]،وبلغت بًهم مجاوزة الحد إلَى أن ذهبوا إلَى استحداث أَسْماء غَيْرَ الأسْماءالشرعية، وألفاظ غير ألفاظ الكتاب والسنة، وتناولوا العقائد والعبادات بلغةواصطلاحات غير التي كان عليها المسلمون فًي القرون الأولَى، ولن يصلح آخر هذه الأمةإلا بًما صلح به أَوَّلُها، فمن أعرض عما عليه الأوائل، وطلب الحق في غيره، يصدقعليه وأمثاله، قول الله تعالَى: *اسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى* [فصلت: 17]، وقال تعالَى: *بًئْسَ لًلظَّالًمًينَ بَدَلا* [الكهف:50].

الأخذ بالألفاظ الشرعية وتجنب الألفاظالمحتملة

أولا: روى البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن مغفلالمزني رضي الله عنه، أَنَّ النَّبًيَّ صلى الله عليه وسلم قال: »لا تَغْلًبَنَّكمالأعراب على اسم صلاتكم المغرب«، قال: »وتقول الأعراب: هي العشاء«. وروى مسلم (644) في صحيحة من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: سَمعت رسول الله صلى اللهعليه وسلم يقول: ((لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمونبالإبل)). فقد يترتب على تَغَيُّر الاسم واستبداله أمور:

التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأيأحد

(1) هجر الاسم الشرعي الذي اختاره الله وسَمَّاه فًيكتابه، وَسَمَّاه به نبيّه، والنهي جاء حتى لا يكون ذريعة لًهجر الاسمالأول.

(2) قال بعض أهل العلم: العادة أن العظماء إذا سَموا شيئاً باسم» فلايليق العدول عنه إلى غيره، لأن ذلك تنقيص لهم، ورغبة عن صنيعهم، وترجيح لغيره عليه،وذلك لا يليق.

(3) قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري (2/207): باب مَنْكَرًهَ أَن يقال لًلمغرب العشاءُ. قال المهلب: إًنَّما كره أن يقال للمغرب العشاءوالله أعلم» لأن التسمية من الله ورسوله لا تترك لرأى أحد لقوله تعالَى: *وَعَلَّمَآَدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ* [البقرة : 31]

.

هجرالاسم الشرعي للصلاة أخل بًمواقيتها

(4) يقع الخلل فًي وقت صلاة المغرب والعشاء تبعا للاسمالمنقول إليه، فيحصل تغيري في أوقات الصلاة وتأخيري لَها. قال البغوي في شرح السنة (2/221): معنى الحديث: لا يغرنكم فعلهم هذا عن صلاتكم فتؤخرونَها، ولكن صلوها إذاحان وقتها.اهـ ولذلك تجد كثيرا من العبادات هجرت وذهبت معالمها لطمس أسمائها. قالابن القيم في زاد المعاد (2/319): وهذا محافظة منه صلى الله عليه وسلم علىالأَسْماءً التًي سَمَّى اللهُ بَها العبادات فلا تُهجر، ويؤثر عليها غيرها، كمافعله الْمُتأخرون فًي هجران ألفاظ النصوص وإيثار الْمُصطلحات الْحادثة عليها، ونشأبسبب هذا من الجهل والفساد ما الله به عليم.اهـ

تجنب الألفاظ المجملةوالمحتملة والموهمة

ثانيا: قال الله تعالَى:*يَا أَيُّهَا الَّذًينَآَمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا* [البقرة: 104]، وفي قوله: *لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا*» أي : وراعنا من المراعاة، وأرعنا سَمعك» أي: فرغهلكلامنا، واليهود يحرفونه يريدون به الرعونة، وقال في تاج العروس: «لا تَقولواراعًنا» فإنَّهم إنَّما نُهوا عن ذلك لأنَّ اليَهودَ كانوا يقصدون استعمالَه منالرُّعونة لا من الرًّعاية، وفي قوله: *وَقُولُوا انْظُرْنَا*» أي: أفهمنا وبينلنا، أو أمهلنا، أو أقبل علينا وانظر إلينا، وكان المسلمون يقولون لرسول الله صلىالله عليه وسلم إذا ألقي عليهم شيئاً من العلم: راعنا، وجاء النهي عن هذا اللفظ،فإنه كان بلسان اليهود سباً، فلما سَمعوا المسلمين يقولون للنبيّ صلى الله عليهوسلم راعنا» طلباً منه أن يراعيهم من المراعاة، وجدوها فرصة وسبيلا، وكانوا يقولونللنبي صلى الله عليه وسلم: راعنا كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي،مُبْطًنًين أَنَّهم يقصدون السبَّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم، فنُهًيَالمؤمنون عنها، وأمروا بًما هو في معناها وهو: *وَقُولُوا انْظُرْنَا*» أي: أقبلعلينا، وانظر إلينا.

وإليك فوائد من هذا الدليل:

(1) أنه ينبغي تجنبالألفاظ المحتملة للسبّ، والنقص.

(2) في تجنبها سدي للذريعة ودفعي للوسيلة،وقطعي لًمادة الفساد، وإن لَم يقصد المتكلم بَها ذلك المعنى المفيدللشتم.

(3) أمر الله المؤمنين بأن يخاطبوا النبيّ صلى الله عليه وسلم بًمالا يحتمل النقص، ولا يصلح للتعريض:

(أ): لئلا يتخذ ذريعة إلَى سب النبي صلىالله عليه وسلم. (ب): وكي لا يشتبه بًمن يريد شرا بَهذا الدين فتمنع الألفاظالموهمة حتى يميز الصالحمن الطالح. (ج): وحتى لا يتكلم الناس بألفاظي تحتمل معانيَفاسدة. (د) يستفاد منه أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

الابتعاد عن الإسلام النقي الأصيل

ـ لا تغلبنكم المقلدة على عبادتكم: مُجاوزة الحدًّ فيتعظيم المذهبيين لمذاهبهم» جعلهم لا يرفعون رأسا لكلام الله وكلام رسوله، وتبع ذلكابتعاد ومعاداة للإسلام النقي الأصيل، فلا يصرفنكم أحدي عن محبة نبيكم، وعبادة ربكمعلى الوجه الشرعي، وانظر إلى قول الشوكاني في تفسيره الموسوم بـ (فتح القدير): أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولَم يبق في أيديهم سوىقال إمام مذهبنا: كذا، وقال فلان من أتباعه: بكذا، وإذا سَمًعوا من يَستدلَّ علىتلك المسألةً بآية قرآنية أو بًحديث نَبَويّي سخروا منه، ولَم يرفعوا إلى ما قالهرأسا ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهمالذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتَّى جعلوا رأيه القائل،واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدما على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله، فإنالله وإنا إليه راجعون، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها ؟! والأئمة الذين انتسب هؤلاءالمقلدة إليهم برآء من فعلهم، فإنهم قد صرحوا في مؤلفاتهم بالنهي عنتقليدهم.اهـ

*وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ*

ـ لا يغلبنكم أحد على اسم الشورى: يتناقل بعض الناساسم (الديموقراطية المستوردة) بديلا عن الشورى، وهما يختلفان اختلاف الليل والنهار،ونقول يسعنا ما وسع المسلمون في الخلافة الراشدة، والعهد الأموي والعهد العباسي،فأسوأ مرحلة في إدارة الدولة وسياسة الشعوب في ذلك العهد، تفوق المرحلة الذهبيةللديموقراطية في أي بلد كان، ومن الغرابة أن يستدل لمشروعية (الديموقراطية) بأدلةالشورى التي جاء ذكرها في الكتاب والسنة، قال الله تعالَى: *وَشَاوًرْهُمْ فًيالأَمْرً*[آل عمران: 159]، وقال تعالَى: *وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ* [الشورى: 38]،أي: ذو شورى لا ينفردون برأي حتى يجتمعوا عليه، وقال الراغب: الْمَشورة استخراجالرأي بًمراجعة البعض إلَى البعض، من قولًهم: شرت العسل وأشرته استخرجته، والشورىالأمر الذي يتشاور فيه.

القول ممن لا يستشير أهل العلم والدين

قالالقرطبي فًي التفسير: قال ابن عطية : والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، منلا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه، وقد مدح الله المؤمنينبقوله: *وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ* [الشورى: 38]، قال أعرابي: ما غبنت قط حتىيغبن قومي قيل: وكيف ذلك ؟ قال لا أفعل شيئا حتى أشاورهم وقال ابن خويز منداد: واجبعلى الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوهالجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراءوالعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتًها، وكان يقال: ما ندم من استشار وكانيقال: من أعجب برأيه ضل. اهـ ولذا ثبت في السنة استشارة النبي صلى الله عليه وسلملأصحابه، فقد روى البخاري (7370) في صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسولالله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فحمد الله وأَثنَى عليه وقال: ((ما تشيرون عليفي قوم يسبون أهلي ما علمت عليهم من سوء قط). والشورى دأب أصحابه من بعده.

ـلا تغلبنكم المعطلة على أسماء ربكم وصفاته: ولا يعبث الفلاسفة وأهل الكلام بعقائدالمصلين.

ـ ولا يغلبنكم أحد على اسم شعيرة من شعائر الإسلام، و في هذا العملحفظ للدين، والحمد لله رب العالمين.



د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 14/4/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:41 PM
(وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا)


كلما فشي الْجهل واندرس الإسلام، ظهرت الْخرافات وعَلَتْ شعاراتُ الكفروانتشرت، وانْحرف العباد عن ذلكم الدين القيم، قال تعالَى: (فَأَقًمْ وَجْهَكَ لًلدًّينً حَنًيفًا فًطْرَةَ اللَّهً الَّتًي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَتَبْدًيلَ لًخَلْقً اللَّهً ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ وَلَكًنَّ أَكْثَرَالنَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ )[الروم: 30]، وابتلًيَ كثيري من الْخلقً بالبدع والْمَعاصي وسيئ الأخلاق، فأفسدوا فًي البلاد ولوَّثوا عقائد العباد، والله سبحانهوتعالَى يقول: (وَلاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إًنَّ رَحْمَةَ اللَّهً قَرًيبي مًنَ الْمُحْسًنًينَ) [الأعراف:56]، ويقول تعالَى: (يَا قَوْمً اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مًنْ إًلَه غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيًّنَة مًنْ رَبًّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَوَالْمًيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسًدُوا فًيالأَرْضً بَعْدَ إًصْلاَحًهَا ذَلًكُمْ خَيْر لَكُمْ إًنْ كُنْتُمْ مُؤْمًنًينَ) [الأعراف: 85]، فكان أن بعث الله رسله لتجديد العهد بالتوحيد ونبذ الشرك، ونشرالفضيلة، ومفارقة الرذيلة، قال الله تعالَى: (رُسُلا مُبَشًّرًينَ وَمُنْذًرًينَلًئَلا يَكُونَ لًلنَّاسً عَلَى اللَّهً حُجَّة بَعْدَ الرُّسُلً وَكَانَ اللَّهُعَزًيزًا حَكًيمًا ) [النساء: 165]، بعث الله الأنبياء والرسل لبيان دعوة التوحيد،وتوضيح شهادة أن لا إله إلا الله، وتصحيح العقائد الفاسدة، والْمفاهيم السائدة،وتقويم الْمناهج الْمُنحرفة» فًي عالَم فسد فيه كثير من الْخَلْقً، وصار دين الناسخليطا من الخرافات والبدع.

فساد العقيدة والمنهج إفساد فيالأرض

إعلان التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وإخلاص العبودية لله الواحدالقهار، فيه صلاح للمُعْتقد وهو رأس الأمرً فًي صلاح الأرض، وتطهيرها من الفساد،فلا يشرك مع الله أحدا غيره، ولا يعبد سواه، قال تعالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجًدَلًلَّهً فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهً أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُاللَّهً يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهً لًبَدًا قُلْ إًنَّمَا أَدْعُورَبًّي وَلاَ أُشْرًكُ بًهً أَحَدًا) [الجن : 18ـ20]، وروى مسلم في صحيحه (2985) منحديث أبًي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال اللهتبارك وتعالَى: »أنا أغنى الشركاءَ عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري» تركتهوشركه«، فإن الله عز وجل لا يُشْرَك معه ملك مُقرب، ولا نبي مرسل، فلا تُعبدُأحجاري، ولا يُسجدُ لأشجار، ولا تُعبدُ القبور، ولا يُعَظَّم الصالًحون، ولاتُستَبْدَلُ الْمَساجدُ بًالْمشاهدً، ومن أجل صلاح الأرض، وتطهير البلاد والعباد» لا نُريد عودةً لانْحرافات ذلك العهد الْمُظلم، وتكراري لًما عليه الأمم والطوائفالسابقات من عقائد الشرك والخرافات، قال تعالَى: (وَلاَ تَكُونُوا مًنَالْمُشْرًكًينَ ) [الروم: 31]، ولنا ما رواه البخاري (1330)، ومسلم (531) فًيصحيحهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمرضه الذي لَم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى» اتَّخذوا قبور أنبيائهممساجد)،

عبادة البشر والحجر صورة تتكرر وأصلها واحد

ما انتشر منالعقائد الزائفة، وما يُشاهد من وُقوعي لًلدّهْماءً فًي الشركيات والبدع فًي بعضبلدان الْمُسلمين، والانْحراف الذي يُمارسه قيادات العوام، ورؤوس الْجَهْلًالْمُعاصرين» هو امتدادي لانْحرافات الأمم والطوائف السابقة، التًي سلكت سبيلاغَيْرَ سبيل الأنبياء والْمُرسلين، وأتباعهم من الْموحدين، وأمست تُمثل جزءاً منالتاريخ، تعكس صُوَر الظلام عبْر مراحل الإنسانية.

قال الله تعالَى: (وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلًهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًاوَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) [نوح:23]، والْمَعنَى مبيّني فيما رواهالبخاري فًي صحيحه (4920) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانتفًي قوم نوح فًي العربً بَعْدُ» أَمَّا وُدّ كانت لًكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاعكانت لًهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لًمُراد ثُمَّ لًبنًي غطيف بالجوف عند سبأ، وأمايَعُوقُ فكانت لًهَمْدَانَ، وأما نَسْري فكانت لًحمْيَرَ لآل ذي الكلاع، أَسْماءُرجال صالًحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إًلَى قومهم أن انصبوا إًلَىمَجالسهم التي كانوا يَجلسون أنصابا وَسَمُّوها بًأَسْمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْحتَّى إذا هلك أولئك» وَتَنَسَّخَ العًلمُ، عُبًدَتْ. وَفًي قوله: (هلك أولئك)» مَاتَ الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نُصًبَت، (تَنَسَّخَ العًلْمُ)» زالت معرفة الناس بأصل نصبها، وفي رواية: (نُسًخَ العًلمُ): أي» نسخ العلم بقصة تلكالصور وتاريخها وأسباب نصبها.

واليوم نشاهد هذه الأحداث وكأن الزمن قداستدار، نرى الأصنامَ والْمشاهد قد نصبت بًأَسْماءً الصالًحين، وعملوا علَى صرفالعبادة إلَى غير الله، كالسجود والطواف والدعاء والْمَحبة والاستغاثة والاستعانةوالخشية والخوف والخشية والرهبة، والاعتقاد بأن هذه الأصنام تضر وتنفع فتكشف الضروتدفع الكرب، فوقعوا فًي الشرك، وأختم مذكرا بكلمة التوحيد الجامعة: أشهد أن لا إلهإلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله» صلى الله عليه وسلم.

د/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 31/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:43 PM
أتاكم رمضان شهر مبارك


الحمد لله وحدهوالصلاة والسلام على من لا نبي بعده»أما بعدُ:

أقبل شهر رمضان، وصيام هذاالشهر» من أعمدة الدين وبناءه، ركن من أركان الإسلام الخمسة، وَيُعد من فرائضالإسلام المعلومة من الدين بالضرورة، ومن شعائر الدين في بلاد المسلمين، قالتعالَى:(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذًي أُنْزًلَ فًيهً الْقُرْآَنُ هُدًى لًلنَّاسًوَبَيًّنَات مًنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانً فَمَنْ شَهًدَ مًنْكُمُ الشَّهْرَفَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرًيضًا أَوْ عَلَى سَفَر فَعًدَّة مًنْ أَيَّام أُخَرَيُرًيدُ اللَّهُ بًكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرًيدُ بًكُمُ الْعُسْرَ وَلًتُكْمًلُواالْعًدَّةَ وَلًتُكَبًّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[البقرة: 185]، وَرَوَى البُخاريُّ (8) وُمُسلم (16) فًي صَحًيحَيهًما مًنْ حَديثًابنً عُمَرَ رَضًيَ الله عنهُمَا، قال: قال رسول اللهً صلى الله عليهً وسلم: «بُنًيَ الإسلام على خَمسي: شَهَادَةً أَنْ لا إًله إًلا الله، وأَنَّ مُحمدًاعَبدُهُ ورَسُولُهُ، وإًقَامً الصَّلاةً، وإًيتَاءً الزَّكَاةً، وَحَجًّ البَيتً،وصومً رَمَضَانَ».

الصيام عند رؤية هلال شهر رمضان

ويكون الصيام عند رؤية هلال شهر رمضان وإذا لَم يتمكنأحد المسلمين من رؤيته يُتًمُّ الناسُ عدة شهرً شعبان، ثُم يشرعوا في الصوم من غيررؤية، لًما رَوَى مُسلم فًي صَحًيحًهً (1080) من حَديثً عبد الله بن عُمَرَ رضيالله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرَ رَمَضَان فضربَ بيَدَيهً، فقال: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا»، ثُم عقد إبْهامه فًي الثالثة، «فصوموا لرؤيته، وأفطروالرؤيته، فإن أُغْمًيَ عليكم» فاقدروا له ثلاثين».وفي روايةي: «فَإًن غُمَّعليكم».

اسمُ شَهر رمضانَ

شَهرُ رمضان سُمّي بًهذا الاسم: لأنَّهم لَمَّا نقلواأَسْماءَ الشهور عن اللغة القديْمةً سَمَّوْها بالأزمنة التًّي وقعت فيها، فوافقناتق - وهو اسم لًهذا الشهر قديما- زمن الحر والرمض، أي وافق شهرُ رمضان أيامَرَمَضَ الحرّ فسُمّي بذلك. قال السيوطي في الْمزهر فًي علوم اللغة (1/174): وَأَسْماءُ الشهور فًي الجاهلية: المُؤْتَمر وهو المحرّم، وصفر وهو ناجر، وشهر ربيعالأول وهو خَوَّان وقالوا: خُوَّان، وربيع الآخر وهو وَبْصَان، وجمادى الأولَى: الحَنين، وجمادى الآخرة: رُبَّى، ورجب: الأَصَم،ّ وشعبان: عادل، ورمضان: ناتق،وشوَّالَ: وَعلْ، وذُو القعدة: وَرْنَة، وذو الحجة: بُرَك.

رمضانُ شهرُ خَير وفضل وَرَحمَة

وشَهرُ رمضان شهرُ خَيْر وفضل وَرَحْمَة كما رَوَىالبُخاريُّ (3277) وُمُسلم (1079) فًي صَحًيحَيهًما مًنْ حَديثً أبي هُريرةَ رضيالله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل شهر رمضان» فُتحتأبوابُ الجنةً، وغُلًّقَت أبوابُ جهنم، وسلسلت الشياطين».وفًي رًوايَة لًمسلم: «فتحت أبواب الرحمة»، وروى الترمذي (682)، وابن ماجه (1642) في السنَنً ما صَحَّمًنْ حَديثً أَبًي هُريرةَ رَضًيَ اللهُ عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: «إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضان» صفدت الشياطين، ومردة الجن، وغُلًّقَتأبواب النار» فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة» فلم يغلق منها باب، ويناديمُنادي يا باغي الخَيْرً! أَقْبًلْ، ويا باغيَ الشرًّ ! أَقْصًرْ، ولله عتقاءَ مًنَالنارً» وذلك كل ليلة».

وهذا الشهر فرصة متاحة للمواجهة مع النفس ومراجعتهاعن الأوقات التًّي ذهبت، والأيام التًّي سلفت، وهل العبد يقوم بالتكاليف الشرعيةعلى الوجه الذي يريده الله سبحانه وتعالَى، ويعبد الله بًما شرع وجاءَ بهً الرسولُصلى اللهُ عليه وسلم.

إنَّها فرصة... كيفَ وقد وُضًعت مَردةُ الشياطين فًيالأَغلالً وَرُبطت بالسلاسلً، وهي أيامي يقل فيها وقوع العباد فًي المعاصي، ويقابلهإقبالي على الطاعاتً والأعمال الصالحةً.

تهذيبُ النفس والانقيادُ للطاعةً

وأمام العباد فرصة للخضوع والتذلل والانقياد، وترويضالنفس على العبادات، والأخذً بالطاعات واتخاذها سبيلا إلى مرضاة الله عز وجل، وفًيالسنَّةً حَثي على ذلك» منها ما رَوَاهُ البُخاريُّ (1894)، وَمُسلم (1151) فًيصَحًيحَيهما مًنْ حَديثً أَبًي هُرَيرةَ رَضًيَ اللهُ عنه، أَنَّ رسول الله صلىالله عليه وسلم قال: «الصيامُ جُنَّةي، فلا يَرْفُثْ، ولا يَجْهَلْ، وإن امرؤقاتله، أو شاتَمه» فليقل إًنًي صائم (مرتين) والذي نفسي بيده» لَخلوف فم الصائمأطيب عند الله تَعالَى مًنْ ريحً الْمًسكً، يتركُ طعامَهُ وشرابَهُ وشهوتَهُ مًنْأجلي، الصيامُ لًي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالًها».

وفي الحديث فوائد:

1- «الصيامُ جُنَّة»: أي وقاية وسترة، وقال الحافظ فيالفتح: أنه سترة بحسب فائدته وهو إضعاف شهوات النفس اهـ

2- (فلا يَرْفُثْ): من الرفث وهو فحش القول والكلام، ويطلق أيضا على الجماع وعلى مقدماته.

3- (ولا يَجْهَلْ): لا يفعل شيئا من الجهالة والسفه والسخرية.

4- وإن سَابَّهُأَحدي أو شتمه» فعليه بالإعراض (فليقل إًنًي صائم مرتين).

5- (يترك طعامهوشرابه وشهوته): إلزام النفس بالخروج على المعهودً» وترك المباح، والانقطاع عنالشهوات بأنواعها، وذلك من أجل الله لقوله: (من أجلي)، فمن اعتاد على ترك المباح منأجل الله، وَرُوًّضَتُ النَّفْسُ على هذا» فإنه من باب أَولَى تَركُ الْمُحرماتًوالْمَنهيات من أجل الله تعالَى، وبًمثل هذه الأوامر والآداب الشرعية تروض النفسالبشرية على طاعة الله، ولا تنشغل عن العبودية بلهو الحياة الدنيا وما فيها منزخرفي زائل، قال تعالَى:(وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إًلا لَعًب وَلَهْووَلَلدَّارُ الآخًرَةُ خَير لًلَّذًينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقًلُونَ)[الأنعام: 32]، وقال: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلًيل وَالآخًرَةُ خَيري لًمَنً اتَّقَى) [النساء: 77]، اللهم! بلغنا شهر رمضان، ووفقنا إلَى طاعتك علَى الوَجْهً الذييُرضًيكَ عَنَّا، والحمد لله رب العالمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 3/9/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:45 PM
أحداث في عنيزة
(صالح القاضي وابن سعدي وابن عثيمين)



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعدُ:

كان في عنيزة (نجد السعودية) مساجد كثيرة؛ منها مسجد الضليعة الواقع في منطقة السوق، وكذلك المسجد الجامع الذي عُرف واشتهر لدى العامةوطلبة العلم والعلماء منذ أيام الشيخ صالح العثمان القاضي رحمه الله (1351) والذيتولى الإمامة والتدريس في المسجد الجامع في عنيزة، وهو شيخٌ لابن سعدي رحمه اللهومن في طبقته، وكانت له آثار علمية، جمع بعضاً منها حفيده الشيخ محمد بن عثمانالقاضي والذي يتولى الآن إمامة أحد مساجد عنيزة (نجد)، ولهذا الحفيد اهتمامبالتأليف والتصنيف، ولولم يكن للشيخ صالح القاضي من الثمار والآثار إلا تلميذه الفذالعلامة ابن سعدي رحمه الله لكفاه ذلك، ولقد زادت الشهرة لهذا المكان، وذلكمالجامع، مع الفترة الزمنية للشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي رحمه الله (1376) حيثتولى التدريس والإفتاء والتعليم بعد شيخه؛ الشيخ صالح العثمان القاضي، وبعدها ظهرتوبرزت في عنيزة (نجد) نهضة علمية لم تشهد تلك النواحي لها مثيلاً رغم وجود أكابرالعلماء، وشاع خبر تلك النهضة، وخبر رائدها الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه اللهبين العالمين، وطار الناس بعلوم الشيخ ابن عثيمين حتى بلغت الآفاق، وذهبت فتاواهبين الناس، وذاعت اخباره، فانتشرت كتبه ومصنفاته في كل مكان، وتوافد الطلابوالعلماء على عنيزة (نجد) الزاهرة، بل كان ولاة الأمر في تلك البلاد يأتون لزيارةالشيخ في مسجده، وفي بيته المتواضع - رفع الله منزلته في الدار الآخرة -، قالتعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواالْعِلْمَ} [المجادلة:11]، فلقد كان الشيخ ابن عثيمين شيئاً آخر في كل شيء، ولعلنانفرد له ترجمة تظهر حقيقة حمله الشريعة، وسيكون للتاريخ وقفات مع الشيخ محمد بنصالح العثيمين رحمه الله الذي ملأ الدنيا بذكراه العطرة.


الصدارة للعلماء ورثة الأنبياء


إن إرث الأنبياء وتركتهم هو العلم فمن أخذ به عُدَّعلى السبيل والطريق الذي سلكوه، وينبغي أن يكون موقف المسلمين من العلماء وطلبةالعلم على قَدْرِ القرب والبعد من هذا العلم بالكم والكيفية، ولذا لا بد من تفاوتدرجات العلماء والمشايخ وطلاب العلم، بحسْب ما معهم من إرث الأنبياء، ودليل قولنابأَنَّا لا نرى أحداً مؤهلاً لإرث الأنبياء إلا العلماء ما رواه أبو داود (3641)،والترمذي (2683) في «السنن» وهو حسن من حديث أَبي الدَّرْداء رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وإنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء»، وفي هذاالنص بيان بأنه لا حظ لمن لا يملك هذا الوصف في إرث الأنبياء، وليس له أن يتكلمنيابةً عنهم في مسائل الإيمان والإسلام والإحسان، وفيما يخص الشرع والمنهاج، بلإنها دعوة صريحة لصرف الأنظار عن كل شعار، وعن الأسماء والألقاب كـ (المُفكروالحركي والمُنظر...) التي تثير العواطف، فعبثت بعقول بعض الشباب، وهذه ألقابتزيَّن بِها أصحابُها لجذب الناس إليهم، وصرفهم عن العلماء الربانيين؛ الذين ورثواالعلم الحقيقي وهذه الأعمال تقوم على هدم الدين.


الأستاذ المفكر محمد قطب في عنيزة...!!


لقد رأيت بأم عيني في الأيام الزاهرة لعنيزة القصيمإِبَّانَ حياة الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ظاهرة فريدة، حيث كان مكتب الدعوة يقومعلى دعوة المحاضرين لإلقاء محاضرات في مسجد الضليعة ومن بعده مسجد الصالحية، وهوغير المسجد الجامع المعروف بـ (مسجد ابن عثيمين حالياً) الذي تولى التدريس فيه ابنعثيمين ومن قبله شيخه ابن سعدي رحم الله الجميع كما أسلفنا.

فلقد اجتمع عدد كبير لسماع محاضرة محمد قطب، ورأيتحشداً هائلا يحيط به ويرعاه، ولست أدري!! ما سِرُّ الاختيار لهذا الأستاذ ابتداءً؟! ليلقي محاضرة في منارة العلم وقبلة الطلاب في تلك الفترة زماناً ومكاناً، حيثازدهار العلم، فلقد كان المكان يعج في ذاك الزمان بطلاب العلموأهله.

العالم الشيخ صالح الفوزان في عنيزة

وفي المقابل عندما جاء العالم الجليل الشيخ صالحالفوزان، وهو علم من أعلام السنة، فاختفت تلك الحشود، وابتعدت عنه، ولم يكن فيمحاضرة ذلكم العلم الشامخ إلا عدد قيل من طلاب العلم وبعض العوام. فمادة محاضرةالشيخ العالم ابن فوزان: قال الله، قال رسوله، مبنية على اليقين وليس على الخرصوالتخمين، كـ (تناول فقه الواقع)، والدندنة حول واقعنا المعاصر.


فما السر بين الواقعتين؟!

فما السر بين الواقعتين؟ وماذا تخفي الحادثتان؟ أهيمكانة علمية للأستاذ محمد قطب، الذي يمثل امتداداً لأخيه الأستاذ سيد؛ أم ماذا؟!! أو يصوِّر مرحلة التآكل الذي تعيشه جماعات دعوية، وحياة الزهد في العلم الشرعي،والابتعاد عن أهله من العلماء الذين ورثوا الأنبياء، والبحث عن بديل لا يغني ولايسمن من جوع، وقد تصاب بالعجب أيها القارئ! فقد جاء بزي ولباس يخالف عرف البلدولباس أهله، إن محمد قطب لثقته المفرطة بأن العقول مغلقة، فالحضور سيكون جبرياً،وما سيقوله قد زرعت أصوله، فمحمد قطب جاء وحلَّ ضيفاً عند أتباعه على أرض زرعت فيهاأفكاره، ليطمئن على الأتباع والمريدين، من شباب الدولة السعودية، وهل استوى ذلكمالغرس على سوقه المشين، حيث ابتعد الناس عن السنة، وتغيرت الهوية، وفقدت معالمالدعوة الأثرية لأهل البلاد السعودية من آثار أؤلئك الضيوفوالزائرين.


محاضرة قبل احتكار مكتب الدعوة


ولقد وفقني الله قبل تمكنهم من احتكار مكتب الدعوةوالإرشاد إلى إلقاء محاضرة بعد محاولة الاعتذار، لا لشيء، إلا أنها كانت مرحلة طلب،ولكن المفاجأة حدثت بعد عودتي إلى عنيزة القصيم من الكويت، فبعد العودة من ذلكالسفر؛ فوجئت بوجود اسمي مع جدول محاضرات لأسماء المحاضرين في تعميم لمكتب الدعوةوالإرشاد، على ملصق حائطي معلق في أحد مساجد عنيزة، عندما كان يرأس المكتب الشيخعلي الشويمان وكان ذلك في سنة أربع وأربعمائة وألف للهجرة -1404 - الموافق منالتاريخ الإفرنجي -1984 - والحمدلله رب العالمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 16/11/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:52 PM
أركان الحج

من أراد الشروع في الحج فعليه أن يختار أحد أنواع النسك،وللحج ثلاثة أنواع للنسك:

1ـ الإفراد (الإحرام بالحج وحده)

2ـ القران (الإحرام بالعمرة والحج معاً)

3ـ التمتع (أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ثميتحلل منها، ويحرم بالحج) قال تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) [البقرةـ 196].

قال الجوهري: النسك بالإسكان العبادة، وبالضم الذبيحة، وبعض العلماءيرى أن أفضلها التمتع لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من لم يسق الهدي بالإحلالوالتمتع فيه زيادة أعمال.



أركان الحج



الركن الأول: (الإحرام) وهو (نية الدخول في النسك)، ويقصد به أن ينوي بقلبه الدخول في هذهالعبادة ثم يحدد نوع نسكه، فإن كان مفردا قال "لبيك حجا"، وإن كان قارنا قال "لبيكعمرة وحجا"، وإن كانت عمرة قال "لبيك عمرة"، والنية شرط لصحة جميع الأعمال، لحديثالنبي صلى الله عليه وسلم "إنما الأعمال بالنيات"، ومحلها القلب ولا يتلفظ بها، قالتعالى (أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين)، فالله يعلم ماذا يقصد العبد بعملهولا يشرع التلفظ بما نوى إلا في الإحرام لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم وعلىالحاج أن يستحضر نية الدخول في الحج وأن يكون الدافع له للتنقل بين المشاعر، هوالتعبد والقيام بشعائر الحج وإن حصلت التجارة والسياحة تبعا فلا بأس، قال تعالى (ليشهدوا منافع لهم) [الحجـ 28]، ولا بد من معرفة الفرق بين الإحرام والإحرام منالميقات، فالإحرام ركن لا يصح الحج بتركه، والإحرام من الميقات واجب.

الركنالثاني: (الوقوف بعرفة) قال تعالى (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعرالحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين) [البقرةـ 198].

ويوم عرفة هو اليوم التاسع من ذي الحجة وهو اليوم الذي بفواته يفوتالحج، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة"، لأنه لا يمكن تعويضه أوالوقوف في هذا المكان في أي يوم آخر ويسن التكبير بالذهاب من منى إلى عرفة يومعرفة، ويكون ملبياً أو مكبراً ويكثر في ذلك اليوم من ذكر الله والدعاء فإنه حري أنيستجاب في هذا الموضع، وعرفة كلها موقف، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم "وقفتها هنا وعرفة كلها موقف".

الركن الثالث: (طواف الإفاضة) قال تعالى (وليطوفوابالبيت العتيق) [الحجـ 29]، ولا طواف في الإسلام إلا الطواف حول الكعبة المشرفة،قيل أن أحد الولاة نذر أن يقوم بعبادة لله لا يشاركه فيها أحد، فأفتاه أحد العلماءبأن يُخلي مكان الطواف ويطوف وحده، وبذلك يكون في عبادة لله لا يشاركه فيها أحد،وبهذا نعلم أن عبادة الطواف لا تقام إلا في هذا المكان خاصة، وإذا ابتدأ الطوافيكون على طهارة ويبدأ بالحجر الأسود وينتهي عنده، ويكبر مع بداية كل شوط من أشواطالطواف السبعة، ويقبل الحجر الأسود فإن لم يستطع تقبيله استلمه بيده وقبل يده، وإلافيشير إليه إشارة مستقبلا له، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم تقبيل الحجرالأسود ففي البخاري عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:" رأيت عمر بن الخطابـ رضي اللهعنهـ قبّل الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول الله قبَّلك ما قبّلتك"، والمقصود هوعبادة رب هذا البيت والذي شرف هذا البيت هو الله، قال تعالى (فليعبدوا رب هذاالبيت) [قريشـ 3]، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وعند الطواف يجعل البيت عنيساره.



ماذا يقول في الطواف؟

يقرأ القرآن ويذكر الله بأنيقول (لا إله إلا الله) و(سبحان الله) و(الحمد لله) و(الله أكبر) وغيرها، ويدعوالله كأن يقول "ربي اغفر لي ذنبي" أو "ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا منلدنك رحمة إنك أنت الوهاب"، أو أي دعاء آخر يسأل الله الجنة والنجاة من النار أويدعو بأمور الدنيا التي يحتاجها كتفريج كربة أو نصر على الأعداء أو شفاء مريض،ويسمي حاجته، وإذا كان بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول (ربنا آتنا في الدنياحسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).

ويسن استلام الركن اليماني دونتقبيله وسمي باليماني لأنه باتجاه اليمن فهو في الجزء الجنوبي من الكعبة المشرفة،وليحرص على ضبط العدد (سبعة أشواط) فإن شك فيبني على الأقل ويكمل، مثلا لو شك طفتخمسا أم أربعا، فليحتسبها أربعاً ويبدأ بالخامس، ثم إذا انتهى من الطواف يسن أنيصلي ركعتين خلف المقام.

عن ابن عمرـ رضي الله عنهماـ قال: قدم رسول اللهصلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعا ثم صلى خلف المقام وطاف بين الصفا والمروة" [رواه البخاري]، وينبغي أن يؤدي هذه العبادة بخشوع ويحرص على عدم إيذاءالآخرين.

الركن الرابع: (السعي بين الصفا والمروة) قال تعالى (إن الصفاوالمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) [البقرةـ 158].

قال ابن حجر في الفتح عن تسمية السعي "طواف":(فيه تجوز، لأنه يسمىسعيا لا طوافا إذ حقيقة الطواف الشرعية فيه غير موجودة أو هي حقيقةلغوية).

يبدأ السعي بالصعود على الصفا ويقرأ عند بدء الشوط الأول قوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ويستقبل القبلة ويكبر ويقول (لا إله إلا اللهوالله أكبر، لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهوعلى كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده)،ثم يدعو بما شاء من الأدعية ثم ينزل عن الصفا ويمشي متجها إلى المروة فإذا وصل بينالميلين أسرع كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري عن ابن عمرـ رضي اللهعنهماـ أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يسعى بين المسيل إذا طاف بين الصفاوالمروة"، وإذا وصل إلى المروة فعل عندها مثلما فعل على الصفا، إلا إنه يقرأ الآية (إن الصفا والمروة).

قال العلامة ابن بازـ رحمه اللهـ "ويفعل على المروة كمافعل على الصفا ما عدا قراءة الآية (إن الصفا والمروة) فهذا إنما يشرع عند الصعودعلى الصفا في الشوط الأول فقط" [التحقيق والإيضاح].

والسعي بين الصفاوالمروة سبعة أشواط من الصفا إلى المروة، الشوط الأول ثم من المروة إلى الصفا الشوطالثاني وهكذا، يبدأ الأول من الصفا وتكون نهاية السابع عند المروة.

ماذايقول في السعي؟

ينشغل بقراءة القرآن والذكر لله بالتسبيح والتهليل والتكبير،والاستغفار وما تيسر من الدعاء.

لا يلبي عند الطواف أو السعي

التلبية (لبيك اللهم لبيك) تكون من بداية الشروع في العمرة أو الحج وتنتهي في العمرة عندرؤية الكعبة المشرفة للابتداء بالطواف وتنتهي التلبية في الحج عند رمي جمرة العقبة،هذه أركان الحج الأربعة فمن ترك ركنا منها لم يصح.



واجباتالحج



الإحرام من الميقات (وهو المكان الذي يتم الإحرام منه) والمواقيت المكانية (ذو الحليفة) لأهل المدينة و (الحجفة) لأهل الشام، و (قرنالمنازل) لأهل نجد ويسمى اليوم (السيل)، و (يلملم) لأهل اليمن، و (ذات عرق) لأهلالعراق، ومن كان دون هذه المواقيت من جهة مكة فميقاته من بلده وميقات أهل مكة منمكة، وهذه الأماكن لا يجوز لمن أراد الإحرام أن يتجاوزها وهو لم يحرم، وقال بعضالعلماء: يكره الإحرام قبلها، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يهل أهل المدينةمن ذي الحليفة، وأهل الشام من الحجفة وأهل نجد من قرن ويهل أهل اليمن من يلملم" [رواه مسلم].

1) الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، فقد بكر النبي صلى الله عليهوسلم في اليوم التاسع من ذي الحجة بالذهاب إلى عرفة ولم ينصرف منها إلا مع غروبالشمس، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسككم".

2) المبيت بمزدلفة (ليلة النحر): قال صاحب الروض المربع ـ رحمه الله ـ: ويبيت بهاوجوبا لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها، وقال صلى الله عليه وسلم "خذوا عنيمناسككم".

3) رمي الجمار: ويكون الرمي في يوم النحر، وأيام التشريق، عنجابرـ رضي الله عنهـ قال:"رمى النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر ضحى ورمى بعد ذلكبعد الزوال".

4) الحلق أو التقصير: ورد عن ابن عباسـ رضي الله عنهماـ أنالنبي صلى الله عليه وسلم (أمر أصحابه أن يطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة، ثميقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا) [رواه البخاري].

والحلق أفضل من التقصير لأنالنبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين بالمغفرة والرحمة ثلاث مرات وللمقصرين مرةواحدة، كما جاء في صحيح مسلم، والتقصير يكون من جميع جوانب الرأس، أما المرأة فتجمعشعرها وتأخذ منه بقدر الأنملة.

5) المبيت بمنى ليالي التشريق: عن ابن عمرـرضي الله عنهماـ أن العباسـ رضي الله عنهماـ استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيتبمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له. [رواه البخاري ومسلم].

فالعباساستأذن لعذر وقد أذن له النبي صلى الله عليه وسلم.

6) طواف الوداع: وهذاالطواف هو ختام لأعمال الحج، فيكون آخر عهد الحاج بمكة بيت الله الحرام بالطوافحوله، عن ابن عباسـ رضي الله عنهماـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لاينفرنَّ أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" [رواه مسلم].



محظوراتالإحرام



المحظور هو الممنوع، المحظورات هي التي يحرم على المحرمفعلها بعد دخوله في النسك حتى يتحلل منه وهي:

1ـ حلق الشعر: قال تعالى (ولاتحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) [البقرةـ 196]، إلا لعذر فقد أذن النبي صلىالله عليه وسلم لكعب بن عجرة أن يحلق رأسه وهو محرم وتلزمه الفدية وهي صيام ثلاثةأيام أو إطعام ستة مساكين أو ذبح شاة.

2ـ الطيب: فلا يجوز للمحرم أن يتطيبوقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تطييب الرجل الذي وقصته دابته وكان قد أحرمفقال صلى الله عليه وسلم "ولا تحنطوه"، قال النووي: والحنوط هو أخلاط منالطيب.

3ـ تقليم الأظافر.

4ـ يحرم على المحرم لبس المخيط، قال رسولالله صلى الله عليه وسلم :"لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس ولاالسراويل" [رواه مسلم]، والبرنس هو رداء يكون فيه غطاء الرأس ملتصقاً بالثوب مثللباس المغاربة ولفظة (لبس المخيط) يقصد بها الألبسة التي ذكرت في الحديث، أي ما تمتفصيله على الجسم وليس المقصد كل ما فيه خيط، ولذلك يجوز لبس الحزام، والمرأة يجوزلها لبس المخيط مما يحرم على الرجل ويحرم عليها لبس البرقع والنقاب والقفازين لورودالنهي عن ذلك وإذا كان الرجال قريبين منها تغطي وجهها بخمارها.

5ـ تغطيةالرأس: لا يجوز تغطية الرأس للمحرم فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تغطية رأسالرجل الذي وقصته دابته وقد أحرم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ولا تخمروا رأسه" [رواه مسلم]، ولا بأس بالاستظلال تحت شجرة أو خيمة أو أن يحمل حاجة على رأسه فهذاليس من التغطية المنهي عنها، وتغطية الرأس خاص بالذكر فلا يغطي رأسه برداءملاحق.

6ـ قتل الصيد أو اصطياده: قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلواالصيد وأنتم حرم) [المائدةـ 95]، فلا يجوز للمحرم قتل الصيد البري، قال تعالى (وحرمعليكم صيد البر ما دمتم حرما) [المائدةـ 96].

فالمحرم لا يحل له الصيد منذإحرامه وإن دخل مكة ووصل حدود الحرم فإنه لا يحل له الصيد داخل الحرم، فلا يجوز قتلطير الحرم أو تنفيره للمحرم وغير المحرم.

7ـ عقد النكاح: وهو محظور لما وردعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا ينكح المحرم ولا يخطب" [رواهمسلم].

8ـ خطبة النساء ومباشرتهن بشهوة.

9ـ الرفث وهو الجماع، قالتعالى (فمن فرض فيهن الحج فلا رفث) [البقرةـ 197]، وقد ذكر العلماء أنه المحظورالوحيد الذي فعله يفسد الحج إن حصل قبل التحلل الأول، والتحلل الأول يكون بعدالوقوف بعرفة ثم القيام بعمل اثنين من ثلاثة وهي (الرميـ الحلقـ الطواف)، فإن رمىوحلق حصل التحلل الأول، فيحل له كل شيء من المحظورات إلا النساء، فإن فعل الجميعحلت له كل المحظورات، وليحرص الحجاج على اتباع السنة والاقتداء بهدي نبيهم في حجهمفقد قال صلى الله عليه وسلم "خذوا عني مناسككم"، وليحرصوا على سلامة حجهم حتى يكونحجا مبرورا يعود صاحبه وقد غفرت ذنوبه وليحرصوا على الإخلاص لله واحتساب أجر النفقةوالمشقة في سبيل الله وعليهم بالخشوع والسكينة ونفع الناس في تلك المشاعر فإن اللهلا يضيع أجر المحسنين.

عبد الرحمن بن ندى العتيبي



تاريخالنشر: الاثنين 10/12/2007



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:54 PM
أعظم الجهاد.. جهاد الكلمة باللسان والبيان
(1)



الدكتور/ عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

إن مجاهدة الخلق باللسان والكلمة هو أعظم الجهاد، ومعلوم أن جهادأهل الأهواء والبدع مرتبة عالية، وردع أمثالهم من دعاة الزيغ والضلال من أعظم مراتبالجهاد، قال الله تعالى: *فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًاكَبِيرًا* [الفرقان: 52]؛ أي: جاهدهم بكتاب الله، وكان ذلك الخطاب في العهد المكي حيث لم يكن قد أُمر بالقتال وجهاد السيف بعد.

*يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ*

وقال الله تعالى: *يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْوَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلا تَمْنُنْتَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ* [المدثر:7-1]، أَمر النبي صلى الله عليه وسلمبقوله: (قُمْ فَأَنْذِرْ)، فقام بهذا الواجب خير قيام فجهاد البيان واللسان أعظمالجهاد، جاهد به الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين والكفار خير جهاد فكان ناصحأمين قام بالدعوة إلى التوحيد والبراءة من الشرك وأهلة، والإنذار من عذاب الله، وماأُعدّ لمن خالف دعوة الأنبياء والمرسلين، وكان ذلك استجابة لأَمر الجهاد باللسانوالكلمة، وبيان لدين الله عز وجل وتبليغه، وهو الجهاد الأعظم؛ ولذا قال تعالى: *وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ *؛ أي: أُمِرَ بالصبر على هذه الأعباء الكبيرة، و القيامبذلكم التكليف وهذا الأمر العظيم، صبراً على طاعة الله، وصبراً على أوامره ونواهيه،وصبراً على أذى الإعراض ورفض الدعوة، وصبراً على أذى المخالفينوالمعاندين.

ومن جهاده ما رواه أحمد في المسند (4/63، 5/376) بإسناد صحيح منطريق أشعث بن أبي الشعثاء قال: حدثني شيخ من بنى مالك بن كنانة قال: رأيت رسول اللهصلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها، يقول: »يا أيها الناس! قولوا لا إلهإلا الله تفلحوا«، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: يا أيها الناس! لا يغرنكمهذا عن دينكم؛ فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزّى، قال: وما يلتفتإليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قلنا: انعت لنا رسول الله صلى الله عليهوسلم، قال: بين بردين أحمرين، مربوع كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيضشديد البياض سابغ الشعر. وفي رواية لأحمد في المسند (5/371) بسند صحيح من طريقالأشعث بن سليم قال: سَمعت رجلاً في إمرة ابن الزبير قال: سَمعت رجلاَ في سوق عكاظيقول: »يا أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا«، ورجل يتبعه؛ يقول: إن هذايريد أن يصدكم عن آلهتكم، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل!!

إقامة الحجة، وإيضاح المحجة

والجهاد باللسانيكون بالدعوة إلى الصراط المستقيم، وإقامة الحجة، وإظهار المحجة، وكشف زيف الباطل،وبيان ما هم عليه من الانحراف ومجانبة الصواب، ولا بد من العناية بإعلان الحقوإظهاره، وهناك من الأدلة:

(1) ما روى مسلم في صحيحه (49) من حديث أبي سعيدالخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من رأى منكم منكرافليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، ومن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعفالإيمان«.

(2) وروى أحمد في المسند (3/19) وأبو داود (4344)، والترمذي (2174)، وابن ماجه (4011) في السنن من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: »أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر«. وحسنهالترمذي وهو كما قال؛ فله شواهد منها حديث أبي أمامة؛ رواه أحمد في المسند(5/251)،وابن ماجه في سننه (4012)، وحديث طارق بن شهاب؛ رواه أحمد في المسند (4/314)،والنسائي في سننه (4205)،

(3) وروى البخاري (453) ومسلم (2485) في صحيحيهماعن حسان بن ثابت الأنصاري يستشهد أبا هريرة! أنشدك الله هل سمعت النبي صلى اللهعليه وسلم يقول: »يا حسان! أجب عن رسول الله - اللهم! أيده بروح القدس«. قال أبوهريرة: نعم.

(4) وروى مسلم في صحيحه (2490) من حديث عائشة رضي الله عنها أنرسول الله - قال: »اهجوا قريشا فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل«.

(5) وروىالبخاري (6153) ومسلم (2486) في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، أنالنبي - قال لحسان بن ثابت: »اهجهم« أو قال: »هاجهم وجبريل معك«.

وللحديثبقية..



تاريخ النشر 22/12/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:56 PM
أعظم الجهاد.. جهاد الكلمة باللسان والبيان
(2)



الدكتور/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

قلت في العدد الماضي ان الجهاد باللسان يكون بالدعوة الى الصراط المستقيم، واقامة الحجة، واظهار المحجة، وكشف زيف الباطل، وبيان ما همعليه من الانحراف ومجانبة الصواب، ولا بد من العناية باعلان الحق واظهاره، وسقت بعض الأدلة من الأحاديث، ونكمل بالتالي:

ويستفاد من الأحاديث:

-1 أن أفضل الجهاد كلمة حق.

-2 حث النبي صلى الله عليه وسلم على الجهادبالكلمة.

-3 الجهاد باللسان أشد من رشق السهام.

-4 دفاع حسان بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلمبالكلمة.

ولما للجهاد باللسان من المكانة العالية، وقوة الكلمةوفتكها الذي يبلغ في مداه وأثره ما لا يكون بالقتال باليد؛ كان للشعر وقفة وتعبيرعن ذلك.

قال الشاعر:

وجرح السـيف تدمله فيبرى

ويبقـى الدهر ما جرح اللسـان

وقيل:

واضرب من حد السنان لسانه

وأمضى من السيف الحسام المشطب

وقيل:

فان لساني ليس أهونَ وَقْعةً

وأصـغَرَ آثاراً من النحتِ بالفـاس


أقسام الجهاد:

قسم ابن حزم الجهاد الى ثلاثة أقسام وجعل أفضلها جهاداللسان؛ بالدعوة الى التوحيد، وبيان الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والردعلى أهل الأهواء والبدع.

قال ابن حزم في الفصل في الملل وأهل الأهواء والنحل (211/4) الجهاد ينقسم أقساما ثلاثة:

أحدها: الدعاء الى الله عز وجلباللسان.

والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأيوالتدبير.

والثالث: الجهاد باليد في الطعنوالضرب.

والقسم الثالث: وهو الطعن والضرب والمبارزة؛ وجدناهأقل مراتب الجهاد ببرهان ضروري، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا شك عند كلمسلم أنه المخصوص بكل فضيلة، فوجدنا جهاده صلى الله عليه وسلم انما كان في أكثرأعماله وأحواله بالقسمين الأولين، من الدعاء الى الله عز وجل، والتدبير والارادة،وكان أقل عمله صلى الله عليه وسلم الطعن والضرب والمبارزة، لا عن جبن بل كان أشجعأهل الأرض قاطبة نفسا ويداً وأتمهم نجدة، ولكنه كان يؤثر الأفضل فالأفضل من الأفعالفيقدمه ويشتغل به. اهـ بتصرف

وذكر كلام ابن حزم هذا شيخ الاسلام ابن تيمية بنصهوأقره في منهاج السنة (8/78) فقال: واذا كان كذلك فمعلوم أن الجهاد، منه ما يكونبالقتال باليد، ومنه ما يكون بالحجة والبيان والدعوة قال الله تعالى: ?وَلَوْشِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَوَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا? (الفرقان: 52-51)، فأمره الله سبحانه وتعالىأن يجاهد الكفار بالقرآن جهادا كبيرا، وهذه السورة مكية نزلت بمكة قبل أن يهاجرالنبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يؤمر بالقتال ولم يؤذن له وانما كان هذا الجهادبالعلم والقلب والبيان والدعوة لا بالقتال...ثم ذكر قسمة ابن حزم وأقر كلامه فيالفصل في الملل والنحل.

قال ابن القيم في زاد المعاد (11/3): وأما جهاد أربابالظلم والبدع والمنكرات فثلاث مراتب الأولى باليد اذا قدر فان عجز انتقل الى اللسانفان عجز جاهد بقبله.

ولقد كان أعلام السنة يقومون بالرد على المخالفينوالمنحرفين من أهل الأهواء والبدع، والمكتبات ودور النشر مليئة بجهاد وردود أهلالسنة ومنها:

-1 الرد على الزنادقة والجهمية للامام أحمد بنحنبل.

-2 نقض عثمان بن سعيد الدارمي على المريسي الجهميالعنيد.

-3 الرد على الجهمية للدارمي.

-4 كتاب الحيدة في الرد على من يقول بخلق القرآن لعبدالعزيز بن يحيى بن مسلم الكتاني المكي.

-5 كتاب التوحيد في صحيح البخاري رد على الجهمية. وكتاب خلق أفعال العباد له في مسألة خلق القرآن.

-6 كتاب الرد على الجهمية لعبد الرحمن بن أبيحاتم.

-7 الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرارلأبي زكريا يحيى بن أبي الخير العمراني.

-8 الرد الوافر على من زعم أن من سَمّى ابن تيمية شيخالاسلام كافر.لابن ناصر الدين محمد بن عبد الله الدمشقي.

-9 تنبيه الغبي الى تكفير ابن عربي لبرهان الدينالبقاعي.

-10 انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح صحيحالبخاري للحافظ ابن حجر.

-11 الرد على القرضاوي والجديع لعبد الله رمضان بنموسى.

وغيرها من الردود الكثيرة في بيان الحق من الصعوبةحصرها وذكرها.

تاريخ النشر 29/12/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 08:57 PM
أنواع صيام التطوع (2)

الحمد لله رب العالمينوالصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:

ختم مقالنا السابق بالحديث عن صيام التطوع المقيد وذكرنا من أنواعه صوم الستة أيام من شوال وأحكامها ونكمل هنا بقية الأنواع:

-1 صوم شهر الْمُحَرَّم:

رغب النبي صلى الله عليه وسلم إلىصيام أيام شهر الْمُحَرَّم لًما روى مسلم (1163) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضيالله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان» شهرالله الْمُحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة» صلاة الليل». وهذا لا يعني صيامه كاملا،ويبين ذلك ما ورد في البخاري (1971)، ومسلم (1157) في صحيحيهما من حديث ابن عباسرضي الله عنهما، قال: ما صام رسول الله عليه وسلم شهرا كاملا قط غير رمضان، وكانيصوم إذا صام» حتى يقول القائل: لا والله لا يفطر، ويفطر إذا أفطر» حتى يقولالقائل: لا والله لا يصوم. وروى البخاري (1969)، ومسلم (1156) في صحيحيهما أيضا منحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم» حتى نقوللا يفطر، ويفطر» حتى نقول لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكملصيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان.

-2 صيام ثلاثة أياممن كل شهر:

(أ) روى البخاري (1875)، ومسلم في صحيحيهما (1159) من حديثعبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صم من الشهر ثلاثة أيام، فإن الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيامالدهر».

(ب) وروى البخاري (1178)، ومسلم في صحيحيهما (721) من حديث أبيهريرة رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت» صوم ثلاثة أيام منكل شهر، وصلاة الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام.

(ج) وروى مسلم (722) في صحيحهعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني حبيبي صلى الله عليه وسلم بثلاث لن أدعهنما عشت» بصيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، وبأن لا أنام حتىأوتر.

(د) وروى مسلم (1160) عن معاذة العدوية، أَنّها سألت عائشة زوج النبيصلى الله عليه وسلم أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ؟قالت: نعم، فقلت لَها: من أي أيام الشهر كان يصوم ؟ قالت: لَم يكن يُبالًي من أيأيام الشهر يصوم.

(هـ) وروى أبو داود في سننه (2449) ما صح من حديث قتادة بنملحان رضي الله عنه، قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نصوم البيضثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة.

(و) وروى الترمذي في سننه (761) ما صح منحديث أَبًي ذَرّي رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أباذر! إذا صمت من الشهر ثلاثة أيام» فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة. وهو شاهدلًما قبله».

-3 صوم يوم عرفة:

روى مسلم (1162) في صحيحه عن أبي قتادةالأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة ؟فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية».

-4 صيام يوم عاشوراء:

(أ) روىمسلم (1162) في صحيحه من حديث أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله صلىالله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عاشوراء ؟ فقال: «يكفر السنة الماضية».

(ب) وروى البخاري (1900)، ومسلم في صحيحيهما (1130) من حديث ابن عباس رضي الله عنهماقال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء فقال: «ماهذا». قالوا هذا يوم صالح هذا يوم نجى الله نبي إسرائيل من عدوهم فصامه موسى، قال: «فأنا أحق بًموسى منكم»، فصامه وأمر بصيامه.

(ج) وروى البخاري (2005)، ومسلمواللفظ له(1131) في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان أهلخيبر يصومون يوم عاشوراء» يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليهم، وشارتهم، فقالرسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فصوموه أنتم )).

صيام يوم التاسع من شهرالمحرم

(د) ومخالفةً لليهود والنصارى ومجانبةً لًما فيه وجه تشبهي بًهم شرعالنبي صلى الله عليه وسلم صيام التاسع من الشهر الْمُحرم، لًما رواه مسلم (1134) فيصحيحه من حديث ابن عباسي رضي الله عنهما، يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليهوسلم يوم عاشوراء، وأمر بصيامه» قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تعظمه اليهودوالنصارى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله» صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل» حتى توفي رسول الله صلى الله عليهوسلم.

-5 صوم الاثنين والخميس:

روى الترمذي في سننه (745) ما صح منحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صوم الاثنينوالخميس. وحسنه الترمذي وقال: وفي الباب عن حفصة و أبي قتادة و أبي هريرة و أسامةبن زيد قلت: وهذه الشواهد تجعله في أعلى مراتب الصحيح.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 22/10/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:00 PM
أين دُعَّارُ طَيًّئ الَّذًينَ قَدْ سَـعَّرُوا الْبًلاد؟َ


«أصبحت ثقافة البعض ما ترونه وتسمعونه من صياح
ووعيد»

من يُجيبُ عَلَى تَساؤلً عَدي بن حاتًم الطائًي؟ من يوقف رموزالتهييج والإثارة ؟ ورؤوس الفتنة وَجَمَاعاتً الفَوضَى التًي تُهَدًّدُ أركانَالبًلادً والْمصَالًحَ الاجْتًماعًيةً وَالاقْتًصَادًيَّةً وَالأَمْنًيَّةً .

مَن دُعَّارُ طَيًّئ؟ الَّذًينَ قَدْ سَعَّرُواالْبًلادَ:

(فأَيْنَ دُعَّارُ طَيًّىء) أَرادَ بًهم قُطَّاعَ الطَّرًيق: قاله ابن الأثير فًي النهاية، وقال ابْنُ نجيم الْحنفي فًي البَحرً الرائًقً (4/400): (وَالدَّاعًرُ) بًالدَّالً وَالْعَيْنً الْمُهْمَلَتَيْنً كُلُّ مُفْسًدي،وَجَمْعُهُ دُعَّار من الدَّعْرً وهو الْفَسَادُ . وقال ابْنُ حَجَري فًيمُقَدًّمَةً الفَتحً: (دُعَّارُ طَيًّىءي) بًضمًّ أَوله والتشديد» جَمْعُ دَاعًروَهُو الشريرُ وَيُطْلَقُ عَلَى الْمُفْسًدً والسَّارًقً . (الَّذًينَ قَدْسَعَّرُوا الْبًلادَ) قَالَ الْحافظُ فًي الفتحً: أَي أَوْقَدُوا نَارَ الفًتنَةً» أَي مَلَؤوا الأَرضَ شَراً وَفَساداً، وَهو مُسْتَعار مًنْ اسْتًعَارً النَّارًوَهوَ تَوَقُّدهَا.

ويَتَساءَلُ عَدًيُّ بْنُ حَاتًم الطَّائًيًّ عَنْأُلئًكَ الْمُفسدًينَ وَمُثًيْرًي الفًتَنَ، وَالزُّعَماءً مًنْ قُطَّاعً الطُّرُقًوَالْمُنحرًفًيْن، الذًينَ سَعَّرُوا البًلادَ فَأَشْعَلُوا فًيهَا نَارَ الفًتَنً،وَأَظْهَرُوا الفَسَادَ ببث الْخوف والذعر بَيْنَ النَّاسً، هَلْ مًنْ نًهَايةيلَهُم ؟ وَهَل سيَقْضي الإسلام علًى هَذًهً الفًتن التًي أَقْلَقَتْ العًبَادً؟! كَمَا أَخبَرَ بًذلكَ النَّبًيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلم.

وَقَبًيلةُطَيىء مًنَ القَبائًلَ العَربًيةً الْمعروفةً، تَسْكُنُ فًي الْمنطقةً ما بَيْنَحدودً العراقً إلَى الْحًجاز، وكان ينتشرُ فًي تلكَ الْمواطنَ جَمَاعات من قطَّاعًالطرقً، وأحزاب مًنْ الْمُفسدينَ، يقود كل فئةي زعيم من شرار الْخلق، يقوم بالسيطرةعَلى عُقولً أتباعة، فًي عَالَم تَسُودُهُ الفَوضَى، يَتَكَسَّبونَ مًنْ قَطْعًالطَّريقً علَى الناسً، كُلَّما هَدَأَتً الأَحوالُ فًي تًلكَ البًلاد» خَرَجُواعَلى العًبادً» يُظْهًرونَ الشَرَّ، وَيَنشُرونَ الفًتَنَ، فَعَلا لَهُم بًذَاكَصًيت عَظًيم، وَعُرًفَ أَمْرُهُم بًالإًفسادً فًي الأَرضً، فكانت مناطق فًتَن لاتَعْرًفُ أَمْنَاً وَلا اسْتًقْرَاراً، يَخشاها الناسُ والْمسافرُ، وعابرُالسبيلً.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم فًي عهد الفقر والضعف والْخوفيُمَنًّي أصحابه بالأمان، والراحة، واستتباب الأمن ورغد العيش، فبشر بانتشارالإسلام، وظهور الْخير وذهاب الشرًّ، وبلوغُ الأَمن كُل البلادً، وَقَطْعُ دَابًرًالفَوضَى والفًتَنً عَنْ كُلًّ وَادي . وَكانَ أَحَدُ مَنْ أَخْبَرهم عَدًيُّ بنُحَاتًم الطَّائًي فَأَخرَجَ البُخَارًيُّ فًي صَحيحًهً (3595) مًنْ حَديثً عَدًيًّبْنً حَاتًم رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا عًنْدَ النَّبًيًّ صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، إًذْ أَتَاهُ رَجُل» فَشَكَا إًلَيْهً الْفَاقَةَ،ثُمَّ أَتَاهُ آخَرُ» فَشَكَا إًلَيْهً قَطْعَ السَّبًيلً، فَقَالَ: ((يَا عَدًيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الْحًيرَةَ؟))، قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ أُنْبًئْتُ عَنْهَا،قَالَ: ((فَإًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاة لَتَرَيَنَّ الظَّعًينَةَ، تَرْتَحًلُ مًنْالْحًيْرَةً حَتَّى تَطُوفَ بًالْكَعْبَةً، لا تَخَافُ أَحَدًا إًلا اللَّهَ))،قُلْتُ فًيمَا بَيْنًي وَبَيْنَ نَفْسًي: فَأَيْنَ دُعَّارُ طَيًّئي؟ الَّذًينَقَدْ سَعَّرُوا الْبًلادَ . ((وَلَئًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاة لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُكًسْرَى)) ، قُلْتُ: كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ؟! قَالَ: ((كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ،وَلَئًنْ طَالَتْ بًكَ حَيَاةي» لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرًجُ مًلْءَ كَفًّهًمًنْ ذَهَبي أَوْ فًضَّةي، يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ مًنْهُ، فَلا يَجًدُ أَحَدًايَقْبَلُهُ مًنْهُ))، قَالَ عَدًيّ: فَرَأَيْتُ الظَّعًينَةَ تَرْتَحًلُ مًنالْحًيرَةً، حَتَّى تَطُوفَ بًالْكَعْبَةً لا تَخَافُ إًلا اللَّهَ، وَكُنْتُفًيمَنْ افْتَتَحَ كُنُوزَ كًسْرَى بْنً هُرْمُزَ، وَلَئًنْ طَالَتْ بًكُمْ حَيَاةيلَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبًيُّ أَبُو الْقَاسًمً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهًوَسَلَّمَ: ((يُخْرًجُ مًلْءَ كَفًّهً)). وفًي رًوَايَة لًلبُخَارًيًّ فًي الصحيحً (1413) قال: فَجَاءَهُ رَجُلانً أَحَدُهُمَا يَشْكُو الْعَيْلَةَ، وَالآخَرُيَشْكُو قَطْعَ السَّبًيلً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهًوَسَلَّمَ: ((أَمَّا قَطْعُ السَّبًيلً» فَإًنَّهُ لا يَأْتًي عَلَيْكَ إًلا قَلًيلحَتَّى تَخْرُجَ الْعًيرُ إًلَى مَكَّةَ بًغَيْرً خَفًير، وَأَمَّا الْعَيْلَةُ» فَإًنَّ السَّاعَةَ لا تَقُومُ حَتَّى يَطُوفَ أَحَدُكُمْ بًصَدَقَتًهً لا يَجًدُمَنْ يَقْبَلُهَا مًنْهُ)). وَيُؤَيده مَا أَخْرَجَ البُخارًيُّ فًي صَحيحًهً (6943) مًنْ حَدًيثً خَبَّابً بْنً الأَرَتًّ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، عَن رَسُولًاللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ:((وَاللَّهً لَيَتًمَّنَّ هَذَاالأَمْرُ حَتَّى يَسًيرَ الرَّاكًبُ مًنْ صَنْعَاءَ إًلَى حَضْرَمَوْتَ» لا يَخَافُإًلا اللَّهَ وَالذًّئْبَ عَلَى غَنَمًهً وَلَكًنَّكُمْ تَسْتَعْجًلُونَ)). وَفًيالْخَبَرً وَعْد بًالأَمنً والأَمانً، وأَنَّ مَنْ داَنَ بالسمعً والطاعةً إلَىمَنْ بًيدًهً مَقاليدُ الأُمورً وَصَبَرَ علَى ذَلكَ، ولَم يظهر شراً وَفًتناًبَيْنَ صُفوفً الْمُسلمينَ» مَآلَه لا مَحالةَ إًلَى الْخَيرً.

الإًسْلامُيُبَشًّرُ بًالأَمنً والأَمانً

وَهُم دُعَاةُ فًتنَةوَفَوضَى

الإًسلامُ يُبَشرُ بًالأَمْنً وَيَدعُو إلَى الأَمَانً، وَهُمدُعاةُ فًتنةي وَفَوضَى وامتداد لًكُلًّ مَنْ أَحْدَثَ الفًتَنَ فًي مُجْتَمعاتًالْمُسلمينَ مُنذُ أيام الْخليفة الشهيد عُثمان بن عَفَّانَ رَضًيَ اللهُ عَنهُ،قَالَ شَيخُ الإًسلامً ابْنُ تَيميةَ فًي مَجموعً الفَتاوىَ (25/303) كانَ مَقتلُعُثمانَ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ مًنْ أَعظَمً الأَسبابً التًي أَوْجَبَتً الفًتَنَبَينَ النَّاسً، وَبًسَبَبًهً تَفَرَّقَتً الأُمَّةُ إلَى اليومً ... وقالَ: فَاتَّفقَ الْمُهاجرونَ والأنصارُ عَلى تَقْدًيْم عُثمانَ بْنً عَفَّانَ مًنْغَيْرً رَغْبَة بَذَلَها لَهُم، وَلا رَهْبَةي أَخَافَهُم بًها، وَبَايَعوهُبَأَجْمَعًهًم طائًعًيْنَ غَيْرَ كَارًهًيْنَ، وَجَرَى فًي آخًرً أَيَّامًهً أَسبابظَهَرَ بالشَّرً فًيها عَلى أهلً العًلمً وَأهلً الْجهلً وَالعدوانً، وَمَا زَالوايَسعونَ فًي الفًتَنً حَتَّى قُتًلَ الْخليفةُ مَظلوماً شَهيداً بًغَيْرً سَبَبيُبًيحُ قَتْله، وَهُو صَابًر مُحتَسًب لَم يُقَاتًل مُسلماً، فَلمَّا قُتًلَرَضًىَ اللهُ عَنْهُ تَفَرَّقَتً القُلوبُ وَعَظُمَت الكُروبُ، وَظَهَرَت الأَشرارُوَذُل الأَخيارُ، وَسَعَى فًي الفًتنةً مَنْ كانَ عَاجًزاً عَنْها، وَعَجًزَ عَنًالْخَيْرً وَالصَّلاحً مَنْ كَانَ يُحب إًقَامَتُهُ. اهـ

بَأَيدًينا نَصنَعُالْخَوارًجَ

لا نَسبُّ الأُمَراءَ، وَلا نَغًشُّ الوُلاةَ، وَنَسمعُوَنُطيعُ فًي الْمعروفً، وَلا نَعْرًفُ غَدْراً بًالرَّاعًي أَو الرَّعًيَّةً. رَوَى ابْنُ أبًي عَاصًمي فًي السنَّةً (2/488) وَالبَيْهَقًي فًي شُعَبًالإًيْمانً (6/69) بًسَنَد صَحًيح عَنْ أَنَسً بْنً مَالًكً قَالَ: نَهاناَكُبراؤُناَ مًنْ أَصْحَابً رَسُولً اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّم، قَالَ: (لا تَسُبوا أُمَرَاءَكُم، وَلا تَغُشوهُم، وَلا تُبْغًضُوهم، وَاتَّقُوا اللهَوَاصْبًروا فَإًنَّ الأَمرَ قَرًيب). وَفًي رًوَايَةً البَيْهَقًي: (وَلا تَعْصوهم) . هَذاَ مَوْقًفُ الصَّحَابَةً مًنْ الوُلاةً، وَهَذا دًينُ أَهْل السنةًوَالْجَمَاعَةً وَعَقًيدَتهم فًي وُلاةً الأَمْرً . وإًنَّ مَا نَراهُ اليومَ مًنْلُغة غَرًيبَة» تُذَكًّرُنَا بًلَهًيبً أَلْسًنَةً الْخوارجً، إًنَّها الثَّقافَةُالْجَديدةُ التًي جَعَلتْ مًنْ فَحًيحَ الأَفَاعًي مَنْهَجَاً لًلتَّفاهُمًوَلُغَةً لًلحًوارً، وَذَلًكَ بًسَبَبً جَعْل الأَبوابً مُشْرَعَةً، أَمَامَ كُلغَريب وَ وَافًد علًى البلادً، مًنْ أفراد، وأفكار، وَمُعتقدات، مًنْ غَيْرً ضَابًطوَلا رَابًط، كَـ (مَذاهبَ) الفًرَقً البَاطًنًيّةً ذاتً الْمَنابًعًالشَّرقًيَّةً، و كـ (الديْموقراطيةً الغَربيةً الْمُعَلَّبَةً)، وَمَا تَحملهُمًنْ طُوفَانً التَّحَررً وَالاعْتًداءً علَى هَيبَةً الوُلاةً، والْحَضَارَاتً،وَالأُمَمً. إن هذا التراخًي أَمَامَ كُلًّ غَريب يَضَعُ أُصُولَ وَمُعتَقَداتًأكثر النَّاسً، وَمَا عَليهً الْمُجتمعُ مًنْ العاداتً والأَعْرَافً الْمحمودَةُ،التًي أُصًّلَتْ فًي مُجتَمَعًنا عَبْرَ السَّنًينَ، وَنَبَتَ عَليهَا أَكْثَرُالنَّاسً فًي مَهَبًّ الرًّيحً - إًلا مَنْ رَحًمَ اللهُ-، وَتَنْشَأُ فًي هَذًهًالبيئَةً بَعْضُ العقولً والأفئدةً التًي ذَهَبت بًها الأَهوَاءُ بَعيداً عَنْالفطرةً السليمةً، حَتّى أصبحت ثقافة البَعْضً وَدًينَهُ» هُوَ مَا تَرونهُ اليَومَمًنْ صُراخ وَنًياح وَوَعًيد واسْتًباحَة لًهَيبَةً وُلاةً الأَمرً، وهذا يُعَدُّنَتًيجَة حَتْمًية، وَوَلًيد غَريب لذلك الْخليط مًنَ الأفكارً الْمستوردةًوالْمذاهبَ الْمُنحرًفَةً لًطوائفَ السَّبَئًيّةً وَالْحَرُورًيةً، عَصَمَنا اللهًوإياكُم مًنَ الفًتَنً مَا ظَهَرَ مًنها وَمَا بَطَن .

د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 16/4/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:02 PM
أيها المسلمون عليكم بالعهد الأول،«اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ» (1)



لن نقبل الاستدراك على ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم



د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،أما بعد:

أيها الناس عليكم بالأمر الذي انتهيتم إليه، وترككم عليه خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم القائل: «لا نَبِي بعدي»،فيما رواه البخاري (3455)، ومسلم (1842) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي اللهعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نَبِي بعدي»، ورواه البخاري (4416)،ومسلم (2404) في الصحيحين أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نبي بعدي». وفي لفظ للبخاري: «ليس نبيبعدي».


لا دين بعده ولا تحديث في عقائد وعباداتالمسلمين


فلا دين بعد انقطاع الوحي ولا تشريع جديداً حيث لا نبيبعده ولا تحديث في عقائد وعبادات المسلمين رغم صيحات «الحضاريين» وأشباههم منالمهزومين كما يطيب لهم أن يسموا أنفسهم، فكما رفض المسلمون تجديد مسيلمة وسجاحوصاحب صنعاء، فلن نقبل الاستدراك على النبي صلى الله عليه وسلم نصرة له وبما جاءبه.

فالإسلام جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولَم تقبضروحه، ولَم ينقطع الوحي حتى أكمل ربنا تبارك وتعالى دين الإسلام، وأقام حجته علىعباده، قال الله تعالى: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُعَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )المائدة: (3)، واستدلبهذه الآية البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب زيادة الإيمان ونقصانه على أن مالَم يكن كاملا فهو ناقص؛ وَقَالَ : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)، فإذاترك شيئاً من الكمال فهو ناقص .


جديد السلفية: تجديد العهد بالأمرالأول


-1 روى مسلم فِي صحيحه (867) من حديث جابر بن عبداللهرضِيَ اللهُ عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (أما بعد: فإن خيرالحديث كتاب الله، وخير الهدي؛ هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة). وفي رواية لابن ماجه في السنن (45) بسند صحيح : «أما بعد: فإن خير الأمور كتابالله».

-2 وروى البخاري (2697) ومسلم (1718) في صحيحيهما منحديث عائشةَ رضي اللهُ عنهَا قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث فِيأَمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد) وَفِي رِوَايَةٍ لِمسلم فِي صحيحه (1718): (من عملعملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).

-3 روى أحمد في المسند (4/126)، وأبو داود (4607)،والترمذي (2676)، وابن ماجه (44) في السنن ما صح من حديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوبقلنا: يا رسول الله إن هذه لَموعظة مودع فماذا تعهد إلينا؟ قال: «قد تركتكم علىالبيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاكثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليها بالنواجذ». وللحديث بقية بإذن الله تعالى


تاريخ النشر 08/09/2008

الإبانة - جريدةالوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:04 PM
أيها المسلمون! عليكم بالعهد الأول؛ (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ)
(2)



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَىالعتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

أخي القارئ ان الدعوة إلى تجديد الاسلام او ما يسميهالحضاريون بتجديد السلفية هي دعوة ظاهرها الرحمة وباطنها عذاب وشر علىالامة.

ان ما يدعو اليه اولئك القوم ما هو إلا نداءات عقليةعقيمة للإحداث في دين الله والاتيان بجديد ليس له اصل في الدين ولا علاقة لهبالاسلام، والتجديد المشروع لا يتجاوز دعوة الناس إلى الأمر الاول والعودة بهم إلىعهد الصحابة والتابعين دون الخروج على ما انزل الله تعالى او جاء وحيا على رسولهقيد انملة، والعمل على تجديد السنن التي اميتت واحياء شعائر للاسلام قد طمست بتقادمالعهد، وقلة الدعاة إلى السنة والسير على الأثر.

محافظة الصحابة على العهد الأول

أولاً: أبو بكر الصديق لا يقبل التحديثوالتغيير

قال: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلميعمل به إلا عملت به.

والدليل ما رواه البخاري (3093)، ومسلم (1759) فيصحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها عن أبي بكر قال: لست تاركا شيئا كان رسولالله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أنأزيغ . وفي رواية في الصحيحين: ( ولأعملن فيها بما عمل به رسول الله صلى الله عليهوسلم).

ثانيا: محافظة عمر على السنة رغم غيرته وكراهته لخروجالنساء

روى البخاري (5238) ومسلم (442/134) في صحيحيها منحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »إذااستأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها«. ومن أجل حديث رسول الله صلى الله عليهوسلم والتمسك بما عرفوه، وعدم التغير أو التجديد في أمرٍ ورثوه عن النبوة ، لَميمنع عمر زوجته عاتكة بنت زيد من الخروج إلى المسجد على الرغم من غيرته الشديدة،فقد روى البخاري (900) في الصحيح من طريق نافع عن ابن عمر قال: كانت امرأة لعمرتشهد صلاة الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد فقيل لَها: لِمَ تخرجين وقد تعلمينأن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يَمنعه قول رسول الله صلىالله عليه وسلم: »لا تمنعوا إماء الله مساجد الله«.

ثالثا: موقف عبد الله بن عمر من ابنه لمخالفةالسنة

وعندما سمع هذا الحديث ابنٌ لعبد الله بن عمر هَمَّبِمخالفة النص الشرعي سداً لذريعة الشك في النساء، ومخافة من فتح باب للفسادوالخيانة؛ قال: ( لا ندعهن يخرجن فيتخذنه دغلا ) . فما وجد من عبد الله بن عمر إلاالتوبيخ وبيان أن قول رسول الله هو الأكمل والأعلم والأحكم والأسلم، ومعارضة ابنهوتعليلاته لن تأتي إلا بمخالفة العهد الأول، والدليل ما رواه مسلم في الصحيح (442/135) من طريق سالِم بن عبدالله، أن عبدالله بن عمر قال: سَمعت رسول الله صلىالله عليه وسلم يقول: »لا تَمنعوا نسائكم المساجد إذا استأذنكم إليها«، قال: فقالبلال بن عبدالله: والله لنمنعهن، قال: فأقبل عليه عبدالله فَسَبَّه سَبًّا سَيئا ماسَمعته سَبَّه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: واللهلنمنعهن. وفي رواية لِمسلم (442/138) فقال ابنٌ لعبد الله بن عمر: لا ندعهن يخرجنفيتخذنه دغلا.

رابعاً: موقف أبي سعيد الخدري من تغييرالسنة

وقوله: والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مماأعلم.

ولنا ما روى البخاري (956) ومسلم (889) في صحيحيها منحديث أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطروالأضحى إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به الصلاة، ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناسجلوس على صفوفهم، فيعظهم، ويوصيهم، ويأمرهم؛ فإن كان يريد أن يقطع بعثا قطعه، أويأمر بشيء أمر به، ثم ينصرف، قال أبو سعيد: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت معمروان وهو أمير المدينة في أضحى أو الفطر؛ فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثيّربن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرقيه قبل أن يصلي، فجبذت بثوبه، فجبذني فارتفع، فخطبقبل الصلاة، فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد! قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلموالله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة فجعلتهاقبل الصلاة . وفي رواية مسلم: قلت: كلا والذي نفسي بيده لا تأتون بخير مما أعلم - ثلاث مرار - ثم انصرف .

محافظة كبار التابعين على العهد الأول

قال عروة بن الزبير: أخطأ السنة

روى البخاري في صحيحه (1046، 1066) من طريق الزهري عنعروة عن عائشة رضي الله عنها: جهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخسوفبقراءته، فإذا فرغ من قراءته كبر فركع، وإذا رفع من الركعة؛ قال: »سمع الله لمنحمده، ربنا ولك الحمد«، ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف أربع ركعات في ركعتينوأربع سجدات. وقال الأوزاعي وغيره سمعت الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أنالشمس خسفت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث مناديا بالصلاة جامعة فتقدمفصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات. وأخبرني عبد الرحمن بن نمر سمع ابن شهابمثله، قال الزهري: فقلت: ما صنع أخوك ذلك؟! عبد الله بن الزبير ما صلى إلا ركعتينمثل الصبح إذ صلى بالمدينة؟ قال أجل إنه أخطأ السنة . والحمد لله الذي وفقنا وهداناوثبتنا على السنة.

تاريخ النشر 15/09/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:06 PM
إذا صح الحديث؛ فهو وحيٌ واجب الاتباع



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على الصادق الأمين؛ أما بعد:

قال تعالى:"وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَإِلا وَحْيٌ يُوحَى"[النجم: 4-3]، وروى أحمد في المسند (2/162، 192)، وأبو داود في سننه (3636)، بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أريد حفظه، فنهتني قريش،وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضبوالرضا، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعهإلى فيه، فقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق).


(اكتبوا لأبي شاه)


أولا: روى النهي عن كتابة الحديث لَما رواه مسلم فيصحيحه (3004) من حديث من أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: (لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه؛ وحدثوا عني ولا حرج ومنكذب عليَّ - قال همام أحسبه قال: - متعمدا فليتبوأ مقعده من النار). وهناك أحاديثواردة بخلاف ذلك، منها ما رواه البخاري (2434)، ومسلم (1355) في صحيحيهما من طريقالوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبوسلمة بن عبد الرحمن قال: حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا فتح الله علىرسول صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس.... إلى أن قال: فقام أبو شاه؛ رجل منأهل اليمن فقال: اكتبوا لِي يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اكتبوا لأبي شاه). قلت: للأوزاعي ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله! قال: هذه الخطبةالتي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.


كتابة الأحاديث في صحيفة مغايرة لصحيفةالقرآن


والراجح في أمر كتابة أحاديث وأخبار رسول الله صلىالله عليه وسلم، هو الحذر والاحتياط من اختلاط كلام الله على الناس مع كلام رسولالله صلى الله عليه وسلم عندما تكون الكتابة في صحيفة واحدة. والأمر على الإباحةعندما تكتب في صحيفة مغايرة ومنفصلة.


(اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلاحق)


ثانيا: قوله:? وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ?، أي: مانطق به النبي صلى الله عليه سلم من الكلام والقول كله حق، وقد بين ما تضمنته هذهالآية في الحديث المذكور أعلاه بقوله: فأومأ بإصبعه إلى فيه، فقال: (اكتب فوالذينفسي بيده ما يخرج منه إلا حق).

وهناك فائدة يجب التنبيه عليها: وهي أن ما ثبتت نسبتهإلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو حق لا تشوبه شائبة، ويفيد العلم، ولا يقبل الظنأو الشك والتردد في أمره مزلة للأقدام، قال تعالى:"إِنَّمَا كَانَ قَوْلَالْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْيَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"[النور: 51]،فإذا ذُكِّرَ أحدُ المؤمنين بآية في كتاب الله أو حديث صحيح عن رسول الله صل اللهعليه وسلم فما عليه إلا اللجوء إلى التصديق والطاعة، والقيام بامتثال ما سَمعهوأُمِرَ به، دون طلب التفصيل أو إثارة الجدل المحدث حول المنقول عن رسو ل الله صلالله عليه وسلم.


قسمة المعتزلة المشؤومة هي إلغاء وتكذيبللسنة


إن قسمة المعتزلة للأحاديث والأخبار إلى قسمين لا يسعأحد أن يحيد عنهما: (1) حديث الآحاد. (2) والحديث المتواتر. قسمة أخفت التكذيبالصريح للسنة، وقامت بتعطيل أقوال وأفعال سيد الأولين والآخرين، ويقابله مضادهتعظيم لكلام أفرزته عقول بشرية غير معصومة، ولَم يأت أمر من المشرع بالتعبد بِماحرروه ودونوه من الأقوال والأفعال ومطالبة المسلمين بالعمل به، قال تعالى: ?أَمْلَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِاللَّهُ?[الشورى: 21]، وهذا الأمر جزء من محاولات إبعاد الناس عن التعبد بالسنةالثابتة، ودعوة إلى مخالفة نهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريقة أصحابه الكرامرضي الله عنهم أجمعين، ومن ذلك نشأ الانحراف في الأمة حيث اتبع المسلمون عقول أصحابالمذاهب والمدارس المختلفة، وانحرفوا عن مذهب ومسلك الصحابة الذي لا يدرك إلابالأحاديث والأخبار المنقولة، وكيف لهم ذلك وقد وضعت الحواجز ونصبت الجدر باسم (القسمة المشؤومة)، وأرهبوهم بعدم المخالفة لهذه القسمة. وفقنا الله وإياكم إلى مايحبه ويرضاه، واللهم! نسألك الثبات على السنة حتى نلقاك، وأن تجمعنا وإخواننا علىطريقة وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 17/11/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:10 PM
إلى من أبطل الدعاء بالثبات... نسأل الله الثبات على الحق



لقد فوجئ الناس في العقدين الأخيرين في هذه البلاد،وكذلك في بلدان المنطقة المحيطة بنا، بظاهرة فريدة، وتجارة جديدة، وتسويقٍ غريبٍ،فقد أنشئت أسواقٌ ومتاجرُ لبيع الكلام المستورد ذي المحتوى المستهلك، ولكن تحتمسميات وعناوين براقة؛ مثل دورات البرمجة العقلية والعصبية، دورات تطوير الذات،دورات في الإيحاء، كيف تجلب السعادة؟ كيف تقرأ كتاباً في ساعة؟ كيف تفكر؟ كيف تحققالنجاح؟ كيف تتحدث؟ وكيف تتخلص من... وهكذا إلى نهاية السوق حيث يقع آخر متجرٍ لبيع الكلام، وغيره من بيع مواد غير مرئية وبضائع وهمية.



تجارة بيع الكلام والوهم والأحلام

إن الذي قام على جلب هذه المادة إلى بلداننا، وكلاءٌ بيعٍ إخوان لنا، ومن أبناء جلدتنا؛ - وكلٌ الغرابة أنهم جلبوها من مجتمعات تعانيالاحباط والتعاسة، ولم تتذوق السعادة -، بعدما غرر بهم منتجوها بحثاً عن المال بغزوأسواق جديدة، ولذا فلا أجد اسماً أو عنواناً يناسب مادتها ويمثل محتواها إلاوَسْمِها باسم: (تجارة بيع الكلام والأحلام)، ولقد باشر القائمون عليها وأعني بذلك: رجال [هذه] الأعمال؛ فقاموا بالترويج والدعاية لَها، في كل الوسائل المتاحة منمقروء ومسموع ومرئي، وذهبوا إلى الاعلان بأنها تحمل النجاحات، فهي وسيلة لانقاذالذات، وجلب الانتصارات في ميادين الحياة، وتم لهم ما أرادوا بالإذاعة والنشروالإعلان عن ذلكم المستورد حتى بلغ أكثر الأماكن، والأهداف المرصودة، وزُفَّتِالتباشير في أسواق بلادنا بوصول هذا الرائد الجديد، الذي يطوي بسحره كل مشاكلالخلق، ومعوقات الحياة، فيجعلها تنهار أمام أعين أصحابها، فكان أن سحروا أعين الناسوذهبوا بالعقول، وهذا أمر واقع؛ فقد يمتلك بعض الناس من المهارات ما يدفع بالذيأمامه إلى الوثوق به، وتصديقه في كل أقواله، كما فعل سحرة فرعون، قال تعالى: {فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ}[الأعراف: 116]، فنجحوا في بلوغ طائفة مستهدفة في الوهلة الأولى، وإقناع من أرادوا بأنهم المالك الحصري لأسرارالنجاح، وبحوزتهم المفتاح الرئيس لكل الحلول.


لم يحن الأوان لإزالة هذا السوق

حتى هذه الساعة؛ فإن مناقشة قضية تجارة بيع الكلام لمتبدأ، ولم يكن لي موعد معها في هذا المقال، رغم عدم قناعتي بما يملك أولئك التجاروالوكلاء الجدد، وهي قناعة مبنية على القواعد العلمية والنقدالأصيل.


السخرية من الدعاء بـ (اللهم! نسألك الثبات)

ولكن أن يخرج على الناس أحد أولئك الوكلاء ومستشار يتطوير الذات في الأجهزة الإعلامية، ويخوض في المسائل الشرعية مطلقاً العنان لنفسهدون لجام، يتكلم بما شاء وكيف شاء، ويجادل في دين الله بغير علم، فتكلم في إباحةالاختلاط وأن القول بالمنع معوق للعلاقة الزوجية، وأباح الموسيقى، وتوالى في قذف أفكارٍ مبعثرة! رغم أنه مستشار كما يدَّعون لبرمجة الأفكار في العقل، وكاد ألا يتركباباً؛ إلا ودعا لفتحه طلباً للتغير، حتى تحدث ساخراً بمن يسأل الله ويدعو لنفسهبالثبات، لأنه واقع تحت وطأة (تجارة الكلام وبيع الأحلام)، ولما يحمله من ثقافةغريبة على المسلمين، وهذا ما سأتناوله بالرد، وبغية ترتيب بعض أفكاره، ودعوة عقله ليمتثل للكتاب والسنة، وأن ما قاله بأن الدعاء بالثبات كلام غير صحيح مخالف للحقوالصواب:


العقل الصحيح يعرف المراد من استعمال لفظ الثبات


اعلم أخي الفاضل أن الناس غير ملزمين للاستسلام لماتحمله من ثقافة، بل عليك الاستفادة من العلم الذي حموه، والإذعان لما يقولوا بهخاصة إذا كان بالأدلة والبراهين في مواجهة الثقافة الغربية والتركة الصينيةوالأساطير اليابانية.


الحقيقة الشرعية تقدم على الحقيقة اللغوية


واعلم أصلحك الله وأرشدك أن الثبات له معنى في اللغة ومعنى في الشرع، فيحمل كلام المسلمين على المعاني الشرعية، مع العلم أنه لا يختلف اثنان، بل من المسلمات في لغة التفاهم بين العرب؛ أن أول ما يتبادر إلى الأذهان من السؤال بالثبات، هو طلب الثبات على الحق والهدى والخير، والدعاء بالتثبيت المطلق منالله في جميع المواقف والأحوال التي تواجه المسلم في حياته وبعد مماته، ولقولهتعالى:{فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ}[ق: 45]، فإليك أدلة من كلامالله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم:

1- قال تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلا أَنْقَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْأَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}[آل عمران: 147]، قال ابنالقيم في زاد المعاد (3/173): لما علم القوم أن العدو إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأنالشيطان إِنَّما يستزلهم ويهزمهم بِها؛ وأَنَّها نوعان: تقصير في حقٍ أو تَجاوزٍلِحدٍ وأن النصرة منوطة بالطاعة قالوا: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَاوَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}، ثُمَّ علموا أن رَبَّهم تبارك وتعالى إن لَم يثبتأقدامهم وينصرهم؛ لَم يقدروا هم على تثبيت أقدام أنفسهم ونصرها على أعدائهم، فسألوهما يعلمون أنه بيده دونهم، وأنه إن لم يثبت أقدامهم وينصرهم لم يثبتوا ولم ينتصروا،فوفوا المقامين حقهما: مقام المقتضي؛ وهو التوحيد والالتجاء إليه سبحانه ومقامإزالة المانع من النصرة وهو الذنوب والإسراف.ا.هـ

2- وقال تعالى: {وَكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْأَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّوَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}[هود:120].

3- وقال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوابِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّاللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ}[إبراهيم: 27]، قال الطبريفي تفسيره: والصواب من القول في ذلك ما ثبتَ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليهوسلم في ذلك، وهو أن معناه: -يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِالثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ-، وذلك تثبيته إياهم في الحياة الدنيا بالإيمان باللهوبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم -وَفِي الآخِرَةِ-، بمثل الذي ثبَّتهم به فيالحياة الدنيا، وذلك في قبورهم حين يُسْألون عن الذي هم عليه من التوحيد والإيمانبرسوله صلى الله عليه وسلم.اهـ.

4- وقال تعالى: {وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْدَخَلا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَاصَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}[النحل: 94].

5- وقال تعالى: {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ}[النحل:102].

6- وقال تعالى: {وَلَوْلاَ أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْكِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلا إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا}[الإسراء:74-75]،أليس الثبات على الهدى مطلوب ومن زاغ وانحرف عرَّض نفسه للعقوبة بالزيغ وعدم الثباتعلى الهدى، ولذا..

7- قال تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}[الصف: 5].

8- وقال تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا َنُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا}[الفرقان: 32]

وفي السنة:

1- روى البخاري (2837)، ومسلم (1803) في »صحيحيهما« منحديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يومالأحزاب ينقل التراب وقد وارى التراب بياض بطنه وهو يقول:

لولا أنت ما اهتدينا

ولا تصدَّقنا ولا صلَّينا

فأنزلن سكينة علينا

وثبِّتِ الأقدام إن لاقينا

إِنَّ الأُلى قد بغوا علينا

إذا أرادوا فتنـةً أَبينا»


2- روى أحمد في »المسند« (4/180)، وابن ماجه في »سننه« (199) بإسناد صحيح من حديث النواس بن سمعان الكلابي رضي الله عنه يقول: سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم يقول: »ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع ربالعالمين، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه«، وكان يقول: »يا مقلبالقلوب! ثبت قلوبنا على دينك، والميزان بيد الرحمن عز وجل يخفضهويرفعه«.

3- وروى الترمذي في »سننه« (2140) بإسناد صحيح من حديثأنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: »يا مقلبالقلوب! ثبت قلبي على دينك«، فقلت: يا رسول الله! آمنا وبك وبما جئت به، فهل تخافعلينا؟ قال: »نعم؛ إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله، يقلبهما كما يشاء«. ورواهأحمد في »المسند« (3/112، 257)، وابن ماجه في »سننه« (3834). فهلا أعلنت تراجعكأصلحك الله وأرشدك عن قولك، وذهبت إلى الصواب، ثبتنا الله وإياك على الحق، والحمدلله رب العالمين.


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 04/01/2010

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:13 PM
إًهْمالُ الدعوة إلَى التوحيدً» والانشغال بالدعوةً إلَى غير الغاية



نشاهد كثيرا من الدعاة قد شُغًلَ بدعوة الناس إلَى مَحاسن الأخلاق، وَتَهذيب السلوك، مستدلا علَى قوله بًما تطرب لَه الأسْماعُ من سردي للقصص والروايات الْمصنوعة، مُستغلا جهل السامع بًطُرُقً الاستدلال فًي الشرع، ومُراهناًعلَى أن دعوته تَجد قَبولا عند أكثر الفرق والطوائف، ولسان الحال يقول: دعوتًي» دعوةُ تَيْسًيْر لا دعوةُ تَنفيْر، دعوةُ جَمع لا دعوة تفريق، يَخطب وُدَّ الأديانالمختلفة، والطوائف المتفرقة، وهذه دعوة لن يَختلف عليها المسلمون والكفار، ولنتفصل بين طرفين، ولن تَجعل الناس إلَى فريقين، فريق في الجنة وفريق من أهل النار.

[دعوة الناس إلَى أعمال يغفرها الله]

فتراه قد ذهب فًي طريقَتهً إلَى دعوةً العبادً لأعمالهًي فًي الأصل تَحت الْمشيئة، قابلةي للمغفرة، فتشاغل بالمفضول عن الأفضل والفاضل،قال الله تعالَى: (إًنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفًرُ أَنْ يُشْرَكَ بًهً وَيَغْفًرُ مَادُونَ ذَلًكَ لًمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرًكْ بًاللَّهً فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلابَعًيدًا)[النساء: 116]، فذهبوا إلَى ما دون ذلك وتركوا بيان الشرك، والتحذيرمًمَّا تلبس به كثير من الناس من أعمال الكفر والشرك» بالدعوة إلَى التوحيد، فأجهدالنفس والجسد فًي الدعوة إلَى غير الغاية التًي من أجلها خَلَقَ اللهُ الْخلقَ،وجعل الجنة والنارَ، وبعث الأنبياء والرسل مبشرين ومنذرين» فكان من الخلق شقيوسعيد، قال تعالَى:(وَمَا خَلَقْتُ الجن وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً)[الذاريات: 56]» أَي: يوحدون.

[الكفر والشرك لا يُغْفَرُ إلابًالتوحيد]

والأمرُ الذي ليس تَحت المشيئةً» ولا تكون الْمغفرةإلا باعتقاده وعمله والإتيان به» أهمله أولئك الدعاة» وأعرضوا عنه، فَأُهْمًلتالدعوة إلَى التوحيد ومُخالفة المشركين. فماذا يكون النفع عندما يأتًي العبادبأعمال وأقوال صالًحة وقد وقعوا فًي الشرك كالاستغاثة والاستعانة بالأموات، وغيرهمن الأعمال والوسائل المفضية إلى الشرك، لا شك أَنَّها أعمالي لا قيمة لَها إذاخُدش جنابُ التوحيد، لقوله تعالَى:(ذَلًكَ هُدَى اللَّهً يَهْدًي بًهً مَنْ يَشَاءُمًنْ عًبَادًهً وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبًطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوايَعْمَلُونَ)[الأنعام : 88]، وقالَ تعالَى:( وَقَدًمْنَا إًلَى مَا عَمًلُوا من عملفجعلناه هباءً مَنْثُورًا)[الفرقان: 23]، بل لا يُعذر الأنبياء والأولياء إن وقعوافًي ذلك، وَبَيَّنَ اللهُ لنَبًيًّهً وأفضل خلقه» أن الشرك يبطل عمله، قال اللهتعالَى:(وَلَقَدْ أُوحًيَ إًلَيْكَ وَإًلَى الَّذًينَ مًنْ قَبْلًكَ لَئًنْأَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مًنَ الخاسًرًين )[الزمر: 65]،أي: لئن أشركت بالله شيئا يا محمد! ليبطلن عملك، وفيه بيان أن النبي صلى الله عليهوسلم على علو منزلته لو أشرك لَحبطَ عمله، فكيف بًغَيْرًهً من الناس؟! ومن المعلومأن الله قد عصم نبيه من الوقوع فًي الشرك ووسائله.

[هل ننبئكُم بالأخسرين أعمالا]

يا دعاة التهذيب والوسطية والتقريب! يا دعاة سبكالبشرية! فًي شراكة ومنظومة إنسانية بلا تفريق بين موحد ومشرك، وسني وبدعي، حتىتصير الأمور إلَى عَالَم لا يعرف المحق من المبطل، ولا يَميز فيه الخبيث من الطيب،بدعوى لا يقبلها شرع ولا عقل، وبًشعار زائف يقول: نعم للتعددية الفكرية والحريةالعقدية، ولا» للخلاف الإنسانًي، وكيف يكون لا خلاف؟! والمقام مقام دعوة وبيانلًمَنهجً الأنبياء والرسل: قال الله تعالَى:(قُلْ هَلْ نُنَبًّئُكُمْبًالأَخْسَرًينَ أَعْمَالا، الَّذًينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فًي الحيَاةً الدُّنْيَاوَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسًنُونَ صُنْعًا) [الكهف: 104ـ103]، ويا دعاةالشراكة الإنسانية! إنًي سائل فأجيبوا، من يكون نصيبه الجنة؟! ومن يكون نصيبهالنار؟! من هؤلاء الشركاء. وإياكم أن تتجاهلوا قول الله تعالَى: (وَتُنْذًرَ يَوْمَالجمعً لاَ رَيْبَ فًيهً فَرًيق فًي الجنَّةً وَفَرًيق فًي السَّعًيرً، وَلَوْشَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحًدَةً وَلَكًنْ يُدْخًلُ مَنْ يَشَاءُ فًيرَحْمَتًهً وَالظَّالًمُونَ مَا لَهُمْ مًنْ وَلًيّ وَلاَ نَصًير) [الشورى:8ـ7]،وفًي قوله:( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحًدَةً )»أي: أهل دينواحد» أهل ضلالة أو أهل هدى، ولكن قضت حكمة الله أنه لا شراكة فكرية أو عقدية» فالناس إما أهل إيمان أو أهل كفر، وفريق فًي الجنة وفريق فًي السعير واللهالمستعان.

[خذوا عني خذوا عني]

أيها الدعاة! راهنوا على طريقة الأنبياء والرسل، فهيسبيل الفكاك والنجاة، قال تعالَى:(اتَّبًعُوا مَا أُنْزًلَ إًلَيْكُمْ مًنْرَبًّكُمْ وَلاَ تَتَّبًعُوا مًنْ دُونًهً أَوْلًيَاءَ قَلًيلا مَاتَذَكَّرُونَ)[الأعراف: 3]، واتبعوا سنة مَحمد صلى الله عليه وسلم، واسلكوا سبيله،ولا تحيدوا عن منهجه، فهو الذي يقول فيما رواه مسلم فًي صحيحه(1690) من حديث عبادةبن الصامت رضي الله عنه: (خذوا عني خذوا عني)، وإن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم،لَم يكن هَمهم جَلب رضا الْخلق» بقدر ما كانوا يدعون إلَى رضا خالق الخلق بإفرادهبالعبودية، فلَم يبحثوا عن رضى الناسً والتَكَثُّرً بًالأتباع يوما ما، قال تعالَى: (قُلْ إًنَّنًي هَدَانًي رَبًّي إًلَى صًرَاط مُسْتَقًيم دًينًا قًيَمًا مًلَّةَإًبْرَاهًيمَ حَنًيفًا وَمَا كَانَ مًنَ المشرًكًينَ، قُلْ إًنَّ صَلاَتًيوَنُسُكًي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتًي لًلَّهً رَبًّ الْعَالَمًينَ، لاَ شَرًيكَ لَهُوَبًذَلًكَ أُمًرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ المسْلًمًينَ) [الأنعام: 163ـ161]. والحمد للهرب العالمين.

د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 18/2/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:14 PM
احذروا لغة قلب الحقائق؛ شعار المسيح الدجال



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

إن احترام العقول وعدم الاستهانة بِها؛ هو الطريق الأمثل والأسلوبالرفيع، ولذا نجد الذي يَملك الحقيقة ليس في حاجة تلجئه إلى النزول في مستوى خطابه،وما نسمع ونشاهد من استخفاف بعض الناس بالعقول، دليل على ضعف دعواه، وهذه حُجَّةُالضعفاء، وفاقدي الحجج والبراهين دائماً وأبداً، ولذا كان ذلك الإكرام من اللهتعالى للعقل بالخطاب الواضح المبين، والأدلة والبراهين، وبالكلمة الطيبة، والمفردةوالعبارة التي لا تقبل تأويلا ولا تحمل زخرفا وتَمويهاً، قال الله تعالى:*هَذَابَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌوَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ* [إبراهيم: 52]، و*أُولُوالأَلْبَابِ*؛أي: أولو العقول، والألباب: جمع اللب، واللب العقل، وخص الله تعالىذكره بالخطاب أهل العقول لأنهم أهل الأفهام والإدراك؛ فهم الذين يعقلون عن اللهمراده من الأمر والنهي، ويحسنون تدبر الآيات والحجج دون غيرهم.



شقاء التصورات، والأحلام،والنظريات

فحصل هذا التخصيص من الله، وأكرم بخطابه من كان له عقليهديه إلى الصواب، أما من لا عقل له يهديه إلى الحق والصواب، فلن يحصل له التوفيقوالسداد، وسيبقى يعيش في شقاء تصوراته، وأحلامه، وتنظيراته؛ من حيث لا يدري، كما هوحال بعض الْمُتَعَصّبة من الأفراد والأحزاب، والذين بلغ بِهم عدم الفهم، والغلو فيقلب الحقائق؛ فذهبوا وتجاوزوا كل الحدود في المغالطات، إلى المطالبة بالقوة،واستباحة الإرهاب الفكري، يريدون من الخلائق أن توافق جبراً على الفكر والفهمالمنحرف الذي اعتنقوه وحملوه.

مهاجمة المجتمع بتغيير المفاهيم وقلبالحقائق

لقد بلغ الأمر من تصرفات تصدر من بعض الجماعاتوالأحزاب؛ إلى حد الخروج عن سلوك الجنس البشري المعهود، على اختلاف الأماكنوالحضارات والملل والديانات.

مصادرة كل شيء قبل أن يصادر الحزب

إن بعض الأحزاب والجماعات تضحي بمفاهيم اللغة العربية،والمصطلحات الشرعية، وتلغي أسْماء الحقائق وما تعارف الناس عليه؛ من أجل المصالحالحزبية، وجعلوا الثوابت والمسلَّمات، وما رسخ من المعلومات الصحيحة، والثقافات،والمبادئ السليمة؛ قابلا للانْهيار أمام النظريات والمكاسب الحزبية، بل كل شيء - عند من باع عقله - قابل للهدم في سبيل عدم اهتزاز صورة هشة، وأفكار بشرية، ومبادئملوثة، ليس عليها أثارة من علم الكتاب والسنة، أو ما علمه العقل ضرورة كالشمسمشرقة، فأَصْبَحْتَ يا عبد الله! ترى مصادرة المفردة ومعناها وهي موضع التخاطب بينكوبين البشر، ووأد الحقيقة ولغة التفاهم بأكملها، وطمس الألفاظ التي تفسر المعانيوتُعَبِّرُ عن الأحداث، واستبدلت بقاموس المفردات الحزبية - القاموس السحري -،فأصبح الحق باطلا، والباطل حقاً، والإيمان كفرا والكفر إيمانا، والنصر هزيمةوالهزيمة نصراً، والضرب إكراماً والإكرام ضرباً، وحتى الصياح والضجيج، يراه أولئكالقوم لغة لين القول واللطف في التفاهم، وجعلوا عالَم الفوضى الذي يعيشونه ويعشقونههو القمة والمنتهى في الحكمة، وكل من حولهم يمارس حياة الفوضى ولا يعرف للحكمةمعنى، فيما يرى ويكتب ويقول؛ فرأيه الفوضى، وقوله: التخاذل، وما تلك الكتاباتالمدعومة بالأدلة والحجج والبراهين إلا مزاولة للطعن؛ في قاموس الأحزاب وجرائم لنتغتفر.

فرعون لم يحترم العقول

ومن المعلوم أن الاستخفاف بعقول الناس من الأساليبالرديئة، وطريقة أصحاب الباطل ودعاة الضلال، وهذا ما فعله فرعون مع قومه لصدهم عنالحق، فكان نبي الله موسى يدعو إلى الحق والتوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له،وفرعون مصر استخف بعقول المجتمع والعوام من الناس، وذهب يقلب الحقائق والمعانيالصحيحة؛ التي جاء بها موسى عليه السلام، قال تعالى: *فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُفَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ* [الزخرف: 54]، قال البغوي فيتفسيره: قال الله تعالى: *فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ*؛ أي: استخف فرعون قومه القبط، أيوجدهم جهالا، وقيل: حملهم على الخفة والجهل، يُقال: استخفه عن رأيه، إذا حمله علىالجهل وأزاله عن الصواب.اهـ وقال ابن كثير: أي: استخف عقولَهم، فدعاهم إلى الضلالةفاستجابوا له.اهـ

إبليس لم يحترم العقول

وكذلك مارس إبليس قلب الحقائق والتزيين والتلاعببالألفاظ، من أجل نصرة طريقته، وتكثير أنصاره وأتباعه، قال تعال: *قَالَ رَبِّبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْأَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ* [الحجر:39-40]، وقال تعالى: *وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَقَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِيكَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّجَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْبِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِيالأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًاإِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلا* [الإسراء :61- 65 ]، وفي قوله تعالى: *وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْبِصَوْتِكَ *؛ أي: من استطعت أن تتلاعب بعقله، ويقبل سحرك ويصدق بقاموس ألفاظك؛المجانب للحقيقة والبعيد عن الصواب، فمآله الضلال والهلاك، - وَمَا يَعِدُهُمُالشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا -، وانظر كيف سلكت بعض الأحزاب الطريق نفسه؟! فما تعدهمالأحزاب إلا غروراً، وكلاما مزيفاً، ولكن العقلاء ومن تمسك بالكتاب والسنة، وأخذبالألفاظ الشرعية، ولم يهمل المعاني العربية؛ فلهم النجاة من ذلك كله، لقوله:*إِنَّعِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ*، وهذه رسالة إلى كل فرد أو حزب أوجماعة ممن مذهبه فتنة الناس وقلب الحقائق، والصد عن الصراط المستقيم ومعرفةالحقيقة.

المسيح الدجال حجته التمويه وقلبالحقائق

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمسيح الدجال وحذرأمته من باطله، فكثير من أهل الأرض اعتنق مذاهب وطرائق مصدقاً لَها وهي في الحقيقةباطل، وذلك بسبب التزيين والتمويه الذي يحملهالدعاة إلى هذه الملل الباطلة، وقلبالحق باطلا، وجعل الباطل حقاً، ولذا حذر أمته من المسيح الدجال وأشباهه من دعاةالضلال، وعلمهم الدعاء؛ كما روى البخاري (833)، ومسلم (589) في صحيحيهما من طريقعروة بن الزبير، أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته، أن النبي صلى اللهعليه وسلم كان يدعو في الصلاة: »اللهم! إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك منفتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا، وفتنة الممات، وأعوذ بك من المأثموالمغرم«، قالت: فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله؟! فقال: »إن الرجل إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف«.

اعلموا أن الحق في خلاف دعواه

الدجال وكل إمام ضلالة

المسيح الدجال يكذب، ويقلب الحق باطلا، فإذا قال: هذهجنة فاجعلوها ناراً، وإذا قال: هذه نار فاجعلوها جنةً، ولا تغتروا بشعاراته،فخالفوا طريقه، وارفضوا كل شعار يرفعه، واعلموا أن الحق في خلافه، فالمسيح يَدّعيأنه يحيي ويميت، وأن معه جنة وناراً، ومعه خيرات وهي شر في الحقيقة.

روىالبخاري (7130)، ومسلم (2935) في صحيحيهما من طريق ربعي بن حراش، عن عقبة بن عمروأبي مسعود الأنصاري قال: انطلقت معه إلى حذيفة بن اليمان فقال له عقبة: حدثني ماسَمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدجال، قال: »إن الدجال يخرج، وإن معهماء وناراً، فأما الذي يراه الناس ماء فنار تحرق، وأما الذي يراه الناس ناراً فماءبارد عذب، فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يراه ناراً، فإنه ماء عذب طيب«، فقالعقبة: وأنا قد سَمعته تصديقاً لحذيفة.

وروى البخاري في صحيحه (3338) من حديثأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ألا أحدثكم حديثاعن الدجال ما حدث به نبي قومه، إنه أعور، وإنه يجيء معه بِمثال الجنة والنار، فالتييقول: إِنَّها الجنة هي النار، وإني أنذركم كما أنذر به نوح قومه«.

خير الناس الذي لا يصدق أئمة الضلالة

روى البخاري (1882)، ومسلم (2938) في صحيحيهما من حديثأبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً،حديثا طويلاً عن الدجال، فكان فيما حدثنا قال: »يأتي وهو محرم عليه أن يدخل نقابالمدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خيرالناس أو من خير الناس، فيقول له: أشهد أنك الدجال الذي حدثنا رسول الله صلى اللهعليه وسلم حديثه، فيقول الدجال: أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر؟فيقولون: لا، قال: فيقتله، ثم يحييه، فيقول حين يحييه: والله، ما كنت فيك قط أشدبصيرة مني الآن، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلا يسلط عليه«. فاللهم! اعصمنا منالفتن ما ظهر منها وما بطن، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر 02/02/2009



الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:16 PM
اصطلاح المعارضة ظاهرة غريبة على المجتمعات الإسلامية


كتب:د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد الله رب العالمين والصلاةوالسلام على خاتم المرسلين وبعد:

عبر تاريخ حافل بالانجازات وحضارة مميزةقدمها الاسلام للانسانية، لم يكن في العلاقات البشرية والانسانية بين الراعيوالرعية في جماعة المسلمين ما يعرف اليوم - بالمعارضة - وهي بحسب ما نراه الانظاهرة مستوردة تتمثل في طائفة من المجتمع تتسمَّى بهذا الاسم، وتخالف وتناقض وتعارضتحت غطاء هذا الاسم المنكر، الذي سوقوا له بين العامة ليكون معروفا، حتى لا يسع احدانكاره، وكل الافعال والتصرفات باسم هذا الشعار مشروعة، بل جعلوها ضرباً من ضروبالتضحية والبطولة ومن ليس مع هذه الطائفة لا يعد من المناضلين الاحرار، وسمه ما شئتمن الاسماء، مداهن، مدار، متخاذل، وموال للسلطة الى غير ذلك من الاسماء التياستخدمت سلاحا يمارس به الارهاب الفكري لمن يقف في وجه الطوفان «المعارضة» ذلكالوافد - الظاهرة - الجديد باسمه، القديم بمضمونه، والله يقول (والله يعلم المفسدمن المصلح...) «البقرة :220» وهذه الظاهرة وليدة الديانات المحرفة والحضاراتالغربية تتعايش بها وفق منظومة مجتمعاتها الممزقة وفيهم قال تعالى (ولا تكونواكالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات واولئك لهم عذاب عظيم) «آلعمران:105» وقال تعالى: (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء انماامرهم الى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) «الانعام: 159» وهو الاسلوب نفسه الذيكانت تمارسه الفرق والاحزاب الباطنية سرا في الكهوف المظلمة كيدا بهذا الامةوبجماعة المسلمين، حتى لا يستقر لهم حال، وتكون نهاية دولتهم الزوال، حسدا من عندانفسهم بعد نهاية الفرس والروم الدولتين العظميين حين ذاك على ايدي المسلمين اعادالله لنا اياما مثل تلك الايام، ترفع فيها رايه الاسلام قال تعالى: (كنتم خير امةاخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله...) «آل عمران: 110» هذا سر من اسرار ظهور هذه الامة على باقي الامم وهو الباب الحقيقي للاصلاح كما جاءفي كلام الله، وقال تعالى: (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروفوينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) «آل عمران: 104» لا امة يعارضون ويفرقون، بليأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالضوابط الشرعية اي: ولتكن منكم طائفة نفعللجماعة واعانة للولاة، لا طائفة تفرق الجماعة واهانة للولاة لذلك جاء الامربالتعاون بين كل المؤمنين لا ان تكون احدهما موافقة والاخرى معارضة فقال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان...) «المائدة : 2» وقالابن كثير : يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات وهو البر، وتركالمنكرات وهو التقوى وينهاهم عن التناصر على الباطل والتعاون على المآثم .أ هـ وروىالبخاري «6026»، ومسلم في صحيحيهما (2585) من حديث ابي موسى رضي الله عنه، عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك بيناصابعه». اي لا يحطم بعضه بعضاً بالتعارض والاختلاف، وذكره البخاري في باب تعاونالمؤمنين بعضهم بعضاً.

والمعارضة تؤدي الى اختلاف القلوب لما رواه البخاري (2410) في صحيحه في كتاب الخصومات من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا». ولما رواهمسلم في صحيحه (432) من حديث ابي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلىالله عليه وسلم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: «استووا ولاتختلفوا فتختلفقلوبكم».

المعارضة شعار لا أصل له في شريعةالإسلام

فلابد ان يقبر هذا الشعار الذي زينوه بالكلاموزُخْرُفً القول لقوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم الا من امر بصدقة او معروفاو اصلاح بين الناس...) «النساء114»، فمن الفساد ان توجد في المجتمع معارضة علنيةتعارض ما عليه المسلمون وإمامهم، او معارضة سرية وهي دويلات وخلايا باطنية داخلالدولة الظاهرة.

ولقد بدأت الفتن في هذه الامة منذ انطلاق اول مظاهرة لفئةمعارضة اعلنت المجاهرة بالانكار على الامراء على مرأى من الجماهير وانتهت باستشهادعثمان بن عفان رضي الله عنه، والتأصيل عندنا فيما رواه البخاري (3267)، ومسلم فيصحيحيهما (2989) عن اسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قيل له: الا تدخل على عثمانفتكلمه؟ فقال: اترون اني لا اكلمه الا اسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه، مادون ان افتتح امراً لا احب ان اكون اول من فتحته، وفي رواية البخاري قال: انكملترون اني لا اكلمه إلا اسمعكم اني اكلمه في السر. ومعنى: (اترون اني لا اكلمه إلااسمعكم) معناه اتظنون اني لا اكلمه إلا وانتم تسمعون، ومعنى قوله: (ما دُونَ انافتتح امراً لا احب ان اكون اول من فتحه يعني: المجاهرة بالانكار على الامراء فيالملأ.

وما اخرج البيهقي في شعب الايمان (7523)، وابن ابي عاصم في السنة (488/2) عن انس بن مالك رضي الله عنه قال نهانا كبراؤنا من اصحاب محمد صلى اللهعليه وسلم قال لا تسبوا امراءكم، ولا تغشّوهم، ولاتعصوهم، واتقوا الله واصبروا، فإنالامر قريب. واسناده حسن.

بهذا يظهر ان ما يردده البعض - اصطلاح المعارضة - ويفاخر به، هو ما بين طريقة للفرق المنحرفة في ظل الدولة الاسلامية، او شعار مستوردفُرض على ثقافة المسلمين في فترات الضعف والانبهار بالحضارة الغربية، والحقيقة انهلا اصل له في شريعة الاسلام، والحمد لله على رب العالمين.



تاريخ النشر: الاثنين 10/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:18 PM
الأحاديث الضعيفة والموضوعة في الصيام وفي فضائل رمضان



الحمد لله وحدة والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد: فهذا تذكير وتنبيه على بعض الأحاديث التي يكثر منها بعض الخطباء والوعاظ والقصاصون إكمالا لما بدأناه في العدد السابق:

الحديث الثاني: عن أنس بن مالك قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل رجب قال: »اللهم! بارك لنا في رجب، وشعبان، وبلغنا رمضان« [ضعيف ].

رواه الطبراني في الأوسط (4/189)، والدعاء له (1/284)،وابن السني في عمل اليوم والليلة (659)، وأبو نعيم في الحلية (6/269)، والبيهقي فيشعب الإيمان (3/375)، والخطيب البغدادي في موضح أوهام الجمع والتفريق (2/552)،ورواه عبد الله بن أحمد في المسند (1/259) بلفظ: »اللهم! بارك لنا في رجب، وشعبان،وبارك لنا في رمضان«، كلهم من طريق زائدة بن أبي الرُّقاد، قال: حدثني زيادالنُّميرِي عن أنس بن مالك به. وفي الإسناد ضعيفان: هما زائدة بن أبي الرُّقَاد، وزياد بن عبد الله النميري

فالأول: زائدة بن أبي الرُّقَاد: منكر الحديثضعيف

-1 قال علي بن المديني: روى مناكير. رواه العقيلي فيالضعفاء الكبير. -2 وقال البخاري في التاريخ الكبير: منكر الحديث. -3 وقال أبو حاتمالجرح والتعديل: يحدث عن زياد النميري، عن أنس أحاديث مرفوعة منكرة؛ فلا ندري منهأو من زياد ؟ ولا أعلم روى عن غير زياد فكنا نعتبر بحديثه. -4 وفي سؤالات أبي عبيدالآجري لأبي داود (630) قال أبو داود: لا أعرف خبره.

-5 وقال النسائي في الضعفاء والمتروكين (219): منكرالحديث. -6 وفي سؤالات ابن طهمان لابن معين (153) قال: ليس بشيء. ـ7 وقال ابن حبانفي المجروحين: يروي المناكير عن المشاهير لا يحتج به، ولا يكتب إلاللاعتبار.

وذهب الحفاظ إلى تضعيفه فذكره الذهبي في المغني فيالضعفاء (1/360رقم: 2158)، وقال في الميزان: ضعيف. وقال ابن حجر في التقريب: منكرالحديث.

والثاني: زياد بن عبد الله النميري: ضعيف

-1 في كتاب الجرح والتعديل قال يحيى بن معين: ضعيفالحديث، -2 وقال أبوحاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. -3 وفي سؤالات أبي عبيد الآجريلأبي داود (1122) قال: وسألتُ أبا داود عن زياد النميري فضعفه. -4 وقال الدارقطنيفي سننه (2/458): ليس بقوي.5- وقال ابن حبان في الثقات: يخطئ وكان من العباد، وذكرهفي المجروحين فقال: منكر الحديث، يروي عن أشياء لا تشبه حديث الثقات لا يجوزالاحتجاج به، تركه يحيى بن مَعِين.

وقال الذهبي في المغني في الضعفاء (1/374رقم: 2235): ضعيف

وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف

قلت: وهو كما قالا.

الحديث الثالث: روى الطبراني في الأوسط (8/174) قال: حدثنا موسى بن زكريا، نا جعفر بن محمد بن فضيل الجزري، نا محمد بن سليمان بن أبيداود، نا زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: »اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا«. لم يرو هذاالحديث عن سهيل بهذا اللفظ إلا زهير بن محمد.

قلت: [ ضعيف]

وأقول: في الإسناد علتان: الأولى: جعفر بن محمد بنفضيل الجزري.

روى الخطيب في تاريخ بغداد (7/177) عن أبي عبد الرحمنالنسائي يقول: جعفر بن محمد بن الفضيل ليس بالقوي. وقال الذهبي في تاريخ الإسلام: قال النسائي : ليس بالقوي، ووثقه غيره. قلت: مختلف فيه، وروايته حسنه، ولكن ليس فيمثل هذا الموضع.

الثانية: محمد بن سليمان بن أبي داود : لا يحتملتفرده، وهذا اللفظ رواية شامي عن زهير بن محمد، والشاميون إذا رووا عنه أخطأواعليه، ورواية العراقيين أثبت.

1- قال أبو حاتم في العلل (1/159): محمد بن سليمانمنكر الحديث. 2- وضعفه الدارقطني في العلل (4/346، 9/231)، وقال ابن عدي في الكاملفي الضعفاء: وهذه الأحاديث لزهير بن مُحَمد فيها بعض النكرة، ورواية الشاميين عنهأصح من رواية غيرهم، وله غير هذه الأحاديث ولعل الشاميين حيث رووا عنه أخطأوا عليهفإنه إذا حدث عنه أهل العراق، فرواياتهم عنه شبه المستقيم، وأرجو أنه لا بأسبه.قلت: وهنا علة أخرى وهي رواية الشاميين عنه.


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي



تاريخ النشر 31/08/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:22 PM
الأَحزابُ دعوة إلى التفرقً...وَنًهايةً دَولَة


ابليس أول من أسس الأحزاب واعترض على الأوضاع القائمة

الأمم تسعى للأمان وتبحث عن استقرار الشعوبً، والدول التي تَحرص على رعاية مصالح سكانها تعمل على جمع الشمل وتراص الصفوف، ووحدة أبناء الدولةً، فإن كل التجمعات البشريةً لا تستقيم لَها مصالًح بالشتات والتفرق والتحزب، وهل الازدهارُ والنماءُ يكون فًي المواضع الآسنة، إنَّ التطور والنمو الذي تنشده الْمُجتمعات لا يقوم إلا فًي بيئة طاهرة، بيئة أمن وأمان، ولن تفوز بهذا الأَمْن وتجد نُموا إلا بتوثيق الروابطوالعلاقات بين عناصر المجتمع كافة، لا بتفكيك الأمة» أو تركها هملا لذئاب الأحزاب،إن الدولَ والأممَ تتكون من مَجموعة أفرادً، وما يُشاهَدُ مًنْ سَعْيً الدول لتوحيدالصفوف، وتقريب الْمَفاهيم، وجَمعً الكلمةً بًسُبل مَشروعة، حولَ غاية نبيلة» فذلكمًن أجل وحدة واتفاقي» لبناءً دولة آمنة مطمئنة.

1ـ قالتعالَى:(وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبًرًّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَىالإًثْمً وَالْعُدْوَانً)[المائدة: 2]، وذلك بًالْمُعاونَةً على فعل الْخَيراتً،وترك الْمُنكرات، والنهي عن التناصر على الباطل والتعاون على الْمَآثًمً، والبعد عنالتغالبً والتناحر، والإقبال على التنافس المشروع من فعل الخيرات وعمل الطاعات كمافًي قوله تعالَى:(وَفًي ذَلًكَ فَلْيَتَنَافَسً الْمُتَنَافًسُونَ)[المطففين: 26].

2ـ وَوصف الاتفاق والائتلاف بالبنيان الْمُتماسك فقال:(كَأَنَّهُمْبُنْيَان مَرْصُوص)[الصف: 4]، وروى البخاري (6026)، ومسلم فًي صحيحيهما (2585) منحديث أَبًي مُوسَى رضي اللهُ عنه، عنً النبًيًّ صلى الله عليه وسلم قال: »الْمُؤمًنُ للمؤمنً كالبُنْيانً يَشُدُّ بَعضُهُ بعضًا، ثُمَّ شَبَّكَ بينَأَصابعهً«. أي: لا يحطم بعضه بعضا بالتعارض والاختلاف، وذكره البخاري فًي باب تعاونالْمؤمنيْن بعضهم بعضا، والأدلة على وحدة الصف وعدم التحزب والتفرق شاهدة على أنحياة الناس لا تستقيم بالفرقة، وتكوين الأحزاب، وعالَم الذئابً.

وقالالنابغة:

تَعْدُو الذًّئَابُ عَلى مَنْ لا كًلاَبَ له...

وتَتّقيصَوْلَةَ المُسْتأسًدً الحامي

3ـ قال تعالَى:(بَلً اتَّبَعَ الَّذًينَظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بًغَيْرً عًلْم فَمَنْ يَهْدًي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَالَهُمْ مًنْ نَاصًرًينَ فَأَقًمْ وَجْهَكَ لًلدًّينً حَنًيفًا فًطْرَةَ اللَّهًالَّتًي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدًيلَ لًخَلْقً اللَّهً ذَلًكَ الدًّينُالْقَيًّمُ وَلَكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ مُنًيبًينَ إًلَيْهًوَاتَّقُوهُ وَأَقًيمُوا الصَّلاَةَ وَلاَ تَكُونُوا مًنَ الْمُشْرًكًينَ مًنَالَّذًينَ فَرَّقُوا دًينَهُمْ وَكَانُوا شًيَعًا كُلُّ حًزْب بًمَا لَدَيْهًمْفَرًحُونَ)[الروم: 29ـ32].

4ـ وقال تعالَى: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذًينَتَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مًنْ بَعْدً مَا جَاءَهُمُ الْبَيًّنَاتُ) [آل عمران: 105]، وهم اليهود والنصارى، والمعنى الْمُراد: ولا تكونوا كالذين تفرقوا واتبعواالأهواء والبدع التي ما أنزل الله بًها مًنْ سلطان واختلفوا من بعد ما جاءَتْهمالبينات والْحُجَجُ العقليةً والبراهين الشرعيةً التي توجب الاتحاد واتفاقالكلمة.

5ـ وقال تعالَى:(إًنَّ الَّذًينَ فَرَّقُوا دًينَهُمْ وَكَانُواشًيَعًا لَسْتَ مًنْهُمْ فًي شَيْء)[الأنعام: 159]، وقال: (أَنْ أَقًيمُوا الدًّينَوَلاَ تَتَفَرَّقُوا فًيهً)[الشورى: 13].

6ـ وقال تعالَى:(فَاخْتَلَفَالأَحْزَابُ مًنْ بَيْنًهًمْ)[مريم: 37]، وهذا دليل على أَنَّهم باختلافهم صارواأحزابا، والأحزاب طريق يزيد الاختلاف ويُمزق الْمُجتمعات، والأحزاب قائمة علىالنزاع والاختلاف، والله تعالَى يقول:(وَأَطًيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رًيحُكُمْ)[الأنفال: 46]، وَإنَّ وقودَالأحزاب واستمرار اشتعالًها هو بيئةُ التنازعً والاختلافً، وهذا أمري لا مَحالةَيُؤَدًّي إلَى اختلاف القلوبً لًما رواه البخاري (2410) فًي صَحيحًهً فًي كتابًالْخصومات مًن حديثً عبدً اللهً بْنً مَسعودي رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنً النبًيًّصلى الله عليه وسلم قال: »لا تَختلًفوا فإًنَّ مَنْ كانَ قبلَكُمُ» اخْتَلَفُوافَهَلَكُوا«. ولًما رواهُ مُسلم فًي صَحيحهً (432) من حَديثً أَبًي مَسعود البدريرضًيَ اللهُ عنهُ قال: كان رسولُ اللهً صلى الله عليه وسلم يَمْسَحُ مَنَاكًبَنَافًي الصلاةً، ويقولُ: »اسْتَووا ولا تَخْتَلًفُوا فَتَختَلًفَقُلُوبُكُمْ«.

أولُ مؤسس للأحزابً ورافعي لشعارً المعارضة

إبليس أول من أسس الأحزاب واعترض على الأوضاع القائمة،قال تعالَى: (وَإًذْ قُلْنَا لًلْمَلاَئًكَةً اسْجُدُوا لآَدَمَ فَسَجَدُوا إًلاإًبْلًيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ)[البقرة: 34]، وأبدى أسباب معارضته» فقال تعالَى: (فَسَجَدُوا إًلا إًبْلًيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لًمَنْ خَلَقْتَ طًينًا)[الإسراء: 61]، وصار الناس بعد ذلك فًي تفرقي واختلافي إلَى يومنا هذا، من لدن آدم ونوح حتىمحمد صلى الله عيه وسلم، وإلَى يومنا هذا ولذا كان النهي مًنْ ربنا تبارك وتعالَىعن اتباع هذا الحزب: (أَفَتَتَّخًذُونَهُ وَذُرًّيَّتَهُ أَوْلًيَاءَ مًنْ دُونًيوَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ بًئْسَ لًلظَّالًمًينَ بَدَلا)[الكهف :50]، وقال: (يَاأَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّبًعُوا خُطُوَاتً الشَّيْطَانً وَمَنْيَتَّبًعْ خُطُوَاتً الشَّيْطَانً فَإًنَّهُ يَأْمُرُ بًالْفَحْشَاءًوَالْمُنْكَرً)[النور :21].

لا إصلاح إلا بالديموقراطية، ولا ديموقراطية إلابالأحزاب

لقد جعلوا من الأحزاب التًي تُمارس نشاطها سًراً» ولا تعيش إلا فيالظلمات، تكون ظاهرة معلنة تُمارس دورها الْمشبوه باسم (الديموقراطية) وقالوا: فلاأحزاب إلا بالديموقراطية، ولا ديموقراطية إلا بالأحزاب (كَبُرَتْ كَلًمَةً تَخْرُجُمًنْ أَفْوَاهًهًمْ إًنْ يَقُولُونَ إًلا كَذًبًا)[الكهف: 5]، خدعوا الناس بنظريةبشرية ظهرت فًي القرون الْمُتأخرة، فلما وقع الناس فًي هذا الشراك، دفعوا إليهبنظرية الشقاق (الأحزاب)، الوليد الْمُشاغب حتّى فًي رحم أمه، إًنَّها الْمُشاغباتالحزبيةً، والشرُّ لا يورث إلا شرا مثله، والشجرةُ الخبيثة ثًمارها خبيثة، ولنتَهدأ للغرب حالي حتّى يُغرق هذه الأمة فًي مستنقع الْخصومات، وفًي هذا القدر مايكفي لتأخرها وتراجعها عن الركبً، وجعلها أمةً ضعيفةً مريضةً تعانًي فرُقةًوخلافاً، شُغلت بشغب أبنائًها ونزاعًهم، وإن ما نراه من دعوةي من بعضً أبناء هذهالأمةً والجريً فًي مضماري قد صنعه الأعداء» هو مصداقي للحديث الذي رواهُالبُخاريُّ (3456)، ومُسلمي فًي صَحًيحَيهما (2669) مًنْ حديثً أَبًي سعيدالْخُدْرًيًّ رضًيَ اللهُ عنهُ، قال: قال رسولُ اللهً صلى اللهُ عليهً وسلمَ: »لَتَتَّبًعُنَّ سَنَنَ الذين مًنْ قبلًكُم شًبرًا بًشًبْر، وذًراعًا بًذًرَاع،حتَّى لو دخلوا فًي جُحْرً ضَبّ» لاتَّبَعْتُمُوهُم«، قلنا يا رسولَ اللهً! اليهودَوالنصارَى؟ قال: »فَمَنْ؟«.

وفًي المقال الذي يليه نبين أن الأحزاب كفيلةبتفكيك المجتمعات والإطاحة بالحكومات فًي أيًّ دولة تفتح لَها الأبواب، كما أنلديها سًرّ القضاءً على المصالح والأنظمةً.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 10/9/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:23 PM
الأحزابُ دعوة إلى التفرق...ونًهاية دول (2)


كتب: د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

ذكرنا في ما مضى الأدلة منالكتاب والسنة على عدم مشروعية تكوين الأحزاب سراً وعلناً، واليوم نتناول ما فعلتهالأحزاب من فرقة وخلاف بين المسلمين في كل مكان ولجته، ودخلت بينأهله.

اعلموا عباد الله أنه لم يعرف المسلمون عبر التاريخ أحزابا ظاهرة،ولَم يكن من مشاريع الإصلاح يوما» تلك الدعوة العلنيةً إًلَى إنشاءً الأحزاب وحشرالناس في هذه القوالب وتفريق الْمُسلمين والعمل علَى نشر الْخًلافً، لَم يكنللنخبةً من أهل الْحل والعقد، وأصحاب العقول الرشيدة» شأن بًهذا العمل الرخيص بل هوقاصري علَى الْمُنحرفين مًن الْمبتدعةً، وقطاع الطريق، لذا لا تَجد هناك أحزابا فًيعهد الْخًلافَةً الراشدةً ولَم نر أو نقف علَى دعوةً أحد من أولئك الْمُصلحًيْن فًيذلك العهد الْجميل» يرفعُ شعارا حزبياً أو يقف خلف راية عَمًيَّة، بل ما هذهالأحزاب والالتفافُ حولَها إلا طريقة مظلمَة باطنيَّة، ومسلك الذين يَتَرَبَّصُونَبًهذًهً الأُمَّةً الدَّوَائًرَ مًنَ الفرقً والطوائف الباطنية كالْخَوارجًوالسَبَئًيَّةً.

نًهاية دولة بَنًي أمية بالأحزاب السرية

كانت سقوطالخلافة الراشدة بنهاية عهد الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وذلك على يدأعداء الإسلام، الذين ماتوا كمداً من العرب، وما حدث من قهر لملكهم بظهور الإسلام،وما يملك من قوة في جمع الناس، واتباع دولته، والدخول في حمايته، ما زال انتشارالإسلام، وظهور نوره، وعلو أمره، وفي زمن قليل، يعلن الدهشة على وجوه العالمين، حتىقتل المخربون من هذه الأحزاب الباطنية حسداً وحقداً خليفة المسلمين علي بن أبي طالبرضي الله عنه.

عجلة التاريخ كانت تدور بأمر من دمشق

ثُم قامت الدولةالأموية وبسطت نفوذها علَى جزء كبير من العاَلَم» وعلى الدولتين العظميين فارسومساحات كبيرة من بلاد الروم، وأصبحت هي الدولةُ العظمى الأوحد، وعجلة التاريختدورُ بأمر من دمشق ًعاصمة الخلافة حين ذاك، وكان عصرا ذهبيا، رُفًعَت فيه هامةُالأمةً عاليا، وإنَّها ورغم مساحتها الكبيرة واختلاف ألْسًنَةً سُكّانًها» لَم تعرفدولة الْخًلافةً الأَمَويةً أنظمةً حزبيةً وأحزاباً مُعلنةً» ولنا أن نتساءَلُ أينالصحابةُ آنذاك؟! أينَ ما ورثوه عَنً النَّبًي صلى الله عليه وسلم مًنْ سُبُلًالنَّهضةً والإصلاحً؟ لًماذا لَم يَخرجوا علَى الناسً بًدَعوةً الإصلاح؟! ويطالبوابعدم تَهمًيشً الشعوب، ويعلنوها صيحة تَملأُ الدنيا وينادوا بالْمُشاركةً الشعبية ـالتًي يُدَنْدًنُ حولَها المُعاصرون ـ؟!

عبد الله بن عمر ومعارض الدولةبتأسيس الأحزاب

ولًماذا يَجعلُ عبدُ الله بن عُمَر بن الْخطابً من نفسه عضوافًي مؤسسة الْحاكم؟ ويرفضُ تأسيس الأحزاب، كما روى البُخاريُّ فًي صَحيحًهً (7205 ) عَن سُفيان، قال: حدثنًي عَبدُ اللهً بن دينار، قال: لَمَّا بَايع النَّاسُ عبدَالْملكً كتَبَ إًليه عَبدُ اللهً بنُ عُمَرَ: إًلَى عبدً الله» عبدً الْملكً أَميرًالْمُؤمنينَ، إًنًّي أُقًرُّ بالسمعً والطاعةً لعبدً اللهً عبدً الْملكً أَميرًالْمُؤمنينَ علَى سُنَّةً اللهً، وَسُنَّةً رسولًهً» فيما استطعتُ، وإًن بَنًيَّ قدأَقَرُّوا بذلك.

البخاري في عهد محنة أهل الحديث والسنة يدعوللاعتصام

وَنَبَّه على هذا الْموقفً البخارى (7272) فكرر إيراد الأثرً فًيكتابً الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيحه لأهميته، فرحم الله البخاريُّ ذاك الإمامالسُّني الذي يدعو إلَى الاعتصام فًي العهد العباسًي، وكان من تلاميذ الإمامالممتحن أحمد بن حنبل وقال تعالَى:(وَاعْتَصًمُوا بًحَبْلً اللَّهً جَمًيعًا وَلاَتَفَرَّقُوا وَاذكُرُوا نًعمَةَ اللَّهً عَلَيْكُمْ إًذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءًفَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبًكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بًنًعْمَتًهً إًخْوَانًا)»آل عمران: 103«، وفًي الآية دليل على وجوب الاتفاق وتَحريم التفرق والاختلاف، وأن من أعظم نعمالله علَى عباده الاجتماع والوحدة والتآلف» بعد أن كانوا طوائف وفرقا وأحزابا، وهذابرهانُ واضح على أن الْمُسلمين حزب واحد غَيْرَ قابل للتجزئةوالتَّمزقً.

وهكذا نرى أن دولةَ بنًي أمَيَّةَ لَم تعرف شيئا من الفًرقَالْحًزبيةً إلا ما كان من تلك الأحزاب السريَّةً ومن عملَ سراً على إسقاط دولة بنًيأميةَ، وبًانتهازيةً هذه الأحزاب كان لَهم ما أرادوا، وانتهت الدولة الأمويةلغفلتها، وانشغَالًها عن هذه الأحزاب والفرق، والتَّهاون اتْجاه خطرها... فكانتالأحزابُ سبباً فًي نًهايةً دولة عظمى.

العالم بأسره كان ينظر إلى ساعةبغداد الحصينة

مالك بن أنس والشافعي لَم ينشئا أحزابا ( إصلاحية !!)

وماذا نقول فًي تاريخ الدولة العباسية وهي التي بلغت منً القوةً مبلغاًفًي عصورها الذهبية جعلت العالَم بأسره يتحرك مع دقاتً ساعة بغداد الْحصينة عاصمةالخلافة الإسلامية آنذاك، وفًي هذه الدولة الْمشهورة هل طالب النخبة من العلماءوأهل الحل والعقد كإمام دار الْهجرة» مالك بن أنس، وتلميذه مُحمد بن إدريس الشافعيرحمهما الله» بإنشاء الأحزاب؟ أين أولئك العلماء الْمُصلحون من هذه الدعوةالْجوفاء؟

خرج من السّجنً ولَم يُواجه بًلادَهُ بالأَحزاب

وأين إمامأهل السنة والْجماعة الإمام الممتحن أَعنًي ذاك الفَتَى الشَّيبانًي أَحمد بْنحَنبلً رحمه الله؟! الذي تناوب علَى تعذيبه ـ ظُلماً فًي السجون ـ» ثلاثةي من خلفاءبَنًي العباس، لًماذا لَم يطالب الْمُسلًمين بثورة إصلاحية، ولًماذا لَم يقم بتكوينحزبي ينُازًعُ الْمُستَبًدّينَ والْمُفسدينَ فًي سَبيلً نُصرةً الضعفاءًوالْمظلومين، إن الإمام أحمد بن حنبل رغم التركة الكبيرة من العلوم الْمُختلفةً،وكثرة التلاميذ والأتباع، الذين كتبوا آثاره وطريقته ومنهجه، لَم يكتبوا حرفايُرَوًّجُ لًهذا الإصلاح السًرًّي الْمُنهزم، وهو الإمام الذي عانَى الاضطهاد، بلإنَّ ما تعرض له» يكاد لَم يتعرض له أحدي فًي مكانته بعدَ جيلً الصحابةً رضي اللهعنهم، وإن ما تعرض له من صنوف التعذيب والإهانة كفيل بأن يُخرج إنسانا يحمل فًيصدره حقداً على البلاد والعباد، ومع هذا كله خرج أحمد بن حنبل من سجنه» غَيْر حاقدعلى أمته يَحمل الشفقةَ والرحمةَ علَى أمة عانت ويلاتً الدخلاءً والْمُفسدين، وكانتنًهايةُ الدولةً العباسية بالتفرقً والتنازع علَى الْمُلك، وتسلل الأحزاب التًيتقطر قلوبَ أتباعها حقداً على العرب والْمُسلمين، حتى أصبحوا بطانةً للحكامً منبَنًي العباس» فَانْهارتً الدولةً العباسيةً على أيدي أعداء الإسلام، قال تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخًذُوا بًطَانَةً مًنْ دُونًكُمْ لاَيَأْلُونَكُمْ خَبَالا وَدُّوا مَا عَنًتُّمْ قَدْ بَدَتً الْبَغْضَاءُ مًنْأَفْوَاهًهًمْ وَمَا تُخْفًي صُدُورُهُمْ)»آل عمران: 118«.

هذا ما كان منفتك الأحزاب سراً، رغم التضييق عليها وإبعادها، فكيف إذا فُتًحت لَها الأبواب،ومُنحت الصلاحيات بالتحرك بُحرية بين الناس نَهاراً وجهارا، تقول ما تشاء وتفعل ماتريدُ وكل حزب من الأحزاب له برامًجه الْمُناهضة للأحزاب الأخرى، وهذا لعمري بابتنافسي وتطاحن وخلق للشقاق بين العباد، وتفرق ونفرة فًي القلوب والأجساد، وما عليكإلا النظر إلَى واقعك ومحيطك الْمَليء بالأحزاب، إن حياتَها كالأفاعي تضرب بأنيابحادة فًي جسد الحزب الآخر» تعيش سباقاً من أجل التفوق عليه، ولبسط سيطرته علَىالعدد الأكبر من دهماء الناس، والْمجتمع أصبحَ فريسة وضحيةً نًهاباً للأحزاب يدفعهاالتعصُّب الأعمى والانتماء الْحزبًي الذي يقدم على الانتماء للدولة ولًجماعةالْمُسلمين، فالولاء للحزب مُقدم علَى الولاء للأمة الإسلامية، وفًي هذه الأحزابالبقاء للحزب وغيره فًي مهب الريح، والثبات للحزب ومصالًحه، والتغيير للدولة ومصالحالعباد.

كُلي يؤيدُ حزبَـه وفريقه... ويرى وجودَ الآخرينفُضولا

وإًذا أرادَ اللّهُ أمراً لم تَجًدْ... لقضـائًه رَداً ولاتبديـلا

فيا عباد الله! من كان هذا عقله وتكوينه ونظره» فنسأل الله أَنْيَحفظَ الْمسلمين مًن أعمالًهم التًي زُيًّنَتْ لَهم قال تعالَى:( فَتَعْسًا لَهُمْوَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ )»محمد: 8«.

عالَمُ اليومً ونظرةُ تأملي فًي واقعالأحزابً

إن نظرةً فًي عالَمً اليوم وواقع الناس» يرى أن الأحزابَ تفتكبالدول التي رأت فًي تكوين الأحزاب مشروعا إصلاحيا وماذا كانت النتائج؟ ذهبتأحلامهم سُدى، وقطفوا خيبةَ الأمل، وَخَلْفَ ذلك السراب» ضاعت كثير من مصالحالْمجتمعات والأمم، ولكنهم رغم نار الويلات والنكبات التي أحرقتهم» ما زالوا لايعترفون بالْهزيًمةً، ويصدق عليهم قول الله تعالَى:(وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُأَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنً السَّبًيلً فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ)»النمل : 24«.

إنًي أقول لأصحاب الأحزاب النائًمة ما قاله الشاعر:

إنًيأُعًيذكُم بالله من فًتَني ** مثلً الْجبال تَسَـامَى ثُمَّ تندفعُ

إنّالبريّة قد ملّت سياسَتكم ** فاستَمسًكوا بعمود الدّين وارتَدًعوا

لاتُلْحًمُنّ ذئابَ الناس أنْفُسَكم ** إنّ الذئاب إذا ما أُلْحًمَتْرَتَعوا

لا تَبْقُرُنّ بأيديـكم بطونَكمُ ** فَثَمَّ لا فًدْيَـةي تُغْنًـيولا جَزَع

والأحزاب لون من ألوان الْمُعارضة لنظام الْحُكم القائم، وعينالأحزاب وغايتها الوثوب على مقاليد الحكم، وهو الذي سَمّوه وعَبَّروا عنه:( باقتسامالسلطةً )، ومتَى استقرت بلاد وعاش عباد، وَنَمت مصالح» في دولة أمرها مشاع بينالناس، وَرَوَى مُسلًم فًي صَحيحًهً (1844)، وَأَحمدُ فًي مُسنَدًهً (2/161) مًنحَديثً عَبدً اللهً بنً عَمْرو بْنً العاصً رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قالَ: قَالَرَسُولُ اللهً صلى الله عليه وسلم: (مَنْ بَايَعَ إًمَامًا فَأَعطاهُ صَفْقَةَيدًهً وَثَمَرَةَ قلبًهً فَلْيُطًعْهُ مَا استطَاعَ، فَإًنْ جًاءَ آخَرُيُنَازًعُهُ» فَاضْرًبُوا عُنُقَ الآخَرً). وإن الأحزاب تَملك سر القضاء على الأممواستبدالًها مَتَى شاءت، وكيف شاءت، ولذلك دعوتهم قائمة على التعددية الحزبيةواقتسام السلطة!!

وأخيراً نسأل الله أن يعصمنا وإياكم من الفتن ما ظهر منهاوما بطن، ولله الحمد أولا وآخر.

تاريخ النشر: الاثنين 17/9/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:25 PM
الأَخـلاقُ ... الأَخلاقُ يا عًبـَادَ الله ! (2)



أَخْلاقُ النَّبًيًّ صلى اللهُ عليهً وَسَلَّم» هَزَّت مَشاعرَ البَشرً،واسْتَحْكَمَتْ مَحبتُهُ، وَمَحَبَّةُ سَجَايَاهُ فًي نُفُوسً مَنْ عَرَفوه، وَكانَبَعيداً عَنً الفُحْشً وَالأَخْلاقً التًي تُدَنًّسُ الرًّجالً، حتَّى طوَّعَالقلوب الصَّلبةً، فأقبلت علَى دينً اللهً، وَاجْتثَّتً الكفرَ مًنْ أَصلهً، ودخلالناسُ فًي دين اللهً أَفواجا، لًما وجدوا من الْحَقًّ، وما رأوه من شَفَقَتهً علَىالناسً خَشْيَةَ الوقوعً فًي الضلال والانْحرافً، وكان من قولًهً لًمن وُفق إلَىالْخيْرً أو عملَ بًالطاعةً: «الْحَمْدُ لًلَّهً الَّذًي أَنْقَذَهُ مًنْالنَّارً». (1) حُسنُ الأَخلاقً دَعوة

كما رواه البُخاريُّ (1356) فًيصَحيحهً مًنْ حديثً أَنَسي رَضًيَ اللَّهُ عَنهُ، قَالَ: كَانَ غُلامي يَهُودًيّييَخدُمُ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ» فَمَرًضَ، فَأَتَاهُالنَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عًندَ رَأْسًهً،فَقَالَ لَهُ: «أَسْلًمْ»، فَنَظَرَ إًلَى أَبًيهً وَهُوَ عًنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطًعْ أَبَا الْقَاسًمً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَالنَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ: «الْحَمْدُ لًلَّهًالَّذًي أَنْقَذَهُ مًنْ النَّارً». فأين الأحزاب؟ وَهلْ غَرَقوا فًي الأَخْلاقًالسياسيةً، وَالقَوانًيْنً الْحًزبًيَّةً، فاصبحوا يعانون عُقَدً التَّنظيمًالْحَركي وَعَصَبيتًهً، وَالتَّحَزُّبَ وَأَمراضًهً.

( بالأَخْلاقً نُعالًجُمرَضً الاسْتعلاءً الْحًزبًي )

(2) خيارُ الْخلقً أَفضلهمخُلُقاً

روى البُخاريُّ (6035)، وَمُسْلمي(2321) فًي صَحيحيهما مًنْ حديثًعَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بن العاص طَالًبي رَضًيَ اللهُ عنهما قَالَ: قالرَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّ خًيَارَكُمْأَحَاسًنُكُمْ أَخْلاقًا».

وَكانَ مًنْ وَصاياهُ لأَصحَابًهً فًيالتَّعَامُلً مَعَ عبادً اللهً أَن يَتَحَلَّوا بًالأَخلاقً الرَّفيعةً. والدليلُما رَواهُ أَحمدُ فًي مُسنده (5/153)، والتًّرمذًيُّ في سُننه(1987) بًسندي صَحيحيمًنْ حديثً أَبًي ذَرّي رَضًيَ اللهُ عنهُ، قَالَ: قَالَ لًي رَسُولُ اللَّهًصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «اتَّقً اللَّهً حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبًعْالسَّيًّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالًقً النَّاسَ بًخُلُق حَسَن». وهنانتساءَلُ كيفَ يعالَج الاستعلاء الْحزبًي؟ وكيف هًيَ أخلاقُ ذلك الإمبراطورُالْحزبًي الذي يتربع علَى عرشي من علب الصفيح مملوء بًجماجم أتباعه.

( حُسْـنُ الْخُلُقً مًنَ الإًيْمـانً )

(3) الْخُلُقُ الْحسَنُ من خير مَا أُعْطًيَ النَّاسُ .

مَنْ يُوفقُ إلَى خُلق حَسن فقد أُعطيَ خَيْراً كثيراً، وَكَمْ هو صَعْبتَرويضُ النُّفوسً علَى الْخًصالً النبيلةً والقيمً الطيبةً، وقد جاءَ فًي سؤالًأَصحابً النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، مًنْ حَدًيثً أُسَامَةَبْنً شَرًيك رَضًيَ اللهُ عَنْهُ الذي رَوَاهُ أَحمد فًي مسنده (4/278) بًسَنَدصَحيح، قَالُوا: مَا خَيْرُ مَا أُعْطًيَ النَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهً ؟! قَالَ: «خُلُق حَسَن».

(4) الأَخلاقُ الْحسَنَةُ ثقيلةي فًي الْميزان.

عليكَيا عَبدَ اللهً ! بًكريْمً الْخصالً، وطيبً الْمَعْشَرً معَ الْمُسلمينَ، وحُسنُالْخُلقً مَعَ الناسً عَامَّة، حتَّى تَجًدَ الْمَوازًينَ يومَ القيامةً وقد أُثقلتبًحسناتي مًنْ حَصادً الأَخلاقً الْحسنةً، ولنا ما رواهُ أَحْمدُ فًي مُسندًهً (6/446)، وأبو داود (4799)، والترمذي(2002) فًي السُّنَنً بًسَند صَحيح مًنْ حَديثًأَبًي الدَّرْدَاءً رَضًيَ اللهُ عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مًنْ شَيْء أَثْقَلُ فًي الْمًيزَانً مًنْ خُلُقحَسَن».

(5) الأخلاقُ الْحسنةً من البًرًّ

روى مسلم في صحيحه (2553) من حديث النَّوَّاسً بْنً سًمْعَانَ الأَنْصَارًيًّ رَضًيَ الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ عَنْ الْبًرًّوَالإًثمً ؟ فَقَالَ: «الْبًرُّ حُسْنُ الْخُلُقً، وَالإًثْمُ مَا حَاكَ فًيصَدْرًكَ» وَكَرًهْتَ أَنْ يَطَّلًعَ عَلَيْهً النَّاسُ» . وَالبًرُّ يكونُ بًمعنَىالصلة واللطف والْمَبَرَّة وحُسن الصحبة والعشرة، وَبًمعنَى الطاعة، وهذه الأمورجامعة لًحسنً الْخُلقً.

[إًمبراطور يَتَرَبَّعُ عَلَى عَرْش مملوء بًجماجمًالأَتباعً]

الْحزبية أفسدت أخلاق الْمُسلمين، فودعوا السماحة، والصدق،والْحلم، والرفق، والتواضع، وانقادوا خلف حًزبًي يعيش الأحلام فًي إمبراطوريتهالْحزبية، ودولته الوهميةً متربعاً علَى عرشي من عُلبً الصفيحً» قد ملأه بًجَماجًمَأتباعه، لا حول لَهم ولا قوة، يَتبعونَ قوانين الْحزب، وما رُسًمَ لَهُم من تعاليم،ومن أرادَ أن يرفع رأساً، ويعيش حراً فًي ساحةً الإًسلامً الواسعةً، رَموهُ بالسوءًوالتَّمردً علَى الأخلاقً والقيمً، وَتُهمته الْخروج عن أخلاق الْحزب، والْهربُمًنْ عُلبً الصفيحً .

(6) السَّماحَةُ مًنْ الأخلاقً

روى البخاري فيصحيحه (2076) من حديث جَابًرً بْنً عَبْدً اللَّهً رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّرَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «رَحًمَ اللَّهُ رَجُلاسَمْحًا» إًذَا بَاعَ، وَإًذَا اشْتَرَى، وَإًذَا اقْتَضَى». فالسماحةُ مع الناس منالْخصالً الْمَحمودة والْمَطلوبةً شرعاً فًي التعامل مع الناس، و حسن الْمعاملةًوسَمَاحَةُ الْخُلُقً من الأمور التًي فقدها من يعتقدون أَنَّهم رموزُ العملً فًيميدان الدعوة إلَى الله، ورؤوس الناس، وزعماء الأحزاب .

(7) الرًّفْقُ مًنَالأَخلاقً

الرفق بالمسلمين خُلُق رَغَّبَ إليه الْمُشَرًّعُ وحثَّ عليه،ورجَّحَ الْمَنفعةَ العامةً، والتوسعة على أهل الفاقةً والضعف خاصة، وحسن الْخُلقًمشروع قولاً وفعلاً، قال تعالَى:(فقل لَهم قولاً ميسورا)[لإسراء: 28]، أي: قولامعروفا، جَميلاً لَيًّناَ، وخاطبهم خطاباً لطيفاً، وكن طيب القولً، سَهْل العبارةً،وقال تعالَى: (واخفض جناحك لًمن اتبعك من الْمُؤمنين) [الشعراء: 215]، وقال: (واخفضجناحك للمؤمنين)[الحجر: 88]، فَنَبَّهَ ربنا تبارك وتعالَى النَّبًيًّ صَلَّى اللهُعليه وسلم، بالذي يَجبُ عليهً مًنْ خُلُقي مَعَ أتباعه الْمُؤمنين: فالإرشادُ يامحمدُ! ـ صَلَّى اللهُ عَليهً وَسَلَّم ـ، إلَى أَن تَلينَ لًمَنْ آمَنَ بًكَواتبعكَ، واتبع كلامك، وعليكَ بًتقريبًهم مًنْكَ، ولا تَجفُ بًهم ولا تغلظ عليهم،قال تعالَى:(ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [آل عمران: 159]، ومعنى الغلظخشونة الْجانبً، وروى البُخاريُّ (10)، وَمُسْلم(40) فًي صَحيحيهما مًنْ حَديثًعَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بن العاص رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبًيًّصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسْلًمُ مَنْ سَلًمَ الْمُسْلًمُونَمًنْ لًسَانًهً وَيَدًهً» . روى البُخاريُّ (6024)، وَمُسْلمي(2165) فًي صَحيحيهماعَنْ عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّ اللَّهَ يُحًبُّ الرًّفْقَ فًي الأَمْرًكُلًّهً». وروى مسلم في صحيحه (2592) من حديث جَرًيرَ بْنَ عَبْدً اللَّهً رَضًيَاللَّهُ عَنْهُ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهًوَسَلَّمَ: «مَنْ يُحْرَمْ الرًّفْقَ يُحْرَمْ الْخَيْرَ » . وروى مسلم في صحيحه (2593) من حديث عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا عَائًشَةُ! إًنَّ اللَّهَ رَفًيقي يُحًبُّالرًّفْقَ، وَيُعْطًي عَلَى الرًّفْقً مَا لا يُعْطًي عَلَى الْعُنْفً، وَمَا لايُعْطًي عَلَى مَا سًوَاهُ».

وفًي رواية لًمسلم (2594): «إًنَّ الرًّفْقَ لايَكُونُ فًي شَيْء» إًلا زَانَهُ، وَلا يُنْزَعُ مًنْ شَيْء إًلاشَانَهُ».

وأخرج أحمد فًي مسنده (4/278) بسند صحيح مًن حَديثً عَائًشَةَرَضًيَ اللهُ عَنها، أَنَّ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَلَهَا: «إًنَّهُ مَنْ أُعْطًيَ حَظَّهُ مًنْ الرًّفْقً» فَقَدْ أُعْطًيَ حَظَّهُمًنْ خَيْرً الدُّنْيَا وَالآخًرَةً، وَصًلَةُ الرَّحًمً، وَحُسْنُ الْخُلُقً،وَحُسْنُ الْجًوَارً، يَعْمُرَانً الدًّيَارَ، وَيَزًيدَانً فًي الأَعْمَارً». وروىوالتًّرمذًيُّ في سُننه(1974) بًسندي صَحيحي مًنْ حديثً عَنْ أَنَسي قَالَ: قَالَرَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ:« مَا كَانَ الْفُحْشُ فًيشَيْء إًلا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فًي شَيْء إًلا زَانَهُ» .وأخيرا أقولالداء كبير والبحث فيه يطول، فاللهم! ارقنا وإخواننا الْمُسلمين الأخلاق الْحسنة،َوالْحمد لله رب العالَمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 4/6/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:27 PM
الأَشَاعًرةُ وَسَطًّيةُ بَيْنَ السَّلَفً وَالْجَهْمًّيةً


في باب الاقتداء بالأشاعرة لسنا مطالبين بذلك شرعاً ولا عقلاً ولم نولد على ذلك بالفطرة



من هم السلف، وما هي السلفية، ومن هو السلفيُّ؟

أولاً: السلف: هم القرون الفاضلة التي وصفها النبي صلى الله عليهوسلم بالخير فًي ما رواه البخاري (2652)، ومسلم(2533) فًي صحيحيهما من حديث عَبْدًاللَّهً بْنً مَسْعُود رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنً النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلمقَال: «خَيْرُ النَّاسً قَرْنًي، ثُمَّ الَّذًينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذًينَيَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجًيءُ أَقْوَام» تَسْبًقُ شَهَادَةُ أَحَدًهًمْ يَمًينَهُوَيَمًينُهُ شَهَادَتَهُ». وهم الصحابة والتابعين وتابعي التابعين فجمعوا بين الفضلوالتقدم، وقد جاء فًي الأثر أن التَّقَدُّمَ بًمَعْنَى السلف كما روى البخاري (6285) ومسلم (2450) في صحيحيها من حديث عائشة- رضي الله عنها- فًي قصة فاطمة معأبيها النبي صلى الله عليه وسلم عندما سارها قبل موته: «ولا أرى الأجل إلا قد اقتربفاتقي الله واصبري فَإًنًّي نًعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكً».

(فَإًنًّي نًعْمَ السَّلَفُ أَنَا)

ثانياً: السلفية: هًيَ الكتاب والسنَّةً بًفَهمًالسلفً الصَّالًحً.

ثالثاً: السلفًيُّ: مَنْ جَعَلَ مًنْ رَسولً اللهً صلَّىالله علَيهً وسَلَّم» قُدْوَتَهُ، وَفَهًمَ الإًسلامَ عن طريق صحابَتًهً الكرام،وأهل الفضل من قرون الْخَيْرً، واكتفَى بًما عليه الأوائلُ عقيدةًوعملاً.

لذلك تَجدُ مَعاشًرَ أَهْل السنَّةً وَأصحاب الْحديث» لا عصمة لأحدعندهم، إلا فًي كتاب الله، وسنة رسول الله صلَّى الله علَيهً وسلَّم، والعمل علَىتعظيم كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَإًدراكها وًفْقَالقَوَاعًدَ الصحيحةً، وَتقْدًيْمُ فَهْمً الصحابةً وَالتَّابًعيْنَ، والاعتناءُبشروحً أَئًمَّةً أَهلً السنةً.

وقيل شعراً:

من كان يرغب فًي النجاةً فماله

غير اتبـاعالمصـطفَى فًيمـا أتَى

ذاك السبيـل المستقـيم وغيره

سبـل الضلالةوالغـواية والرَّدَى

فاتبع كتـاب اللهً والسـنن التًي

صحت فذاك إذااتبعت هو الْهدَى

الـدين ما قال النبًيُّ وصـحبه

والتـابعون ومنمناهجـهم قفـا

وَمًمَّا تَقَدم أصبح مًن الْمَعلوم أَنَّ السَّلفَتَقَدُّم وفَضْل، لذلك من الواجب إدراك العقلً أَنَّهُ لَم يكن -بل يستحيل - أَنَّالأشاعرةَ قُدوةي لأَهلً السنَّةً فًي عَهدً الصحابةً والتَّابًعيْنَ، وقرونالْخَيْرً الثلاثةً، ولا مَنْ بَعْدَهُمْ مًنْ أَصحابً الْحديثً وَحَمَلةًالآثارً.

مَتَى نَشَأَت فًرقَةُ الأَشَاعًرَةً؟

وظهرت فرقة الأشاعرةً فًي القرن الرابع، بعد فشو البدعوالأهواء وغربة السنة، ولَم تنسب إلَى ما أحدثت من بدعي وانحرافي عَنً الصراطًالْمُستقيمً، بل اشتهرت باسم مؤسسها، واستمرت إلَى يومنا هذا، حالها كباقًيالطوائف: الْجهمية والشيعة وَالْمُرجًئَةً وَالْمُعْتَزًلَةً وَالْخَوَارًجً، لَهاتَوَاجُدي ودعاي.

هَلً الْمُسلمونَ مُطالبونَ شَرعاً بالاقتداءًبًالأَشاعرةً؟!

وفًي بابً الاقْتًدَاءُ بالأشاعرةً لسنا مطالبين بذلكشرعاً وَلا عَقلاً وَلَم نُولَدْ عَلَى ذلك بالفطرةً، فلا دليل أو بُرهان من كتابًاللهً وسنةً رسولًهً صلَّى الله علَيه وسلم، عَلَى اتباع أبًي الْحسنً الأشعرًيًّ،بل الدليل لنا فًيما تقدم ذكره من قول النبًيَّ صَلَّى الله عليه وسلم: «خَيْرُالنَّاسً قَرْنًي، ثُمَّ الَّذًينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذًينَ يَلُونَهُمْ،ثُمَّ يَجًيءُ أَقْوَام» تَسْبًقُ شَهَادَةُ أَحَدًهًمْ يَمًينَهُ وَيَمًينُهُشَهَادَتَهُ». وهو دليل علَى نقض ما يقولون وَإًبْطاله. وهذهً الطائفةُ أعنًيالأشاعرةَ: ظهرت بعد قرون الْخَيْرً، وفًي عهد انتشار أهلُ الأهواءً والبدعً. ودليلنا أيضاً ما رواهُ أبو داود فًي سننه (4607) والترمذيُّ فًي سننه (2676) وَصَحَّ من حديث العرباض بن سارية عن رسول الله صَلَّى الله عليه وسلَّم: «فعليكمبسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ».

الْحَقُّ: «مَا أَنَا عليهًوَأَصْحَابًي»

وَقَالَ عَنً الْحَقًّ: «مَا أَنَا عليهًوَأَصْحَابًي». رَواهُ الترمذًيُّ فًي السننً(2641) من حديث عبد الله بن عمرو بنالعاص رضي الله عنه، [وهو حسن بالشواهد].

ليس فيمن تابع النَّبًيُّ صلَّىالله علَيه وسلم» أشعرياً، فلم يكن أحدُ الْخُلفاء الراشدين أشعري الْمُعْتَقدً،ولا الصحابة، ولا فًي التابًعيْنَ من هو عَلَى هذا الْمذهب أَو قَالَ بًحرفي مًنَالذي يقولون، وَنَحنُ مأمورون باقتفاءً أثرً الصَّحابةً والتَّابًعيْنَ ومن بعدهممن أهل الفضلً، وكلما ازداد القرب من عهدً النبوةً» كان الْخَيْرُ واتفاقُ الناسًعلَى منهجي واحدي، والابتعاد عن البدعً، وكلما ازداد البعدُ عَنً النبوةً» ظهرالْخلافُ والتفرقُ ونشأت الفرقُ والطوائفُ.

فَتْوَى شَيخً الإسلامً ابْنًتَيْمًيَةَ فًي مَجْموعً الفَتاوَى (4/56-57): فًي أن الأشاعرةَ ليسوا هم الفرقةالناجية، قال: (وعامة هذه الضلالات إًنَّما تطرق من لَم يعتصم بالكتاب والسنة،كَمَا كَانَ الزهري يقول: كان علماؤنا يقولون: «الاعتصام بالسنة هو النجاة»،وقالمالك: «السنة سفينة نوح من ركبها نَجا ومن تَخلف عنها غرق». وذلك أن السنة والشريعةوالمنهاج، هو الصراط المستقيم، الذي يوصل العباد إلَى الله، والرسول: هو الدليلالْهادي الْخًرًّيت فًي هذا الصراط كما قال تعالَى: (إنا أرسلناك شاهدا ومبشراونذيرا وداعيا إلَى الله بإذنه وسراجا منيرا )[الأحزاب:45-46]، وقال تعالَى: ( وإنكلتهدي إلَى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى اللهتصير الأمور)[الشورى:52-53]، وقال تعالَى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[الأنعام:153]، وقال عبدالله بن مسعود: خَطَّ رسولالله صلى الله عليه وسلم خَطاً وخط خطوطاً عَنْ يَمينهً وَشًمالهًَ، ثُم قال: «هذاسبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم قرأ (وأن هذا صراطيمستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)». [ قلت: رواه أحمد فًيمسنده (1/435) وصححه شاكر والألبانًي].

وإذا تأمل العاقل الذي يرجو لقاءالله هذا الْمثال وتأمل سائر الطوائف من الْخوارج، ثُم الْمُعتزلة، ثُم الْجهمية،والرافضة، ومن أقرب منهم إلَى السنة من أهل الكلام: مثل الكرامية، والكلابية،والأشعرية وغيرهم، وَأَنَّ كلاً منهم لَهُ سبيلي يَخرجُ بًهَ عَمَّا عليه الصحابةوأهل الحديث، وَيدَّعًي أَنَّ سبيلَهُ هو الصواب، وجدت أَنَّهُم الْمُراد بًهذاالْمثال الذي ضربه الْمعصوم، الذي لا يتكلم عن الْهوى إن هو إلا وحي يوحى).أهـ

فَتوَى ابْنُ تَيمًيَةَ

فًي أَنَّالأَشَاعًرَةَ ليسوا مًنْ أَهْلً السنَّةً

وَقَالَ شَيخً الإسلامً ابْنً تَيْمًيَةَ فًي مَجْموعًالفَتاوَى (6/55): والأشعرية الأغلب عليهم:

أَنَّهم مُرْجًئَة فًي (بابًالأَسْمَاءً وَالأَحْكامً)، جَبْرًيَّة فًي (بابً القَدَرً)، وأما فًي الصفاتًفليسوا جَهْمًيَّة مَحْضَة بل (فيهم نوع من التجهم).أ هـ

وَقَالَ فًيمَجْموعً الفَتاوَى (6/310): وأما الأشعرية فعكس هؤلاء، وقولُهم يستلزم التعطيل،وأنه لا داخل العالَم ولا خارجه، وكلامه مَعْنَى واحد، وَمَعْنَى آية الكرسي وآيةالدين والتوراة والإنجيل واحد، وهذا معلوم الفساد بالضرورة، وكذلك الكلمات هي عندهمشيء واحد، فحقيقة قولُهم: أَنَّهُ لا رب ولا قرآن ولا إًيْمان فقولُهم يستلزمالتعطيل.أ هـ

وَقَالَ فًي الفَتاوَى (16/471): والأشعري وأمثاله برزخ بينالسلف والجهمية، أَخذوا من هؤلاءً كلاماً صحيحاَ، وَمًنْ هؤلاءً أُصولا عقلية ظنوهاصحيحة، وَهًيَ فاسدة فَمًنَ الناسً مَنْ مَالَ إًلَيهً مًنَ الْجًهَةً السلفيةً،وَمًنَ الناسً مَنْ مَالَ إًليهً مًنَ الْجًهَةً البًدْعًيَّةً الْجَهْمًيَّةً،كَأَبًي الْمَعالًي وَأَتباعهً، وَمًنْهُم مَنْ سلك مسلكهم كًأَئًمَّةًأَصْحَابًهم.أ هـ

وفًي الْخًتام نقول: إذا كان هذا مذهب الأشاعرة، وهكذاحالهم، والْمعلوم أن الْمُرجًئَةَ كطائًفة ليست هًيَ الفرقة الناجيةُ، فكيف بفرقةأتت ببدع الإرجاءً، وزادت عَلَى ذلكَ، وَما زالَ البعضُ يقولُ أَنَّهم مًنْ أَهلًالسنةً وَأَصحابً الْحديثً وَأَنَّهُم الفرقَةُ النَّاجًيَةُ!!

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الثلاثاء 20/2/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:29 PM
الأعياد هوية الأمم فحافظوا على الإسلام



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد: من المعلوم أن التمييز بين الأمم والحضارات والديانات والفرق والطوائف هو بخصائص ينفردويتميز بَها كل قوم، فكل فريق يعرف بشعاره، وتعرف كل أمة أو مجموعة بخصيصة مغايرةعن حال غيرها من الشعوب والأمم، ومن ذلك الأعياد، فكل ديانة فيها أعياد، وكل أمة أوطائفة أو فرقة لَها أعياد تمثلها، وتكون موضعاً للاحتفالات عند كثير من الأمموالشعوب، بخلاف أمة الإسلام فتشغلها بالاحتفال بالطاعات والأعمال الصالحات، ومنالواجب على المسلمين إظهار الاعتزاز والفخر، والفرح والسرور إعلانا وتميزاً، دونتوار خلف جدار الضعف والخوف، أو ستار التشبه والتقليد.


«إن لكل قوم عيداً»


إن عيد الفطر الذي يلي شهر رمضان، وعيد الأضحى الذييلي يوم عرفة؛ هما العيدان اللذان يميزان المسلمين عن أعياد غيرهم من الأمموالشعوب، وروى البخاري (952 )، ومسلم (892/16) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي اللهعنها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر! إن لكل قوم عيدا واليومعيدنا». وفي رواية للبخاري (3530)، ومسلم (892/17) في صحيحيهما: «وتلك الأيام أياممنى». ولتعظيم وأهمية هذين العيدين نُهي عن الصيام فيهما لَما رواه البخاري (1197)،ومسلم (827) في صحيحيهما من حديث أبى سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلىالله عليه وسلم نهى عن صيام يومين يوم الفطر ويوم النحر، ورواه مسلم أيضاً في صحيحه (1140) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنصومين يوم الفطر ويوم الأضحى.


العيد هُوية فلا تشابهوا الآخرين فيأعيادهم


كان النبي صلى الله عليه وسلم يشدد في النهي عن مشابهةاليهود والنصارى، وكذلك باقي الأمم والطوائف التي تخالف الإسلام، من أجل المحافظةعلى رسوم الإسلام وشرائعه، وعدم اختلاطه أو تأثره بالشرائع المخالفة، وعاداتالحضارات الأخرى، حرصا على الهُوية، وجمعاً للكلمة تحت راية واحدة، فكان من تحذيرهما رواه البخاري (3456)، ومسلم (2669) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضيالله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر،وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم»، قلنا: يا رسول الله! اليهودوالنصارى؟ قال: «فمن».


قالوا: ما يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنافيه


كان النبي صلى الله عليه وسلم يخالف الأمم والدياناتالأخرى، وغالبا ما تكون مخالفتهم في كل ما لم يؤمر فيه بحكم ومن أمثلةالمخالفة:


(1 ) المخالفة في القبلة:


وقد كان يعجب اليهود وأهل الكتاب أن صلى إلى بيتالمقدس، فلما خالف أنكروا ذلك؛ لِما رواه البخاري (41)، ومسلم (525) في صحيحيهما منحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أول ما قدمالمدينة نزل على أجداده أو قال: أخواله من الأنصار، وأنه صلى قبل بيت المقدس ستةعشر شهرا أو سبعة شهرا، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى أول صلاةصلاها صلاة العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صلى معه، فمر على أهل مسجد وهمراكعون، فقال: أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مكة،فداروا كما هم قبل البيت، وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت المقدس وأهلالكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. وفي رواية للبخاري في صحيحه (399): وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أن يوجه إلى الكعبة فأنزل الله: ?قَدْ نَرَىتَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ? فتوجه نحو الكعبة. وقال السفهاء من الناس وهماليهود: ?مَا وَلاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِالْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ?. فصلىمع النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم خرج بعدما صلى، فمر على قوم من الأنصار في صلاةالعصر نحو بيت المقدس، فقال: وهو يشهد أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم،وأنه توجه نحو الكعبة فتحرف القوم حتى توجهوا نحو الكعبة.


(2) الأمر بالمخالفة في صوم عاشوراء:


روى مسلم في صحيحه (1134/133) من حديث عبد الله بنعباس رضي الله عنهما يقول: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء وأمربصيامه، قالوا: يا رسول الله! إنه يوم تُعَظِّمُهُ اليهود والنصارى، فقال رسول اللهصلى الله عليه وسلم: «فإذا كان العام المقبل إن شاء الله؛ صمنا اليوم التاسع»، قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية لمسلم: (1134/134): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». وقال النووي في شرح صحيح مسلم ولعل السبب في صوم التاسع مع العاشر ألا يتشبهباليهود في إفراد العاشر، قلت: العلة هي مخالفة اليهود النصارى وقد صُرِّحَ بِها فيالحديث: «يا رسول الله! إنه يوم تُعَظِّمُهُ اليهود والنصارى»، فكن التوجيه بإضافةصيام التاسع إلى العاشر مخالفة وتميزا.

(3) الأمر بمخالفة المشركين والمجوس وأهل الكتابكافة

روى البخاري (5892)، ومسلم (259) في صحيحيهما من حديثابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا المشركينوَفِّروا اللحى وأحفوا الشوارب». وفي رواية لِمسلم في صحيحه (260) من حديث أبيهريرة رضي الله عنه «خالفوا المجوس». وروى أبو داود في سننه (652) بإسناد صحيح منحديث شداد بن أوس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خالفوا اليهودفإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». وقد أمر بِمخالفتهم في أمور كثيرة حتىقالوا: ما رُوي من طريق أنسٍ رضي الله عنه في صحيح مسلم (302) لما بلغ اليهود منأمر النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إلا خالفنافيه)، وفيه دلالة واضحة على المحافظة على هوية خاصة بالمسلمين.


المشابهة تدور بين علة الإعجاب والضعف


العلاقة بين التابع والمتبوع تكون علاقة ناتجة عنإعجاب التابع بالمتبوع أو بسبب الخوف والضعف فيلجأ التابع إلى مشابهة متبوعه في كلأو غالب أحواله وأقواله، فترك الناس لخصائصهم وإهمالِها وتعظيم خصائص الآخرين دليلعلى الهزيمة والضعف الذي يعانيه هؤلاء. وقد روى أبو داود في سننه (4031) بإسناد حسنمن حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم». قال ابن كثير في التفسير: «من تشبه بقوم فهو منهم»، فيهدلالة على: النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهمولباسهم وأعيادهم وعباداتهم وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا.


هل كان فيها عيد من أعيادهم؟


روى أبو داود في سننه (3313) بإسناد صحيح من حديث ثابتبن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أن ينحرإبلا ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة،فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟»، قالوا: لا، قال: «هل كان فيها عيد من أعيادهم؟»، قالوا: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوف بنذرك»، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم. وبُوَانَةُ: هي هضبة من وراء ينبع قريبة من ساحل البحر.

و يؤخذ منه عدم احترام أعياد المخالفين أو تعظيمهاوإظهار الفرح والسرور فيها، والتحرز من قربها خشية مشابهتها، لذلك على المسلمينإظهار أعيادهم والاعتزاز بها، وعدم الإحداث فيها أو الزيادة عليها. وفقنا اللهوإياكم لما يحبه و يرضاه، والحمد لله رب العالمين.


د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر 29/09/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:31 PM
الأمان مع دولة بلا أحزاب

الأمير واحد.. الحزب واحد.. الجماعة واحدة

الْحمد لله وحده والصلاةُ وَالسلامُ عَلَى مَنْي لا نَبًي بَعَدَه، أَمَّا بَعْدُ:

إن كيان الدولة واحد غير قابل للتفكك، من أجل مصالح ذاتية، تَحملُ من الأنانيةً ما يُفقد صاحبُها الشعوربالمسؤوليةً، ويدفعه للتضحية بمصالح الجماعة الواحدة، جماعة المسلمين العامة (الجماعة الأم)، والدولة لا تَقْبَلُ التَّمَزُّقَ لًخدمةً أَصحابً النَّضْرَةًالتًي لا يُجاوزُ مداها المسافةُ بَيْنَ الأَنفً وَالعَيْنَيْنً، وقَدَّمَمَصَالًحَهُ الفَرْدًيَّة على المصالح الجماعية- مصلحة مجتمعه وأمته-، وَلْيَعْلَمْ القَاصًيَ وَالدَّانًيَ وَأصحابَ الأحزابَ وَأُمَرائَها» الذين عملوا عبر عقودي منالزمنً على تَأَسًيسً الأحزابً التًي فَرَّقَتً الأُمَّة، وَجمع الأتباعً، وتكوينالأجنحةً ذاتً الأَنشطةً المختلفةً، والتمتع بًمستوى من التأهيل، والقدرة علَىالتحرك حَيثُ وُجًّهَتْ، مَتَى مَا صَدَرَتً الأَوَامًرَ لَهَابًذَلك.

سكرة الاستعلاء الحزبي

اعلموا عباد الله أن هذا السلوك الحزبي الذي يعيش فيسكرة من الاستعلاء علَى عباد الله، وينام بأحلام الأفضلية عَلى بقية أفرادالمسلمين، وَنَصَّبَ نفسه نيابةً عن الدولة وَوُلاتًها، وَكًيلاً عَلَى عقولالعامة، إن هذا الدور ما هو إلا انْحراف واضح وظاهر لكل ذي عينين، وَلًمن وفقه اللهإلَى منهج أهل السنة والجماعة، وَرُزًقَ سلامةُ الصدر والمعتقد.

أيهاالأحزاب إن البلاد لن تكون ميدانا ومسرحا لأحزابكم، تعبثون يمنة ويسرة بمصالحالعباد والبلاد، وهو القائل تعالَى: (وإذا قيل لَهم لا تفسدوا في الأرض قالواإًنَّما نَحن مصلحون أَلا إًنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون)[البقرة: 11، 12]. ونقول لكم: إن الحزب الشرعي الوحيد» هو الدولة ونظامها، وأتباعه هم المجتمع بكافةأفراده، وتحدد العلاقة بينهم وفق القواعد والضوابط والنصوص الشرعية، ورأس هذا الحزبوأميره هو أمير الدولة ورئيسها، وما ترون من واقع غير ذلك فما هو إلا نوع انْحرافيفًي اتًّجاهً تَفْرًيقً جَمَاعَةً المسلمين، واستباحة العرض والدين، ونشر ثقافةالفوضى بين المسلمين.

احذروا ثقافة الفوضى

(اعتصام- مسيرة - مظاهرة - انقلاب)

فجماعة المسلمين على اختلاف ألسنتًهم وألوانًهموأصولًهم وجذورهم، هم الحزب الذي أقره الشرع وأمير الدولة هو أمير الحزب ورأس جماعةالمسلميْن. ولنا ما روى أبو داود في سننه (4248) وأصله في صحيح مسلم(1844): من حديثعبد الرحمن بن عبد رب الكعبة عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه» فليطعه مااستطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر». قلت: أنت سَمًعْت هذا من رسولالله صلى الله عليه وسلم ؟ قال: سَمًعَتْهُ أُذُنَايَ وَوَعَاهُ قَلبًي، قلت: هذاابن عمك معاوية» يأمرنا أن نفعل ونفعل، قال: أطعه في طاعة الله، واعصه فًي معصيةالله . وروى البخاري (7056)، ومسلم (1709) في صحيحيهما من حديث عبادة بن الصامت رضيالله عنه فقال: دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فكان فيما أخذعلينا» أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرةعلينا، وأن لا ننازع الأمر أهله قال: «إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيهبرهان». وفي قوله: «أثرة علينا» استئثار الأمراء بالحظوظ وكل شيءي لأنفسهم: أي: ولومُنًعْنَا حُقُوقُنَا فالواجبُ الصَّبرُ بلا اعتصامي أو مظاهرة . « لا ننازع الأمرأهله» أي لا ينازعون في الملك والإمارة .فلا شغب ولا إثارة ولا تأليب للناس علَىأمرائها.

نعم لًهيبة الدولة وأميرها

هيبة ولي الأمر وتوقيره هيبة أرادها الله في كونه وأرادها فًي شرعه فروى أحمد في المسند (4/126)، والترمذي في السنن (2676)، والبيهقيفي السنن الكبرى (10/114) ما صح عن العرباض بن سارية قال: صلى لنا رسول الله صلىالله عليه وسلم صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجلت منها القلوب، وذرفتمنها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كَأَنَّها موعظة مودع فأوصنا، قال: «أوصيكمبتقوى الله والسمع والطاعة» وإن تأمر عليكم عبد حبشي، وإنه من يعش منكم فسيرىاختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضوا عليهابالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». وهيبة الدولة منهج يصونالإنسان عن المجازفة والانفلات وركوب الشهوات، والولاء لجماعة المسلمين والْمحافظةعلى الدنيا وصيانة الدين.

إننا نطالب بًهيبة الدولة وأميرها، ولا نطالببالخوف فهناك فرق بين الهيبة والخوف، فالذي له التوقير والمهابة لا يُتَوَقَّعُالغَدْرُ بًهً، والذي أقام أمره على الخوف، فلا بد أن هذا الخائف سيغدر به يوما ما،فالأمن من جانبه قائم على تخويفه والبطش به، فمتى ما تحرر من خوفه، خرج بثوب الفوضىوعاث في الأرض الفساد. والله تعالى يقول:(ولا تفسدوا في الأرض بعدإصلاحها)[الأعراف: 56]، والأمن المبني على الهيبة، الأصل في إقامته» الحرص علىمصالح الأمة، واستقرار البلاد، وإقامة منافع العباد، فإذا أمنت العقوبة وزال الخوففالْهيبة لا تزول لتعلقها بحقوق البلاد والعباد، والتي جاءت نصوص الشرع وقواعدالشريعة جاءت بطلبه والْمحافظة عليه.

صيانة كرامة الإنسان

هل تعطيل عقول الشعوب وتسيير دهماء الناس كرم لَها أمامتهان؟ إن احتكار العقول وجعلها كالحجر الأصم، يستعمل متى شاء وفي ما شاء، ويقذففي أي اتجاه، هو محض الامتهان وعينه، والله سبحانه يقول: (ولقد كرمنا بني آدموحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) [الإسراء:70]، وَكَرَّمْنَا أَشَدُّ مُبَالَغَةً مًنْ أَكْرَمَنَا، أي: كَرَّمَهُبالعقلَ والفهمً والتمييزً، وحرية الاختيار واتخاذ القرار، وهداه إلى سبل العيشالكريم في الدنيا والآخرة، وفًي قوله تعالَى:(وفضلناهم على كثير ممن خلقنا) جعلهأفضل من البهائم والأنعام ومن وحوش الطير والحيوان وغيرها كالدواب. فيا عباد الله! إن الأحرار لا تعبأ بالمظاهرات، وتترفع عن المسيرات، ولا تقبل أن تكون بَهائمَتُقادُ مًنْ رقابًها، أو تُسَيَّرُ فًي هذه الْحشود . فاللهم احفظنا وسائرالمسلمين، ووفقنا لًخيري الدنيا والدين، وَالْحمد لله رب العالًمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 18/12/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:34 PM
الإمام مسلم بن الحجاج وكتابه «الصحيح»



قال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (2/16):

وأخبرني الحسن، قال: أنبأنا محمد بن أبي بكر، قال: أنبأنا أبو شجاعالفضيل بن العباس بن الخصيب التميمي، قال نبأنا أبو قريش محمد بن جمعة بن خلف، قالسمعت بندارًا محمد بن بشار يقول:

(حفاظ الدنيا أربعة: أبو زرعة بالري، ومسلمبن الحجاج بنيسابور، وعبد الله بن عبد الرحمن الدرامي بسمرقند، ومحمد بن إسماعيلالبخاري ببخارى) أ.هـ

قال الذهبي: في تذكرة الحفاظ (2/589) عن الحافظ أبيالعباس بن عقدة أنه قال:

وأما مسلم فقلما يوجد [يقع] له غلط في العلل، لأنهكتب المسانيد، ولم يكتب المقاطيع والمراسيل .ا هـ

قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد (13/101):

أخبرني محمد بن أحمد بن يعقوب، أخبرنا محمد بن نعيمالضبي، أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم قال سمعت أحمد بن سلمة يقول:(رأيت أبازرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما). ...

وقال الحاكم أبو عبدالله: حدثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيممثله.

وقال الحاكم في معرفة علوم الحديث (ص/78):

حدثنا محمد بنإبراهيم الهاشمي، قال ثنا أحمد بن سلمة قال: سمعت الحسين بن منصور يقول: سمعت إسحاقبن إبراهيم الحنظلي ونظر إلى مسلم بن الحجاج فقال:

«مرد كاملبوذ».أ.هـ

أي ما أعظم هذا الرجل بالعربية !

قلت: هل تعلم من هو أبوزرعة ؟ ومن هو أبو حاتم ؟ إنهما الرازيـان .

في كتاب الجرح والتعديل (1/334):

قال: حدثنا عبد الرحمن قال: سمعت يونس بن عبد الأعلى يقول: أبوزرعة وأبو حاتم إماما خراسان، ودعا لهما وقال: بقاؤهما صلاح للمسلمين .

أبوزرعة: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فروخ أبو زرعة الرازي، مولى عياش بن مطرفالقرشي.

قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/328):

قال: نا الحسن بن أحمد بن الليث قال: سمعت عبد الواحد بن غياثالبصري يقول: ما رأى أبو زرعة بعينه مثل نفسه أحدا .

قال أبو محمد: قرأتكتاب إسحاق بن راهويه بًخطه إلَى أبًي زرعة: إنًّي أزداد بك كل يومي سرورا فالحمدلله الذي جعلك مًمَّن يَحفظ سنته، وهذا من أعظم ما يحتاج إليه اليوم طالب العلم،وأحمد بن إبراهيم لا يزال في ذكرك الجميل حتى يكاد يفرط، وإن لم يكن فيك بحمد للهافراط، وأقرأني كتابك إليه بنحو ما أوصيتك، من إظهار السنة وترك المداهنة فجزاكالله خيرا، فدم على ما أوصيتك فإن للباطل جولة ثم يضمحل، وإنك ممن أحب صلاحه وزينه،وَإًنًّي أَسْمَعُ من إخواننا القادمين ما أنت عليه من العلم والْحفظ فأسربذلك.

وفي (1/329) - منه -: قال حدثنا عبد الرحمن قال: ذكر سعيد بن عمروالبرذعي قال: سمعت محمد بن يحيى النيسابوري يقول: لا يزال المسلمون بًخَيْري ماأبقى الله عز وجل لهم مثل أبًي زرعة، وما كان الله عز وجـل ليترك الأرض إلا وفيهامثل أبي زرعـة يُعَلًّـم الناس ما جهلوه.

قال الخطيب البغدادي في تاريخبغداد (10/326): «وكان إماماً ربانياً متقناً حافظا، مكثراً صادقا» .اهـ

وقال: حدثني الأزهري حدثنا عبيد الله بن محمد العكبري قال: سمعت أحمدبن سلمان قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: لَمَّا ورد علينا أبو زرعة نزلعندنا، فقال لًي أبًي: يابُنَيَّ قد اعتضت بنوافلي مذاكرة هذا الشيخ .

ورواها الخطيب البغدادي من طريق عمر بن محمد بن رجاء قال: سمعت عبد اللهبن أحمد بن حنبل يقول: لَمَّا قدم أبو زرعة نزل عند أبًي، فكان كثيْر المذاكرة له،فسمعت أبًي يوماً يقول: ما صليت غير الفرض، استأثرت بًمذاكرة أبًي زرعة على نوافلي .

وقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (10/328): قال: أخبرنا أبو القاسمرضوان بن محمد بن الحسن الدينوري، حدثنـا أبو علي حمد بن عبد الله الأصبهاني قال: سمعت أبا عبد الله عمر بن محمد بن اسحاق العطّار يقول: سمعت عبد الله بن أحمد بنحنبل يقول: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسر أفقه من إسحاق بن راهويه ولا أحفظ من أبيزُرعة .

وقال أبو بكر الخطيب: قال عبد الله: سمعت محمد بن عوف يقول: قدمعلينا أبو زرعة فما ندري مما يُتَعَجَّبُ منه ؟! مما وهب الله له من الصيانةوالمعرفة، مع الفهم الواسع .

وقال أبو بكر الخطيب في تاريخ بغداد (10/330): قال: أخبرنا أبو سعد الماليني - قراءةً - حدثنا عبد الله بن عدي الحافظ قال: سمعتمحمد بن إبراهيم المقرئ يقول سمعت فضلك الصائغ يقول: دخلت المدينة فصرت إلى باب أبيمصعب، فخرج إليَّ شيخ مخضوب، وكنت أنا ناعساً فحركني فقال: يا مردريك من أين أنت ؟لأي شيءي تنام ؟ فقلت أصلحك الله من الري، من بعض شاكردي أبي زرعة، فقال: تركت أبازرعة وجئتني ؟! لقيت مالك بن أنس وغيره، ما رأت عينايَ مثله .ا هـ

قلت: مردريك وشاكردي لغة فارسية، وفي العربية مرد: تعني الشاب أو الفتى، وشاكردي: التابعأو التلميذ .

وقال أبو بكر الخطيب في تاريخه (10/334): قال: أخبرناالماليني، أخبرنا عبد الله بن عدي قال: سمعت أبا يعلى الموصلي يقول: ما سمعنا بذكرأحدي في الحفظ إلا كان اسمه أكثر من رؤيتـه، إلا أبا زرعة الرازي فإن مشاهدته كانتأعظم من اسمه، وكان قد جمع حفظ الأبواب، والشيوخ، والتفسير، وغير ذلك، وكتبنابانتخابه بواسط ستة آلاف [حديث].

قال الذهبي في السير (13/65): «الإمام،سَيًّدُ الحُفَّاظً».

وقال في تذكرة الحفَّاظ (2/557): «حافظالعصْرً...وقال: وكان من أفراد الدهر حفظاً وذكاءً، وديناً وإخلاصاً، وعلماًوعملا».اهـ

أبو حاتم: محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران، أبو حاتمالحنظلي الرازي

قال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (1/356):

سمعتأبي يقول: جرى بيني وبين أبي زرعة يوماً تمييز الحديث ومعرفته، فجعل يذكر أحاديثويذكر عللها، وكذلك كنت أذكر أحاديث خطأ وعللها وخطأ الشيوخ، فقال لي: يا أبا حاتمقَلَّ من يفهم هذا، ما أَعَزَّ هذا، إذا رفعت هذا من واحد واثنين فما أقل من تجد منيُحْسًنُ هذا، وربما أشكّ في شيءي، أو يتخالجني شيء في حديث، فإلَى أن ألتقي معك لاأجد من يشفيني منه. قال أبًي: وكذلك كان أمري .اهـ

وفي كتاب الجرحوالتعديل(1/357):

قال أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: سمعت موسى بن إسحاقيقول لي: ما رأيت أحفظ من أبيك رحمه الله.وقد رأى أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبابكر بن أبي شيبة وابن نمير وغيرهم، فقلت له: رأيت أبا زرعة ؟ فقال: لا .اهـ

قال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (2/ 75):

أخبرنا أبو نعيمالحافظ قال: أخبرني محمد بن عبد الله الضبي في كتابه، وأخبرني أحمد بن محمد بن عبدالواحد المنكدري قال: نبأنا محمد بن عبد الله الضبي بنيسابور قال: أنبأنا أبو الفضلمحمد بن إبراهيم الهاشمي قال: نبأنا أحمد بن سلمة قال: ما رأيت بعد إسحاق - يعنيابن راهويه - ومحمد بن يحيى، أحفظ للحديث ولا أعلم بمعانيه من أبي حاتم محمد بنإدريس .اهـ

وقال الذهبي في «السير»(13/247): محمد بن إدريس بن المنذر بنداود بن مهران، الإمام الحافظ الناقد، شيخ المحدثين الحنظلي الغطفاني، من تميم بنحنظلة بن يربوع وقيل عرف بالْحنظلي لأنه كان يسكن في درب حنظلة بًمدينة الري، كانمن بحور العلم، طوف البلاد وبرع في المتن والإسناد، وجمع وصنف، وجرح وعدل، وصححوعلل .ا هـ

هذان الرازيـان على ما جَمعا من الديانة والعلم والْحفظ، ومعرفةصحيـح الْحديث من سقيمه،كانا يقدمان مسلم بن الْحجاج فًي معرفة الصحيح على مشايخعصرهما ومن أراد مزيداً عن الإماميْن فعليه بًمراجعةً:

ترجمة أبًي زرعة فًي «الْجرح والتعديل» (1/328)، و«تاريخ بغداد» (10/326)، و«سير أعلام النبلاء» (13/ 65)

وترجمة أبًي حاتًم في «الْجرح والتعديل» (1/349)، و«تاريخ بغداد» (2/73)، و«سير أعلام النبلاء» (13/247).



(ما بين البخاري ومسلم)

سار مسلم على طريق البخاري وحرص على الاستفادة من علمهوحذا حذوه، واختلف مع محمد بن يحيى الذهلي وفارقه وترك الرواية عنه، وكانت الوحشةبينهما من أجل دفاعه عن محمد بن إسماعيل البخاري .

قال الخطيب البغدادي فيتاريخ بغداد (13/102):

قلت: إًنَّما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه،وحذا حذوه، وَلَمَّا ورد البخاري نيسابور فًي آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلافإليه.ا هـ

وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصيرفي، قال سمعت أباالحسن الدارقطني يقول: لولا البخاري لَمَا ذهب مسلم ولا جاء .اهـ

قال النوويفي مقدمة الشرح (1/24):

وقد صح أن مسلمًا كان ممن يستفيد من البخاري ويعترفبأنه ليس له نظيرًا في علم الحديث .

(ما بيْن أَبًي زرعة الرازيومسلم)

وكما استفاد مسلم من مشايخ عصره وحفاظ الحديث كـ «البخاري» وغيره، حصل له استفادة واستزادة من الإمام الكبير أبًى زرعة الرازي .

قال الذهبي في «السير» (12/568):

قال مكي بن عبدان: سَمعت مسلمًايقول عرضت كتابي هذا «المسند» على أَبًي زرعة، فكل ما أشار علي في هذا الكتاب أن لهعلة وسببا تركته، وكل ما قال: أنه صحيح ليس له علة، فهو الذي أخرجتأ.هـ

عناية مسلم بكتابه

وقال الذهبي فًي تذكرةالحفاظ (2/590): وقال ابن الشرقي: سمعت مسلمًا يقول: ما وضعت شيئا في كتابي هذا "المسند" إلا بحجة، وما أسقطت منه شيئا إلا بحجة أ.هـ

وقال الحافظ ابن رجبفي شرح علل الترمذي (1/398): وأما مسلم فلا يخرج إلا حديث الثقة الضابط، ومن فيحفظه بعض شيء، وتكلم فيه لحفظه، لكنه يتحرى فيه التخريج عنه، ولا يخرج عنه إلا مالا يقال أنه مما وهم فيه أ.هـ

قال النووي - رحمه الله - في مقدمة شرح صحيحمسلم (1/22): قلت ومن حقق نظره في صحيح مسلم - رحمه الله - واطلع على ما أودعه فيأسانيده وترتيبه، وحسن سياقته، وبديع طريقته، من نفائس التحقيق، وجواهر التدقيق،وأنواع الورع والاحتياط، والتحري في الرواية، وتلخيص الطرق واختصارها، وضبط متفرقهاوانتشارها، وكثرة إطلاعه واتساع روايته، وغير ذلك مما فيه من الْمحاسن والأعجوبات،واللطائف الظاهرات والخفيات، علم أنه إمام لا يلحقه من بعد عصره، وقل من يساويه بليدانيه من أهل وقته ودهره، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضلالعظيم.أ.هـ

وقال النووي في المقدمة (1/31): فصل: سلك مسلم - رحمه الله - فيصحيحه طرقا بالغة في الاحتياط والإتقان والورع والمعرفة، وذلك مصرح بكمال ورعهوتمام معرفته، وغزارة علومه وشدة تحقيقه بحفظه، وتقعده في هذا الشأن، وتمكنه منأنواع معارفه، وتبريزه في صناعته وعلو محله في التمييز بين دقائق علومه، لا يهتديإليها إلا أفراد في الإعصار، فرحمه الله ورضي عنه. ا هـ

قلت: هكذا كانالحافظ مسلم بن الحجاج النيسابوري الذي انتقى أحاديث صحيحة أودعها كتابه المشهوربصحيح مسلم من بين آلاف من الأحاديث الصحيحة، لتكون سهلة المتناول والمقصد، لمنأراد أحاديث صحيحة مجموعة في كتاب مفرد .

قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (10/127):

حصل لمسلم في كتابه حظ عظيم مفرط لم يحصل لأحد مثله بحيث أن بعضالناس كان يفضله على صحيح محمد بن إسماعيل وذلك لما أختص به من جمع الطرق، وجودةالسياق والمحافظة على أداء الألفاظ كما هي، من غير تقطيع ولا روايةبمعنى.

وقد نسج على منواله خلق من النيسابوريين، فلم يبلغوا شأوه، وحفظتمنهم أكثر من عشرين إمامًا، ممن صنف المستخرج على مسلم فسبحان المعطيالوهاب.اهـ

ولما تميز به مسلم في كتابه الصحيح المسند من حسن السياقوالإتقان والدقة» ذهب البعض إلى أنه أصح كتاب في الصحيح .

- قال الخطيبالبغدادي في تاريخ بغداد (13/101):

حدثني أبو القاسم عبدالله بن أحمد بن عليالسوذرجاني ـ بأصبهان ـ قال سمعت محمد بن إسحاق بن منده يقول: سمعت أبا علي الحسينبن علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب "مسلم بن الحجاج" في علمالحديث .أ .هـ

-قال الذهبي في تذكرة الحفاظ (2/589): قلت: لعل أبا علي ماوصل إليه صحيح البخاري .

- وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة (ص / 86): وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري، أنه قال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم،فلم يصرح بكونه أصح من (صحيح البخاري)، لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم،إذ المنفًي إنما هو ما تقتضيه صيغة (أفعل) من زيادة صحة في كتاب شارك مسلم فيالصحة، ويمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينف المساواة .

وكذلك ما نقل عن بعضالمغاربة أنه فضل "صحيح مسلم" على "صحيح البخاري" فذلك يرجع إلى حسن السياق، وجودةالوضع والترتيب.ا هـ

مسلم لم يكن من شرطه حصر الصحيح فيكتابه

وصحيح مسلم هو انتقاء دقيق لمجموعة من الأحاديثالصحيحة المسندة في كتاب مفرد أراد به مسلم بن الحجاج النيسابوري أن يكون نفعًاللأمة، ونُصحًا لمن حزبه أمري وهَمَّهُ، ومرجعًا عند من لا يعرف صحيح الحديث منضعيفه.

سهل الحمل والقراءة، يسير غير عسير عند الرواية والكتابة، وعلى هذاالمعنى فإن ما ليس في صحيح مسلم ليس بالضَّعيفً، بل فيه الصحيحُوالضعيفُ.

لذا قال الذهبي في "السير" (12/571) عن مسلم بن الحجاج قال: إنماقلت: صحاح ولم أقل: ما لم أخرجه ضعيف، وإنما أخرجت هذا من الصحيح ليكون مجموعًا لمنيكتبه .اهـ

البخاري لم يكن من شرطه حصر الصحيح في كتابه وكذلك كان عصريهصاحب الجامع الصحيح الإمام الحافظ الحجة محمد بن إسماعيل البخاري الذي جمع في كتابهأحاديث صحيحة من جملة الصحاح التي كان يحفظها رحمه الله تعالى.

قال الخطيبالبغدادي في «تاريخ بغداد» (2/8): أخبرنا أبو سعد الماليني، قال أنبأنا عبدالله بنعدي، قال: سمعت الحسن بن الحسين البخاري، يقول: سمعت إبراهيم بن معقل، يقول: سمعتمحمد بن إسماعيل البخاري، يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع ـ إلا ما صح، وتركت منالصحاح لحال الطوال .اهـ

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 8/1/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:36 PM
الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ
(1)

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

إن الاعتصام بالكتاب والسُّنة هو السلاح الماضي والأمرالقاضي لمن أراد السير على الصراط المستقيم ومعرفة الطريق القويم وبيان أن الإسلام مبنيٌ على أصلين:

فالأول: أن لا نعبد إلا الله، وحده لا شريكله.

والثاني: أن نعبد الله بما شرع على لسان رسوله، فلايُعبد الله بأقوال الرجال والآراء، ولا بالبدع والأهواء.

كلمة التوحيد، والاتباع وترك الابتداع؟

وهذا مصداقٌ لكلمة التوحيد والاتباع وترك الابتداع: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله»، فهي بوابة دخول الإسلام،وبها عصمةٌ للدماء والأموال والأعراض؛ لما رواه البخاري (25)، ومسلم (36) فيصحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس؛ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله،ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك؛ عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلابحق الإسلام، وحسابهم على الله».

وروى مسلم في صحيحه (1715) من حديث أبي هريرة رضي اللهعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكمثلاثاً، فيرضى لكم؛ أن تعبدوه، ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاًولا تفرقوا، ويكره لكم؛ قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال». قال النووي في شرحهللصحيح: قوله: «ولا تفرَّقوا»: فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتأَلُّف بعضهم ببعض،وهذه إحدى قواعد الإسلام. وأما «قيل وقال»: فهو الخوض في أخبار الناس، وحكايات مالا يعني من أحوالهم وتصرُّفاتهم. اهـ

السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجةعلى السنة

قال الشاطبي في الاعتصام (1/157): السنة حجة على جميعالأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبهامعصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة؛ إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمنإجماعهم دليلاً شرعياً.... وقال: فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليهالخطأ، ونقف على الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ، إذا ظهر في الاقتداء به إشكال،بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه؛ قبلناه، وما لم يقبلاه؛تركناه.اهـ.

معالجة انحراف الشباب

لقد نشأ بعض الفتية الذي خالفوا الصواب، وأعرضوا عنخطاب السنة والكتاب، واتخذوا من الشبهات المتناثرة أصولاً وأعمدة للدين، فخرجوا علىالناس، ونادوا بالعصمة للأشخاص، فالقول ما قالوا به، والدين ما نادوا به، والعدلعندهم من سار على الجسر الذي نَصَبوه، ودان بالموافقة للشخص الذي نَصَّبوه، حتىأصبح طعن المشايخ، وطلبة العلم، والنيل من العلماء، شعارا عرفوا به، وديناً نسبواله، وفي حق العلم وأهله قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِالْعُلَمَاءُ?[فاطر: 28]، وقال: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْوَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ?[المجادلة: 11].



يقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه، ويفضل منفضله الله ورسوله



هذا هو الميزان الذي تعبدنا الله به، فلمنُتعبد بأقوال الرجال، ولن نعمل على تعظيم أحد، أو جَعل قَداسة حوله كائناً من كان،لقد خالفنا الناس من أرباب المذاهب والأحزاب والطرق من أجل ذلك وانتصاراً للوحي،وأعجب لمن ابتغى لنفسه مكانة واتباعاً يضاهي مكانة صاحب الرسالة فهذا ادعاء للنبوة،وانحراف عن الدين، فالمسلم المتجرد لا يبالي برد الآراء والأقوال التي لا تقوم علىالحجة والبرهان من كتاب الله والسنة. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (11/512): ولا يتعين ذلك في شخص معين، ولا يحتاج الانسان في ذلك أن ينتسب إلى شيخمعين، وكل من أفاد غيره إفادة دينية؛ هو شيخه فيها... وقال: وليس لأحد أن ينتسب إلىشيخ يوالى على متابعته، ويعادى على ذلك، بل عليه أن يوالى كل من كان من أهلالإيمان، ومن عرف منه التقوى من جميع الشيوخ وغيرهم، ولا يخص أحداً بمزيد موالاة؛إلا إذا ظهر له مزيد إيمانه وتقواه، فيقدم من قدم الله تعالى ورسوله عليه، ويفضل منفضله الله ورسوله، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْمِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّأَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[الحجرات: 13].اهـ

***

- جاءتني رسالة من أخينا الشيخالفاضل[....] حفظه الله



(سؤال من أمريكا عبر الهاتف مسجل باللغةالإنجليزية توجهوا به إلى [....] هذا نصه والإجابة عنه: هناك رجل يزور أميركا منالكويت في الوقت الحاضر، ونرغب بمعرفة المزيد عنه، وإذا كان بإمكاننا الذهابوالجلوس معه والاستفادة منه؟ اسمه الشيخ [....]، فالأخوة يودون منك أن توضح بعضالأمور المتعلقة بهذا الفرد من الكويت؟

الإجابة عن هذا السؤال: هذا الرجل إذا سألته عن [....] ومنهجهم - على سبيل المثال - هل هو (منهج) سني أم بدعي؟ سيقول: لا، هم على طريق أهلالسنة، ولن يقول: على سبيل المثال - إنهم على طريق أهل البدعة. أيضًا إذا كنت سألتهعن ابن جبرين، الذي يعطي الإذن للناس أن يذهبوا للعراق للجهاد؟ فسيقول: بأنه عالم،وبإمكاننا أن نستمع إليه، وهذا خطأ (أي الفتوى بالذهاب للعراق للجهاد) لكنه هو عالمولا نستطيع القول بعدم السماع إليه.

ولكن هذان مثالان على منهج هذا الشخص، ويمكن لأي أحدأن يسأله عن هذين السؤالين- وأنا أقول على سبيل المثال - ويعرف منهج هذا الشخص،بخصوص جمعية[....]: ما هو السؤال الذي يفترض أن يكون: هل هم على منهج سني أم بدعي،واضح؟

والسؤال الثاني -وأنا أقول على سبيل المثال- ابنجبرين: هل نستمع لأشرطته؟ فانظر إلى جوابه وستعرف من هو هذا الشخص؟ وأيضًا أخلاقهليست جيدة، وكثير من الناس يقولون إنهم ابتعدوا عنه بسبب أخلاقه.و هذا هو ماأتستطيع أن أجيبك به.)اهـ.



الرد والتنبيه

أولا: أما الشيخ [...] فأشكره على حسن الظن بنا، ولذاأحببت أن أنبه على مواضع جاءت في السؤال المُعَدِّ امتحاناً لطريقتهومذهبه.

ثانيا: وأما أخونا الفاضل الآخر؛أي: السائلالمُمْتَحِن ومن خلفه، فهذا توجيه و نصح له، وسَأُعَبِّرُ عنه: بالمخالف القائل: امتحان السلفي بسؤالين

المخالف القائل: امتحان السلفي بسؤالين

قال المخالف:

التعقيب على السؤالين:

أقول: إنه لمن الغرابة أن تقف على كلام تجده عنواناًعلى الجهل الذي انتشر بين أبناء المسلمين وأصبح علامةً على أهله، لما فيه من غلطوخلط ورأي، فلا وجود لآية من كتاب الله أو آثار وأخبار عن رسوله، فكان الوقوع فيبدع محضة، فالامتحان بدعة، ودين أحدثه الخوارج، وبعد ذيوع كلام المخالف وانتشاره،كان النصح للشباب واجباً، فلا بد من تتبعه وبيان مقاله.

أيها السائل! إن الحق لا يعرف بالرجال؛ اعرف الحق تعرفأهله

وفي قول المخالف طلبٌ لمعرفة المُحِقِّ من المُبْطِلِ،والسُنيِّ من البِدْعيِّ، بحسْبِ موقف الإنسان من شخص آخر، وليس طلبٌ لتمييزالمحقِّ من المُبْطِلِ، والسُنيِّ من البِدعِيِّ، بحسْبِ موقفه من الحَقِّ الذي جاءبه سيد المرسلين، فإذا عرفت الحقَّ بان لك الضلال وعرفت الباطل، قالتعالى:{فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلا الضَّلاَلُ?[يونس: 32]، وعند العمل بالحقيُعرف السنيُّ ويُعلم المحقُّ، وإن مفارقة الحق والابتعاد عنه علامةٌ على البدعي،ودليل على المبطل.قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (3/414): فالواجب الاقتصارفي ذلك والإعراض عن ذكر يزيد بن معاوية وامتحان المسلمين به فإن هذا من البدعالمخالفة لأهل السنة والجماعة. وقال (3/415): وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانهابما لم يأمر الله به ولا رسوله.اهـ

- وقال محمد بن الحسين الآجري في كتابه الشريعة (62): وأرجو أن يعيذ الله الكريم أهل العلم من أهل السنة والجماعة من محنة تكونأبداً.

السائل؛ إما مسترشدٌ بسؤاله، أو مُختبر و مُمتحن، أومستدرك

الجواب عن سؤال المخالف:

أقول: إن القاعدة في كل سائل لا يخرج عن ثلاثة أحوال: إما إنه مسترشد بسؤاله، أو مختبر و مُمتحن، أو مستدرك.

(1) فالمسترشد لا يطلب جدلاً، فهو لا يعرف جواباًلمسألته، ويسأل مسترشداً عن الجواب (باحث عن حق).

(2) والمختبر المُمْتَحِنُ لديه جواب ويحمل اعتقاداً،ولكنه من أهل الشغب والجدال، فلا هو باحث عن حق؛ ويريد الوقوف على حال من سألهليتخذ مقاماً يرضي به شخص المتبوع (واقع في بدع الخوارج).

(3) وأما المستدرك؛ فهذا لديه جواب ويحمل اعتقاداً،ولكنه أوتي جدلا، فسؤاله ليس رغبة في العلم، ولكن ليستدرك، حتى ينشر مذهبه وقوله،ويحمل الناس على معتقده (صاحب مراء وجدل).

حال المجيب:

(1) إما أن يكون الجواب موافقاً لما عليه رسول اللهصلى الله عليه وسلم.

(2) أو يكون موافقاً لهوى السائل.

(3) أو يكن الجواب لا يوافق الحق ولا هوىالسائل.

فإن كان الجواب الأول فهو الدين، وقد لا يُسَرُّ بهالسائل لمخالفته هواه ومبتغاه. وإن كان الثاني فهذا دين السائل المُمْتَحِنِ، وهناوافقه وأصبح مرضياً عنه، وإن لم يوافق الحق الذي جاء به رسول الله صلى الله عليهوسلم. وإن كان الجواب الثالث؛ فلا تابع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فق هوىالسائل المُختبر، وجاء بقول مبتدع لإحدى الفرق المخالفة للفرقةالناجية.

الإيضاح والتنبيه:

أولا: يقال للسائل: هل تعرف المراد من كلمةالمنهج؟

فإن قال: نعم. فنقول: أفدنا... ماذا يراد بهذاالاصطلاح حتى نجيب؟!

وإن قال: لا أعرف.

فنقول: إذن، لماذا تسأل - بارك الله فيك - عن شيء لاتحُسنه ولا تعرفه؟ إنا ننصحك بالجلوس في حلق المشايخ وعليك بطلب العلم، ومعرفة ماينفعك، ويكون زاداً لآخرتك، وننصح السائل أيضاً بقاعدة نافعة لطالب العلم: «بأنك لمتخلق لهذا، فانشغل بما يعنيك ودع ما لا يعنيك، ولا يزال طالب العلم نبيلا؛ حتى يخوضفي خلافات تجري بين بعض أهل السنة (السلفيين)، ويتصدى للفصل، ويقضي لبعضهم علىبعض».

ثانياً:

-1 نقول: أيها السائل! ابتداءً؛ هل سؤالك سني أمبدعي؟

-2 وماذا تقول لو قلبنا سؤالك عليك؟ وقلنا: هل هذهالطائفة السائلة والتي جمعت أضرار الحزبية وطوام المذهبية؛ [وقعت فيه بعلم أو بجهل] على منهج السنة أو واقعة في البدعة؟

وبها يعرف منهج صاحب السؤال.

وللحديث بقية في العدد المقبل بإذن الله تعالى، والحمدلله رب العالمين.



تاريخ النشر 05/10/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:39 PM
الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ
(2)



الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: نكمل مابدأناه في العدد الماضي من نقد ثقافة المخالفة من الأقوال والأفعال، وبيان قوادح الفتية ودرها، والتي لا يكاد يسلم منها طلبة العلم والمشايخ والعلماء، حتى إن شيخالعلماء ابن باز رحمه الله لم يسلم من القوادح المزعومة، وهذه بداية لإنهاء تلكالمخالفات بإذن الله فتحمل نقدا للطريقة ونصحا للناقد، ودعوة للمسلمين لسلوك سبيلالحق والصواب:

وقفة مع أصحاب السؤال في أمريكا ولماذاالسؤال؟!

وقبل الشروع في الرد والتنبيه على قول الأخ الكويتيأريد أن أقف قليلاً على سؤال الطرف الذي يعيش في أمريكا:

قالوا من أمريكا: [ونرغب بمعرفة المزيد عنه، وإذا كانبإمكاننا الذهاب والجلوس معه والاستفادة منه؟ اسمه الشيخ سالم الطويل، فالأخوةيودّون منك أن توضح بعض الأمور المتعلقة بهذا الفرد من الكويت؟]

قالوا: [و نرغب بمعرفة المزيد عنه]

قلت: من كان يريد المزيد؛ فلديه أصل معرفة عن الشيخ،والحجة من قولهم: (نرغب بمعرفة المزيد). فإن البِدْعِيّ لا يَرغَب السِنِّيُّبمعرفة المزيد عنه. وفي ذلك قرينة على سلامة الشيخ عندهم، وأنه سُنِّيٌ سالم منالبدع، وأنهم راغبون في الاستفادة من دروسه، والحجة: أفلم يقولوا: (وإذا كانبإمكاننا الجلوس معه والاستفادة منه؟!).

وهنا ستلاحظ أيها القارئ اللبيب! أموراًمنها:

-1 إنهم تركوا كل من له علاقة بالعلم في أرض اللهالواسعة، وذهبوا إلى حصر السؤال في شخص معين، وإني سائل فأجيبوا؟ لماذا تجعلونالإسلام في شخص رجل؟! أهي الشبكة الحزبية؟ ولذا أعود مذكراً بقول شيخ الإسلام: ولايتعين ذلك في شخص معين، ولا يحتاج الانسان في ذلك إلى أن ينتسب إلى شيخ معين... وقال: وليس لأحد أن ينتسب إلى شيخ يوالى على متابعته، ويعادى علىذلك.اهـ

-2 وكذلك لديهم علم بحال الشيخ، بل ورغبة للاستفادةمنه: [نرغب بمعرفة المزيد عنه، وإذا كان بإمكاننا الذهاب والجلوس معه والاستفادةمنه؟]، أهو التنقيب والتفتيش عن الأخطاء والعيوب؟ إن القدر الكوني لهذا السائلوغيره؛ أنهم لم يقعوا في أيد أمينة تأخذ بهم، وتحسن توجيههم، ولذلك أصبحت العقولمعلبة غير قادرة على التفاعل الإيجابي.

-3 طلب هؤلاء الذين عاشوا في بلاد الكفار الإذنوالرخصة من أخٍ في الكويت لحضور دروس الشيخ سالم الطويل!

إذا لم تكن هذه حزبية وتعصب لرأي الرجال؟ فعرّفوا لنا: ما الحزبية وما التعصب؟!

وفي النهاية قوبل طلب الإذن والسماح؛ للاستفادة من درسالشيخ سالم الطويل، بالموانع المشبوهة من الجهة الأخرى في الكويت، وهذا صد عن الحق،قال تعالى: {وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَمُحِيطٌ} [الأنفال: 47].

قالوا: [فالأخوة يودون منك أن توضح بعض الأمورالمتعلقة بهذا الفرد من الكويت؟].

لست أدري كيف تجاسر الأخ الفاضل؟ وسمح لنفسه ورضىبالتَّنصيبِ سفيراً للمرشد العام، وركناً يلجئون إليه دون الأئمة الأعلام، ورحمالله رجلاً عرف قدر نفسه، فلا يقوم بزجها في مواضع هي في سعة منها، ولم يؤمربها.

وإن أُلجئ من في الكويت على الإجابة؛ فعليه بالنصحلعامة المسلمين والتوجيه إلى ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ماينفعك»، رواه مسلم (2664) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. واحذر مماتقشعر له الأبدان وتشيب له رؤوس الولدان؛ من النصوص الشرعية التي جاءت في التحذيروالنهي عن الصد عن سبيل الله.

وأقول: إن الواجب على كل حزبي- في مشارق الأرضومغاربها - منح ولاءه رغبة أو رهبة للجمعيات والمراكز وغيرها؛ كالتَّنسكِ باتّباعورضى الأولياء والمشايخ والمراجع، بمفارقة تلك التَّحَزُبات، ويَخْلُص بالنفس منهذا الرق.

ونقول نصحاً: عليك بالمسارعة إلى إنقاذ نفسك بالخروجمن الظلمات إلى النور، والعيش في الفضاء الفسيح وترك الجحور، فلا تنتظر إنقاذاً أوجذوة قبس من الحزبيين، وأحذركم من الدخول في المصانع الحزبية، فإن صناعة الحزبيتكون بعاملين:

الأول: تساهل الرجل صاحب العقل بالاستغناء عن عقله،ليكون في متناول غيره فيُشَكِّله كيفما شاء.

والثاني: من وقع بين يديه عقلٌ لمستسلم أو صاحبغفلة.

فحاله بين أمرين لا ثالث لهما؛ إما أن يكون صحابسُنَّة وديانة وورع، ويتَّقي الله ربه، فيوصله إلى طريق السلامة. أو يكون صاحب هوى،وعبداً لحظوظ النفس، فيجعله من دواب الحزب، يُروِّضُها بسِياط هواه.

وروى اللالكائي في أصول اعتقاد أهل السنة (1/60) بسنده:

- عن أيوب قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهماالله لعالم من أهل السنة. قلت: فاتقوا الله في الشباب والأعاجم.

- وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذانسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها.

فهيا إلى الخروج من كل الأحزاب على اختلاف المسمياتوالأنواع؛ خروج من الظلمات إلى النور، فالحزبي غير مأمون على الدين.

مقارنة بين السائل والمسؤول في عصرنا

وما كان عليه المتقدمون من ورع وديانة عندمايُسألون

قاعدة: أنا أُسأل عنه؟!

تجمع تواضعاً وأدباً وعدلاً



مواقف من تواضع وورع أهل العلم عندما يُسألونعن أحد في باب الجرح والتعديل وسأذكر ثلاثة أمثلة: أحدهم بلغ الإجماع في الإمامة،وأما الآخرُ اختلف القول فيه، حتى أنه اتهم بالكذب. والثالث ثقة بعيد عن الاتهامبالكذب.

-1 أنا أُسأل عن أحمد؟!

روى ابن عساكر في تاريخ دمشق (5/287) من طريق علي بنخشرم قال: سمعت بشر بن الحارث رحمه الله، وسُئل عن أحمد بن حنبل فقال: أنا أُسْأَلعن أحمد رحمة الله؟! إن ابن حنبل أُدخل الكير فخرج ذهباً أحمر. وذكره المزي فيتهذيب الكمال (1/454).

-2 أَنا أُسأل عن الواقدي؟!



قلت: وهو محمد بن عمر الواقدي، قال البخاري فيالتاريخ الكبير: سكتوا عنه، وفي الأوسط: تركوه. واتهمه إسحاق بن راهويه في الجرحوالتعديل(8/21)، وعلي بن المديني في المجروحين لابن حبان (2/290) بوضع الحديث. ووثقه آخرون. وقال الذهبي الميزان (3/666رقم: 7993): واستقرّ الإجماع على وهنالواقدي.

قال الذهبي في ميزان الاعتدال (3/665)، والسير (9/461): وسُئِل معن بن عيسى، عن الواقدي فقال: أَنا أُسأل عن الواقدي؟! الواقدييُسألُ عنِّي.

قلت: معن بن عيسى القزاز، قال ابن أبي حاتم في الجرحوالتعديل (8/278): سمعت أبي يقول: اثبت أصحاب مالك وأوثقهم معن بن عيسى القزاز. وقال ابن سعد في الطبقات (5/437): وكان ثقة كثير الحديث ثبتاً مأمونا. وقال ابنحبان في الثقات: وكان هو الذي يتولى القراءة على مالك وفي ترتيب المدارك للقاضيعياض (3/149) قال ابن عبد البر: كان أشد الناس ملازمة لمالك. وكان يتكئ عليه عندخروجه إلى المسجد حتى قيل له عصية مالك.

قلت: وهذا دليل على مكانته عند الإمام مالك، ولم يُهجرأو يُقلل من شأنه لتوثيقه للواقدي، كما يفعل بعض المعاصرين عندما لا توافقه في جرحرجل ما، ومنهم صاحب المكالمة الهاتفية.



-3 هو ينبغي أن يُسأل عني

وفي سؤالات الحاكم للدارقطني (ص101 رقم: 57): إسحاق بنالحسن بن ميمون أبو يعقوب الحربي اختلف فيه أصحابنا، وأثنى عليه إبراهيم الحربي،وهو عندي ثقة. قال لي أبو بكر الشافعي: سُئل إبراهيم الحربي عنه، فقال ما زلنانعرفه بالطلب وهو ينبغي أن يُسئل عنَّا.

وقال الذهبي في السير (13/411)، وفي تاريخ الإسلام (21/19): قال الدارقطني: قال لنا أبو بكر الشافعي: سُئل إبراهيم الحربي، عن إسحاقبن الحسن، فقال: هو ينبغي أن يُسأل عنِّي.

قلت: وإبراهيم بن إسحاق الحربي أصغر سناً من إسحاق بنالحسن الحربي بثلاث سنين (تاريخ الخطيب البغدادي [6/382]). وكانإماماً.



قال السلمي في سؤالاته للدارقطني(28): والخطيبالبغداي في تاريخ بغداد (6/39)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (2/585)، والسير له (13/360)، والسبكي في طبقات الشافعية (2/257): ذكر أبو عبد الرحمن السلمي أنه سألالدارقطني عن إبراهيم الحربي؟ فقال: كان إماما، وكان يقاس بأحمد بن حنبل في زهدهوعلمه وورعه.اهـ



قلت: فانظر إلى تواضع الإمام مع من هو دونه،فقال عندما سُئل عنه: هو ينبغي أن يُسأل عَنِّي! وهي من عبارات التوثيق وكان يكفيهأن يوثقه، ولكن أُنظر بتَمَعُّنٍ إلى سلامة صدور أهل العلم.



قاعدة: هلاّ عذرت السني إذا وقع فيخطأ



وادعو لك أيها الأخ السائل المُمْتَحِن! بأنترزق علم الذهبي الذي اعتذر لمن أَوَّل، ولتقف على الحكم بالعدل، وتحكم كما حكمالأئمة الكبار.


قال الذهبي في السير (14/375): ولابن خزيمة عَظَمَةٌفي النُّفوس، وجلالة في القلوب؛ لعلمه ودينه واتِّباعه السُّنة، وكتابه في التوحيدمجلد كبير، وقد تَأَوَّل في ذلك حديث الصورة، فليعذر من تأول بعض الصفات، وأماالسلف، فما خاضوا في التأويل، بل آمنوا وكَفُّوا، وفَوَّضُوا علم ذلك إلى اللهورسوله، ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده مع صحة إيمانه، وتَوَخِّيه لاتِّباع الحقِّأهدرناه، وبدَّعناه، لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجميع بِمَنِّهوكرمه.اهـ



أفلا تجيب كما أجاب

ابن أبي حاتم وتتجاوز عن خطأالسني؟!



كما ادعو لك بأن ترزق علمابن أبي حاتم عندما سُئل عن ابن خزيمة الذي وقع في تأويل حديث الصورة حتى يكون لكموقف مقارب لمواقف الأئمة.

قال الذهبي في السير (14/376): سُئل عبد الرحمن بن أبيحاتم عن أبي بكر بن خزيمة، فقال: ويحَكُم، هو يُسألُ عنَّا، ولا نُسأل عنه، هو إماميقتدى به.

قلت: هذا جواب تلميذ الرازيين إمامي الجرح والتعديلأبي حاتم وأبي زرعة والخبير بأقوالهم ومذاهبهم في الرجال، وجامع علم الإمامين.

وللحديث بقية في العدد المقبل بإذن الله تعالى والحمدلله رب العالمين.



د.عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر 12/10/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:41 PM
الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ
(3)



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

إن هذه سلسلة مقالات ظهرت بعد صبر دام أربع سنوات أملاً في معالجة الأمر بالصبر، واليوم حتى لايعتقد أولئك الفتية أن ذلك السكوتوالصبر على الأخطاء والمخالفات، دليل على صواب ما هم عليه، ولكي لا يعتقد بعض الناسأن هذا المذهب حق، فكان الواجب معالجته بلون آخر خاصة بعد وصف إخوانهم بـ (التمييع)، وهذه معانقة لثقافة سيد قطب ولغة خطابه؛ ذلكم الأسلوب الغريب على الشرع - ولنا مع (التمييع) جولة خاصة قد تم إعداد بحث فيها ولكن لم يحن نشره -، ولذابدأنا نكتب نصحاً ونصرة للظالم؛ لكفِّه عن الظلم والتعدّي، راجياً من الله أنيعودوا إلى الحق والصواب، فقد روى البخاري (2444،6592) في صحيحه من حديث أنس رضيالله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»،فقال رجل: يا رسول الله! أنصره إذا كان مظلوما؛ أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصره».

وفي رواية: «تأخذ فوق يديه». وروى مسلم (2584) فيصحيحه من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولينصرالرجل أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر، وإن كان مظلومافلينصره». وأصله في الصحيحين.

أيها المخالف! إنها المذهبية والدعوة إلىالحزبية

هل ظهر في الأفق دعوة إلى الحزبية والتعصب المذهبي؟وهل رفع أولئك الفتية لواء الحزبية ووقعوا في الشرَاك الذي فروامنه؟!

وأقول جواباً: قد يعتقد الإنسان أنه غير واقع فيالحزبية، وحقيقة أمره أنه غارق فيها حتى أُذنيه، فهو بشر غير معصوم من الخطأوالزلل، واعلم يا عبد الله! أن من أسباب التحزب والتعصب المذهبي أن الإنسان بطبعهله ميل إلى التأثر بمحيطه، فكيف إذا كان هناك أُلفة وقوة في الصحبة لأُناسٍ بعينهم،ونفرة من آخرين؟! فإن الألفة تصنع العجب بكل إنسان يستسلم لها، فتخلق بين المتآلفينطريقةً ومذهباً، يزداد قوة وتماسكاً مع مرور الأيام، فيكون التسامح وغض الطرف؛ عنمخالفات وانحرافات من ألفه وأحبه من أهل مذهبه، ويقابل تلك الألفة؛ نفرة من بعضالناس، وإن النفرة تصنع العجائب؛ فالحسنات تُرى سيئات، والصغائر تصبح كبائر، ولاتُقَالُ لأحدٍ عثرة بسبب هذه النّفرة، والحقّ من قِبَله مردود، والباب دونه مَوصود،أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.

قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة (1/98): السببالعاشر: مانع الألف والعادة والمنشأ.. فهو اغلبها على الأمم وأرباب المقالات والنحلليس مع أكثرهم بل جميعهم إلا ما عسى أن يشذ.... فدين العوايد هو الغالب على أكثرالناس، فالانتقال عنه كالانتقال عن الطبيعة إلى طبيعة ثانية.اهـ

قلت: وهذه الألفة والعادة يجب ألا تكون ديناً للعباد،وحكماً على الخلق، من ألفته النفوس والطباع قُرِّب، ومن حكمت عليه بالنفرة خوصموأُبعد. فالواجب على العباد أن تكون النفس تبعاً للسنة، ولا تكون السنة تبعاً لحظوظالنفس.

تفَلُّت النفس من سجن المتابعة والتحكيم المحضللسنة،


إلى قضاء إرادتها وشهوتها وحظوظها

ولابن القيم كلام نفيس في المتابعة، وذكر حواراً بينالنفس المطمئنة والأمارة بالسوء، قال ابن القيم في كتاب الروح (ص342): وإذا انتصبتالأمارة في مقابلة المطمئنة... قال: وإذا جاءت تلك بتجريد المتابعة للرسول؛ جاءتهذه بتحكيم آراء الرجال وأقوالهم على الوحي، وأتت من الشبه المضلة بما يمنعها منكمال المتابعة وتحكيم السنة، وعدم الالتفات إلى آراء الرجال، فتقوم الحرب بين هاتينالنفسين، والمنصور من نصره الله، وإذا جاءت تلك بالإخلاص والصدق والتوكل والإنابةوالمراقبة، جاءت هذه بأضدادها وأخرجتها في عدة قوالب، وتقسم بالله؛ ما مرادها إلاالإحسان والتوفيق، والله يعلم أنها كاذبة، وما مرادها إلا مجرد حظها، واتباع هواها،والتَّفَلُّت من سجن المتابعة والتحكيم المحض للسنة، إلى قضاء إرادتها وشهوتهاوحظوظها، ولعمرُ الله ما تخلصت إلا من فضاء المتابعة والتسليم، إلى سجن الهوىوالإرادة وضيقة وظلمته ووحشته، فهي مسجونة في هذا العالم، وفي البرزخ في أضيق منه،ويوم الميعاد الثاني في أضيق منهما.اهـ

ولذا قال: شيخ الإسلام في الفتاوى (20/9): وليس لأحدأن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها قول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنهامما أمر الله به ورسوله؛ أو أخبر به الله ورسوله؛ لكون ذلك طاعة للهورسوله.اهـ


التقليد والتحزب إبطال لمنفعة العقل

ولقد كان المآل والنتيجة نشأة الحزب الجديد، وعودة بعضإخواننا إلى دنيا التعصب وعالمه الضيق؛ تعصب لمجموعة أفراد، وتعصب أتباع لمتبوع،ودعوة إلى التحزب حول مقالة يرددونها، من وافقهم عليها أحبوه، ومن خالفها ولم يقملها وزناً عادوه، حتى أصبح التقليد الأعين التي يرون بها، والتعصب الآذان التييسمعون بها.

ألا يعلم أولئك النفر أن الحزبية والمذهبية مرض فتّاكيُفقد الإحساس ويُلغي الحواس؛ فلا يُستفاد من العقول والأسماع والأبصار، قال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَاوَلَهُمْ آَذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ}[الأعراف: 179]، وإن من بطلان التمذهب؛ المتابعةلشخص معين، والتعصب له، دون اعتبار لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وبناء هيكل حزبيتنجذب له النفوس والمشاعر والعواطف غير مبالين بغيره، ولو كان المناديُّ الحقبعينه، وهذا انحراف عن دين الإسلام، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوااسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواأَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِتُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]. فلا حياة للقلوب إلا بالاستجابة لله ورسوله، والويللمن خالف ذلك، وجعل دينه واعتماده؛ الاستجابة لأقوال الرجال، فالحذر الحذر من طرقالغفلة، لقوله: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ،واجتنبوا مسالك الضلال التي تودي بصاحبها إلى الغواية والانحلال، وفقدان الإحساسوالحواس التي يُعقل بها دين الله، قال تعالى: {يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُفِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ}[النور: 37].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (20/8): وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، فإذا تقرر هذا الواجب: على كل مؤمن أنيحب ما أحب الله ورسوله، وأن يبغض ما أبغضه الله ورسوله مما دل عليه في كتابه، فلايجوز لأحد أن يجعل الأصل في الدين لشخص؛ إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولالقول؛ إلا لكتاب الله عز وجل، ومن نصب شخصاً كائناً من كان؛ فوالى وعادى علىموافقته في القول والفعل، فهو مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُواشِيَعًا الآية، وإذا تفقَّه الرجل وتأدّب بطريقة قوم من المؤمنين مثل إتباع الأئمةوالمشايخ، فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم العيار فيوالي من وافقهم ويعادي منخالفهم.اهـ

الجماعة رحمة والفرقة عذاب

ولقد بلغ التقليد المذهبي والتعصب الحزبي بهؤلاءالشباب، وهذه النبتة مبلغاً؛ فاقت أضراره على إخواننا أهل السنة؛ الأضرار الناتجةعن تعصب وتحزب أتباع جمعية [....] من وجوه عدة:

? فهل يجوز النيل من إخوانكم السلفيين بلا مسوغشرعي؟

? وهل مفارقة أهل السنة، وما تبع ذلك من تصدّع وغلوّ وتعدّ، ومجاوزة للحدّ؛ أمر مشروع؟!

? وهل التدين بزرع الخلاف رحمة، وكأن لسان حال الحزبالمحدث يقول: «اختلاف أمتي رحمة»، ولا يشك عاقل أن الفرقة والخلاف عذاب، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا}[آل عمران: 103]، وقالتعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَاجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ}[آل عمران: 105]، ولا عاصم لهذه الأمة من ذلك التفرقوالخلاف إلا التمسك بكتاب الله وسنة نبيّه، والسير على المنهاج الذي رُسِم لأمةالإسلام، قال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًاوَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىوَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} [الشورى: 113]. قالشيخ الإسلام في الفتاوى (3/421): وكيف يجوز التفريق بين الأمة بأسماء مبتدعة؛ لاأصل لها في كتاب الله ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟... وقال: فمتى ترك الناسبعض ما أمرهم الله به؛ وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرَّق القوم؛ فسدواوهلكوا، وإذا اجتمعوا؛ صلحوا وملكوا، فإن الجماعة رحمة والفرقةعذاب.اهـ


انتقاد حزبية جمعية [...] بحزبيةمماثلة


إن بعض إخواننا من هؤلاء الشباب قد وَضَعوا أنفسهم فيقالب حزبي، وزَلَّت بهم الأقدام أو دُفعوا وهم لا يشعرون حتى وقعوا في جُبٍّ مظلم - أنقذهم الله منه -، فأقول ناصحاً: لا تحكموا على أحد وأنتم في غَيَابَةِ الجُبِّ،وانتظروا الإنقاذ من بعض السيارة، ولكم في نبي الله؛ يوسف حكمة، فلم يحكم حتى خرجمن ظلمة الجُبِّ إلى النور.

وإن أولئك الشباب قد جعلوا للحزب الجديد نصيبامفروضاً، وقاموا بعقد لواء الولاء والبراء عليه، فالقريب والحبيب من قربه [حذام]،ووالى هذه المجموعة، والبغض والهجر لمن لا يتخذ من هذه النُصبِ قبلة، فلا يرضىطريقة المجموعة، ولا يقول بمقالتها، ويأبى أن يقاد بعقل غيره، ولا يسير في فلكالحزبية، فكان الحال أنهم فرّوا من حزبية الجمعية إلى حزبية أشد (حزبيةٍ أُحْكِمتصناعتها في الظلمة)، فوقع انتقاد للحزبية بحزبية مماثلة.

والسؤل الآن هل هم: أعني من دفعوك إلى السؤال (الحزبيةالجديدة): على [منهج سني أم بدعي؟].


لا يُمتحن المسلمون بمؤسسات

أو جمعيات أو مقالات أو أشخاص

-3 وأزيدك فائدة حتى لا تمتحن المسلمين والمسلماتبمؤسسات أو جمعيات أو مقالات أو أشخاص، لو أن قراراً صدر بإلغاء وحظر نشاط هذهالجمعية وهذا أمر واقع؛ فكم من الجمعيات أغلقت كـ (الجمعية الثقافية، وناديالاستقلال) مثلا، فأين تذهب بسؤالك عندئذ؟ وما قيمته في تمييز الحق منالباطل؟

بخلاف إذا ما كان السؤال مطلقاً ومسترشداً عن أمرمتعلق بعقيدة أهل السنة:

- كـ(أين الله؟ وماذا عن كلام الله؟) - مثلا -.

- و ما الموقف من عقائد أهل السنة التي هي باقية مابقي الليل والنهار، فستعرف حينئذ هل المسؤول سني أم ماذا؟ وستعرف هل أنت صاحب بدعةأم ماذا؟

د. عبد العزيز بن ندى العتيبيي



تاريخ النشر 19/10/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:45 PM
الانتصارُ للعلمِ والعلماءِ مِنَ الحزبيةِ العمياءِ
(4)



د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

أعود متابعاً لسلسلة مقالات تكشف تعديا، ومجاوزةللحدِّ، وظاهرة تساهل في التنفير والتبديع، وسأعود إلى أول تاريخ سمعت فيها تبديعاللشيخ ابن جبرين رحمه الله قبل سنوات، حيث كان يجمعنا مجلسٌ قبل دخول إبليس وزرعأصوله للتحريش بين أهل السنة (السلفيين)، وصدر التبديع من بعض الحضور الذي جاء زائراً للكويت، وهو الآن مشغولٌ بالنيل من أحد أعلام السنة، وكان من الشهود في ذلكم المجلس الشيخ السلفي علي الحلبي، والشيخ السلفي سالم الطويل، والشيخ السلفي الفاضل طارق بن حسين السبيعي- أحسبه على خير ولا أزكي على الله-، ثبتنا الله وإياه، وهذاالشيخ كثيراً ما يتجنب الفتن والخلاف، وجرى بيننا تشاور لرأب الصدع، ووحدة الصف بين إخواننا قبل أشهر، وكان في ذاك الجمع آخرون كثر.

قال المخالف:



التعقيب:

أولا: أقول للسائل: وهل سؤالك سني أم بدعي؟

فإن قال: هو سني.

فأقول: هات دليلك من الكتاب والسنة- ولن نقبل غيره- فاجعل لمسألتك تأصيلاً شرعيا.

وذلك من وجهين:

-1 ما الدليل على امتحان الناسبالأشخاص؟

-2 وإذا جاء الحق من كافر أو مبتدع أو فاسق هل نأخذ بهأو نرده؟ وما دليل المنع؟

فإن الحق الذي جاء به الرسول الله صلى الله عليه وسلممنذ أربعة عشر قرنا؛ حق واحد، لا يقبل التَّعدُد والتَّبديل. وأما البشر فيتقلَّبونتقلُّب الليل والنهار، إلا من عصم الله وأراد له النجاة، فكل يوم هو في شأن،فالآراء متبدلة، والمعتقدات قابلة للتغيير، فكم من سُنِّي أصبح خارجياً، وكم منأشعري صار سُنياً، حسْبَ ظروفه وبيئته، وعلاقته بالمشايخ والتلاميذ واختيارهللأصحاب والجلساء، فإن الوحي لم ينزل على الرجال والمشايخ والأولياء بل خُصَّ جبريلبصاحب الرسالة؛ سيد المرسلين، قال تعالى:{ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْرَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلا مَاتَذَكَّرُونَ}[الأعراف: 3]. وقال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَبِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}[النساء: 105].

وذكر البخاري في «صحيحه» هذه الآية في كتاب الاعتصامبالكتاب والسنة- باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل مما لم يُنزل عليهالوحي فيقول: لا أدري، أو لم يُجب حتى يُنْزَل عليه الوحيُ، ولم يقل برأيٍ ولابقياس؛ لقوله تعالى: {بِمَا أَرَاكَ الله }. اهـ

قلت: أي: احكم بين الناس بالوحي؛ فاحكم بما أراك الله،ولا تحكم بين الناس برأيك. فكيف بآراء غير المعصوم؟! ولما نراه من قيام بعض الناسوالعمل على جعل آراء الرجال أصولاً وقواعد! ومنها امتحان الناس بالأشخاص؛ فالقولبهذا المذهب مجانب للحق والصواب، فإن الامتحان بالأشخاص مذهب غير مرض، حتى يُحرَّرحكمٌ على مُعتقد شيخ أو طريقة طالب علم، وبيننا وبينكم كتاب الله وسنة نبيِّه، فكيفتبني على ذلك أحكاما؛ تُسأل عنها يوم لا ينفع مال ولا بنون؟!.

هل الامتحان بالثابت (الإسلام) أم بالمتغير (الناس)؟

ملاحظة: بالأمس كنتم تمتحنون الناس بشيخ يسكن المدينة،وتجعلون من أحبه صاحب سنة، ومن أبغضه صاحب بدعة، واليوم أنتم من أشد خصومه، وتم نقضالامتحان الأول بامتحان جديد، وأصبحتم ترون من أحبه صاحب بدعة، ومن أبغضه صاحب سنة،وهذا تناقض؛ فاليوم نرى أن إعصار التناقض قد أخذ بالقواعد فهُدمت، واجتاح أصولاضراراً فهُزِمت.

ثم ماذا يفعل الاتباع بما حملوا من فتاوى، وتعَلَّموهمن قواعد وتأصيلات؛ أتى التناقض عليها بالإلغاء والإفساد، وذهبوا إلى بلدانهموتباعدت بهم المسافات وما زالوا على القول الأول...

إنها البدعة، إنها البدعة! فإن البدع إحداث بشري،وليست وحيا كالسنن؛ حتى ترى لها ثباتاً، ولا تقبل إحداثاً وتغييراً بشرياً، على مدىالعصور والأزمان.

واعتبروا مِنْ فِعْلِ الإمام مالك الذي كان يخشىالرجوع عن رأيه وفتواه، فكيف إذا أخذها الناس وطاروا بها في كل اتجاه؟! فحينئذ لايستطيع إبلاغ هذه الأنفس، وإعادتها عن الرأي الذي رجع عنه، إلى القول الجديد الذياستقر عليه بالأثر لا بالرأي.

فأبكى مالك مفتي مصر الليث بن سعد

بالحيطة وهذه الطريقة

كما في ترتيب المدارك وتقريب المسالك للقاضي عياض (1/182): قال ابن وهب:

كان مالك يقول في أكثر ما يُسأل عنه: لاأدري.

قال عمر بن يزيد: فقلت لمالك في ذلك، فقال: يرجع أهلالشام إلى شامهم، وأهل العراق إلى عراقهم، وأهل مصر إلى مصرهم، ثم لعلي أرجع عماأفتيتهم به، قال: فأخبرت بذلك الليث؛ فبكى وقال: مالك والله أقوى من الليث، أو نحوهذا.اهـ

ثانيا: أقول للسائل: دعك من ابن جبرين رحمه الله ولاتختبر أو تمتحن في رجل بعينه. فإن أجبنا عن ابن جبرين، ستأتي في يوم آخر وتسأل عنغيره؟ وهكذا فلن يكون للداء دواء، ولما أنتم عليه نهاية وشفاء!

واعلم أن الضوابط والقواعد والأصول تجمع عليكأمرك.

ولذا اجعل لك قاعدة تعيد إليها مسألتك!

قاعدة: في الموقف من مؤلفات علماء وقعوا في أخطاءوانحرافات عقدية.

1) ( تنبـيه): فما الموقف من مؤلفات علماء وقعوا فيأخطاء وانحرافات عقدية؟ وهل تُحرق مؤلفاتهم أو تُهجر مُصنفاتهم؟!

? والآن اجعل مسألتك (فرعا): فهل تحرق مؤلفات ابنجبرين، أو نقوم بدعوة الناس إلى هجر كتبه حتى [نفوز بالرضا منكم] ونكون على المنهجالسني المزعوم؟!.

فإن كان جواب المخالف: نعم؛ يهجر ما قاله ابن جبرين،أو يحرق ما خَطَّهُ بِخَطِّه، فلا شك بأنك سلكت طريقاً منحرفاً، وإن كنت تناديبالإبقاء على مؤلفات تدعو إلى التعصب، والبدع بأنواعها، ولا تنكر مصنفاتٍ لعلماءوفيها من الأخطاء ما فيها؟ في الحين الذي تدعو إلى هجر أمثالها، والحق أن مصنفاتابن جبرين أفضل من كثير منها (هل فُقِدَ العدل والإنصاف في هذا الزمان؟ أم أن الخللفي هذا الإنسان).

وحتى تكون على مذهب مستقيم لا يناقض بعضه بعضاً؛ فإماأن تقول بهجر جهود أولئك العلماء كلها، فلا تُقرأ ولا تُسمع؛ أو تبقي عليها كلها. فما وافق الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف الكتاب والسنة رد علىصاحبه.

2) (تنبـَّه): وإني سائل فأجيبوا، هل أنكر أهل العلمقراءة كتب البيهقي؟ رغم أنه لا يُعتدّ بكلامه عند أهل السنة في باب الأسماءوالصفات.

3) (تنبـَّه): وهل نُفتي بعدم جواز قراء (كتاب رياضالصالحين) الذي يكاد لا يخلو منه بيت مسلم؛ بحجة أن مؤلفه النووي عطّل بعضاً منأسماء الله وصفاته، في الكتاب ذاته، وفي غيره من مُصنّفاته.

4) (تنبـَّه): وهل نحذِّر الناس من قراءة مؤلفات ابنحزم وابن الجوزي والآمدي والنووي وابن حجر؟

? واجعل ما تقول به (فرعا): مسألة القول بالهجروالامتناع عما يقول ابن جبرين. فهل نلحقه بأصل موقفنا من كتب ومؤلفات البيهقي وابنحزم وابن الجوزي والآمدي والنووي وابن حجر؟ أم ستأتي على كلها بالمنع؛ حتى لا تهدممسألتك وعمدة امتحانك في تمييز السني من البدعي؟!

قاعدة: ما الموقف من علماء قالوا بجوازالاستفادة

من كتب وقع فيها أخطاء وانحرافاتعقدية؟

5) وهل من قال بجواز الاستفادة منها، أصبح منحرفاً عنالطريق؟ وهذا عين الجهل والمجازفة لما فيه من طعن واتهام لعلماء أهل السنة قاطبة،المعاصرون منهم والسابقون؛ الذين لا يرون في ذلك بأسا، ويرون اقتناءها ومطالعتهافرضا كفائيا.

قال الذهبي في السير (14/40): ولو أنَّا كلما أخطأإمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأً مغفوراً له، قمنا عليه، وبدَّعناه، وهجرناه،لما سلم معنا لا ابن نصر، ولا ابن مَنْدَة، ولا من هو أكبر منهما، والله هو هاديالخلق إلى الحق، وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة. اهـ

قال المخالف: [فانظر إلى جوابه وستعرف من هو هذا الشخص ].

أقول: بل النظرُ يقتضي استغراباً كلياً من حال السائلوأمر سؤاله؟

وكيف يَرُدُّ الشيخ على الجهل؟!

نعم؛ يرفع الجهل إذا كان سؤالاً شرعياً من سائل مسترشدمستفيد.

- هل سأل المخالفُ الشيخَ عن آية في كتاب الله أو حديثمن سنة نبيِّه؟

- هل كان سؤال المخالف المُعَد للامتحان؛ عن معتقد أهلالسنة حتى يُنظر هل تقريره موافق لطريقة أهل السنة وأصحاب الحديث؟!

- هل سؤال المخالف عن التفسير وأصوله حتى يعرف أمرهوموقفه مع كلام الله؟

- هل سؤال المخالف عن مسائل فقهية؟ حتى يُعرف الشيخ هليفتي بالدليل أم يجنح إلى التقليد تعظيما لآراء الرجال؟

- هل سؤال المخالف عن العلاقة بين الراعيوالرعية؟!

- هل سؤال المخالف عن مسائل الكفر والإيمان، ومسائلالجهاد؟!

- هل سؤال المخالف عن قواعد التكفير والتفسيقوالتبديع؟

- إن سؤال المخالف قد أضر بصاحبه

وأبان مذهبه، وطريقته، وعلاقته بمذهب أهلالسنة.

سُئل المخالف سؤالا فيه تحديد لاسمالشيخ:

قال السائل في سؤاله: اسمه الشيخ سالمالطويل.

فأجاب المخالف:

-1 هذان مثالان على منهج هذا الشخص

-2 ويعرف منهج هذا الشخص

-3 وستعرف من هو هذا الشخص

قال المخالف: [هذا الشخص].

وأقول:

1) لا غضاضة في ذلك، فإن قولك: [هذا الشخص] عن شيخٍعُرِف بالدعوة إلى الحق والسنة لمدة تزيد على العقدين من الزمن؛ لا يضره شيء؛ بلترفع من شأنه وقدره إذا عُرِف القائل الذي غمزه، والشيخ سالم المُمْتَحَن بسؤالك! لم يكن سعيه ليظفر بكلمة شيخ أو في انتظار ثناءٍ من غيره، وكان سعياً لمرضاة ربالعالمين والفوز بجنات النعيم- نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحدا- وطلب الدخول فيقوله تعالى:{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًاوَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت: 33].

2) إن قولك: [هذا الشخص]، محاولة سلب للأوصافالممدوحة، وإن لذلك أمثلة كثيرة؛ كـ (هذا الساحر، هذا الشاعر، وهذاالمجنون).

فأيها المخالف! إن النبي صلى الله عليه وسلم (خاصة) قدوُصف بالساحر والشاعر، قال تعالى:{قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌمُبِينٌ}[يونس: 2]، وقال تعالى:{بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُبَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَالأَوَّلُونَ}[الأنبياء:5]، ووُصف بالجنون إلى جانب وَصْفِ الساحرِ والشَّاعرِ، قالتعالى:?وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آَلِهَتِنَا لِشَاعِرٍمَجْنُونٍ}[الصافات: 36]؛ يعنون بذلك النبي صلى الله عليه وسلم تَنَكُّراًوتَجاهُلاً لاسْمِهِ ورَسْمه، فقد سلبه مخالفوه وصف النبوة، ومضى يدعوهم، وهمعاكفون على سبّه وشتمه.

3) وكذلك الأنبياء والرسل (عامة) فقد كان المخالفونيقللون من شأنهم. قال تعالى:{مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْقَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ}[فصلت: 43]، وقالتعالى:{كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُواسَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ}[الذاريات: 53-52]. وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر 26/10/2009

الإبانة - جريدةالوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:47 PM
«التعامل بسموٍّ في عالم المعالي والسُّمو» (1)



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:

روى مسلم (2699) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضيالله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر؛ يسّر الله عليهفي الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عونالعبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علماً؛ سَهَّل الله له بهطريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونهبينهم؛ إلا نزلت عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم اللهفيمن عنده، ومن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه».

نكت حديثية وفوائد عامة

أولا: الراوي هو أبو هريرة رضي الله عنه فقد كان أكثرالصحابة حديثاً؛ لملازمته النبي صلى الله عليه وسلم طلباً للعلم والحفظ، وقد دعاله؛ لما رواه البخاري (116) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قلت يارسول الله! إني أسمع منك حديث كثيراً أنساه- قال: «أبسط رداءك»، فبسطته قال: فغرفبيديه ثم قال: «ضُمَّه»، فضَمَمْتُه، فما نسيت شيئاً بعده.

ثانياً: هذالحديث من أفراد مسلم فلم يروه البخاري في «صحيحه»، وأما المتفق عليه فهو ما رواه البخاري (2442)، ومسلم (2580) في «صحيحيهما» من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُه، من كان في حاجة أخيه كان الله فيحاجته، ومن فَرَّج عن مسلم كُربة فَرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومنستر مسلما ستره الله يوم القيامة».

ثالثاً: هذا الحديث من الأحاديث الجامعة لمعانٍ كثيرةوفريدة، وفيه من الأخلاق الجميلة والتعامل الرفيع الواجب استدعاؤه والعمل بمقتضاهفي هذا الزمان؛ لتفريط المسلمين في الحقوق وفقدان صفات الوفاء وحفظ المعروف. وقالالنووي في «شرح صحيح مسلم»: وهو حديث عظيم جامع لأنواع من العلوم والقواعدوالآداب.اهـ

رابعاً: إن قوة المسلمين تكون على قدر الائتلافوالاتفاق، ونبذ الفُرقة والخلاف، والتعايش في مجتمع مسلم تسوده روح التعاون في صغيرالأمر وكبيره، وفي بيئة ملؤها المحبة؛ فإن المحبة في الله أمر طلبه الشرع وحث عليهورعاه، وتظهر تلك المحبة وتبان للعيان على هيئة صور تكافلية مختلفة، وتكون المبادرةإلى كشف الكُرب عن المسلمين، شكل ونوع من ذلك، والتحليق بسموٍّ في علم المعاليوالسُّمو، والتَّرفع عن الردي من السلوك والأخلاق؛ كمن يترصد لأخيه الكُرَب ويطلبإيقاعه في حياة يشوبها الهمّ والغمّ، فهذه الأخلاق الدنية التي تمثل سلوكاً ملازماًلبعض الناس، لا تفرز إلا مجتمعاً مفكَّكاً قد شُغل بالعداوات بين الخَلْق، وإثارةالشحناء، وعالم الخصومات.

خامساً: فيه إثبات البعث والنشوروالجزاء.

السُّمو الأول: تفريجُ الكُربِ

قوله: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس اللهعنه كربة من كرب يوم القيامة»، ومما يفسره ما جاء في الصحيحين [خ (2442) و م (2580)] من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً «ومن فَرَّج عن مسلم كُربةفَرَّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة».

-1 تفريج الكربات من صفات الكرماء في الدنيا، وطلابالخير والقربات في الآخرة.

-2 ومن أقدم على تفريج كربة بإزالة غم وكشف هم عن عبدمسلم في الدنيا؛ كان جزاءه كشف الكرب عنه يوم القيامة؛ يوم لا ينفع مال ولابنون.

-3 وفيه أن الجزاء من جنس العمل فى الخيروالشر.

وقوله: «من نَفَّس عن مؤمن»: من التَّنفيس؛ أي: فرَّجعنه وأزال كما في قوله: «ومن فَرَّج عن مسلم». وقوله: «كُربة»؛ أي: من الكُرَبِ؛وهي الخصلة التي تجلب الهمّ والحزن، وتُجمعُ على كُرَبٍ، وقوله: «من كرب الدنيا»؛أي: بعض كربها. وقوله: (نفَّس الله عنه كُربة)؛ أي: أزالها وفرجها كما في قوله: «فَرَّج الله عنه بها كربة». وقوله: «من كرب يوم القيامة»؛ أي: في الآخرة، وهنالكنجد الثواب والجزاء الذي أعدَّه الله لمن كان هذا فعله وخلقه مع المسلمين، وبما أنتنفيس الكرب وتفريجها من باب الإحسان، وقد أحسن بفعله هذا، ولذا كان جزاءه فيالآخرة من جنس عمله، قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ [الرحمن: 60]. و كذلك نذكر في باب الإعانة وتفريج الكرب؛ ما رواه الإمام أحمد في «المسند» (2/252)، وأبوداود (3460)، وابن ماحه (2199) في «السنن» وقد صح من حديثأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أقال مسلما؛أقاله الله عثرته يوم القيامة». فإن الله يغفر لهذا سيئاته، ويزيل خطاياه، ويدفععنه المشقة يوم القيامة، كما فرج ونفس ودفع المشقة عن أخيه المسلم.

السمُّو الثاني: محبةُ اليُسرِ ورفعُالعُسرِ

قوله: «ومن يسّر على معسر؛ يسّر الله عليه في الدنياوالآخرة»، وقال تعالى: ?وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ? [البقرة: 280]، وروى البخاري (1935)، ومسلم (1560) في «صحيحيهما» من طريق ربعي بنجراش أن حذيفة حدثهم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تلقَّت الملائكة روحرجل ممن كان قبلكم، فقالوا: أعملت من الخير شيئاً- قال: لا، قالوا: تذكر- قال: كنتأداين الناس؛ فآمر فتياني أن ينظروا المعسر، ويتجوزوا عن الموسر، قال: قال الله عزوجل: تجوزوا عنه». فكان سهلاً يأمر فتيانه بالتيسير والتسامح مع الناس: «ينظرواالمعسر، ويتجوزوا عن الموسر»، فعامله الله من جنس عمله: «تجوزوا عنه»، فوسع عليهوكافأه بالمسامحة.

السُّمو الثالث: السِّترُ على الناس وعدمُالغيبةِ

قوله: «ومن ستر مسلماً؛ ستره الله في الدنيا والآخرة»،وقد رواه مسلم (1590) في «صحيحه» أيضاً بلفظٍ من حديث أبي هريرة عن النَّبِيِّ صلىالله عليه وسلم قال: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عبداً في الدُّنيا؛ إلاستره الله يومالقيامة»، وإن الستر من صفات الله، وهو حييٌ سِتِّيرٌ يحب أهل الحياء والستر، وقدروى أبو داود (4012) في «سننه» وغيره بسند صحيح من حديث يَعْلَى بن أمية رضي اللهعنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله عزّ وجل حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يحبالحياء، والسّتر، فإذا اغتسلأحدكم؛ فليستتر». فالستر صفته، وهو سِتِّيرٌ يُحب أهلالستر، فعليك بالستر على نفسك وعلى عباد الله يا عبد الله! ولازمه بعدم الغيبة وطلبالريبة وتخلَّق بذلك. اللهم يا ستير! فاسترني وعبادك المسلمين في الدنيا والآخرةوالحمد لله رب العالمين.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 22/02/2010

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:48 PM
«التعامل بسموٍّ في عالم المعالي والسُّمو»
(2)



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:

ما زلنا مع الحديث العظيم الذي رواه مسلم (2699) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا؛ نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومنيسّر على معسر؛ يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً؛ ستره الله فيالدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمسفيه علماً؛ سَهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت اللهيتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة،وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بَطَّأ به عمله لم يسرع بهنسبه».

ذكرنا في العدد السابق جُملاً من الأخلاق النبيلةوالصفات الحميدة:

السُّمو الأول: تفريجُ الكُربِ. والسمُّو الثاني: محبةُ اليُسرِ ورفعُ العُسرِ. والسُّمو الثالث: السِّترُ على الناس وعدمُالغيبةِ.

ونكمل ذلك السمُّو الشرعي وفوائدالحديث:

السُّمو الرابع: إعانة المسلم لأخيهالمسلم

قوله: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»: إن من أعظم الأعمال عند الله عز وجل؛ إعانة الآخرين والسعي في قضاء حوائج الناس،وقد يكون العون بابتسامة وحسن صحبة وعدم جفوة فلا تترك أخاك نهباً للفتن والذئابالجائعة، واعلم أنك ما دمت في عون أخيك؛ فإن الله تكفل بنصرتك وإعانتك في الدنياويوم يقوم الأشهاد.


تعاون المؤمنين بعضهم بعضا


وقد روى البخاري (6026)، ومسلم (2585) في «صحيحهما» منحديث أبي موسى رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمنكالبنيان يشُدُّ بعضه بعضاً ثم شبَّك بين أصابعه». وذكره البخاري في باب تعاونالمؤمنين بعضهم بعضاً، وشبك بين أصابعه تأكيداً على التعاون، وقال تعالى: ?وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِوَالْعُدْوَانِ? [المائدة : 2]، قال ابن كثير: يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونةعلى فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات، وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر علىالباطل والتعاون على المآثم.اهـ قلت: واعلم أنك ما دمت في عون العباد فإن الله تكفلبنصرتك وإعانتك في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وفي قوله: «والله في عون العبد ما كانالعبد في عون أخيه»، النص يفيد معنى عاماً؛ أي: أن الإعانة هنا مطلقة في كل ما هومشروع ومباح، سواء كانت إعانة بالرأي والمشورة والنصح والتوجيه، أو إعانة بالعلموالتعليم؛ فإن إعانة العبد والأخذ بيده لمعرفة دينه؛ باب واسع، ولا شك أنها أعظمعون للعباد، وقد يكون ذلكم العون عوناً مباشراً في أمور الدنيا بالسعي في مساعدتهوتحمل المشقة عنه. وفي قوله: «والله في عون العبد»؛ أي: عوناً مطلقاً، فجزاء اللهكبير، والبشارة عظيمة. ولذا لا بد من الحرص على مد يد العون والمساعدة للآخرين، فإنالجزاء على قوله: «والله في عون العبد»، موقوف على العمل بالشرط في قوله: «ما كانالعبد في عون أخيه».


السُّمو الخامس: العلم طريق إلى الجنة.


قوله: «ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً؛ سَهَّل اللهله به طريقاً إلى الجنة».

1- الحث عل طلب العلم، وسلوك طريقه، والصبر علىتحصيله.

2- بالعلم وحده يعرف العباد طريق الجنة، وغيره فيورثالجهل، ويؤدي إلى سُبل الغواية والضلال.

3- إن من لا يعرف قيمة العلم أو يذهب إلى التقليل منشأن العلم، كما نرى اليوم من حال بعض العُبَّاد والمتصوفة والفرق، ومعلوم أن عبادةالله بلا علم ضلال، وعمل من جنس عمل النصارى.

4- وفيه أن العلماء أعلى مرتبة من العبَّاد، قالتعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُواالْعِلْمَ دَرَجَاتٍ? [المجادلة: 11].

5- وفيه أن الصدق والاخلاص في طلب العلم يورث خشيةالله عز وجل، فيسهل الله لعباده الطريق إلى جنات النعيم، وقد جمع الله بين العلموالخشية في قوله تعالى: ?إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ?[فاطر: 28].


السُّمو السادس: طلاب العلم في رعاية اللهوحفظه.


قوله: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتابالله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهمالملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».

قوله: «وما اجتمع قوم»، (1) دليل على أن الاجتماع يبعثالهمة، ويرفع العزيمة إلى المعالي والعناية بطلب العلم وتحصيله. (2) وفيه الحرص علىمخالطة الصحبة الصالحة، كما روى البخاري (1959)، ومسلم (2628) في «صحيحيهما» منحديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما مثلالجليس الصالح والجليس السوء؛ كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك؛ إما أن يحذيك،وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير؛ إما أن يحرق ثيابك،وإما أن تجد ريحاً خبيثة».

قوله: «في بيت من بيوت الله»، (1) دليل على فضلها لماتقدم؛ وكذا ما رواه مسلم (671) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولالله صلى الله عليه وسلم قال: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى اللهأسواقها». (2) وفضل المكث فيها، فقد روى البخاري (619)، ومسلم (649) في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الملائكةتصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث؛ اللهم! اغفر له، اللهم! ارحمه، لا يزالأحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة». وروىمسلم (251) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلىيا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظارالصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط». قوله: «يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم»؛ أي: أن الأصل في العلم، ومدارسة الذكر؛ هو الأصلان: كتاب الله وسنة نبيِّه، والإعراض عنتناول كتب القصاصين والوعاظ، وهذا الشَرٌّ قد ظهر وانتشر في هذا الزمان. قوله: «إلانزلت عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة»، إن الشعور بالأمنوالطمأنينة، وحضور الملائكة؛ سماعاً للذكر وحفظاً لأهله، كرم من الله وفضل على أهلالعلم المعظمين لبيوت الله وشعائر الإسلام. قوله: «وذكرهم الله فيمن عنده»: يباهيالله بمن أقبل على العلم، وتمسك بالوحي الذي نزل به جبريل الأمين على سيد الأنبياءوالمرسلين، وأعرض عما سواه من وضع الوعاظ وتسالي القصاصين، التي شغلوا بها العباد،فأضاعوا الأوقات والأعمار، وجعلوا زخرف القول بديلاً عن الذكر الحكيم، فخالفواالصراط المستقيم، قال تعالى: ?فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ?[ق: 45]، وقال تعالى: ?يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْرَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ?[المائدة: 67]. فيا عبدالله! إياك أن تحدث الناس بالأخبار والعبر من أحوالك وأحوال فلان من الناس، فإنالدين هو الحديث بالثابت الصحيح من أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم، وذكر أمورهوسننه وأخذ العبر من أحواله وأفعاله.


السُّمو السابع: الأنساب لا تشفعللمقصرين.


قوله: «ومن بَطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه». لا ينفعالعبد إلا ما قدم من عمل ويوم القيامة فلاتنفع الأنساب ولا ترفع الأحساب، ولو أنأحداً نفعه نسبه لأدخل النسب الهاشمي أبا لهب الجنة فهو عم رسول الله صلى الله عليهوسلم، وكذلك لأنقذ أبا طالب الهاشمي فهو عم لنبي وأب أحد الخلفاء الراشدين علي بنأبي طالب، فإن الجنة أعدت للمتقين، قال تعالى: ?إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِأَتْقَاكُمْ?[الحجرات: 13]، فمن لم يشفع له عمل صالح لم يسعفه نسب، وفي معناه قال: «يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً؛ فليحمدالله، ومن وجد غير ذلك؛ فلا يلومن إلا نفسه» رواه مسلم (2577) في «صحيحه» من حديثأبي ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالىأنه قال: «يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلاتظالموا....» الحديث. وقيل في «طبقات ابن سعد» (3/296): والله لئن جاءت الأعاجمبالأعمال وجئنا بغير عمل؛ فهم أولى بمحمد مِنَّا يوم القيامة، فلا ينظر رجل إلىالقرابة، ويعمل لما عند الله، فإن من قصر به عمله، لايسرع به نسبه.

لسنا وإن أحسابنا كَرُمت

يوماً على الأحساب نَتَّكل

نبني كمـا كانت أوائلنا

تبني ونفعل مثل مـا فعلوا

وروى الإمام أحمد في «المسند» (5/411) بإسناد صحيح منطريق أبي نضرة المنذر العبدي قال: حدثني من سمع خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلمفي وسط أيام التشريق فقال: «يا أيها الناس! ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، إلالا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود علىأحمر؛ إلا بالتقوى، أبلغت؟»، قالوا: بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم...قال: «ليبلغ الشاهد الغائب». ونختم بباب للبخاري في «صحيحه»: ليبلغ العلم الشاهد الغائب،والحمد لله رب العالمين.


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 01/03/2010

الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:51 PM
التعليقات على حديث «إنما الأعمال بالنيات»



روى البخاري ( 1، 54، 2529، 3898، 5070، 6689، 6953)،ومسلم (1907) في صحيحيهما من حديث أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم يقول: «إنماالأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجرإليه».

* رواه إماما المحدثين: أبو عبدالله محمد ابن إسماعيلبن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، وأبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلمالقشيري النيسابوري في صحيحيهما اللذين هما أصح الكتب المصنفة.

من الراوي؟

-1 أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بنرياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشيالعدوي.

-2 يجتمع مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤيالقرشي.

-3 وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمربن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي. وإن أبا جهل والحارث ابنيهشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشيالمخزومي وإن أبا جهل والحارث ابني هشام، وهي بذلك ابنة عم لهما؛ لأن هشاماًوهاشماً ابني المغيرة أخوان؛ فهاشم والد حنتمة وهشام والد الحارث وأبي جهل، وكانيقال لهاشم جد عمر: ذو الرمحين.

-4 عمر بن الخطاب بن نفيل، وسعيد بن زيد بن نفيل رضيالله عنهما من العشرة المبشرين في الجنة؛ ويجتمعان في نفيل..

عدد أحاديث عمر بن الخطاب

* وعدد أحاديثه: مروياته عن رسول الله صلى الله عليهوسلم خمسمائة حديث وتسعة وثلاثون حديثاً، اتفق الشيخان على ستة وعشرين حديثاً،وانفرد البخاري بأربعة وثلاثين حديثاً، وانفرد مسلم بأحد وعشرينحديثاً.

من فضائله

-5 روى البخاري في صحيحه (3684) قال: حدثنا محمد بنالمثنى حدثنا يحيى، عن إسماعيل حدثنا قيس قال: قال عبد الله: ما زلنا أعزة منذ أسلمعمر.

الإسناد:

ينقسم الحديث من حيث الطرق اصطلاحاً إلى مشهور وغيرمشهور.

أولا: غير المشهور: (1) الغريب: وهو الطريق الواحدالذي يرويه الرجل عن مثله أو يكون مدار الحديث في أحد طبقات إسناده على راو واحد. (2) العزيز: هو ما يرويه اثنان فأكثر.

ثانياً: المشهور: ما زاد عدد رواته عن الاثنين في كلطبقات الإسناد.

-1 هذا حديث مشهور بالنسبة إلى آخره غريب بالنسبة إلىأوله لأنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا عمر بن الخطاب رضي الله عنه،ولم يروه عن عمر إلا علقمة بن أبي وقاص الليثي، ولم يروه عن علقمة إلا محمد بنإبراهيم التيمي، ولم يروه عن محمد بن إبراهيم إلا يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم اشتهربعد ذلك فرواه عنه أكثر من مائتين وخمسين رجلاً أكثرهم أئمة؛ على رأسهم مالك وعبدالله بن المبارك وسفيان.

-2 وقال البيهقي في السنن الصغرى (1/20): سمعت أبا عبدالله الحافظ يقول: سمعت أبا عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ يقول: سمعت محمد بنسليمان بن فارس يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: من أرادأن يصنف كتابا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات.

-3 قال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: وإنما قدمالبخاري رحمه الله حديث الأعمال بالنيات في أول كتابه، ليعلم أنه قصد في تأليفه وجهالله، عز وجل، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيهاً لكل من قرأ كتابه، أن يقصد بهوجه الله تعالى كما قصده البخاري في تأليفه. وجعل هذا الحديث في أول كتابه عوضاً منالخطبة التي يبدأ بها المؤلفون، ولقد أحسن العوض من عوَّض من كلامه كلام رسول اللهصلى الله عليه وسلم الذي ما ينطق عن الهوى.اهـ

-4 «إنما»: تفيد الحصر عند أكثرالمحققين

-5 «إنما الأعمال بالنيات»: والأعمال جمع عمل، والنياتجمع نِيَّة، وفي هذه الرواية: هو من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: كل عمل بنيته،والأعمال هي حركة الأبدان، وقال الأعمال ولم يقل الأفعال؛ لأن الأفعال تنسب للعاقلوغير العاقل من البهائم والجمادات، بخلاف العمل لأن القصد معتبرفيه.

-6 «بالنيات»: جمع نِيَّةٍ من نوى؛ أي قصد والنية: مصدر نوى ينوي نيةً، ومعناها لغة: القصد. وشرعاً: قصد الطاعة بتوجه القلب نحو العملابتغاء وجه الله تعالى وامتثالا لأمره بإيجاد العمل أو الامتناععنه.

-7 جاء في أكثر الروايات بإفراد النية: «الأعمالبالنية»: ووجه إفراد النية من موضع واحد ومضغة واحدة وهي القلب وتفرد النية خالصةلله الواحد الأحد لا شريك له، له الملك وله الحمد، وبيان ذلك وتفصيله أن محل النيةالقلب وهو موضع واحد، فناسب الإفراد بخلاف الأعمال وتنوعها. وبهذا يظهر أن محلالنية: القلب، لقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَلَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]، والإخلاص إنما يكون بالقلب، وقال تعالى:{وَلَكِنْيَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ}[الحج: 37]، وروى مسلم في صحيحه(2564) من حديث أبيهريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «التقوى ههنا»، ويشيرإلى صدره ثلاث مرات. ولذا ينوي العبادة بقلبه من غير نطق باللسان، فاللسان ليسمحلاً للنية، والتلفظ بالنية غير مشروع.

-8 والوجه الآخر من أوجه إفراد النية: لأن النية ترجعإلى الإخلاص لله الواحد الفرد الصمد لا إله إلا هو وحده لا شريك له.

-9 المقصود والمراد من النِيَّةِ: أولا: تمييزاًللعبادات من العادات ومثاله قد يكون الاغتسال للنظافة فيكون عادة، وقد ينويالاغتسال لرفع الجنابة فيكون عبادة. ثانياً: تمييزاً للعبادات بعضها من بعض ومثاله: كالصلاة منها الفريضة والنذر والنافلة والنية هي التي تحدد ما يفصل بينها وما يريدالعبد به التقرب به إلى الله.

-10 شروط النيَّة: 1- الإسلام. 2- التمييز. العلمبأحكام المنوي.

-11 هذا الحديث أصل فيوجوب النية في سائرالعبادات.

-12 هذا الحديث أصل في الإخلاص، قال تعالى:{وَمَاأُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].

* قوله: «وإنما لكل امرئ ما نوى»:

-1 أي جزاء ما نوى خيراً كان أو شراً.

-2 تفيد أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه، بتعيينالمنوي.

-3 ويفيد النص منع الاستنابة في النية، وقد استثني منذلك ما استثناه الشرع، ومن هذا المستثنى نية الولي عن الصبي في الحج، وحج الإنسانعن غيره....

وفي قوله: «امرئ»؛ أي: رجل وفي المذكر لغتان: امرئ،ومَرْء نحو فَلْس. وفي مؤنثه لغاتٌ: امرأة، ومرأة، وَمرة.

الهجرة إلى الله ورسوله؛ تمسك بالوحيالمعصوم

* قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلىالله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجرإليه». وقال الله تعالى:{مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِيحَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِيالآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ} [الشورى: 20].

قوله: «فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلىالله ورسوله».

-1 فيها أن العصمة في الوحيين؛ في كتاب الله وسنةرسوله.

-2 لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن النجاة فيمنكانت هجرته إلى المشايخ والأولياء، أو يقول إن النجاة في الهجرة إلى الأحزابوالمذاهب والفرق المنحرفة.

-3 حصرت النجاة والفوز بالسير على طريق الحق في التمسكبالطريق المعصوم، ولا معصوم إلا كلام الله العزيز وكلام رسولهالأمين.

-4 بين في النص: «فمن كانت هجرته [والهجرة من الأعمال] إلى الله ورسوله»، نية وقصداً، «فهجرته[عمله] إلى الله ورسوله»؛ حكماوشرعا.

-5 الهجرة البدنية: من بلاد الكفر والبدعة والمعصية،إلى بلاد لا تعرف إلا الكتاب والسنة.

-6 الهجرة المعنوية: وهي بالاعتصام بالكتاب والسنةحيثما حل، وفي أي ومكان، وهجر سواهما.

-7 قوله: «ومن كانت هجرته[عمله] لدنيا يصيبها أو امرأةينكحها؛ فهجرته إلى ما هاجر إليه»، أي أن عمله متعلق بما أضمر من نية وإن كان ظاهرعمله عبادة ولكنه أبطن قصد لغير الله وخلاف ظاهر عمله.

د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي



تاريخ النشر 15/06/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:52 PM
التنبيه الحسن على أخطاء المالكي الددو حسن
(1)



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

نعيش في زمن لا يختلف عن غيره من الأزمان، وفي كل مكان، فلا ننتظرانقضاء عجائب الدهر، وخلو العصر بلا شر، فالناس كل يوم يحدثون في هذا الدين،وينالون من مُسَلَّمات المصلين، لقد خرج علينا الشيخ محمد حسن الددو المالكي، منذسنوات وعرفنا حاله، وشُغلنا عن التنبيه على أقوال شيوخه والرد عليه، لقد خرج محمدحسن الددو بكلام يحتاج إلى التنبيه والتحذير منه، ليعود الحق إلى نصابه، منهاتضعيفه لحديث الافتراق، والشغب على مفهوم أهل السنة والجماعة، وجعل الأشاعرة من أهلالسنة، وتعليقه اللغوي على كتاب «التوحيد» للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وغيرها منمسائل يخالف فيها ما قرره العلماء وحرروه.

نقده لمفهوم (أهل السنة والجماعة)

لقد بدى لمحمد حسن الددو المالكي أن يضع نهايةً لمفهوم (أهل السنة والجماعة)، فرأى أن الواجب حذف (الجماعة)، والإبقاء على (أهل السنة) فقطْ، معللاً ذلك بِعللٍ سأُنَبّه عليها بعد تقرير معنى مفهوم أهل السنةوالجماعة.

اصطلاح أهل السنة والجماعة مركب من:

مفردتين: السُنَّة والجماعة

تمهيد: معنىالاصطلاح: هو اتفاق أهل فن على تسمية شيء ما باسم يدل عليه، وأهل السنة والجماعةاسم متعلق بالإيمان والاعتقاد، فيكون من اختصاص علماء العقيدة والفرق، فهم أهلالاتفاق، فالقول قولهم في اصطلاح أسماء الطوائف والفرق.

أولاً: السنَّة:

-1 السنة في اللغة: قالالأزهري في «تهذيب اللغة» (12/210): والسنة: الطريقة المستقيمة المحمودة، وقال ابنمنظور في «اللسان» (13/225): الطريقة والسيرة.

-2 السنَّة في الشَّرع: قديراد بها المصدر الثاني من مصادر التشريع، وقد يراد بها دين الإسلام الذي جاء بهالنبي صلى الله عليه وسلم، والسنة معنى يقابل البدعة والإحداث في الدين.

والسنة هي الأخذ بكتاب الله وما صحت نسبته إلى رسول الله صلى الله عليهوسلم، وروى البخاري (5063)، ومسلم (1401) في «صحيحيهما» من حديث أنس رضي الله عنه،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني». وروى أحمد في «المسند» (4/126)، وأصحاب «السنن» ما صح عن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب،قلنا: يا رسول الله! إن هذه لموعظة مودع؛ فماذا تعهد الينا؟ قال: «قد تركتكم علىالبيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاكثيرا، فعليكم بِما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ، وعليكمبالطاعة؛ وإن عبداً حبشياً، عَضوا عليها بالنواجذ». وفي روايةٍ لأحمد في «المسند» (4/126): «فإنه من يعش منكم؛ يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاءالراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةبدعة، وإن كل بدعة ضلالة».والحديث رواه ابن حبان في «صحيحه» وقال بعده (1/179): قال: أبو حاتِم فِي قوله صلى الله عليه وسلم: « فعليكم بسنتي»، عند ذكره الاختلافالذي يكون فِي أُمَّته؛ بيان واضح، أن من واظب على السنن؛ قال بِها، ولَم يُعرِّجْعلى غيرها من الآراء، من الفرق الناجية في القيامة، جعلنا الله منهم بِمَنِّهِ.

الإسلام هو السنة والسنة هي الإسلام

قال البربهاري في كتاب «السنة» (1/21): اعلم أنالإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزومالجماعة، ومن رغب غير الجماعة وفارقها؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالامضلا. والأساس الذي بينا عليه الجماعة؛ هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رحمهمالله أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعةضلالة، والضلال وأهله في النار.

ثانياً: الجماعة:

-1 لغة: قال الأزهري في «تهذيب اللغة» (1/ 253 - 255): قال الفراء: فإذا أردت جمع المتفرِّق قلت: جمعتالقوم فهم مجموعون، كما قال الله تعالى: ذالِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ [هُود: 103]، وقال: والجمع: أن تجمع شيئاً إلى شيء. والإجماع: أن تجعل المتفرّقَجميعاً، فإذا جعلته جميعاً بقي جميعاً ولم يكد يتفرَّق، كالرأي المعزوم عليهالمُمضَى. والجمع: اسم لجماعة الناس.اهـ

وقال ابن منظور في «اللسان» (8/53): جمع الشيء عن تفرقة يجمعه جمعاً.

-2 وفي الشَّرع: جماعة الصحابة والتابعينومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، قال تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَاللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَاالأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100]،اجتماعٌ على الكتاب والسنة، واتباعٌ لمنهاج النبي صلى الله عليه وسلم بفهم سلفالأمة، واجتماع ليس فيه منازعة لولاة الأمر والأئمة.

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَتَفَرَّقُوا

وإن الخلاف والفرقة ضد الاجتماع والجماعة، ولعظم الشرالذي يفضي إليه التفرق والخلاف، جاءت كثير من النصوص والأدلة الشرعية تدعو إلىالاجتماع، ومُجانبة أسباب الخلاف والفرقة، قال تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِاللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا [آل عمران: 103]، وقال تعالى: وَلاَتَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَالصَّابِرِينَ [ الأنفال 46 ]، وقال تعالى: وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَمِنَ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْفَرِحُونَ [الروم31 - 32]، وقال تعالى: وَلاَ تَكُونُوا كَالذِينَ تَفَرَّقُواوَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ[آل عمران: 105]، وروى مسلمفي «صحيحه» (1715) من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى للهعليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً، فيرضى لكم أن تعبدوه، ولاتُشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرّقوا، ويكره لكم قيل وقال،وكثرة السُّؤال، وإضاعة المال». وجاء بلفظ رواه أحمد في «المسند» (2/367) بإسنادحسن: «إن الله يرضى لكم ثلاثاً، ويسخط لكم ثلاثاً، يرضى لكم أن تعبدوه ولا تُشركوابه شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا، وأن تُناصحوا من ولاّهأمركم»..الحديث. وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (1/18): فقد جمع في هذهالأحاديثبين الخصال الثلاث؛ إخلاص العمل لله، ومناصحة أولي الأمر، ولزوم جماعةالمسلمين، وهذه الثلاث تجمع أصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده،وتنتظم مصالح الدنيا والآخرة.ا.هـ

أهل السنة والجماعة؛

أهل توحيد واتباع، واجتماع على التوحيدوالاتباع

(1) أهل سنة واجتماع على الجق. (2) أهل سنة واجتماععلى الأصول والمصادر. (3) أهل سنة واجتماع للقلوب وألفة ونبذ للخلاف. (4) أهل سنةواجتماع في الظاهر والباطن بلا تقية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاجالسنة» (6/364): ومن استقرأ أخبار العالم في جميع الفرق تبين له أنه لم يكن قططائفة أعظم اتفاقا على الهدى والرشد وأبعد عن الفتنة والتفرق والاختلاف من أصحابرسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هم خير الخلق بشهادة الله لهم بذلك إذ يقولتعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِوَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [آل عمران:110].كما لم يكنفي الأمم أعظم اجتماعاً على الهدى، وأبعد عن التفرق والاختلاف من هذه الأمة، لأنهمأكمل اعتصاماً بحبل الله الذي هو كتابه المنزل، وما جاء به من نبيه المرسل، وكل منكان أقرب إلى الاعتصام بحبل الله وهو إتباع الكتاب والسنة؛ كان أولى بالهدىوالاجتماع والرشد والصلاح وأبعد عن الضلال والافتراق والفتنة.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 2010/03/21

الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:54 PM
التنبيه الحسن على أخطاء المالكي الدّدو حسن
(2)


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

من أجل الغاء «الجماعة» من لقب «أهل السنة والجماعة» وتجريد أهل الحق من هذا الاسم واللقب، قال محمد حسن الدّدو الشنقيطي المالكي في فقه العصر (ص15): الجماعة في اللغة تطلق على الجمع من الناس، ولفظ الجماعة بمفهومه اليوم لميعرف إلا في عهد [سيدنا] عثمان رضي الله عنه عندما خرج عليه الخوارج ظلماً وعدواناوقتلوه في الشهر الحرام وفي البلد الحرام، فأصبح جمهور المسلمين وسوادهم الأعظم معالخليفة فسُمُّوا جماعة. والجماعة بهذا المعنى الاصطلاحي لم يرد فيها شيءٌ منالحديث النبوي الشريف. نعم ورد لفظ الجماعة الحديث النبوي ولكن ليس بهذا المعنىالاصطلاحي.

ومن أعاجيب محمد حسن الدّدو!!

أن الدعاء بالموتعلى مذهب «أهل السنة والجماعة»

قوله: والموت على الجماعة معناه: الموت علىرؤوس الناس!!

فقال مستهجناً وساخراً في فقه العصر (ص16): وهذا الإطلاق الآنلمصطلح «الجماعة» لم يعد وارداً، وكثير من الناس تعوّدوا على إطلاق «السنّة» مع «الجماعة»، وظنوا أن «السنَّة والجماعة» مصطلح واحد يطلق على الناجين، فتسمع بعضالعوام في الحرم يسألون الله أن يموتوا على السنة والجماعة! والموت على الجماعةمعناه: الموت على رؤوس الناس!! وليس لدعائهم هذا وجه، والانسان يسأل الله أن يموتعلى الشهادة أو على الإسلام أو على الملة والسنة.. انتهى كلامه

قلت: إنالناقد البصير من القراء والمحققين، غير ملزم بالاستسلام والإذعان لما تذهب إليه منتعريفات واصطلاحات تخصك، وأراك ترمي بهذا الادعاء وتذهب إلى أن مسمى أهل السنةوالجماعة محدث، فتقرر وجوب طرحه وإسقاطه. ولنا على ذلك رد مجمل ومفصل.

أماالرد المجمل: لقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أمته بكل شيء تعلق بأمر الدين، قالتعالى: اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيوَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا [المائدة: 3]، وحذرهم من الفتن قبل وقوعها،وما الموقف الذي يرضاه ربنا تبارك وتعالى، روى البخاري (7294)، ومسلم (2359) في «صحيحيهما» من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حينزاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلّم، قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بينيديها أموراً عظاماً ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، فوالله لا تسألونيعن شيء إلا أخبرتكم به، ما دمت في مقامي هذا». ولفقه محمد بن إسماعيل البخاري؛ أميرالمؤمنين في الحديث ذكره في «كتاب الفتن»، وفي «كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة» منكتابه الصحيح. وكذلك أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بتفرق هذه الأمة إلى ثلاثوسبعين فرقة، لما روى الإمام أحمد في «المسند» (2/332)، وأبو داود (4596)، والترمذي (2640)، وابن ماجه (3991) في «السنن» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقتالنصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».قلت: وهذا «حديث صحيح».

أهل الحق فرقة؛ قال: «طائفة من أمتي»

وبَيّنالنبي صلى الله عليه وسلم وبلّغ طلاب الحق، ولمن يريد التهوين من شأن الخلافوالافتراق؛ أن هناك سبباً واحداً واجب الإتباع، وأن فرقة واحدة من ثلاث وسبعينفرقة؛ هي على الصراط المستقيم والطريق القويم، و هي موعودة بالنصرة والظهوروالنجاة، لما روى البخاري (3641)، ومسلم (1037)، في «صحيحيهما» من حديث معاوية رضيالله عنه يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال طائفة من أمتيقائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون علىالناس»، وروى البخاري (3640)، ومسلم (1921) أيضاً في «صحيحيهما» من حديث المغيرة بنشعبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لن يزال قوم منأُمَّتِي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون»، وفي لفظٍ للبخاري: «لايزال ناس من أمتي».

«هذا سبيل الله».. و«هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطانيدعو إليه».

وروى أحمد في «المسند» (1/435) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بنمسعود رضي الله عنه قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عيه وسلم خطاً، ثُم قال: «هذاسبيل الله»، ثُم خطَّ خطوطاً عن يَمينه وعن شِماله، ثُم قال: «هذه سُبُل على كلسبيل منها شيطان يدعو إليه ثُم قرأ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًافَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ. وفيه إخبار عن الفرقة والخلاف وكثرة الأئمة المضلين والدعاة من أهل الأهواء البدع،فقد روى أحمد في «المسند» (5/278)، وأبو داود في «سننه» (4252)، والترمذي (2229) في «سننه» بإسناد صحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: «إِنَّما أخاف على أُمَّتِي الأئِمة المضلين»، وقال تعالى: ثُمَّجَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْأَهْوَاءَ الذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ [الجاثية: 18]، وهذا بيان لمنهاج النبي صلىالله عليه وسلم، ولمنهاج من تبعه من أمته إلى يوم القيامة، فإنه يسير على مسلكومنهج أهل الحق، ولذا حذر تحذيراً شديداً من السبل المنحرفة، ومن سلك طريقاًوسبيلاً غير منهج الصحابة، فقد ضل ضلالاً بعيدا.

أين الحل؟: «إن هذه لموعظة مودع؛ فماذا تعهدإلينا؟»

روى أحمد في «المسند» (4/126)، وأصحاب «السنن» ما صح من حديثالعرباض بن سارية رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد تركتكم علىالبيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاكثيرا، فعليكم بِما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المَهْدِيِّينَ، وعليكمبالطاعة؛ وإن عبداً حبشياً، عَضوا عليها بالنواجذ». وفي روايةٍ لأحمد في «المسند» (4/126): «فإنه من يعش منكم؛ يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاءالراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثةبدعة، وإن كل بدعة ضلالة».

قوله: «يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي،وسنة الخلفاء الراشدين المهديين»،

تقدم ذكر بعض أحاديث دلت على الاختلافوالتفرق، وبقاء أهل الحق ظاهرين يجمعهم التمسك بالكتاب والسنة:

** فالطائفةالظاهرة المنصورة يقابلها طوائف وفرق غير منصورة

** والفرقة الناجية يقابلهافرق وطوائف ليست على طريق النصرة والفوز والنجاة

** وقوله: «الأئِمةالمضلين»، فالأئمة المضلون: جمع إمام ضلالة، والإمام صاحب مذهب، وقائد فرقة أو مؤسسنحلة، وهؤلاء الأئمة المضلون الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم، خطرهم فيتفريق الناس والانحراف عن الحق، حتى أصبح الناس طوائف وفرقا شتى في مقابل أهل الحقوأهل السنة والجماعة.

اجتماع الناس على الكتاب والسنة مطلوب شرعا

إنمخالفة الطرق المنحرفة واجتماع الناس على الكتاب والسنة مطلوب شرعا، واسم أهل السنةوالجماعة الذي يحاول محمد حسن الدّدو إلغاءه، هو اسم ولقب على أهل الحق والطائفةالمنصورة والفرقة الناجية، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن سمات الطائفةالمنصورة الظاهرة، وأوصاف الفرقة الناجية، وبين أن أمرها قائم على التمسك بكل ماأمر الله به في كتابه وسنة نبيه، ومن أهمها التمسك بالجماعة والاجتماع على الحقونبذ الفرقة والخلاف.وقد تقدم في العدد السابق أدلة الاعتصام والاجتماع والنهي عنالتفرق مما يغني عن ذكره وإعادته. والتتمة في عدد قادم إن شاء الله تبارك وتعالىوالحمد لله رب العالمين.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 2010/03/28

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:58 PM
التوحيد أول ما يدخل به العبد في الإسلام



كتب:د. عبدالعزيز بن ندَى العتيبي

إن مفتاح الدخول إلى الاسلام هوشهادة ان لا اله الا الله وهي دعوة الرسل من أولهم الى اخرهم.

الدليلالاول:

ـ1 ادلة عامة في أن التوحيد دعوة الرسل كافة

كان التوحيد اولدعوة الرسل، قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول الا نوحي اليه انه لا اله الاانا فاعبدون) (الانبياء: 25)، وقال: (ولقد بعثنا في كل امة رسولا ان اعبدوا اللهواجتنبوا الطاغوت) (النحل: 36)، وقال: (واسأل من ارسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا مندون الرحمن آلهة يعبدون) (الزخرف: 45)

ـ2 ادلة خاصة في ان التوحيد دعوة كلرسول الى قومه

قال تعالى: (لقد ارسلنا نوحا الى قومه فقال يا قوم اعبدواالله مالكم من اله غيره) (الاعراف: 59)، وقال: (وإلى عاد اخاهم هودا قال يا قوماعبدوا الله ما لكم من إله غيره) (الاعراف: 73)، وقال: (والى مدين اخاهم شعيبا قاليا قوم اعبدوا الله ما لكم من اله غيره) (الاعراف: 85) الى غير ذلك منالادلة.

الدليل الثاني: دعوة محمد صلى الله عليه وسلمللتوحيد

ـ1 روى البخاري (1395)، ومسلم في صحيحيهما (19): من حديث ابن عباسرضي الله عنهما، ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا رضي الله عنه الى اليمنفقال: «ادعهم الى شهادة ان لا اله الا الله واني رسول الله، فان هم اطاعوا لذلك،فاعلمهم ان الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فان هم اطاعوا لذلك،فاعلمهم ان الله افترض عليهم صدقة في اموالهم تؤخذ من اغنيائهم وترد علىفقرائهم».

- وفي رواية في البحاري (1458): «انك تقدم على قوم اهل كتاب،فليكن اول ما تدعوهم اليه عبادة الله»

- وفي رواية للبخاري (7372): «فليكناول ما تدعوهم الى ان يوحدوا الله تعالى» ذكر هذه الرواية البخاري رحمه الله فيكتاب التوحيد ـ باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم امته الى توحيد اللهتبارك وتعالى.

ـ2 وروى البخاري (1360)، ومسلم في صحيحيهما (24): من حديثالمسيب بن حزن رضي الله عنه قال لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله صلى اللهعليه وسلم، فوجد عنده أبا جهل وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: «ياعم قل لا اله الا الله كلمة اشهد لك بها عند الله»، فقال أبوجهل وعبدالله بن أبي امية: يا أبا طالب! اترغب عن ملة عبدالمطلب؟! فلم يزل رسولالله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب اخرما كلمهم هو على ملة عبدالمطلب، وأبى ان يقول: لا اله الا الله، فقال رسول الله صلىالله عليه وسلم: «اما والله لأستغفرن لك ما لم انه عنك»، فانزل الله عز وجل (ما كانللنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا اولي قربى من بعد ما تبين لهمانهم اصحاب الجحيم)، وانزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله صلى الله عليهوسلم: (انك لا تهدي من احببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو اعلم بالمهتدين)، ورواهمسلم ايضا في صحيحه (25) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلملعمه قل: «لا اله الا الله اشهد لك بها يوم القيامة»، قال لولا ان تعيرني قريشيقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك فانزل الله: (انك لا تهدي من احببتولكن الله يهدي من يشاء)، ويستفاد من الحديث:

ـ1 انه لو قال لا اله الا اللهلخرج من الشرك، وكان من الموحدين.

ـ2 كما ان المعرفة بالله لم تنفع أباطالب، وكان من اصحاب الجحيم.

ـ3 محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، ونصرتهلدعوته لم تدخله الجنة.

ولما تقدم من أدلة من الكتاب والسنة نقول نعمالتوحيد اولا «اول واجب».



لماذا دعاة علم الكلام لا يرون التوحيد اولواجب على العباد؟

ان توحيد الله ليس هو اول واجب على العباد على اصولاهل الكلام الفاسدة! فكيف نطلب ان يسلموا لاصل الاصول وان يقروا بأن التوحيد اولا. وتوحيد اصحاب البدع يسمونه علم الكلام، كما قرره الفلاسفة، لا كما حرره العلماءالاجلاء من الكتاب والسنة، وان كان اول واجب يعتقدونه ويقررونه هو من صنيع الفلاسفةوارباب الكلام، ومع ذلك هم فيه على خلاف فمن قائل ان:

ـ1 اول واجب معرفةالله تعالى، وهو الواجب الذي حتى ابليس كان على معرفة به، وكذلك فرعون، ولكنه لميجعل التوحيد اولا، وينطق بلا اله الا الله.

ـ2 اول واجب النظر، اي انالمعرفة بحاجة الى نظر واستدلال، فالنظر الاول زعموا.

ـ3 اول واجب اول جزءمن النظر، وذلك بان بداية النظر جزء من النظر، فكان الجزء هو الاول.

ـ4 اولواجب القصد الى النظر، لما كان القصد يسبق المقصود، قالوا هو الاول.

ـ5 أولواجب الشك في الله، اي تبدأ بالشك لتحقيق اليقين، والشك بالله هو الكفر بعينه،ونعوذ بالله من ذلك، فانه على هذا القول جعل اول واجب على العباد الكفر، الى غيرذلك من الاقوال المتهافتة، والهذيان الذي لا تقره ملّة الاسلام، قال تعالى:( ولواتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن). (المؤمنون:71)، لفساد أهوائهمواختلافها ، وهذا الشيء الذي ابتدعوه وسموه علم الكلام هو من أشرف علومهم وأفضلهاوبه يعرف الخالق سبحانه وتعالى معرفة لم تنفع ابا طالب وابا جهل.(قل لا أتبعأهوآءكم قد ضللت اذا وما أنا من المهتدين)(الانعام: 56). ومنها نعلم مدى بعدهم عنالكتاب والسنة، والهوة الكبيرة بينهم وبين دين الانبياء والرسل.

إنهم يرددوندين الفلاسفة، ويجهلون دين الاسلام، والله يقول:(إن الدين عند الله الاسلام)(آلعمران:19). لذلك لا غرابة ان تسمع البعض يقول: بديلا عن التوحيد اولا، النظر اولواجب على العباد، او لمعرفة اولا، او الشك اولا، وهذا الاعتقاد الغريب هو الذيدفعهم الى الاعتراض على ان اول ما يدخل به الاسلام هو لا اله الا الله وان الوحيداولا، كما حررناه من الكتاب والسنة، وآخرا لما رواه البخاري(5827) ومسلم(94) فيصحيحيهما من حديث ابي ذر رضي الله عنه قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبابيض وهو نائم ثم اتيته وقد استيقظ فقال:«ما من عبدي قال لا اله الا الله ثم ماتعلى ذلك الا دخل الجنة».

الفرق بين من دينه وحي من الله ومن دينه وحي من أذهانوعقول الفلاسفة

إن من جعل دينه عرضة لشطحات البشر فكن منه على حذر،قال الله تعالى:(ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) (الجاثية:18). وقال :(ولا تتبعأهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله) (الشورى:15)، وقال: (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيلالله) (ص: 26)، ومن تبعهم فقد جعل دينه مذهب الفلاسفة وارباب الكلام، واعرض عنالوحي، كلام الله، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبسبب الاعراض اوتوا عدم الفهموالفقه في الدين، وغرقوا في علم الكلام الذي كله هذيان ينتهي بصاحبه الىالخذلان،(ومن الناس من يجادل في الله بغيرعلم ولا هدى ولا كتاب منير) (لقمان:20). اي بلا عقل صحيح ولا نقل صحيح صريح بل بمجرد الرأي والهوى، فلا تعجب أخي من إنكارهمعلى من يقول ان العقيدة اولا، والتوحيد اولا، وان اول واجب على العباد ليس لا الهالا الله، بل قرروا اقوال الفلاسفة ومن تبعهم من اهل الكلام وذهبوا الى القول بخلافالكتاب والسنة، واختلفوا فيما هم فيه ، والحمدلله اولا واخراً.

تاريخ النشر: الاثنين 26/6/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 09:59 PM
اْلحَقُّ واحد عند أهلً الأَثَر


فمَن أَوهَمَ الناس بتعدد الحقًّ» وقال:المسأَلةُ خلافًيَّة؟

الجواب علَى الْمسائلً الشرعيةً يكونُ بتحريرً القولً الصريح وذكر الدليل الثابت الصحيح، وإًنْ كان لايُعلمُ فًي الْمسألةً شيء» فالجواب: لا أدري، وذلك أبرأُ للذمةً، ونُصح للأُمةًوأما القول: بأَنَّ المسألةَ خلافية» فلا دليل عليه من كتاب أو سنة أو إجماع، وهذاالدين حق و الحق لا يتعدد. وتكلم الشاطبي عن التعدد وذكر حديث الافتراق: الذي رواهأَحْمَدُ فًي مُسْنَدًهً (4/102) من حديث معاوية رضيَ الله عنه بًإًسنَاد حَسَن،وابْنً مَاجَه فًي سُنَنًهَ (3392) مًنْ حَديثً عَوْفً بْنً مَالًك رضي الله عنه: ((وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ سَتَفْتَرًقُ عَلَى ثَلاث وَسَبْعًينَ فًرْقَةً» كُلُّهَا فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً، وَهًيَ الجمَاعَةُ))، وفًي روايةالتّرْمًذًيُّ فًي سُنَنًهً (2641) مًنْ حَديثً عَبْدً اللَّهً بْنً عَمْريو بْنًالعَاصً: ((مَا أَنَا عَلَيْهً وَأَصْحَابًي)). قال الشاطبي رحمه الله في كتابالاعتصام (2/249): إن قوله عليه الصلاة والسلام : ((إلا واحدة))، قد أعطى بنصهأَنَّ الحقَّ واحد لا يَختلفُ، إذ لو كان للحق فًرَق أيضا» لَم يقل: ((إلا واحدة))،ولأن الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق، لأَنَّها الحاكًمَةُ بين المختلفين لقولهتعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ) [النساء: 59]، إذ رد التنازعإلَى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف» لَم يكن في الرد إليها فائدة، وقوله: ( في شيء) نكرة في سياق الشرط فهي صيغة من صيغ العموم، فينتظم كل تنازع على العموم،فالرد فيها لا يكون إلا لأمر واحد، فلا يسع أن يكون أهلُ الْحقًّ فًرقا، وقالتعالى: ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ) [الأنعام: 153]، وهو نصفيما نَحن فيه» فإن السبيل الواحد لا يقتضي الافتراق بًخلاف السُّبُلالمختلفةً.

مصادر التلقي عند الصحابة

أخذ الصحابة العلم من النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم،وأخذ التابعون العلم من الأصحاب رضي الله عنهم أجمعين، حَتَّى جاءت مرحلة تبعالأتباع، واتسعت رقعة البلاد الإسلامية، فانتشر العلم، وكثر العلماء فًي الأمصار كـالأوزاعي، ومالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وعبد الله بن الْمبارك، وسفيانالثوري، وسفيان بن عيينة، وحماد بن زيد، وحماد بن سلمة، والليث بن سعد، وأحمد بنحنبل، ومحمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج النيسابوري، والبقية أكثر، وعلىإثر ذلك ظهرت الْمدارس الفقهية وبدأت أمراض النفوس تدب فًي قلوب الأتباع والمتعصبة،وكان من قَدَرً هذهً الأُمَّةً انتشار أقوال وآراء لبعض أهل العلم دون الآخرين،علَى صورة مذاهب وانْحسار بعضها، لأسباب وظروف سياسية وجغرافية واجتماعية، لا يسعالْمقام لذكرها، فاستقر الأمر لدى العامة أن المذاهب الفقهية أربعة: المذهب المالكيوالحنفي والشافعي والحنبلي، وبقية الْمذاهب وان كانت مدونةً فًي الكتب لكنها لَمتبلغ من الانتشار ما بلغت الْمذاهب الأربعة، وكان لتلاميذ الأئمة الأربعة أثر ودوركبير ساعد على انتشار هذه الْمذاهب.

هل الأَئًمةُ لَهم ما للأَنبياءً؟!

حمل التعصب بعض الأتباع وخرجوا عن جادة الصواب فجعلواهؤلاء العلماء كـ (الشافعي وغيره) فًي مقام النَّبًيًّ صَلى اللهُ عليه وسلم،وجعلوا تلاميذ الأئمة فًي مرتبة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن لَم يكنالأمر أبعد غلواً من ذلك» فَأَقوالُهم ومذاهبهم بلغت من القداسةً بًحيث لا تقبلنقاشاً ولا استدراكا، ولا حق سواه، ولو أَتيت بًما تتصدع لَها الجبال الروس من كلامالله والسنة الصحيحة.

نشأةُ الخلافً وتطور المذاهب

بداية تطورالمذاهب وتكوينها:

ـ1 مرحلة ظهور الإمام وبروزه.

ـ2 ثُم مرحلة حفظ ـما لَم يكلفنا الله بًحفظه ـ وهي مرحلة حفظ التلاميذ لأقواله وأفعاله والتكوينالابتدائي لًمذهبه.

ـ3 ثُم مرحلة تفرق التلاميذ فًي البلدانوالأمصار.

ـ4 مرحلة اختلاف التلاميذ فًي نَقل أو فَهم من فتاوى الإمام التًيجُمعت فًي مصنفات.

ـ5 هذه الآراء المختلفة انتهت إلَى صراع داخلًيّ، ومنثَمَّ تكوين مذاهب فرعية كثيرة تتبع الْمذهب الأصل.

كلُّ مذهب يُخْفًعَشَراتً المذاهبً

ومئاتُ المذاهبً تحتَ مُسمى المذاهب الأربعة

فظهرالانقسام فًي المذهبً الواحد حتى صار عدة مذاهب ومشارب تَحت شعار واحد كل يتعصبلقوله، وقول شيخه وحلقته، ويرى أن الْحقَّ فيما نقلوه عن الإمام، وكل هذهالانقسامات والخلافات تَحت مظلة واحدة، قال تعالَى: (تَحْسَبُهُمْ جَمًيعاًوَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلًكَ بًأَنَّهُمْ قَوْم لاَ يَعْقًلُونَ ) [الحشر: 14]، أي: مُختلفين غير متفقين، والناس لا يعلمون حالَهم، ولا يعرفون ما هم فيه من شقاقيواختلافي فًي مذهبهم الذي تعصبوا له، وفارقوا الناس عليه، والسبب فًي نشوء الخلافأنه من عندهم وليس من عند الله، لقوله تعالَى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيهاختلافا كثيرا) [النساء: 82]،. والحقيقة التًي يَجب أن يعلمها الْمسلمون أَنَّهميتعاملون مع مئات المذاهب (ويسمونَها بتخريجات الأصحاب) التًي أخفوها تَحت مسمىأربعة مذاهب، والناس اليوم يعيشون فًي فوضى الآراء الْمذهبية التي لا نَجاة لَهممنها إلا بالرجوع إلَى قولً الله تعالَى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللهوالرسول) [النساء: 59]، وقوله تعالَى:( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجربينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء: 65]، وقولهتعالى :(وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله) [ الشورى: 10]. إن عبادةَ اللهًتكون بالأخذ بالكتاب والسنة، ولا تكون بأقوال الْمذهبيين، وآراء المفكرين، وتَحريرُالرّاجًحً مًنَ المرجوحً فًي الْمسألة من كتاب الله، وأقوال النَّبًي صلى الله عليهوسلم، وأفعالًه، هو ما نَحن متعبدون به أمام الله سبحانه وتعالَى، وأما فناء العمر» وذهاب الأوقات» فًي تقرير وَتَحرير الراجح من أقوال أَحمدَ والشافعيًّ ومالكي وأبًيحنيفةَ النعمان» فهذا أمري أجزم أن الله لن يَسألنا عنه.

جَعلوا الحقَّ بعيد الْمنالً» وصوروهبالأغلالً

فأصبح الْمسلم يعانًي إذا بدا له أن يسَأَل فًي أمردينه، فإن سأل مذهبياً فسوف تكون الفتوى على قول ورأي من عدة آراء فًي مدرسةتَختلفُ الاتجاهات فيها، من عدة مدراس تَختلف آراؤهم فًي الْمسألة الواحدة، وهذهالدوامة من الخلاف تدور رحاها داخل الْمذهب الأم، أي: أن بينه وبين أن يصل إلَى قولالإمام الشافعي أو الإمام أحمد مفاوز - بل قل: أغلالا وقيودا - فضلا عن ان يصل إلَىالحق وماكان عليه النَّبًي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وذاك النحرير منهم والشيخالمجتهد من يستطيع أن يُرَجًّحَ بين مذاهبَ وأقوال المذهب الواحدً، وهو ما يطلقونعليه: القول الراجح فًيالمذهب كـ (الشافعية) وبقية الْمذاهب، والراجح فًي المذهبلا يعنًي أنه الراجح شرعاً فًي الإسلام» وأن العباد ملزمون بالانصياع له والتعبدبه.

عبادةُ الله بالكتابً والسنة

وليست بأقوالالْمذهبيين وآراء المفكرين

وهكذا جرى في دماء من حياته الانقسام والاختلافأن الدين مسألة خلافية، وهنا نقول: كيف سيكون حال المستَفْتًي إذا طلب الحكمَبدليله الْمباشر من الكتاب والسنة؟ عباد الله! عليكم بالكتاب والسنة بفهم سلف الأمةمن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحساني إلَى يوم الدين، واطرحوا مقولة أن: [المسأَلَة خًلافية...فيها خلاف...اختلف الفقهاء]، واعلموا ان دين الإسلام لا يعرفالأغلال الًتي جاؤوا بًها، قال تعالَى: (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحللَهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذينآمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) [الأعراف : 157].

هذا دين يُسر لا دينُ اختلاف

قال تعالَى:(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءانَلًلذًّكْرً فَهَلْ مًن مُدَّكًر) [القمر : 17]، وقال:(فَإًنَّمَا يَسَّرْنَاهُبًلًسَانًكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) [الدخان:58]، قال تعالَى:( وما جعل عليكمفي الدين من حرج ) [الحج : 78]، وقال تعالَى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكمالعسر) [البقرة : 85]، ودعا إلَى العمل على قدر الاستطاعة وقال: ( فاتقوا الله مااستطعتم ) [التغابن : 116]، (لاَ يُكَلًّفُ اللَّهُ نَفْسًا إًلاَّ وُسْعَهَا) [البقرة: 286]، وروى البخاري فًي صحيحه (39) في كتاب الإيمان - باب الدًّينُ يُسْرـ من حديث أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ الله عنه، عَنً النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلمقَالَ: ((إًنَّ الدًّينَ يُسْر)). وهنا سيقف العباد علَى الحق بكل سهولة ويسر ويعرفالناس أن الدين ليس مسائل خلافية وأن الدين واحد، والمعبود واحد، والنَّبًي الذيأرسل إلينا وأُمرنا باتباعه واحد. والحمد لله علَى توفيقه وإحسانه أن يسر لًهًذهالأمة دينها الذي ارتضاه لَها.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر: الاثنين 25/6/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:01 PM
الخطر الأكبر في الأطماع الفارسية



تواجه الأمة العربية والإسلامية أخطاراً تهددها من كل اتجاه، ومنذبعثة محمد صلى الله علية وسلم، وقد أذن الأمر بالإخراج والإيذاء والمحاربة والعداء،قال تعالى:{فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِيسَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْوَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْعِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}[آل عمران: 195]، وكذلك جاءالإخبار بذلك العداء والإيذاء للإسلام وأهله لما رواه البخاري (4)، ومسلم (160) فيصحيحيهما عند ذكر عائشة رضي الله عنها لقصة خبر بدء الوحي الطويلة... وفيه أن خديجةابنة خويلد رضي الله عنها أخبرت ورقة بن نوفل - وكان رجلاً نصرانياً - بما حدث مننزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟! فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذينزله الله على موسى، يا ليتني فيها جذعاً، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أومخرجي هم؟!»، قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ماجئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزراً. ويستفاد منالحديث:

أولا: الإخراج من الأرض والأوطان:

-1 قول ورقة بن نوفل: ليتني أكون حياً إذ يخرجكقومك.

-2 قوله:«أومخرجي هم؟!»، قال: نعم.وحدث الإخراج لقولهتعالى:{إِلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَكَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَتَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}[التوية:40].

ثانياً: المعاداة والحرب والإيذاء، لقول ورقة: لَم يأترجل قط بمثل ما جئت به [إلا عودي]. والأبلغ قوله تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌمِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْنَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِالْمُرْسَلِينَ}[الأنعام: 34]، فما برح الأعداء يتربصون بهذه الأمة الدوائر،ويحيكون لها المؤامرات، ويهددون حصونها من كل جهة، كل حَسْب دوافعه؛ عقدية كانت أوقومية وعرقية، أو دوافع الحسد والحقد الكراهية، وذهاب المصالحالدنيوية.

عداوة اليهود للعرب والمسلمين

لا يشك عاقل بعداء اليهود للعرب والمسلمين من أيامالمدينة وخيبر ممثلا ببني قريظة وبني قينقاع وبني النضير، حتى دولة اليهود المعاصرة [إسرائيل]، فهم أحد أعداء الأمة، والواجب اتخاذ الحذر والحيطة؛ حيال هذا العدو الذييهدد الأمة.

عداوة الفرس أخطر من عداوة اليهود

لقد قامت الدولة الفارسية بارتكاب أبشع الجرائم في حقالمسلمين، فقد سفكت الدماء، وهتكت الأعراض، ونُحر الناسُ كالخراف، وذلك عبر دويلاتمتعاقبة؛ كالدولة الصفوية المشؤومة، وغيرها التي تمارس الإرهاب والدمار والخراب فيكل واد، ولا يزال الأمر مستمراً حتى يومنا هذا. ولقد سَلبت الحقوق، وصادرتالممتلكات، واحتلت من الأراضي أضعاف ما تحتله إسرائيل اليهودية.

خطاب موجه إلى العقل العربي المصادر

وإلى بعض الجماعات الإسلامية



أيها الجماعات الإسلامية! ويا دعاة الحزبية! إن إسرائيل اليهودية؛ رغم أنها عدوٌ بالاتفاق؛ وقتلت وسفكت الدماء، لكنها لَم تسفكمن الدماء جزء من مِعشارٍ العُشرِ، مما فعله الفرس بالعرب والمسلمين، ولم تزهقعدداً هائلاً من أرواح ونفوس بريئة؛ ذهبت قرباناً للشعوبية، وبسيوفٍ فارسية تقطردماءً زكية، فمن الأخطر؟! عباد الله! هل قلوبكم من حجر؟! -أَفَلاَتَعْقِلُونَ-...



أيها الجماعات الإسلامية! إن إسرائيل اليهوديةتحتل أراضي عربية إسلامية، ولا ينكر ذلك إلا مكابر، ولكنها لن تستطيع أن تبلغ عشرالعشر من المساحات والجزر والممتلكات التي تم الاستيلاء عليها، وصادرتها الجهاتالفارسية، وابتلعها القرش الفارسي؛ فمن الأخطر؟! {أَفَلاَتَتَفَكَّرُونَ}...



أيها الجماعات الإسلامية! ويا أيها العقولالعربية! إن إسرائيل اليهودية لا تحارب حرية الاعتقاد والعبادة، وتسمح بممارسةالعبادات، بخلاف ما يحدث داخل مقاطعات الإمبراطورية الفارسية، فإن الناس لايستطيعون إعلان المعتقدات وممارسة العبادات، ولا يكون ذلك إلا سراً؛ فهم لا يدينونبالمجوسية، ولا يؤمنون بالثنوية والاعتقاد بالنور والظلمة. فمن الأخطر؟ {فَهَلْمِنْ مُدَّكِرٍ}...

دور القومية العربية وبعض الجماعات الإسلامية في خلطأوراق الأعداء

لعبت القومية العربية دوراً مشوهاً في تحديد العدوالأول والأشد خطراً بحسب ثقافة قادتها ومصالحها، وجعلت من الصراع العربي الإسرائيليالقضية الكبرى، فنشأت أجيالاً من هذه الأمة لا تعرف العدو الحقيقي الذي حدده الشرعوجعله الأخطر عداوة، والأشد ضراوة، وفُرِضَتْ على الأمة معاداةٌ مقلوبة أو معاداةُمن اتخذته القومية العربية عدواً، وأهملت، بل قرّبت بعض الأعداء وجعلتهم أصدقاء، منعبّاد الطبيعة والذين شابهوا في معتقداتهم غلاة الدهرية، كـ (الاتحاد السوفييتي)،لا يعرفون رباً ولا يؤمنون بالله الواحد القهار.

مصالح بعض الجماعات الإسلامية جعلت من إسرائيل العدوالأخطر

وممن شارك في خلط الأوراق وقدم وأخر، ومارس العبث فيأمن الأمة الإسلامية والعربية، تلك الجماعات الإسلامية، التي جعلت العدو الأخطرمحصوراً فيمن يهدد وجودها الحزبي، لا من يهدد أمن ومصالح الأمة العربية والإسلامية،وأما من عُرفَ بعداوته للأمة والشعوب الإسلامية؛ ولكنه لا يمثل تهديداً لمصالحهاالخاصة، فهو الأقل خطراً وضرراً، بل يبلغ الأمر أن لا يُعَدُّ عدواً !! وبذلكصادروا الأمن العام لهذه الأمة، من أجل استمرار وبقاء مصالح ضيقة لهذه الجماعة أوتلك الطائفة، فجعلوا الشعوب تعيش نوعاً من فقدان التركيز، مما جعلها لا تستطيعتمييز الحدود المهددة بالأخطار من غيرها، ولا تعرف الثغور التي تحتاج إلى الحماية،وأصبحت تعاني التبلد وفقدان الحس تجاه الأخطار التي تهدد مصالحها، وهكذا تسقط الأممبأيدي زمرة من أبنائها.

مصالح الجماعات يجب أن تتوقف عن التلاعب بأمنالأمة

إن أفكار الجماعات الإسلامية لن تثنينا عن معرفةالحقيقة بميزان شرعي دقيق، ولن نستسلم لقلب الحقائق، ومصادرة العقول، وإننا علىيقين تام أن بعض الجماعات تترس خلف استمرار الصراع العربي الإسرائيلي، وتحارب الصلحوالمعاهدات التي تعقد مع اليهود، فإن تَوَقُّفَ ذلك الصراع؛ يعني إطلاق رصاصةالنهاية على هذه الجماعات، بل العجب أن بعض الجماعات لا يتمنى مغادرة إسرائيللفلسطين، فمبادئها وكيانها يدور مع تأجيج العداء لإسرائيل وجودا وعدماً؛ ففي وجودصراع عربي إسرائيلي وجود لَها، وعدمه عدم ونهاية لَها، ويدفع ثمن ذلك الشعبالأعزل.

لماذا البوح بالصراع العربي الإسرائيلي، وكتمان الصراعالعربي الفارسي

أولا: الجهل بالعلم الشرعي وعدم اتخاذ الكتاب والسنةمصدراً للسياسة الشرعية.

ثانياً: كثيراً من الجماعات والأحزاب تقتات على الصراعالعربي الإسرائيلي

فإياك إياك أن تتصور في يومٍ ما أن هذه الأحزاب ستُفرطفي هذا الأمر، وسيقاتلون دون هذه المكتسبات، ولذا فإنه لا غرابة عندما ترى هذهالجماعات والأحزاب تعمل جاهدة على استفزاز اليهود، وتأجيج الصراع وتذكيته؛ حتى لاتُلفت الأنظار إلى ممارسات العدو الفارسي، الذي ينهش في جسد الأمة، وكذا غيره منالأعداء، ولذلك قد تعجب عندما تعلم أن كثيراً من الجماعات والتكتلات والأحزاب؛ لايريدون أن يَتَنَبَّه العرب والمسلمون للعداوة الفارسية، ويحاولون إهمالَها ولفتالأنظار عنها، والنفخ في القضية اليهودية؛ خشية فقدان لقمة العيش، وذهاب تلكالكيانات الرخيصة التي تعيش على أشلاء شعبها، والدماء الزكية لهذهالأمة.

ثالثاً: تآمر بعض الأحزاب بالإهمال العمد وتقليل شأنالخطر الفارسي

وهذا الدور تقوم به بعض الجهات من أجل أن يُمارس المدالفارسي دوره بِهدوء وغفلة، ويفتك بالأمة التي شغلوها بقضية صراع العدو الإسرائيلي،ولذلك يعملون على تضخيمه والنفخ في ناره، وجعله القضية الرئيسة، متناسين أن الأطماعمن كل الأمم والملل تحيط بهذه الأمة؛ لما حباها الله من خيرات الدنيا والآخرة،ومتناسين أو متغافلين حنين الأعداء، والبحث عن فرصة الانقضاض على الأمة العربيةوالإسلامية من شرق الدنيا وغربها

الخلاف الفارسي مع اليهود والنصارى

خلاف مصالح حول التركة والضحية

هناك وئام فارسي أمريكي إسرائيلي دائم، قد يتحول فيلحظة ما إلى عداء عند اختلاف المصالح وتعارضها، فالأخوة يختلفون على التركة، وماحروب هتلر وغاراته عنا ببعيد، فالزعيم الألماني اجتاح أوروبا طمعاً، ولاختلافالمصالح، وتعارضها مع جيرانه، ولَم تثنه عن ذلك أُخُوَّةٌ، أو وحدة الديانة، ولذلكلا تغتروا بالخلاف الفارسي الإسرائيلي المعلن، فهو خلاف حول قسمة المنطقة العربيةوالإسلامية، ومن سيكون صاحب القسم الأكبر، ولا تفاجأ إن رأيت حرباً فارسية يهودية،فإنها لا تعني عداءً إسرائيلياً للفرس، ولا كرهاً وبغضاً فارسياً لإسرائيل من أجلالعرب - المغرر بِهم- بل القوم يقتتلون لاختلاف المصالح حول الضحية... أتعلم ماالتركة؟! ومن الضحية؟! إنهم العرب والمسلمون.

الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر 17/08/2009

الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:03 PM
الخطر الحوثي والثأر الفارسي



الحمدلله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

منذ سقوط الدولة الفارسية (إمبراطورية المشرق) علىأيدي المسلمين، ودخول أهلها في الإسلام -وأخرج الله من أصلابهم أعلاماً كانوا أئمةهدى ودعاة حق-، ولكن بقيت فلول فارسية أبت الإذعان والدخول في دين الإسلام، ورفضتالاندماج في المجتمع المسلم، بل قاومت جماعة المسلمين، فما برحت تلك البقايا تناديوتطالب بالثأر لعرش كسرى؛ أملاً بإعادة أمجاد العهد الفارسي؛ فأخذت على نفسها بذلالجهد، والعمل للفتك بذلك الدين الذي جاء ليرسم نهاية أبدية لتلك الإمبراطورية،ويمزق هذا الملك إلى يوم القيامة، فقد رواه البخاري (7144)، ومسلم (2918) في »صحيحيهما« من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس محمد بيده؛لتنفقن كنوزهما في سبيل الله«، وفي رواية لمسلم (2919) في »صحيحه« من حديث جابر بنسمرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »لتفتحن عصابة منالمسلمين أو من المؤمنين كنز آل كسرى الذي في الأبيض«.

ماذا بعد فشل الفرس في المواجهة العسكرية (الميدانية)؟!

بعد الانكسار والفشل الميداني للدولة الفارسية، وماواكب تلك الهزيمة من انهيارات عقدية أمام دين الإسلام، وعدم قدرة المعتقدات والطقوسالفارسية على الصمود أمام دعوة التوحيد؛ وعبادة الله وحده لا شريك له، والإعلانورفع راية العجز عن مواجهة الحق الذي أنزله الله، قال تعالى: {فَوَقَعَ الْحَقُّوَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأعراف: 118]، فأنشأ طلاب الثأر خلايا تعمل ليلنهار؛ لزرع الخرافات والأمراض في قلب عقيدة الإسلام الصلبة، بعدما علموا أنهاالسِرّ الذي يقف خلف تلك الانتصارات، ودخول الناس في دين اللهأفواجا.


الفرس يجيدون صناعة المذاهب والديانات

ذهب الفرس إلى صناعة وصياغة أفكار باسم الإسلام، ومنثم محاولة التغلغل واختراق صفوف الأمة، ولِما وجدوه من صعوبة التَّحركِ بلباسٍفارسي أعجمي محض، تم الاحتيال على ذلك؛ فعملوا على إغواء بعض أبناء الأمة الناطقينبالعربية، ليحملوا أفكار الحقد والكراهية والانتقام؛ نيابة عن الفرس (الحاقدالأصل)، فبدأ أولئك المنهزمون إلى التحرك يوماً بعد يوم من أجل تطوير هذه الديانة،وزراعة المعتقدات المخترعة في جسد الأمة، لعلها تزاحم المعتقدات الصحيحة، أو تقومبانتزاعها واحتلال جزء من مكانتها في نفوس بعض المسلمين، والمفاجأة أنهم استطاعواامتلاك عقول بعض الجهال والسذَّج؛ فكان لهم ما أرادوا، ومع مرور الأيام والسنين؛ورث الأبناء دين الآباء تقليداً دون مناقشة أو طلب برهان، وسلكوا المنهج نفسه الذيكان عليه مخالفوا الأنبياء والرسل واحتجوا لدينهم المخترع بالحجة عينها، قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَاالفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًاوَلاَ يَهْتَدُونَ}[البقرة:170]، وقال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْاْ إلىمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَالى الرَّسُولِ قَالواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِآبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَيَهْتَدُونَ}[المائدة:104]، وجيلاً بعد جيل؛ أصبح كثير من أبناء المسلمين يحملونالأفكار والمعتقدات ذات الهوية الفارسية، فتحقق للفرس مبتغاهم، فكان أن تترس الفرسخلف أبناء المسلمين، وجعلوهم على خط المواجهة مع أبناء جلدتهم، يحملون عقائد الحقدوالكراهية لأبناء الأمة العربية والإسلامية، وينشرون كماً من الخرافات والطرقالمنحرفة. و هكذا استطاعوا التسلل إلى مواقع في بعض البلدان العربية والمجتمعاتالإسلامية.


الثأر الفارسي يمارس بأيد حوثية

نظرية الثأر الفارسي لعرش كسرى:

كثيراً ما نجد القائمين على هذه النظرية يحسنون صناعةالوليد وفطامه واحتضانه، و صياغة أفكار ذات أنياب ومخالب مشوهة، ومن ثم البدءبتصدير ذلك الوليد وعقائده المخترعة إلى عقول عربية، لا تحمل إلا هماً واحداً؛فتجدها تحمل هماً فارسياً محضاً، يقوم بممارسة عمليات ثأرية لأمجاد قضى الله فيقدره وحكمه أَنَّها لن تعود أبدا، قال تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِوَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[يوسف:21].


الخطر الحوثي في الخليج العربي

ولذا يجب على المسلمين التنبه وأخذ الحيطة والحذر منتلك المخاطر التي زرعت على امتداد ساحل الخليج العربي، فالواجب على المسلمين اعدادالعدة قبل فوات الأوان، وتطهير المنطقة من الزيف، ووقايتها من الأمراض التي تقضيعلى الأمة.


الخطر في الشام

وما بلاد الشام المحروسة عنا ببعيد زماناً ومكاناً،فقد انفلت الزمام، وضاعت الأحلام، بعد دهم نفس الخطر هذه المجتمعات والبلدان، والذيتباهى في لبنان، رفع شعاره، معلناً عن نفسه، وبدأ يفاخر بذلك الدم الغريب، والدعمالفارسي المريب.


الخطر في جنوب الجزيرة العربية

ونعيش اليوم اضطراباً وزعزعة للأمن والأمان، وسفكاًلدماء الأبرياء في جنوب الجزيرة العربية، ومحاولة تهديد للدولة السعودية المناهضةللمد الفارسي في المنطقة.

إن سفك الدماء وترويع الآمنين، والإفساد في البلادوإضاعة مصالح العباد؛ تمثل السمة البارزة للدعوة الحوثية.

التاريخ يوثق مجزرة بأفكار حوثية ودعمفارسي

فذكر ابن كثير في »البداية والنهاية« (11/182): فيأحداث سنة سبع عشرة وثلاثمائة.

قال: ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، فيهاخرج ركب العراق وأميرهم منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، وتوافدت الركوب هناكمن كل مكان وجانب وفج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية،فانتهب أموالهم واستباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة وشعابها وفي المسجد الحرام، و فيجوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيراً، وجلس أميرهم أبوطاهر لعنه الله على باب الكعبة،والرجال تصرع حوله،والسيوف تُعْمِل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام فييوم التروية، الذي هو من أشرف الأيام وهو يقول: أنا الله وبالله، أنا أنا أخلقالخلق وأفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم، فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلكعنهم شيئا، بل يقتلون وهم كذلك، ويطوفون فيقتلون في الطواف، وقد كان بعض أهل الحديثيومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد وهو كذلك:

ترى المحبين صرعى في ديارهم

كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا

فلما قضى القرمطي لعنه الله أمره، وفعل ما فعل بالحجيجمن الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، ودفن كثيرا منهم في أماكنهممن الحرم، وفي المسجد الحرام، و يا حبذا تلك القتلة وتلك الضجعة، وذلك المدفنوالمكان، ومع هذا لم يغسلوا، ولم يكفنوا، ولم يصل عليهم؛ لأنهم محرمون شهداء في نفسالأمر، وهدم قبة زمزم، وأمر بقلع باب الكعبة، ونزع كسوتها عنها، وشققها بين أصحابه،وأمر رجلاً أن يصعد إلى ميزاب الكعبة فيقتلعه، فسقط على أم رأسه فمات إلى النار،فعند ذلك انكف الخبيث عن الميزاب، ثم أمر بأن يقلع الحجر الأسود فجاءه رجل؛ فضربهبمثقل في يده، وقال: أين الطير الأبابيل، أين الحجارة من سجيل؟ ثم قلع الحجر الأسودوأخذوه حين راحوا معهم إلى بلادهم، أهـ

قلت: فمكث عندهم (ثنتين وعشرين سنة) من سنة سبع عشرةوثلاثمائة، حتى سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة.

قال تعالى: {قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْفَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُمِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَيَشْعُرُونَ}[إبراهيم:26].

الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخالنشر 14/12/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:05 PM
الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (1)



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أمابعد:

هذه بعض فوائد منتقاة من قصة الغلام مع الراهب وأولئكالنفر الذين آمنوا بالله، وأبوا إلا التمسك بدين الله، والبقاء على ما عرفوا منالحق، فكان أن حفرت لَهم الأخاديد، وأضرمت فيها النيران، فمن أبى إلا الثبات علىالحق في سبيل الله تعالَى، أمر الملك بإلقائه في الأخاديد، عقاباً له ولًمن لَميرجع عن دينه، ويؤمن بتعاليم الساحر ويدخل في دين الملك.

فوائد من قصص أصحاب الأخدود

روى مسلم (3005) في صحيحه قال: حدثنا هداب بن خالد،حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن صهيب، أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم قال: »كان ملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قالللملك: إني قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه، فكانفي طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مربالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيتالساحر» فقل حبسني أهلي، [وإذا أتى أهله ضربوه وقالوا ما حبسك]، وإذا خشيت أهلك» فقل حبسني الساحر، فبينما هو كذلك، إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقالاليوم أعلم آلساحر أفضل أم [أمر] الراهب أفضل [أحب إلى الله]؟ فأخذ حجراً فقال: اللهم ! إن كان أمر الراهب أحب إليك [وأرضى لك] من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابةحتى يَمضي الناس، فرماها، فقتلها، ومضى الناس، فأتى الراهب، فأخبره، فقال له: الراهب أَي بُنَي أنت اليوم أفضل منًي، قد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستبتلى، فإنابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس من سائرالأدواء، فسمع جليس للملك كان قد عمي، فأتاه بًهدايا كثيرة، فقال: ما ههنا لك أجمعإن أنت شفيتني، فقال: إني لا أشفي أحداً إًنَّما يشفي الله، فإن أنت آمنت باللهدعوت الله فشفاك، فآمن بالله، فشفاه الله، فأتى الملك، فجلس إليه كما كان يجلس،فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟قال: رَبًّي قال: ولك رب غيري ؟! قال: رَبًّي وربكالله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أَيْبُنَي قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل، فقال: إًنًّي لا أشفيأحداً إًنَّما يشفي الله، فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب،فقيل له: ارجع عن دينك، فأَبَى، فدعا بالمئشار، فوضع المئشار على مفرق رأسه فشقه،حتى وقع شقاه، ثُم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأَبَى، فوضع المئشارفي مفرق رأسه فشقه به، حتى وقع شقاه، ثُم جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك،فَأَبَى، فدفعه إلى نفر من أصحابه، فقال: اذهبوا به إلى جبل كذا وكذا، فاصعدوا بهالجبل، فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه، وإلا فاطرحوه، فذهبوا به فصعدوا بهالجبل، فقال: اللهم! اكفنيهم بَما شئت، فرجف بًهم الجبل، فسقطوا، وجاء يَمشي إلىالملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك ؟! قال كفانيهم الله، فدفعه إلى نفر منأصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه في قرقور، فتوسطوا به البحر، فإن رجع عن دينهوإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم! اكفنيهم بًما شئت، فانكفأت بًهم السفينة،فغرقوا، وجاء يَمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟! قال: كفانيهم الله،فقال للملك: إنك لست بقاتلي» حتى تفعل ما آمرك به، قال: وما هو؟قال: تجمع الناس فيصعيد واحد، وتصلبني على جذع، ثُم خذ سهما من كنانتي، ثُم ضع السهم في كبد القوس،ثُم قل: باسم الله رب الغلام، ثُم ارمني، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس فيصعيد واحد، وصلبه على جذع، ثُم أخذ سهما من كنانته، ثُم وضع السهم في كبد القوس،ثُم قال: باسم الله رب الغلام، ثُم رماه، فوقع السهم في صدغه، فوضع يده في صدغه فيموضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام،فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمربالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال: من لَم يرجع عن دينه، فأحموهفيها أو قيل له اقتحم ففعلوا، حتى جاءت امرأة ومعها صبي لَها، فتقاعست أن تقع فيها،فقال لَها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق«. وأحمد في المسند (6/16)، والنسائيفي السنن الكبرى (6/510) من طريق عفان بن مسلم.

الحديث من أفراد مسلم

انفرد مسلم بإخراج الحديث في كتابه »الصحيح«، ولميخرجه البخاري في »الجامع الصحيح«، وقد صنفت كتب في هذا الفن تذكر أفراد البخاريعلى »صحيح مسلم«، وأفراد مسلم على »صحيح البخاري«، ولنا كتاب في هذا الباب يسر اللهإخراجه.

رجال الإسناد

ـ1 هداب بن خالد: هو هدبة بن خالد بن الأسود بن هدبةالقيسي البصري، روى له الشيخان.

ـ2 حماد بن سلمة: هو حماد بن سلمة بن دينارالبصري، من رجال مسلم، وروى له البخاري تعليقا، وحماد بن سلمة» أعلم الناس بحديثحميد الطويل، وقيل: حماد أعلم الناس بثابت، وهذا الحديث من روايته عنه، وفي طبقتهحماد بن زيد بن درهم البصري، من رجال الشيخين.

ـ3 ثابت: هو ثابت بن أسلمالبُنَانًي البصري، من رجال الشيخين.

ـ4 عبد الرحمن بن أبي ليلى: المدني ثُمالكوفي، من رجال الشيخين.

ـ5 صهيب بن سنان أبو يحيى مات بالمدينة، وروايتهفي صحيح مسلم.

لطائف في الإسناد

ـ1 الحديث مدني، ثم أصبح كوفيا، وبعد ذلك حملهالبصريون عن ابن أبي ليلى الكوفي القادم من المدينة، حتى سَمًعه مسلم بن الحجاج منشيخه هداب بن خالد البصري. وتوفي أبو يحيى صهيب الرومي في المدينة سنة ثمان وثلاثينولَم يغادرها، وقد بدأ الحديث حجازيا، وانتهى عراقيا بين الكوفة والبصرة.

ـ2رجال الحديث: مدني، ومدني كوفي، وثلاثة بصريين.

ـ3 ليس لصهيب رضي الله عنهرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري، وانفرد مسلم بذلك.

ـ4هداب أوهدبة بن خالد البصري، شيخ لصاحبي الصحيح محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بنالحجاج.

ـ5 في الإسناد التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع، وفيه عنعنة فيموضعين.

ـ6 وفيه رواية تابعي (ثابت البناني)، عن تابعي (عبد الرحمن بن أبيليلى).

وفي أعداد قادمة بإذن الله سيكون لنا وقفات وكلام على المتن وما فيهمن فوائد، وأخيراً الحمد لله على فضله وكرمه وإحسانه.

الدكتـور عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر: الاثنين 30/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:06 PM
الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (2)



د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،أما بعد:

نكمل ما بدأناه من ذكر الفوائد والفرائد العزيزة من قصة الغلاموالملك و الساحر والراهب التي أخبر بها النبي صلى الله علبه وسلمأصحابه.

فوائد من متن الحديث:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كانملك فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر».

1- وفي هذا إشارة ودليل على تناول القصصوالأمثال في الدعوة إلى الله، قال الله تعالى: (وَتًلْكَ الأمْثَالُ نَضْرًبُهَالًلنَّاسً وَمَا يَعْقًلُهَا إًلا الْعَالًمُونَ) [العنكبوت:43]، وقال تعالى: (وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لًلنَّاسً فًي هَذَا الْقُرْآَنً مًنْ كُلًّ مَثَليلَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [الزمر: 27]، وفي قوله: (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ)» أي: أن في الأمثال ما يُقَرّب المعاني للقول والأذهان، كما في قوله تعالى: (ضَرَبَلَكُمْ مَثَلا مًنْ أَنْفُسًكُمْ) [الروم: 28] أي: تعلمونه من أنفسكم.

القصصوالأمثال تقرير للتوحيد

2- وهذا القصص إًنّما يُذْكَرُ وسيلةً لعبادة اللهوحدة لا شريك له، قال تعالى:(فَاقْصُصً الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الأعراف: 176]، وقال تعالى: (وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) [ إبراهيم: 46]،ونذكر أمثلته من كلام الله: قال تعالى: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنًأَحَدُهُمَا أَبْكَم لاَ يَقْدًرُ عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلاَهُأَيْنَمَا يُوَجًّهْهُ لاَ يَأْتً بًخَيْري هَلْ يَسْتَوًي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُبًالْعَدْلً وَهُوَ عَلَى صًرَاط مُسْتَقًيم) [النحل: 76]، وقال تعالى: (ضَرَبَاللَّهُ مَثَلا رَجُلا فًيهً شُرَكَاءُ مُتَشَاكًسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لًرَجُلهَلْ يَسْتَوًيَانً مَثَلا الْحَمْدُ لًلَّهً بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [ الزمر: 29].

(هَلْ يَسْتَوًيَانً مَثَلا)

هذا المثل ضربه الله عز وجل للكافر والمشرك الذي يعبدآلًهة شتى، في حالة مشابهة للعبد المملوك لجماعة مختلفين، متشاكسين فيه لا اتفاقبينهم على شيء، فتستحيل طاعة المختلفين وتلبية رغبات الجميع. والمؤمن الذي لا يعبدإلا الله وحده، فهو أشبه بالعبد المملوك لرجل واحد، وقوله: (هَلْ يَسْتَوًيَانًمَثَلا) استفهام إنكاري، أي: لا يستويان، ثُم قال: (الْحَمْدُ لًلَّهً) أي: وللهوحده يُصرفُ الحمدُ كُلُّه لا يشاركه إله آخر من الآلًهة أوالمعبودات.

أنواع القصص والقصاص والوعاظ

ذكر القصص والأمثال في مجالس الذكر وبيان التشريعللناس على أنواع:

أولا: قصص لبيان التوحيد والدعوة إليه

قصص يتعرض لمسائل التوحيد والاعتقاد، ويدعو إًلَىالغاية التي لأجلها خلق الله عباده، وبعثَ الرسل للدعوة إلى ذلك، وأنزل الكتب لبياندينه وتوضيح شريعته، قال تعالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلالًيَعْبُدُونً) [الذاريات: 56]، والقرآن إًمَّا خَبَر أو إنشاء وطلب، وكل ما ذُكًرَفيه دائر على معنى التوحيد، وكيف يتحقق، وجزاء الموحدين في الدنيا والآخرة، وذكرجزاء المشركين، والواجب أن تكون الدعوة والمنهج والطريقة على هذا المنوال ولا تخالفذلك السبيل تبياناً لدين الله عز وجل وأما غير ذلك من السبل والدعوات فلا قيمة له،عندما خالف الصواب.

ثانيا: قصص لامتاع السامعين، لا يحذر من شرك أومشركين

وقصص لا نفع فيه، اشتهر به كثير من القصاص والوعاظ فيكل زمان ومكان، مادته التسلية والإمتاع، والمسابقة إلَى لفت انتباه السامعين، منذكري للنادر من الأقوال، والشاذ من الأفعال، والمهارة في سرقة أوقات الناس بالقصصالمختلق، دون تقديْم أدنى فائدة تعزز مسائل التوحيد الاعتقاد في نفوس العباد،وعمدتها ومادتها، أمثلة وكلام للقصاص يضفي عليها صاحب القصة شيئا من زخرفً القول،وتلاعبي ببعض المفردات والألفاظ، وهذه ملكة وأسلوب وطريقة للقصاص بعيدة عن أسلوبومنهج القرآن، فلا يلتفت القصاص إًلَى النصوص الشرعية، فلا يحسنون هذه البضاعةالثمينة، والله تعالى يقول: (فَذَكًّرْ بًالْقُرْآَنً مَنْ يَخَافُ وَعًيدً) [ق: 45]، وقال تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشًّعْرَ وَمَا يَنْبَغًي لَهُ إًنْ هُوَإًلا ذًكْر وَقُرْآَن مُبًين لًيُنْذًرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحًقَّ الْقَوْلُعَلَى الْكَافًرًينَ) [يس: 69-70]، والخير كله في كتاب الله، وفيه نجاة المؤمنينوفكاك الموحدين.

ثالثاً: قصص يدعو إلى الشرك

وقصص خلاف ذلك، لا علاقة له بتوحيد الله، ودعوةالأنبياء والمرسلين، قائم على هدم التوحيد وتعظيم للشرك، والقصص والأمثال، عندهؤلاء تقوم على ذكر خلق الأحداث الزائفة والمكذوبة، لًجعل النفع والضر بيد بعضالمخلوقات، وأن من الناس من يَملك جلب النفع، ودفع الضر، فيلجأ الجهال إليه، طلباللسعادة والنجاة والشفاء والعياذ بالله.

قول النبي صلى الله عليه: «كان ملكفيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إًنًّي قد كبرت، فابعث إًلَيَّغلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه».

[ملك وليس ملكة!]

قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم»:

(1) منذ القدموحياة الناس وقيام الدول والممالك، لا تنتظم إلا بوجود رئيس على هذه الممالكوالدول، فوجدوا بالتجربة أن المصالح مرتبطة بالالتفاف حول ملك للمملكة أو رئيسللدولة، وإلا لعم الخراب الديار، ودمرت الفوضى حياة الناس ودنياهم.

(2) يلاحظ أنه لَم يكن سعيي من دعاة الإصلاح إلى الاستيلاء على سلطة الملك، ولكن كانالسعي إلى إصلاح الملك وسكان المملكة، كما سيأتي بيانه في القصة، فالخروج ضياعلمصالح المجتمعات.

طائر ينتقد الحكم وينكر الشرك

وقال:«كان ملك»، ولَم يقل كانت ملكة، للتنبيه على أصلوهو أن قيادة الامم والممالك والدول في يد الرجال دون غيرهم، وهذا الأصل أن الناستنقاد لقيادة الرجال، ومخالفته خروج عن المألوف وما عليه الناس، وهذا سبب إنكارالطير (هدهد سليمان) الذي كان في مملكة يقودها ملك، فأنكر على مملكة سبأ منمشاهداته أمران: قال تعالى: (وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لًيَ لاَ أَرَىالْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مًنَ الْغَائًبًينَ لأُعَذًّبَنَّهُ عَذَابًا شَدًيدًا أَوْلأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتًيَنًّي بًسُلْطَان مُبًين فَمَكَثَ غَيْرَ بَعًيدفَقَالَ أَحَطتُ بًمَا لَمْ تُحًطْ بًهً وَجًئْتُكَ مًنْ سَبَإ بًنَبَإ يَقًينيإًنًّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلًكُهُمْ وَأُوتًيَتْ مًنْ كُلًّ شَيْء وَلَهَاعَرْشي عَظًيم وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لًلشَّمْسً مًنْ دُونً اللَّهًوَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنً السَّبًيلً فَهُمْلاَ يَهْتَدُونَ) [ النمل: 20 - 24]،

(1) أنكر حكم المرأة للدولة - يإًنًّيوَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلًكُهُمْ - (2) وأنكر وجود الشرك في المملكة وجد الناسيعبدون غير الله، فلا يعبد الله وحده، (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَلًلشَّمْسً مًنْ دُونً اللَّهً وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُأَعْمَالَهُمْ).

المـلك ونظـام الساحر

ملك في مملكة وله ساحر هو مستشاره المقرب في أمورمملكته، وهذا الساحر هو رمز القانون ومرجع إدارة شؤون ملكه، والدليل حاجته له، «وكان له ساحر»، وحرصه على استمرار علمه وتوارث تعاليمه، «إًنًّي قد كبرت، فابعثإًلَيَّ غلاما أعلمه السحر»، ولذا استجاب الملك له فهو الملجأ، ورجل المهمات الصعبةوحامل لواء العلم الوضعي: «فبعث إليه غلاما يعلمه»، وهذا دليل على عظم شأنه،ومكانته العالية في ملكه، وأهميته قانونه الذي طلب ألا ينقل إلا إلى غلام فطن ذكي. فقال: «غلاما أعلمه السحر». السحر يعلم ويدرس ولأهميته فضل أن يكون غلاما صغيرافطنا حتى يستوعب ويحفظ ما يتعلمه على يد الساحر الذي خشي بعد كبر سنه على الهلاكوينتهي هذا العلم من الملكة، فتخسر أحد علمائها وأعيانها، وتفقد أحد مواردهاالمهمة، وتفقد شيئا من دستورها ونظامها.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا السَّاحًرُ) !

وجرىالأمر في الأمم السابقة أنهم كانوا يسمون العلماء سحرة، ويعظمون السحرة، ويقربونهم،ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَا السَّاحًرُ) [الزخرف:49]»أي: يا أيها العالم! الكاملالحاذق، وإنما قالوا هذا توقيرًا وتعظيمًا له، لأن السحر عندهم كان علمًا عظيمًاوصفة ممدوحة، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم.

الساحر رمز الظواهـر السلبية

والصواب والحق أن الساحر رمز للباطل في كل دولة،وعلامة على الظواهر المنكرة في كل مكان، ولقد استعان بهذا الباطل فرعون لمواجهةدعوة نبيه موسى عليه السلام، والوقوف في وجه الحق، قال تعالى: (وَجَاءَ السَّحَرَةُفًرْعَوْنَ قَالُوا إًنَّ لَنَا لأَجْرًا إًنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالًبًينَ قَالَنَعَمْ وَإًنَّكُمْ لَمًنَ الْمُقَرَّبًينَ) [الأعراف: 113-114]، والسحر منكر وباطلوالساحر على باطل بالأدلة القطعية قال تعالى: (وَلا يُفْلًحُ السَّاحًرُ حَيْثُأَتَى) [طه:69]، وقال تعال:(قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لًلْحَقًّ لَمَّا جَاءَكُمْأَسًحْري هَذَا وَلاَ يُفْلًحُ السَّاحًرُونَ) [يونس:77]، وقال تعالى: (فَأُلْقًيَالسَّحَرَةُ سَاجًدًينَ قَالُوا آَمَنَّا بًرَبًّ الْعَالَمًينَ رَبًّ مُوسَىوَهَارُونَ) [الشعراء:46-48]، وتتمة الفوائد في أعداد قادمة بإذن الله والحمد للهعلى توفيقه.

تاريخ النشر: الاثنين 7/7/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:07 PM
الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (3)



د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،أما بعد:

ما زلنا مع قصة الغلام والساحر والراهب في دولة الملك، فقال النبيصلى الله عليه وسلم: »كان ملكي فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه« وقد بينافيما سبق أن السحر كان علما في الأمم السابقة، ولذا قال تعالى: (يَا أَيُّهَاالسَّاحًرُ) [الزخرف:49]» أي: يا أيها العالًم! الكامل الحاذق، وذكر ذلك على وجهالتوقير والتعظيم له، لأن السحر عندهم كان علمًا وصفة ممدوحة، ولَم يكن السحر صفةذم عندهم، وهذا ظاهر في قوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر«.

ومن الفوائد من هذا الحديث:

(العلم... وحاجة التعلم إلى الأستاذ والشيخ)

فيقوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه السحر، فبعث إليه غلاما يعلمه«، إشارة إلىالتعليم ودليل لأهمية العلم، وإن كانت العلوم على أنواع وفنون مختلفة، وتنقسم منحيث النفع والضر الى قسمين الأول منها: علوم خير، تعم بنفعها العباد والجماد،الثاني: علوم شر ضررها يبلغ الآفاق.

وقوله: »فابعث إًلَيَّ غلاما أعلمه«:

1ـ توجيهوإرشاد إلى حاجة العلم وتبليغه إلى أستاذ ومعلم حاذق، وإلا لاكتفى الساحر بإرسالكتبه إليه، وطلب منه مذاكرتها، والاستعانة بها، وحفظها، وهذا ليس بكاف لضبط العلم،والتمكن منه، وتحصيل فوائده.

2ـ وفي ذلك شرف وميزة لأهل العلم، فالعلم يؤخذمن أهله، وكل فن يستعان بأستاذه الذي برع فيه وأجاده، فأهل كل فن أدرىبفنهم.

(العلم في الصغر كالنقش على الحجر)

3ـ ويستفاد من قوله: »غلاما أعلمه«، أن طلب العلم فيالصغر حفظ للعلم، وقد قيل: حفظ الغلام الصغير كالنقش في الحجر، وحفظ الرجل بعد مايكبر كالكتابة على الماء.

وقيل شعرا:

أراني أنسى ما تعلمت فيالكـبر

ولست بناس ما تعلمت في الصغر

ومـا العلم إلا بالتعلم فيالصبا

ومـا الحلم إلا بالتحلم في الكبر

ولو فلق القلب المعلم فيالصبـا

لألفى فيه العلم كالنقش في الحجر

(المؤسسة التعليمية بين الساحروالراهب)

وفي قوله: »فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليهوَسَمع كلامه، فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحرضربه، فشكا ذلك إلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر فقل حبسني أهلي، [ وإذا أتى أهلهضربوه وقالوا ما حبسك]، وإذا خشيت أهلك، فقل حبسني الساحر«.

قوله: »فكان فيطريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه«، هذا ذكاء من الغلام في مرحلةالتعليم، فلم يقبل أن يكون عقله محتكرا لجهة معينة، ولم يستسلم لمعلم أو أستاذبعينه، وهذا الذي جعله يقف على معلم آخر، وهو الراهب، ولَم ينفر منه أو يخافه: »فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه«، وبدأ بالاستفادة والتعلم من الجهتين وعقدالمقارنة بين المعلمين والأستاذين، والفريقين. وعُلًم من القصة أن في دولة الملكمؤسستين تعليميتين:

(1) المؤسسة التعليمية للساحر، وهي جهة تنشر العلومالضارة والمفسدة للأذهان والعقول، وهي المؤسسة التي تمثل السياسة التعليمية فيالدولة، فتأخذ قوة الانتشار، وإلزام الناس بًها من الملك.

(2) والمؤسسةالتعليمية للراهب، وهي الجهة التي تنشر العلم النافع، وتنبه على العلوم الضارة ومافيها من الشر، وغيرها من العلوم مًما يكون سببا في تحريف للعقائد والعبادات وفسادلمعاملات الناس.

(لا تقلّد أحدا، ولا تسلم عقلك لكلمعلم)

إن الغلام لَم يستسلم لمعلم واحد، ولَم يحصر عقله فيمصدر واحد، وهو المتمثل بالساحر، ولذلك لا نراه امتثل لأمر الملك في مسألة التعليم،وكان على درجة عالية من الذكاء والتوفيق، جعلته يطلق العنان لعقله، ويمنحه حريةمطلقة في التنويع بحثاً عن المعلم البارع، والموجه الصالح، أملاً في الوصول إلىالحقيقة المفقودة والسعادة المنشودة.

(الجرأة في نقد الانحراف والاعوجاج)

وليعلم الجميع أن ما نراه من تفرق واختلاف بين الناس،وتأسيسي المذاهب العقدية المختلفة، وظهور المدارس الفقهية والتعصب المذهبي للأئمةوالعلماء، ما كان ليحدث إلا بسبب حصر العقول في مصدر محدود، والتعصب لطريقة أو حزبأو شيخ أو أستاذ بعينه، ولو أن كل أحد ضبط عقله وهواه وفق الكتاب والسنة، ومنح عقلهالبحث والتدبر والنقد معتمداً على الكتاب والسنة،ي وهي الأصول المعصومة التي لاتقبل خلافاً، وجعل كل غير معصوم لا يسلم من الزلل، ويقع في الخطل الخلل، عرضةللاستدراك على كل خطأ يقع منه، والتعقب على ما يلاحظ من خلل، وكذلك يصبح متجردايملك الجرأة في نقد الانحراف والاعوجاج عن الصراط المستقيم، ورد كل أمر جاء علىخلاف الكتاب والسنة، وروى البخاري (2697) ومسلم (1718) في صحيحيها من حديث عائشةرضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »مَنْ أَحْدَث في أَمرًناهذا ما ليس فيه فهو رَدّي«، وفي روايةي لًمسلم فًي صحيحه (1718): »من عمل عملاً ليسعليه أمْرُنا فهو رَدّ«.

وقال تعالى: *وَلاَ تَتَّبًعُوا أَهْوَاءَ قَوْميقَدْ ضَلُّوا مًنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثًيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءً السَّبًيلً* [المائدة: 77]، وقال تعالى: *اتَّبًعُوا مَا أُنْزًلَ إًلَيْكُمْ مًنْ رَبًّكُمْوَلاَ تَتَّبًعُوا مًنْ دُونًهً أَوْلًيَاءَ قَلًيلا مَا تَذَكَّرُونَ * [الأعراف: 3]، وقال تعالى: *وَكَذَلًكَ مَا أَرْسَلْنَا مًنْ قَبْلًكَ فًي قَرْيَةي مًنْنَذًير إًلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إًنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّة وَإًنَّاعَلَى آَثَارًهًمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جًئْتُكُمْ بًأَهْدَى مًمَّاوَجَدْتُمْ عَلَيْهً آَبَاءَكُمْ قَالُوا إًنَّا بًمَا أُرْسًلْتُمْ بًهًكَافًرُونَ* [الزخرف:23ـ24].

(براءة الشيطان ورائد الانحراف منأتباعه)

عندما لا تعرف قيمة نعمة العقل، وتقوم بإهدائه إلىغيرك من الناس سيفعل به ما يشاء، تارة يورده مهالك المشارق، وتارة يذهب به إلىظلمات المغارب، ولا غرابة إن وجدته يحصد لك الشر من كل واد وانظر إلى الشيطان كيفتبرأ من كل أحدي جعله وكيلا على عقله، كما جاء في قول الله تعالى: *وَقَالَالشَّيْطَانُ لَمَّا قُضًيَ الأَمْرُ إًنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقًّوَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لًيَ عَلَيْكُمْ مًنْ سُلْطَانإًلاأَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لًي فَلاَ تَلُومُونًي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْمَا أَنَا بًمُصْرًخًكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بًمُصْرًخًيَّ إًنًّي كَفَرْتُ بًمَاأَشْرَكْتُمُونً مًنْ قَبْلُ إًنَّ الظَّالًمًينَ لَهُمْ عَذَاب أَلًيم * [ابراهيم:22]،

(براءة المتبوع من التابع)

وتمعن كذلك في الذين اتبعوا الشيطان وكانوا رؤوساًودعاة للضلال كيف يتبرؤون من أتباعهم، الذين قلدهم وأعطوهم نعمة العقل كي يفعلوا بهما يشاءون ثقة بهم كما يزعمون، قال تعالى: *إًذْ تَبَرَّأَ الَّذًينَ اتُّبًعُوامًنَ الَّذًينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بًهًمُ الْأَسْبَابُوَقَالَ الَّذًينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مًنْهُمْكَمَا تَبَرَّءُوا مًنَّا كَذَلًكَ يُرًيهًمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتعَلَيْهًمْ وَمَا هُمْ بًخَارًجًينَ مًنَ النَّارً* [البقرة: 166ـ167]، وقال تعالى: *وَلَوْ تَرَى إًذً الظَّالًمُونَ مَوْقُوفُونَ عًنْدَ رَبًّهًمْ يَرْجًعُبَعْضُهُمْ إًلَى بَعْض الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذًينَ اسْتُضْعًفُوا لًلَّذًينَاسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمًنًينَ قَالَ الَّذًينَاسْتَكْبَرُوا لًلَّذًينَ اسْتُضْعًفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنً الْهُدَىبَعْدَ إًذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرًمًينَ وَقَالَ الَّذًينَ اسْتُضْعًفُوالًلَّذًينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلً وَالنَّهَارً إًذْ تَأْمُرُونَنَاأَنْ نَكْفُرَ بًاللَّهً وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا* [سبأ :31ـ33]

وإلى أننلتقي مع فوائد أخرى من حديث صهيب في مسلم والحمد لله على نعمة العلوم النافعة،وعصمنا الله وإياكم من كل علم لا يأتي بخير.

تاريخ النشر: الاثنين 21/7/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:09 PM
الخلاف على تربية الغلام بين الساحر والراهب (4)



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

قوله: «فكان في طريقه إذا سلك راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه،فأعجبه، فكان إذا أتى الساحر مر بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلكإلى الراهب، فقال: إذا خشيت الساحر» فقل حبسني أهلي، [وإذا أتى أهله ضربوه وقالواما حبسك ]، وإذا خشيت أهلك» فقل حبسني الساحر».

الراهب هو رمز الصلاح في البلاد

يمثل الراهب مادة الخير والثَّمرة الطيبة من نتاجالشجرة الطيبة:

(1) كان الراهب عنواناً لآثار الصحبة الصالحة وتأثيرالمصلحين في الفرد والمجتمع.

(2) وإن مجالسة أهل العلم والفضل لا تأتي إلابخير، وأخذ العلوم عنهم لهو من المصالح العظيمة، ومن ذلك ما كان كفيلا بتحول كثيرمن الناس من دين الملك» إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

(3) الراهب يقومبدور حكيم، وهو تطهير المجتمع من الظواهر السلبية بكل حكمة وهدوء، قال الله تعالى: (ادْعُ إًلَى سَبًيلً رَبًّكَ بًالْحًكْمَةً وَالْمَوْعًظَةً الْحَسَنَةًوَجَادًلْهُمْ بًالَّتًي هًيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]. فدعا إًلَى الفضائل وأعلاهاتوحيد رب العالمين، وهو أهمها على الإطلاق، ودعا إلى مكارم الأخلاق، وتعوذ منمنكرات الأخلاق، وقد روى الترمذي فًي سننه (3591)، وابن حبان في صحيحه (3/240)،وَالْحاكم فًي مستدركه (1/714) بسند صحيح من طريق زياد بن عًلاقة عن عمه ـ قُطْبةبن مالك ـ رضي الله عنه قال: كان النبًي صلى الله عليه وسلم يقول: «اللَّهُمَّإًنًّي أَعُوذ بك من مُنكرات الأخلاق، والأعمال، والأهواءً». وفي رواية ابن حبانوالحاكم: «اللهم جنبني منكرات الأخلاق».

الراهب والغلام والصحبة الصالحة

من الفوائد الذهبية في هذا الحديث» الأثر العظيمللصحبة الصالحة ومخالطة الصالحين وحملة الخير...

يلاحظ بوضوح في هذا الحديثأثر الأصحاب والجلساء والخلان على المرء» تأثيراً يبلغ تبديل الاعتقاد، وتغييرالطريقة، وتشكيل السلوك، ونذكر هنا ما رواه أبو داود (4833)، والترمذي في السنن (2378)، وأحمد في المسند (2/ 303، 334) بإسناد حسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»،وروى ابن أبي شيبة في المصنف (8/401) وعبد الرزاق في المصنف (4/307) بإسناد صحيح عنعبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ( اعتبرواً الناس بأخدانًهم )، وقال الخطابيفي كتاب العزلة (ص/46): قوله: «المرء على دين خليله»، معناه لا تخالل إلا من رضيتدينه وأمانته، فإنك إذا خاللته قادك إلى دينه ومذهبه. ا.هـ وقال أبو عبد الرحمنالسلمي في آداب الصحبة (ص/42): كل إنسان على دين أصحابه، فإذا أراد الله بعبد منعبيده خيراً» وفقه لمعاشرة أهل السنة، وأهل الستر والصلاح والدين، ويرده عن صحبةأهل الهوى والبدع والمخالفين. ا.هـ

ويؤيده أيضا ما رواه البخاري (5534)،ومسلم (2628) في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى اللهعليه وسلم قال: «إًنَّما مثل الجليس الصالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونافخالكير» فحامل المسك» إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة،ونافخ الكير» إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة».

الجليس الصالح وأثره في الغلام

فالراهب مثال الجليس الصالح، ومعلم الخير، يحمل دعوةالحق ويدعو إليها، والساحر مثال للجليس السوء، ومعلم الشر، كدعاة الباطل والأهواءوالبدع فكل ما يحملونه شر وضلال.

وكان من النعمة على الغلام أن وفقه اللهلًهذا الراهب: «فكان في طريقه راهب، فقعد إليه وَسَمع كلامه، فأعجبه»، وروى مسلم (2638) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلمقال: «الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف». وروىاللالكائي في اعتقاد أهل السنة (1/138) بسنده: عن الفضيل بن عياض يقول: الأرواحجنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف، ولا يمكن أن يكون صاحبسنة يُمالئ صاحب بدعة إلا من النفاق. وروى اللالكائي في اعتقاد أهل السنة (1/60) بسنده:

ـ عن أيوب قال: إن من سعادة الحدث والأعجمي أن يوفقهما الله لعالًممن أهل السنة.

ـ وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نسك أنيواخي صاحب سنة يحمله عليها.

ـ وعن سعيد بن شبيب قال: سَمعت يوسف بن أسباطيقول: كان أَبًي قدرياً وأَخْوالًي روافـ... فأنقذني الله بسفيان.

الساحر هو أحد رموز الفساد في البلاد

القائلون على بلاط الملك يبحثون عن طريقة تساعد فياستمرار مادة الفساد» وكل أنواع المظاهر السلبية، والأشكال الردية، فاهتدوا إلى نقلتقنية الإفساد ودستوره الممثلة بعلم الساحر إلى أحد الأذكياء، وسريعي التَّعَلُّمًبعدما أشرف الكاهن على الْهلاك لكبر سنه، من أجل أن يظل فساده مستمرا من بعده فيالبلاد، ويعم شره العباد:

1ـ دولة الملك فيها المعروف والخير والظواهرالإيجابية، وفيها المنكر والشر والظواهر السلبية، فالمعروف والظواهر الإيجابيةيمثلها الراهب، والمنكر والظواهر السلبية يمثلها الساحر.

2ـ والعلم علمان» علم فيه خير ونفع للناس، وعلوم ضارة للخلق كعلوم السحر وغيره.

3ـ يجب الحذرمن أصحاب السوء» كأهل البدع والأهواء، والعمل على مفارقتهم، مفارقة بالأبدانوالأذهان، والبحث عن أصحاب الصلاح والهدى، فخير الأصحاب من سعى في نفع صاحبه ودلهعلى طريق النور وسنن الهدى، فقد روى أحمد في المسند (2/167)، والترمذي في سننه (1944) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عندالله خيرهم لجاره».

لا تغتر بكثرة الفساد وأهله

4ـ إن للفساد أنصاراً وأتباعاً فلا تغتر بكثرة الفسادوظهور أهله، ولا يصرفنك عن الحق وجود من هو عليه، أو يؤمن به ويصدقه، واعلم أن اللهلا يحب الفساد وأهله، قال تعالى: (وَاللَّهُ لاَ يُحًبُّ الْفَسَادَ) [البقرة: 205]، وقال تعالى: (وَأَحْسًنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إًلَيْكَ وَلاَ تَبْغًالْفَسَادَ فًي الأَرْضً إًنَّ اللَّهَ لاَ يُحًبُّ الْمُفْسًدًينَ) [القصص: 77]، وفي الآية نهى الله تبارك وتعالى عن طريق أهل الفساد كما في قوله: (وَلاَ تَتَّبًعْسَبًيلَ الْمُفْسًدًينَ) [الأعراف: 142].

اللهم جنبنا سبيل المفسدين واجعلناوإياكم من المصلحين والحمد لله رب العلمين.

تاريخ النشر: الاثنين 4/8/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:11 PM
«السـلفية» وتشـويه العـابثين



الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوانإلا على الظالمين؛ أما بعد:

لَم يستطع أحد، أن يقتلع الإسلام من جذوره، - ولن يستطيعوا - عندما كانت المواجهة صريحة للقضاء عليه، فلم يكن لَهم ما أرادواعندما قاموا بِإعلان معاداة دين الإسلام ومحاربته اسماً ورسماً جهاراً، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ الاأَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُونَ هُوَ الذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُبِالهُدَى وَدِينِ الحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَالمُشْرِكُونَ}[التوبة32-33]. ولذا سأتكلم على الدور الذي يُمارسه بعض من يدعيالسلفية، وهو يقوم على تشويه السلفية ودين الإسلام.

السلفية هي الإسلام... والإسلام هوالسلفية

الإسلام هو الإسلام؛ فلا يُعرفُ الإسلام بالإسلام الجهاديِّ، ولايوصف بالإسلام العلمي، فهو سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلا يزيغ عن هذا الطريقإلا هالك، وإن السلفية هي الإسلام، والإسلام وهو الدين والإيمان والعبودية لله،فأعلاها وأفضلها وأرفعها؛ لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، فقد روىالبخاري(9) ومسلم(35) في «صحيحيهما» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لااله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». وفيروايةٍ لأحمد في«المسند» (2/379) بإسناد صحيح: «الإيمان أربعة وستون بابا؛ أرفعهاوأعلاها قول لا اله الا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».

السلفية شعار الاعتقاد السليم والعمل الصحيح

إنالسلفية اسم عام يشمل كل اعتقاد وعمل؛ عبادة ومعاملة وأخلاق وسلوك؛ ولقد كانالقدوةُ والسلفُ في هذا الأمرِ كلِّهِ؛ هو صاحب الرسالة، وحامل الوحي؛ النبي صلىالله عليه وسلم، وأصحابه الكرام الذين نصروا دعوته، واقتدوا بهداه، ونشروا دينه،وبلغوا سُنَّته، ولم يَحيدوا عن أثره أو يُخالفوا أمره وروى أحمد في «المسند» (4/126)، وأبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وابن ماجه (44) في «السنن» ما صح منحديث العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منهاالعيون ووجلت منها القلوب قلنا: يا رسول الله! ان هذه لَموعظة مودع فماذا تعهدالينا؟ قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي الا هالك، ومنيعش منكم فسيرى اختلافا كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين،عَضوا عليها بالنواجذ». والسلفية شعار لأهل السنة ظهوراً وتميزاً عن كل مخالف،وليست من باب التزكية بل إعلان التمسك بالحق ومتابعة سبيل المؤمنين، فمن قال أناعلى السلفية أو أنا سلفي أو أنا على مذهب السلف لا ينكر عليه. قال شيخ الإسلام ابنتيمية في «مجموع الفتاوى» (4/149): الذي أراده والله أعلم فيقال له: لا عيب على منأظهر مذهب السلف، وانتسب إليه، واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق، فإنمذهب السلف لا يكون إلا حقا. اهـ.

ما خبر السلفية العلمية، والسلفية الجهادية، والسلفيةالقتالية؟!

قد بينا أن الإسلام لا يعرف بالإسلام العلمي، ولا يوصف بالإسلامالجهادي، ولا ينبغي أن يطلق عليه الإسلام الحركي؛ وهو اصطلاح المثقفين المعاصرين،وكذلك الحذر من تسميته بالإسلام السياسي، فإنه لَمزُ المعادين وقولُ المخالفين، قالتعالى: {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5]، وقالتعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} [العنكبوت: 68]،وقد ورد ذكر الإسلام في كتاب الله عز وجل في مواضع كثيرة مطلقاً من غير قيد، كما فيقوله تعالى: {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْنِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا} [المائدة: 3]. فإذا كان لا يصح أنيقال الإسلام العلمي؛ فلا يصح تركيب السلفية العلمية، ولا تقييدها بقيد، إلا إذاكان ما أرادوه معنى آخر!!، وإذا كان لا يقال الإسلام الجهادي (بلا قيد)، فلا يصحتركيب السلفية الحهادية، إلا إن أرادوا معنى مغايراً عن الإسلام، وإذا كان لا يصحالقول بالإسلام السياسي، فيصبح مفهوم السلفية السياسية مفهوماً يخالف مفهومالإسلام، هذا على التسليم إنهم موافقون لنا، ويذهبون الى أن الإسلام النقي؛ هوالسلفية، والسلفية الصافية؛ هي الإسلام.

ما حده الشرع وعَرَّفه مُنِعَ تجاوزه

إن ماذكره الشرع وعَرَّفه منع من تجاوزه، قال تعالى: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِوَالفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 169]،ومما تقدم نعرف:

(1) إن امتثال الإسلام مطلق من غير قيد.

(2) والإتباع مطلق من غير قيد.

(3) وأن السير على نَهج السلف مطلق بلا قيود.

(4) واصطلاح السلفية يطلق من غير قيود، والسلفية هي الإسلام في شموله الذيبُعث به سيد الأولين والآخرين رحمة من رب العالمين، وما ضل من ضل من الطوائفوالفرق، وما جرى من محن وفتن وويلات على أمة الإسلام، الا بسبب الانحراف عن عمومالإسلام، وانتزاع النصوص، وتجزئة الشرع والدين، فذهبت كل طائفة وفرقة بفهم وجزء منالشرع، وجعلته أصولاً ومرجعاً يرجع المريدون إليه والعمل عليه، ويتحاكم الخلق إليه،وهكذا!! فُهِمَتْ نصوص الشرع مفرقة دون جمع بينها، والله المستعان.

الفرق بين السلفية والسلفية العلمية (السياسة) أوالسلفية الجهادية

السلفية التي ذكرها أهل العلم واصطلحوا عليها؛ تعنيالإسلام بعمومه ورخصه وعزائمه، وتعني الدقة والجد في الاقتداء، والعمل بالنقل منالنصوص الشرعية، والآثار الصحيحة، وطرح الرأي والاستحسانات العقلية، فطريق النقلواحد من عند الله، وعقول البشر مختلفة وشتى، فهل يستويان مثلا، قال تعالى: {ضَرَبَاللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍهَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَيَعْلَمُونَ}[الزمر: 29]، لا يستوي التلقي من طريق واحد معصوم، والتلقي من جهاتمتفرقة غير مُحَصَّنة بالعصمةِ؛ قائمة على الاختلاف والتفاوت، وصدق الله تعالى: {الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}.

السلفية طريقة العلماء الأجلاء

فاعلم رحمك اللهأن هذه الأسماء المستحدثة من سلفية علمية (سياسية)، وسلفية قتالية (جهادية)، ماأنزل الله بِها من سلطان، فلا يغتر بِها إنسان من عوام المسلمين مِمن يُحسنون الظنبالسلفية وطريقة العلماء الأجلاء، ولا يضرنا ما أفسدته هذه الطرق والدعوات علىالناس في أمور الدين والدنيا، وذلك بالانتساب إليها، أو استغلالها لهذا الشعارالعظيم [السلفية] الذي يشق الأرض طولاً وعرضاً بنقائه وصفائه، معتقدين أنهم بهذاالتشويه صرف الناس عن الحق إلى الباطل الذي يدعون إليه، قال تعالى: {فَأَمَّاالزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِيالأَرْضِ}[الرعد: 17]، فالواجب علينا العمل بهمة عالية، والاقتداء بسلف الأمة في كلشؤون الحياة، والاهتمام بأمور الشرع، واتباع السنة في الصغير منها والكبير، وكماجاء باللفظ الشرعي «أعلاها وأدناها»، بلا قيود ومن غير حدود، إلا ما جاء الشرعببيان حده، وكشف عن ضوابطه وقواعده.

تقييد مفهوم السلفية تشويه لمعنى الإسلام

وماتلك الممارسات المنحرفة والجرائم البشعة وسفك الدماء المعصومة الا نوع من جنس أعمالالخوارج، بل الخوارج في أوج مذهبهم لَم يحصدوا ويفسدوا كما أفسد أولئك المعاصرون،ويشاهد العالم المسلم والكافر عبث هؤلاء الذين أوقعوا الأمة في ويلات وجروا علىالمسلمين الآمنين أذى علمه القاصي والداني ووصلوا الى درجة تشويه الإسلام وباسمالسلفية أيضاً.

إياك والسلفيات المزورة

إخواني رحمكم الله إنالانتساب الى الإسلام والسلفية، وكونه ما زال في دائرة الإسلام لا يمنحه ذلكالبراءة من أفعاله وجرائمه، ومعلومٌ أنه اتخذ شعار السلفية مستغلاً نقاء الاسموطهارته ليدرك جرائمه، وهذا التزوير لن يشفع له، فالسلفية منه براء، بل سلفهالخوارج والعابثون، فكيف وقد سَمَّى نفسه بالسلفية الجهادية (القتالية) قال تعالى: {ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ}[التوبة:30]، وأخذ يسفك بيديه دماء المسلمينالآمنين قال تعالى: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُالمَاكِرِينَ} [الأنفال: 30].

السلفية تعصم الدماء وتحفظ الحرمات

الا يوقف منيسمون أنفسهم بالسلفية الجهادية ويردعها النصوص الشرعية من الكتاب والسنة:

-1 قال تعالى:{مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِيالأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَاأَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا}[المائدة:32]

-2 وروى البخاري(1741) ومسلم (1679) في «صحيحيهما» من حديث أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم؛ عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، الاليبلغ الشاهد منكم الغائب».

-3 وروى البخاري (6862) في «صحيحه» من حديث ابنعمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن فيفسحة من دينه ما لم يصب دما حراما». ولذا قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في «صحيح البخاري» (6863): (إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها؛ سفكالدم الحرام بغير حله).

-4 وروى أبو داود في »سننه« (4882)، وابن ماجه في «سننه»(3933) وصح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: «كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقرأخاه المسلم». ولنا وقفات مع السلفيات المزورة كالسلفية العلمية الجناح السياسيالمنشق على أحد الجماعات العاملة في المجتمع.

ولله الحمد من قبل ومنبعد.

الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 2010/03/8

الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:13 PM
السًّترُ على الناسً من أخلاق المسلمين



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبًيَّ بعده: تَماسك الْمسلمينفًي العهد الْمدنًي يُعَدُّ صورة رائعةً، جعلت كُلَّ مَنْ حَولًهً يُفاجأُ بًهذهالظاهرةً الْجديدةً والفريدةً، وَيُحَرًّرُ العقولَ للنظر والتفكر فًي هذاالْمُجتمع الْجديد، راصداً عوامل تطوره ونَهضته السريعة، وباحثاً عن سببً الإقبالعليه، وهجرة الناس إليه من كُلًّ جهة وناحية، لقد استطاع النَّبًيُّ صَلَّى اللهُعليهً وَسلم فًي زَمَن وجيز، وفترة محدودة، أَنْ يُنْشًئ مُجتمعاً مثاليا صبورامتماسكا، لَم تؤثَّرُ فيه الضربات الْمتوالية للإعلام الْخارجي كـ(كفار مكة) وغيرهم، ولَم يَهُز بنيانه الإعلام الداخلي للْمنافقين، وأعوانًهم من يهودالْمدينة، الْمُناوئ لدعوة مُحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، الذي بلغ من شَراسَةًعَدائًهً» أَنْ تَكَلَّموا حتّى فًي عًرضً من نَزَلَ عليه الوحيُ النَّبًيًّ صلىالله عليه وسلم، وابتلي أهل بيته، وفي ذلك كان ذبُّ حسان رضي الله عنه، كما فيالبخاري(2661)، ومسلم (2770) في صحيحيهما من حديث عائشةَ رَضًيَ الله عنها، كانتتَكْره أن يُسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: فَإًنَّ أَبًي وَوَالًـدَهُوَعًرْضًـي ... لًعًرْضً مُحَمَّـدي مًنْكُمْ وًقَـاءُ ولكن الرسولَ صَلَّى اللهُعَليهً وسلم كان لا يلتفتُ إلَى الْمُرجفين والْمخذلين، ويَخرج معافَى من بعدً كلفتنة ومًحنة، حريصاً علَى تَماسك مُجتمعه، واستمرار ذلك البنيان» وكان يزرع فًينفوسً أصحابه التماسك والتراص والتحلي بالأخلاق الساميةً، عملا بقوله تعالَى: (يَاأَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُوا لًمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًاعًنْدَ اللَّهً أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إًنَّ اللَّهَ يُحًبُّ الَّذًينَيُقَاتًلُونَ فًي سَبًيلًهً صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَان مَرْصُوص )[الصف: 2-4]،وروى البخاري(2446)، ومسلم(2585) فًي صحيحيهما من حديث أَبًي مُوسَى رَضًيَ اللَّهُعَنْهُ، عن النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ قالَ: «الْمُؤمًنُلًلْمُؤمنً كالبُنيَانً يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا وَشَبَّكَ بَينَ أَصَابًعًهً» .

سًتْر العوراتً من أسرار تَماسكالْمُجتمع

إًنَّ مًنْ أَسْرارً تَماسكً الْمسلمين فًي فتراتًظهورهم على الناسً هو الأَخذُ بالْخصالً الْحميدةً والأَخلاقً الفاضلةً، ومنها سترعورات الناس، وعدم السعي للتَّجسس، والتَّشهيْرً، والكشف عما يسوءالْمسلمين.

تعريفُ السًّتْرً

الستر: تغطية الشيء، والستر والسترة: ما يستر به، قالالله -تعالَى- :( لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مًّن دُونًهَا سًتْراً ) [الكهف:90]، وقال: (حًجَابًا مَّسْتُورًا ) [الإسراء: 45]، والاستتار: الاختفاء، قال- تعالَى-:( وَمَاكُنتُمْ تَسْتَتًرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ) [فصلت: 22].

ويكون الستر بأمور:

1- حفظ عورات الْمسلمينوالامساك عما يسوؤهم، وهنا تزدادُ الْمحبةُ وتُحفظ أخوة الدين.

قال تعالَى: إًنَّمَا الْمُؤْمًنُونَ إًخْوَة فَأَصْلًحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُواْاللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[الحجرات:10].

وروى البُخاريُّ (2442)،وَمُسْلم(2580) فًي صَحيحيهما من حديث عَبْدَ اللَّهً بْنَ عُمَرَ رَضًيَ اللَّهُعَنهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ قَالَ: «الْمُسلًمُ أَخُو الْمُسلًمً، لا يَظْلًمُهُ وَلا يُسْلًمُهُ، وَمَن كانَ فًيحاجةً أَخًيهً» كانَ اللَّهُ فًي حاجتًهً، وَمَنْ فَرَّجَ عَن مُسلًم كُرْبَةً» فَرَّجَ اللَّهُ عَنهُ بًها كُربَةً مًنْ كُرُبَاتً يَومً القًيَامَةً، وَمَنْسَتَرَ مُسلًمًا» سَتَرَهُ اللَّهُ يَومَ القيامَةً»، وَرَوَى مُسْلًم فًيصَحًيحًهً (2699) مًنْ حَدًيثً أَبًي هُرَيرَةَ رَضًيَ اللهُ عنهُ، قالَ: قالَرَسولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ: «مَنْ نَفَّسَ عَن مُؤمًنكُربَةً مًن كُرَبً الدُّنيَا» نَفَّسَ اللَّهُ عَنهُ كُربَةً مًن كُرَبً يَومًالقًيامةً، وَمَن يَسَّرَ عَلَى مُعْسًر» يَسَّرَ اللهُ عَلَيهً فًي الدنياوالآخًرَةً، وَمَن سَتَرَ مُسلًمًا» سَتَرَهُ اللَّهُ فًي الدنيَا وَالآخًرَةً،وَاللَّهُ فًي عَونً العَبدً مَا كَانَ العَبدُ فًي عَونً أَخًيهً» . وفًي رًوَايَةلًمسلم فًي صَحًيحه (2590) مًن حَديثً أَبًي هُرَيرَةَ رَضًيَ اللهُ عنهُ، عَنالنَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ قَالَ:«لا يَستُرُ عَبدي عَبدًا فًيالدُّنيَا، إًلا سَتَرَهُ اللَّهُ يومَ القيامَةً».

لا يجوز التجسس على الناس بحجة إنكارالمنكر

2- عَدمُ السَّعيً للبحثً والتَّجسسً للإطلاعً وإفشاءًما يسوء الناسً

قَالَ الله - تعالَى-: (يا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُواْاجْتَنًبُواْ كَثًيراً مًّنَ الظَّنًّ إًنَّ بَعْضَ الظَّنًّ إًثْم وَلاَتَجَسَّسُواْ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحًبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَلَحْمَ أَخًيهً مَيْتاً فَكَرًهْتُمُوهُ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إًنَّ اللَّهَ تَوَّابرَّحًيم )[الحجرات: 12]، وروى البُخاريُّ (6066)، وَمُسْلمي(2563) فًي صَحيحيهمامًنْ حديثً أَبًي هُرَيرَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنهُ، أَن رسولَ اللَّهً صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «إًيَّاكُم وَالظَّنَّ، فَإًنَّ الظَّنَّأَكذَبُ الْحَدًيثً، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلاتَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُواعًبَادَ اللَّهً إًخْوَانًا». وَفًي روايةي فًي الصَّحيحً: «لا تَقَاطَعُوا، وَلاتَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إًخْوَانًا كَمَاأَمَرَكُم اللَّهُ».

والتَّجسسُ: هو البحثُ عَنْ عيوبً الناسً، وَقَد نَهىاللهُ - تَعالَى - عن البحثً عن الْمَستورً من أمورً الناسً، وتتبع عوراتًهم، حتّىلا يظهر على ما سَتَرَهُ اللهُ مًنْها.ولذا سُمي الجاسوس صُاحبُ سًرًّالشَّر.

3- التحذير من هذا الْخُلُقً السيئً

وروى أبو داود فيسننه(4880) وَأَحْمَدُ فًي مُسنده (420/4) ما صح من حديث أَبًي بَرْزَةَالأَسْلَمًيًّ رَضًيَ اللهُ عَنهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ: «يَا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بًلًسَانًهً، وَلَم يَدخُلْالإًيْمَانُ قَلبَهُ، لا تَغتَابوا الْمُسلًمًينَ، وَلا تَتَّبًعُوا عَورَاتًهًم،فَإًنَّهُ مَنْ اتَّبَعَ عَورَاتًهًم» يَتَّبًعُ اللَّهُ عَورَتَهُ، وَمَنْيَتَّبًعْ اللَّهُ عَورَتَهُ» يَفضَحْهُ فًي بَيْتًهً». ولَهُ شَاهًدي رَوَاهُالتًّرمذيُّ (2032) مًنْ حَديثً ابنً عُمَرَ رَضيَ الله عنهما، أن رسولَ اللَّهًصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَن أَسلَمَ بًلًسَانًهًوَلَم يُفْضً الإًيْمَانُ إًلَى قَلبًهً! لا تُؤْذُوا الْمُسْلًمًينَ، وَلاتُعَيًّرُوهُم، وَلا تَتَّبًعُوا عَورَاتًهًم، فَإًنَّهُ مَن تَتَبَّعَ عَورَةَأَخًيهً الْمُسلًمً» تَتَبَّعَ اللَّهُ عَورَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُعَورَتَهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ فًي جَوْفً رَحْلًهً».

أَمْجادُ المرضَى قائًمة على كشفً عوراتًالناسً

4- لا يُفرح بكشف المستور .

هناك بعض الناس لايستطيع العيش إلا في بيئة مظلمة، قد اعتاد علَى العيش فًي عالَم يضج بًهتكالْمستور، فلا حرمةَ لعرض، ولا حصانة لأحد، ومن الفشل الذي يعيشه هذا وأمثاله، ومنشدَّةً عجزه، لا يَجد أَمْجاداً إلا بكشف عورات الناس، إنه مريض لا يجد علاجه إلابالتشفي بذكر العورات، وتتبع عثرات الْمسلمين، وكشف عيوب الناس أو نسبة العيوبإليهم.

قال تعالَى:( إًنَّ الَّذًينَ يُحًبُّونَ أَن تَشًيعَ الْفَاحًشَةُفًي الَّذًينَ ءَامَنُواْ لَهُمْ عَذَاب أَلًيم فًي الدُّنْيَا وَالاّيخًرَةًوَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[النور: 19]، أي يُحبون شيوعها،وَمَنْ أَحَبَّ شَيئاً سَعَى إلَى نَشْره وَتَصَدَّى لإشَاعَتًه بَيْنَ الناسً،وَفًي هذا بعثي للخلافً والتفرقً بَيْنَ النَّاسً، عافانا الله وإياكم منذلك.

5- تَجنب مَن عُرفَ بًفُحشً القَولً والشَّناعةًوالإًشَاعةً.

ولذا من الْحًكمة الابتعادُ وعدم مُخالطةً من اشتهر أمره بعدمالْخوفً من الله فًي أعراض الناس، ومن يطلق العنانً للسانًهً لينالَ مًنْ عوراتًالناسً وأعراضًهًم، وإذا لزم الأمر مُخالطتهم فَتُشرعُ الْمُدارةُ اتقاءَ ألسنتهم،وحرصا على سلامة عرضه، فقد يجد أُذناً سامعة، وقيل فًي الأمثال لكل ساقطةلاقطة.

روى البُخاريُّ (6032)، وَمُسلمي(2591) فًي صَحيحيهما من حديثعَائًشَةَ رَضيَ اللهُ عنها، أَنَّ رَجلا استَأذَنَ علَى النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُعَلَيهً وَسَلَّمَ، فلمَّا رآهُ» قال: بًئْسَ أَخُو العَشيرةً، وبًئْسَ ابنُالعَشيرةً، فلمَّا جلسَ» تَطَلَّقَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَفًي وجهًهً، وانْبَسطَ إًلَيهً، فلمَّا انْطَلَقَ الرجلُ» قالت لَهُ عَائًشَةُ: يَارَسُولَ اللَّهً! حين رأَيتَ الرجلَ قُلتَ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَفًي وَجهًهً، وَانْبَسَطْتَ إًلَيهً، فقال رَسولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهًوَسَلَّمَ: «يَا عَائًشَةُ! مَتَى عَهًدْتًنًي فَحَّاشًا، إًنَّ شَرَّ النَّاسًعًندَ اللَّهً مَنزًلَةً يومَ القيامةً» مَن تَرَكَهُ النَّاسُ اتًّقَاءَ شَرًّهً». وَفًي رًوَاية فًي الصَّحًيحَينً: «إًنَّ شَرَّ النَّاسً مَن تَرَكَهُ النَّاسُ،أَو وَدَعَهُ النَّاسُ اتًّقَاءَ فُحْشًهً». وهذا الباب يحتاج إلى مزيد بيان وتفصيلوالْحمد لله رب الْعالمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 9/7/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:16 PM
السلفية تواجه الحركات الإصلاحية لمسيلمة وأشباهه (1)




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد؛أما بعد:

روى البخاري (4)، ومسلم (160) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها في أول بداية نزول الوحي: فقال له ورقة: يا ابن أخي! ماذا ترى؟فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى، فقاله له ورقة: هذا الناموس الذينزله الله به على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أومخرجي هم؟!»، قال: ورقة نعم، لَم يأت رجل قطبِمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيا، أنصرك نصرا مؤزرا. وفي روايةٍللبخاري (4954): «لَم يأت رجل بِما جئت به إلا أوذي».



من دعا إلى محاربة الشرك حورببالمقالات!!



تثير الدعوة إلى التوحيد المخالفين من المشركين، بل كلتَدَيّنٍ واعتقادٍ وَتَنَسُّكٍ غير قائم على عبادة الله وحده، سيحمل أهله علىالنفرة من هذه الدعوة ومحاربتها بكل ما أوتوا،وخير دليل ما حدث للنبي صلى الله عليهوسلم من أهله وقومه عندما صاحوا به:إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَالَوْلاَ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا، وقوله: أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ،وكذلك حال البقية الذين لَم يقبلوا هذا الدين، ولشدة ما لقيه النبي صلى الله عليهوسلم من التكذيب، والأذى، والعداوة، والسخرية، أخبره الله تبارك وتعالى: بِما وجدهالأنبياء والرسل من معوقات في هذا الطريق، و ما سيلاقيه حملة رسالة التوحيد منإيذاء :

-1 قال الله تعالى:فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَرُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِالْمُنِيرِ[آل عمران: 184]، فما يذاع هنا، وينشر هناك، ما هي إلا حملات حقد، وحسد،وتكذيب لإيقاف دعوة الحق.

-2 وقال تعالى: وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْقَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَاوَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِالْمُرْسَلِينَ[الأنعام: 34].

-3 وقال تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْقَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِيَسْتَهْزِئُونَ[الأنعام: 10]، فالصبر هو السبيل ونصر الله متحقق لا محالة، لحملةرسالة الأنبياء ودعوة التوحيد، فصبر جميل، والله المستعان على مايصفون.

-4 وقال تعالى: وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَإِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْآَلِهَتِنَا لَوْلاَ أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَالْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُأَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَأَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا[الفرقان: 41- 44]،

-5 وقال تعالى: وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِيهُزُوًا-[الكهف: 106].

الرسول على رأس قائمة المتهمين بتشويه ما عليهالمخالفين

-6 وقال تعالى: وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُواإِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْبِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُون[الأنبياء : 36]، وقوله: أَهَذَا الَّذِييَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ: كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرك وأظهر عيوبه، وبينأن ما يشركون مع الله لا يملك لَهم ضراً ولا نفعاً، وقوله: وَهُمْ بِذِكْرِالرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ: أي؛ والحال أنهم بذكر الله مشركون، فمن سار على طريقهؤلاء، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم على رأس قائمة المتهمين بتشويه ما عليهالمخالفين.

لماذا الشناعة على ابن تيمية ومحاربة محمد بن عبدالوهاب؟!

ولِمعرفة سر هذا العداء، فالجواب على ذلك: سِيَر،وعِبَر، وأخبار ذكرها ربنا تبارك وتعالى في كتابه العزيز، ومن كتب السنة؛ ما ذكرهورقة بن نوفل فقال: لَم يأت رجل قط بِمثل ما جئت به إلا عودي، ومن عرف العلم، وقرأالتاريخ بوضوح؛ علم أن الأمر ليس مقصورا على الاستهزاء بشيخ الإسلام ابن تيمية رحمهالله، أو السخرية والتكذيب بدعوة المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، فقد بلغتالإساءة مداها بأن بدأت بأنبياء الله ورسله، ونال أفضل الخلق، وسيد الأنبياءوالمرسلين من ذلك الشيء الكثير، فقد عودي الأنبياء والمرسلين من أجل نبذ الشرك،والدعوة إلى التوحيد، وإعلاء كلمة لا إله إلا الله.

كلمة لا إله إلا الله؛ تفجر عداء أبدياً بين الحقوالباطل

كان لكلمة التوحيد، والدعوة إلى عبادة الله وحده لاشريك له، أكبر الأثر في فصل الناس إلى فريقين؛ فريق أظهر التسليم، والإيمان باللهوحده لا شريك له، وفريق أنكر ذلك؛ وضاقت بهم الصدور، وصرخوا معلنين كيف يعبدونإلهاً واحداً؟! دون أن يشرك معه غيره من حجر أو شجر أو بشر، فلَم تستطع عقولُهم أنتقبل هذه الدعوة، ولَم تنشرح صدورهم للإيمان بالله وحده، فأنكروا عبادة اللهوتوحيده، وأظهروا النفرة والاشْمئزاز.

1- قال تعالى: قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَوَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا[الأعراف: 70].

2- وقال تعالى: وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُاشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ[الزمر : 45]. ولقد أدبنا كلامالله على اللجوء له وحده، دون ما سواه، فلماذا يحاولون إضافة أحد مع الله، وذلك علىمدى التاريخ، والدليل استغرابهم من قولنا: ببدعة التوسل ووصفه: قول المتوسل أتوجهإليك بجاه فلان من الأموات لديك، فيتقرب بعمل غيره لا بعمله، والدليل أيضاً إظهارالغرابة بأن الاستغاثة بالأموات وقوع في الشرك، ووصفه طلب العون، والنفع، والضر منالأموات كما يقال: انصرني، واشفني، وأغثني يا فلان من الأموات ! فحالهم وحالالمشركين واحد كما في قوله: وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْيَسْتَبْشِرُونَ، فهذا الذي تنقمون على الدعوة السلفية، وشيخ الإسلام ابنتيمية،ومجدد الدين محمد بن عبد الوهاب، هي دعوة الأنبياء.

3- وقال تعالى: ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَاللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا[غافر: 12].

4- وقال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْلاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ[الصافات: 35].

معاداة أصحاب الأنبياء وإيذاء من اتخذهم سلفا !!

وامتدت العداوة لأصحاب الأنبياء وأتباعهم ومن جعلهمسلفاً له وقدوة:

1- ولنا ما رواه البخاري في صحيحه (3612) من حديث خباببن الأرت رضي الله عنه، قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو متوسدبردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كانالرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه،فيشق نصفين، وما يصده ذلك عن دينه، ويُمْشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أوعصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر؛ حتى يسير الراكب من صنعاء إلىحضرموت؛ لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».

ضُرِبَ أبو ذَرٍّ لقوله: يا معشر قريش! إني أشهد أن لاإله إلا الله

2- روى البخاري (3861)، ومسلم (2474) في صحيحيهما منحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: - في قصة إسلام أبي ذرٍّ الغفاري - فانطلقيقفوه، حتى دخل النبي صلى الله عليه وسلم، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه،فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري»، فقال: والذي نفسي بيده؛ لأصرخن بِها بين ظهرانيهم، فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلىصوته؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وثار القوم، فضربوه، حتىأضجعوه، فأتى العباس؛ فأكب عليه، فقال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار؟ وأن طريقتجارتكم إلى الشام عليهم، فأنقذه منهم، ثم عاد من الغد بِمثلها، وثاروا إليهفضربوه، فأكب عليه العباس فأنقذه، وفي رواية للبخاري في صحيحه(3552): فقلت له: اعرضعلي الإسلام، فعرضه، فأسلمت مكاني، فقال لي: «يا أبا ذر! اكتم هذا الأمر، وارجع إلىبلدك، فإذا بلغك ظهورنا فأقبل»، فقلت: والذي بعثك بالحق لأصرخن بِها بين أظهرهم،فجاء إلى المسجد وقريش فيه، فقال: يا معشر قريش! إني أشهد أن لا إله إلا الله،وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقالوا: قوموا إلى هذا الصابئ، فقاموا، فضربتلأموت.

فاللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين،والحمد لله رب العالمين.



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 13/10/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:17 PM
الطريقُ إلَى الْحَقًّ




الْحَمدُ لله وحده، والصلاة والسلام علَى من لا نبًي بعده» أما بعد:

دأب كثير من الناس على كتابة أوراده، وكل ما يدور في ذهنه من طقوس، يريد من الْخَلقً أَنْ يعتنقوا ما يعتقد، ويذهبوا إلَى إليه» وإلا كانَ الضَّياعُ موعدهم، والويلُ لَهم والثبور، وعظائمُ الأمورً، إن خالفوه، وهم علَى باطلي من الأمر إن لَم يَتَّبًعوه، فكيف إذا ردوا عليه، وتعقبوه، وبينوا أنه مُخالف لدين أفضل الأنبياء، قال الله تعالَى:(وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)[الإسراء:81]، وهؤلاء هم الدعاة إلَى غير الْحق، وهم علَى خطر، وكل من دعا إلَى باطلي يُخْشَى عليهً مًنَ النَّارً، كما وصفهم النَّبًيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلم وَبَيَّنَ حالَهم» فيما رواهُ البخاري (7084)، ومسلم (1847) فًي صحيحيهمَا مًن الْحديثً الطويلً لًحُذَيفةَ بن الْيَمَانً رَضًيَ الله عنه يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسأَلونَ رَسولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ عَنً الْخَيْرً، وكنتُ أَسأَلُهُ عَنً الشَّرًّ» مَخَافَةَ أَن يُدرًكَنًي، فَقُلتُ: يَا رَسولَ اللَّهً! إًنَّا كُنَّا فًي جَاهًلًيَّة وَشَرّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بًهَذَا الْخَيْرً، فَهَل بعدَ هذا الْخَيْرً شَرّ؟ قال:«نَعم»، فَقُلتُ: هَل بعد ذلك الشَّرًّ مًن خَيْري؟ قال: «نَعَم وَفًيهً دَخَن»، قُلتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: «قَومي يَستَنُّونَ بًغَيْرً سُنَّتًي، وَيَهدُونَ بًغَيْرً هَديًي، تَعرًفُ مًنْهُمْ وَتُنكًرُ»، فَقُلتُ: هل بعد ذلك الْخَيْرً من شَرّ؟ قال: «نَعَم دُعَاة عَلَى أَبْوَابً جَهَنَّمَ، مَن أَجَابَهُم إًلَيهَا» قَذَفُوهُ فًيهَا»، فَقُلتُ: يَا رَسولَ اللَّهً! صًفهُمْ لَنَا، قال: «نَعَم، قَومي من جًلدَتًنَا، وَيَتَكَلَّمُونَ بًأَلسًنَتًنَا»،. ..الحديث.

1ـ وصفهم بـ «الدُعَاة»: ويعم كل من دعا إلَى غيْرً الْحقًّ، على اختلاف الطرائق والْمَنَاهًج «عَلَى أَبْوَابً جَهَنَّمَ»: ومن دعا بًهذه الدعوةً فهو على شفا جرف هار، والوعيد له بالنار، وهم من أهل الْمًلَّةً وأبناء الإسلام.

«مَن أَجابَهُم إًلَيها» قَذَفوهُ فيهَا»: ومن استجاب لًهذه الدعوة الْمنحرفة عن الإسلام» قذفوه فًي النارً.

2ـ وتكمن خطورتًهم أَنًّهم أنُاسي من بيننا، ومن لون جلدتنا، ويشاركوننا اللغة واللهجة، وبذلك زاد اللبس بًهم والاغترار بًحالًهم، إًنَّهم يا عباد الله! ليسوا يهوداً ولا نَصارى، حَتَّى يكون عظم خطرهم واضح بَيًّن، وإفسادهم ظاهري للمسلميْنَ، ولقد بيَّن النَّبًي صَلَّى اللهُ عليه وسلم وَجْهَ التباسً الناسً بًهم بًقوله: «قوم مًن جًلدَتنا، ويتكَلَّمونَ بًأَلسًنَتًنَا».

الأَلفاظُ الْمُجْمَلَةُ مَاذا تُخفي؟!

روى مسلم فًي مقدمة صحيحة بسند صحيحي من حديث أَبًي هريرة رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون فًي آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بًما لَم تسمعوا» أَنْتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم».

وَفًي رًوَايَةً أَحْمدَ فًي مسنده (349/2): «سيكون فًي أُمَّتًي دَجَّالون كذابون يُحدثونكم بًبًدَع من الْحديثً بًما لَم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يفتنونكم».

ووقع فًي الأمة ما أَخْبَرَ عَنْهُ، وَحَذَّرَ مًنْهُ، فَجَاءوا بًالْمُحدثات وعجائب الأمور وبًما لَم يسمع به الصحابةُ، فًي عصورً الْخيْرً والبركةً، فتتابعت الفتن، وظهر الشَرُّ، إلَى يومنا هذا، حَتَّى رأينا وسَمًعْنا الرُّوَيْبًضَةُ يتَكَلَّمُ فًي أَمْرً العَّامةً، لذا وجب الْحذَرُ، والتَّحذيرُ منهم، ولا يكون ذلك إلا بالتَّسَلُّحً بالعلمً النافعً» علم الكتاب والسنة، قال تَعالَى:(بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون)[الأنبياء: 18]، فكل الألفاظ التًي أوردوها، وذكروها، والشعارات والْمَقالاتً التًي زخرفوا بًها الأوراق، والْمُفرداتً الْمُجْمَلَةً التًي يُخْفونَ خلفها كُلَّ ضَلالة، أَمْرُهَا سهل علَى من سهَّلَ اللهُ عليهً، وَيَسيْر على مَنْ يَسَّرَ اللهُ أَمْرَهُ، وَوَفَّقه إلَى الفًقْهً فًي الدينً، وانتبه لًما قاله نَبيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّمَ فًيما رَواهُ البُخاريُّ (71)، وُمُسلم (1037) فًي صَحًيحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً مُعاوًيَةَ بن أَبًي سُفيانَ رَضًيَ اللهُ عَنْهُمَا، قال: قال رَسول اللهً صَلَّى اللَّهُ عَليهً وسَلمَ: «مَن يُرًد اللَّهُ بًهً خَيْرًا يُفَقًّهْهُ فًي الدًّينً».

ومن الفقه فًي الدين رد هذه الْمَقالاتً، والشعارات والعباراتً الْمُجملةً، إلَى كتاب الله وسنة نبيه، والتحاكم إليه، قال تَعَالَى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)[النساء: 59]، وقال تَعَالَى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مًمَّا قضيت ويسلموا تسليماً)[النساء: 65]، وقال تَعالَى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)[الحشر: 7]، فما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته دينا» فهو اليوم دينا، وما لَم يكن ديناً آنَذاكَ فَلن يُقبل اليومُ ديناً.

إًنَّهم يطلقون لكل مرحلةي عبارة (صوفية ـ إرهاب ـ وسطية) تصبح شغلا لعباد الله، فمن رادي ورافضي لَها، قد كُشًفَ زَيفُ بريقها، وبعض الناس مُرَدد لًهذا الورد الْجديد، دون العلم بًمفهومه» وكيف له أن يفهم شيئاً من ذلك؟ ومن جاء به وابتدعه، لَم يَجدوا له معنَى واحد يتفقوا علَيه.

وفًي الختام فما على الْمسلم إلا أن يقوم بعرض هذه الأقوال والأفعال والكتابات علَى كتاب الله وسنة نبيه، إن كانت من الدين أو من خارجه، من الْخير أو من الشر، من الْحق أو من الباطل فما وجدنا عليه دليلا صحيحاً صريحاً وجاءت البراهين لبيانه وإيضاحه» عَمًلناَ بًهً، واتَّخَذْنَاهُ دًينا. وَمَا كَانَ غَيْرُ ذَلكَ فليسَ مًنَ الإسلامً فًي شيء، والْحمد لله رب العَالَمين.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي



تاريخ النشر: الاثنين 30/4/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:19 PM
«العدل» لَم يكن غائباً قبل «الديموقراطية»




د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي

إلى متى ونحننعذب الأمم ونمزق المجتمعات بما يطلقون عليه بـ (الديموقراطية)؛ التي ما زال الناسيعانون آثار الويلات التي فرضت على بلدانهم، ولقد أهينت وألغيت بشعار الخيار الشعبيعقائد وعبادات، وصودرت أعراف نبيلة، وعادات أصيلة، وذهبت الأحلام ببلوغ حياة جميلة؛باسم نظريات غريبة وأجنبية؛ فتمزّقت المجتمعات، وابتليت بالمحدثات، حتى صار الصراخفي وجه ولي الأمر علامة نضج الأمة، وجُعل التجمهر والتظاهر في كل ناحية أو زاوية؛سِمة بارزة في سماء هذا المجتمع تعلن بلوغ مرض الديموقراطية مداه، ولا يُعدّ عجباًعندما ترى تلاقياً وعناقاً حميماً بين الانفلات الشعبي (الديموقراطية) ومذهبالخوارج تحت لواء واحد، وكل هذا دفع باتجاه نزع هيبة الدولة، وهدم النظام، حتى أصبحالرفيع وضيعاً، والوضيع رفيعاً، ثم ماذا بعدُ؟!

هل الفوضى واللغط وسخط التجمعات؛ تسمىحريات؟!

وبعد كل هذا فليس غريباً أن تسمع من يردد قائلاً: هكذاالحريات! وإنك في بلد الحريات! أي حريات هذه-؟! ومتى كان سخط المجتمعات والفوضىالتي صادرت الأمن في البلاد، وذهبت بمصالح الخلق والعباد؛ نوعاً منالحريات؟!

وستجد استمرار كثير من الناس؛ يراهن على مذاهب ونظريات شتىكالديموقراطية وغيرها، والتي لا تجاوز أن تكون نتاج خيال فردي بشري، يرى أنهاالمنقذ الأوحد للبشرية من الصراعات وظلم المجتمعات. ولذا ففي تلك الظلمات واختلالالموازين، لا بد أن تروّض النفس على معرفة أن التفرق والحلاف من سنن الله الكونيةبين خلقة، قال تعالى: {فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍبِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53]، وقال تعالى: وَلاَ يَزَالُونَمُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، فكل طائفة وفرقة تدافع عن المذهب الذى تنصره، وترفعالشعارالذي تهواه. وكذلك أصحاب الحق والمدافعون عنه؛ الرافعون لرايته والمعلنونأمره، وأعني به الوحي الإلهي لا التنظير البشري؛ الذي يتسابق البشر في كل زمانومكان على تغييره وتعديله وتبديله، ليوافق أهواءهم، قال تعالى: {وَلَوْلاَ دَفْعُاللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌوَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [الحج: 40]

أين الأنبياء والرسل من الديموقراطية؟

بعث الله الأنبياء والرسل من لدن آدم عليه السلام حتىنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الذي ختم الله به رسالاته، قال تعالى: {مَا كَانَمُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَالنَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} [الأحزاب: 40]، فلم يلجأأحد من الرسل إلى هذه الطرق المعوجة والاختيارات البشرية كطريق الديموقراطية- وذلكرحمة بأتباعه؛ فتجاوزه إلى ما هو خير منه، حيث الهدى والسعادة للبشرية، فقد روىمسلم في «صحيحه» (1844) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: «إنه لم يكن نبيٌّ قبلي؛ إلاكان حقاً عليه أن يدلَّ أمَّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرَّ ما يعلمه لهم»،فكان من العدل والنصح الذي جاؤوا به، أنهم لم يأتوا بأمر يفسد حياة الناس وينغصعيشهم، فساسوا أتباعهم دون نظر إلى هذه النظرية المشوَّهة (الديموقراطية) أو مايشابهها، والتي فتحت باب الفوضى والشغب على مصراعيه حتى أصبح الناس في فتنة عظيمةاسمها (الديموقراطية) جعلت الرقيق يبيع سيده في سوق النخاسة، والجاهل لا يعبأ بقولعالم أو حكيم، والتلميذ يعق أستاذه ووالديه، إنها ما يحلو لهم أن ينادوه بالخيارالشعبي.

قال امرؤ القيس:

الحـرب أول ما تكون فتيـة

تسعىبزينتها لكل جـهول

حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها

ولت عجوزا غير ذاتحليل

شمـطاء ينكر لونهــا وتغيرت

مكروهة للشـموالتقبيـل

إن من يعتقد أن العدل كان غائبا حتى ظهور مرحلة (الديموقراطية) الغربية، فهو ينادي على جهله أو تجاهله للتاريخ، ويدخل نفسه فيمصادمة صريحة للإسلام؛ فإما أن يكون جاهلاً فيعذر بجهله، وإما أن يكون متعمداً، فهوضال غير مهتد، وعلى شفا جرف هار، قال تعالى: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَىالطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْيُضِلَّهُمْ ضَلاَلا بَعِيدًا} [النساء:60].

دنيا ودين مجتمع الخيار الشعبي

أمر الدنيا ومايعيش عليه الناس عرضة للتغيير، فاليوم على سبيل التمثيل بيع التمر مباحاً وغداًتجده ممنوعا لمجرد رأي رآه بعض الشعب، وكذلك أمر الدين أصبح تبعاً للخيار الشعبيوليس تبعاً للوحي الإلهي، فالمجتمع الديموقراطي في مهب الريح تبعاً لصناديقالاقتراع.

إن الاستقرار السياسي والاجتماعي والأمن الوطني مطلب لكل مجتمعيريد العيش بهدوء وسلام، فكيف تكون الحياة في بلد وموطن الحكم فيه للهوى والرأي؟أي: ما يراه أفراد الشعب؛ فالنظام عرضة للتغيير في كل لحظة حتى يرضي الرغبةالشعبية، لا أن يكون النظام أصلاً نزيهاً محصناً يلتزمه أفراد الشعب ويؤمنوا به،فكيف نسعى لإرضاء رغبة شعبية وهل يستقيم الأمر؟ وأفراد الشعب وآحاده بعقول متفاوتةومختلفة في القدرة والنظر، تحمل ثقافات متضادة، وتجارب متعددة، وعقائد مختلفة! قالتعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْأَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُإِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْبِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة: 50].

{أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُاقْتَدِهِ}

أين العقلاء منذ بدء الخليقة؟ أين الأنبياء والرسل؟ فيعهد النبي صلى الله عليه وسلم حكم بالعدل وكذلك أبو بكر الصديق وعمر وعثمان وعليرضي اله عنهم أجمعين، حكموا الناس بشريعة الله ووجد الناس من العدل والخير والهدىمالم يجده غيرهم في أي تاريخ، فالواجب اتباع مسلكهم والأخذ بطريقتهم في سياسةالأمة، وليسعنا ما وسع العصور الذهبية لهذه الأمة.

ولقد روى البخاري (3455)،ومسلم (1842) في «صحيحيهما» من طريق أبي حازم قال: قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعتهيحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء؛ كلماهلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون»، قالوا: فما تأمرنا ؟قال: «فوا ببيعة الأول، فالأول، أعطوهم حقهم؛ فإن الله سائلهم عمااسترعاهم».

قال النووى في «شرح صحيح مسلم»: «كانت بنو إسرائيل تسوسهمالأنبياء؛ كلما هلك نبي خلفه نبي»؛ أي: يتوَّلون أمورهم كما تفعل الأُمراءُوالولاةُ بالرَّعيَّةِ، والسِّياسة: القيام على الشيء بما يُصلحه. اهـ وقال ابن حجرفي الفتح (6/497): وفيه إشارة إلى أنه لا بد للرعية من قائم بأمورها، يحملها علىالطريق الحسنة، وينصف المظلوم من الظالم.اهـ

وقال العلامة محمد بن صالحالعثيمين في شرح رياض الصالحين: وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: «تسوسهمالأنبياء» دليلٌ على أن دين الله- وهو دين الإسلام في كل مكان وفي كل زمان- هوالسياسة الحقيقية النافعة، وليست السياسة التي يفرضها أعداء الإسلام من الكفار. السياسة حقيقة ما جاء في شرع الله، ولهذا نقول إن الإسلام شريعة وسياسة، ومن فرقبين السياسة والشريعة فقد ضلّ؛ ففي الإسلام سياسة الخلق مع الله، وبيان العبادات،وسياسة الإنسان مع أهله، ومع جيرانه، ومع أقاربه، ومع أصحابه، ومع تلاميذه، ومعمعلميه، ومع كل أحد؛ كل له سياسة تخصه،....... إلى أن قال: فالمهم أن الدين دينالله وأن الدين سياسة: سياسة شرعية، سياسة اجتماعية، سياسة مع الأجانب، ومعالمسالمين، ومع كل أحد. ومن فصل الدين عن السياسة فقد ضل؛ وهو بين أمرين: إما جاهلبالدين ولا يعرف، ويظن أن الدين عبادات بين الإنسان وربه، وحقوق شخصية وما أشبهذلك؛ يطن أن هذا هو الدين فقط. أو أنه قد بهره الكفرة وما هم عليه من القوةالمادية، فظن أنهم هم المصيبون. وأما من عرف الإسلام حق المعرفة عرف أنه شريعةوسياسة، والله الموفق. اهـ

رسالة إلى من أراد التفوق على غيره

إن من يشرب من نفس الكأس التي يشرب منها الآخرون،ويقلد في الصغيرة قبل الكبيرة، فلماذا يلطم وينادي بالنصر ويطلب التفوق على غيره؟إن الذي لم يبحث عن مجالات أرحب وأوسع تجلب له التطور والانتصارات، فلن يتفوق علىغيره، ولكن من ملك خصيصة وميزة وتفرد بشيء محصن يفرض التفوق فرضاً، وذلك بالإيمانبالله وحده لا شريك له، والإذعان للمنهج والشريعة الذي ارتضاه لعباده، قال تعالى: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌالَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآَتَوُاالزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِعَاقِبَةُ الْأُمُور} [الحج:41-40]. والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر 11/01/2010



الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:21 PM
العرب وابن تيمية أمام المد الشعوبي الفارسي



إن العداء الفارسي له تاريخ وجذور تغذيه فقد قام كسرىبتمزيق وإحراق رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي حملها رسوله عبد الله بنحذافة السهمي رضي الله عنه، روى البخاري (2939، 4424) في صحيحه من حديث عبد الله بنعباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بكتابه إلى كسرى مع عبدالله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلىكسرى، فلما قرأه مزقه. وفي رواية: «حرقه». فدعا بهلاك ملكه وانقطاعه لما رواهالبخاري (7144)، ومسلم (2918) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلاقيصر بعده، والذي نفس محمد بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله»، وفي رواية لمسلم (2919) في صحيحه من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى اللهعليه وسلم يقول: «لتفتحن عصابة من المسلمين أو من المؤمنين كنز آل كسرى الذي فيالأبيض».

ظهور الإسلام في العرب أثار العداءالفارسي

وبظهور الإسلام في جزيرة العرب، واختصاص نبي عربي بهذاالتشريف، ونزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم، وتكليفه بحمل رسالة رب العالمينإلى الناس كافة؛ فقد أثار الأمر غضباً في مشارق الأرض ومغاربها، مما آذن ببدايةالعداء على الإسلام وأهله، وكان ممن عاداه اليهود والنصارى حسداً من عند أنفسهم رغمعلمهم ومعرفتهم بأنه سيبعث، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَالنَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِوَالإِنْجِيلِ} [الأعراف: 157]، وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَيَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَيَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُأَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ}[الصف: 6]. ولقد أثار هذا الظهور لدين الإسلام في الجزيرة العربية حقد وعداوة الدولةالفارسية في المشرق، واعلنت بداية الانتقام لهذا العداء باعتداءٍ على خليفةالمسلمين الشهيد عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قام به ونفذه أبو لؤلؤة المجوسي ولايزال العداء مستمراً منذ ذلك الاعتداء الآثم حتى يومنا هذا.

تجاهل النبي العربي محمد صلى الله عليهوسلم

إن الذهاب إلى تجاهل محمد صلى الله عليه وسلم من قبلبعض الديانات أو الجهات التي ليست من أصول عربية؛ قد كان تجاهلاً متعمداً، بهدفالتبديل والعبث بعقائد وعبادات المسلمين، والتي أُخذت عن النبي صلى الله عليه وسلم،وتمثلت صور هذا التجاهل بأشكال عديدة منها: إهمال ذكره، وترك سيرته، والإعراض عناتباع سبيله وطريقته، وهذه مؤامرة خطيرة على المسلمين، لما تحمله من بتر متعمد لدينالإسلام عن أصوله؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم هو المرجع ومصدر التلقي، والمبلغالأوحد لهذا الدين، وعليه نزل بالوحي جبريل الأمين، فأخذ عنه كلام ربالعلمين.

مؤامرة الإحلال والاستبدال ترويجاً للأفكار والثقافاتالدخيلة

وقد جرت كثيرٌ من المحاولات الأخرى؛ كمحاولة الإلغاءوالحجب لصاحب الرسالة عن طريق الاستبدال؛ فاستبدل النبي العربي المبلغ لهذا الدين؛بأسماء ورموز أخرى، هناك من يقوم على تعظيمها ليلاً ونهاراً حتى تسيطر على عقولونفوس الدهماء، - وما أكثر الأسماء التي صنعت لترويج الأفكار والثقافات الدخيلة- لعلها تُمثل بديلاً يحتل مكانة الرسول صلى الله عليه وسلم في تبليغِ وإعلان عنرسالة بديلة ودين ولون جديد وذلك لأمرين:

أولاً: إن تمزيق الإمبراطورية الفارسية دفع بها إلىمحاولة تشويه الإسلام ليفقد قوته، ويوقف امتداده.

ثانيا: الدعوة الشعوبية جعلت صرف الناس عن هذا النبيالعربي أمراً مطلوباً، حتى ينفض عنه العامة، ويفقد قدره ومكانته، وعملوا جاهدينليصبح اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم مع مرور الزمان نسياً منسياً، وغيره منالبشر ممن لم يكلف برسالة سماوية؛ يفوقه ذكراً وقدراً واتباعاً عند عامة الناس، وهمالذين حازوا شرف الاختيار الفارسي الشعوبي؛ ليكونوا رسلاً تُمثل وتنقل الثقافةالمحدثة، وهذا وجه آخر من وجوه تشويه صورة الإسلام.

وكان لهم بعض ما أرادوا بولادة أجيال جاهلة، لا تعرفالإسلام وأنكرت نبيه، وأصبحت تجد في مصادر الإسلام - كتاب الله والمصنفات التي جمعتالسنة - غرابة.

الشعوبيون غاضبون؛ فـ «الأئمة منقريش».

كانت قيادة الدولة الإسلامية في العرب، وجعلت إمامةالمسلمين في قريش خاصة؛ كما جاء في النص والدليل ما رواه البخاري (3501)، ومسلم (1820) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلىالله عليه وسلم: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان»، وروى البخاري (3496)، ومسلم (1818) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلىالله عليه وسلم قال: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن». ولقد انعقد الإجماع على ذلك،مما أثار حفيظة الفرس وحنقهم على العرب، ودفع بهم للكيد بالإسلاموالمسلمين.

ابن تيمية يوقف الزحف الفارسي

إن اليهود والنصارى والفرس وغيرهم كثير من الفرق؛ لاتهدأ ولا تنام لها عين، وتصاب بالرعب عندما تذكر ابن تيمية الملقب بـ (شيخالإسلام)، فبعد أن مضى على وفاته سبعة قرونٍ؛ ما زالوا يعدون له العدة، ويردون علىفتاواه وأقواله التي أضاءت التاريخ الإسلامي، وجدد الأمر بدعوة المسلمين إلى العهدالأول - ويأسف الإنسان عندما لا يجد في ردود القوم غير كيلٍ من السباب والشتائم-،لما يعانوه من ضعف وخور أمام كلام هذا الحبر الهمام، وكيف لا يخافونه؛ وهو الذي ردعلى الفلاسفة وأهل الكلام، وناظر أرباب الطوائف والفرق، وما ناظره أحدٌ إلا انقطعوسلم له، واعترف بسعة علمه خصومه ومعاصريه قبل أنصاره وأتباعه، ولقد كان له دورعظيم في إيقاف زحف التتار الذي أهلك الحرث والنسل في كثير من بلاد المسلمين، وشنغارات باللسان والسنان، وكشف عوار التتار، وعوار ابن العلقمي الذي تواطأ مع الغزاةالتتار في إسقاط بغداد عاصمة الخلافة العباسية.

المد الفارسي يعاني شللاً فكرياً

واليوم يواجه المد الفارسي عقبات صعبة، ويشعر بالضعفويعاني الشلل الفكري، ويصرخ منادياً:



د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر 10/08/2009



الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:23 PM
العشر الأواخر وفضل ليلة القدر المباركة



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أمابعد:

إن أفضل الليالي من كل عام، عشر ليالٍ؛ العشر الأواخرمن شهر رمضان، وهي الليالي التي كان يحييها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتهدفيها ما لا يجتهد في غيرها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، وقد روى مسلم في صحيحه (1175) من طريق الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلىالله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. و كذلك روى البخاري (2024)، ومسلم (1174) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول اللهصلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر. وفسر أبوبكر الصديق رضي الله عنه «شد المئزر» كما جاء في رواية لأحمد في المسند (132/1) بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليهوسلم إذا دخل العشر؛ أيقظ أهله، وَرَفَعَ المئزَرَ، قيل لأبي بكر: ما رَفَعَالمئزر؟ قال: اعْتَزَلَ النِّسَاءَ .


فضل ليلة القدر المباركة


ومن فضائل هذه الليلة:

-1 أنزل الله فيها القرآن، قال تعالَى: "إِنَّاأَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ" [القدر: 1].

-2 ونعتها بالليلة المباركة؛ قال تعالَى: "إِنَّاأَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَة" [الدخان: 3].

-3 وجعلها خير من ألف شهر فقال تعالَى: "لَيْلَةُالْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْف" [القدر: 3]، أي؛ أن العمل في ليلة القدر بِما يرضىالله خَيْرٌ من العمل في غيرها ألف شهر.

-4 وفي هذه الليلة تنزل الملائكة بأمر ربّها تقوم بِماكُلِّفَت بِه من أعمالٍ في هذه الليلة .

5- وأخبر أن قيام ليلة القدر من الإيمان، وفيها تغفرالذنوب، وتَمحو حسناتُ هذه الليلة الذنوب، والدليل ما رواه البخاري (35)، ومسلم (760) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليهوسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقالالبخاري في صحيحه: بَاب قيام ليلة القَدْر من الإِيْمان.

-6 وذكر الطبري في تفسيره من فضلها: قال قتادة: إنالله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، واصطفى منالكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم،واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله،فإنَّما تعظم الأمور بِما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل. اهـ

وعلامة هذه الليلة؛ تخرج الشمس بيضاء لا شعاعلَها

ومن علاماتِها:

-1 تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها .

-2 مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع.

-3 تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلةالبدرِ.

-4 صافيةٌ بَلْجَةٌ ساكنة ساجية. لِما رواه مسلم فيصحيحه (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، وقيل له: إن عبدالله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبَي: والله الذي لا إله إلا هو، إِنَّها لفيرمضان، يحلف ما يستثني، ووالله؛ إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بِهارسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها؛ هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأَمارتُها أنتطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها: أي؛ كأن الشمس في ذلك اليوم لا شعاعلَها لغلبة نور تلك الليلة على ضوء الشمس . ولذا جاء في رواية أبي داود في سننه (1378)، وأحمد في المسند (132/5) بسند حسن؛ قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة؛ مثلالطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع، وفي رواية الترمذي في السن (793) صح من حديث أبي بنكعب قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَنَّها ليلة صبيحتها تطلعالشمس ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا والله . وقال عبادة بن الصامت عند أحمد (324/5): تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرِ، وذكر أن أَمارة ليلةِالقَدْرِ: أَنَّها صافيةٌ بَلْجَةٌ كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية، لِما رواهأحمد في المسند من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (324/5)، قال ابن الأثير فيالنهاية في غريب الحديث (151/1): ليلة القدر بَلْجَةٌ أي مُشْرقة، والبُلْجةُ بالضموالفتح: ضوء الصبح، وقال ابن منظور في اللسان (215/2): والبَلْجَةُ بالفتحويالبُلْجَةُ بالضم ضَوء الصبح وبَلَجَ الصبح يَبْلُجُ بالضم بُلُوجاً، وانبَلَجَوتَبَلَّجَ أسفر وأضاء.


تحري ليلة القدر والتماسها


يكون تَحَرِّي ليلة القَدْرِ فِي الوِترِ من العشرِالأواخرِ من شهر رمضان، وبِهذا تكون ليلة القدر في شهر معين من السنة هو شهر رمضان،وفي العشر الأخيرة منه، وفي الأوتار منها بلا تعيين ليلة بذاتِها وسبب الإِبْهام مارواه البخاري في صحيحه (2023) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال خرج النبيصلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خرجتلأخبركم بليلة القدر؛ فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوهافي التاسعة، والسابعة، والخامسة». قوله: «وعسى أن يكون خيرا لكم»، ولعل ذلك أن يكونخيرا لكم: أي؛ قد يكون إخفاؤها خيرا لكم؛ لتجتهدوا فِي ليالِي العشر كلها، فإنه قديكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.


أولا: التماس ليلة القدر في العشرالأواخر:

(1) روى البخاري (813)، ومسلم (1167) في صحيحيهما عنأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: انطلقت إِلَى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرجبنا إِلَى النخل نتحدث، فخرج، فقال: قلت: حدثنِي ما سَمعت مِنَ النَّبِيِّ صلى اللهعليه وسلم في ليلةِ القَدْرِ؟ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأولمن رمضان؛ واعتكفنا معه؛ فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشرالأوسط؛ فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، قام النبي صلى اللهعليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليهوسلم فليرجع؛ فإني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها، وإِنَّها في العشر الأواخر، وفيوتر، وإني رأيت كَأَنِّي أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريد النخل؛ وما نرىفي السماء شيئا؛ فجاءت قزعة فأمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى رأيتأثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرنبته تصديقرؤياه.

(2) وروى البخاري (2020)، ومسلم (1169) في صحيحهما منحديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشرالأواخر من رمضان؛ ويقول: «تَحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر منرمضان».


ثانيا: تحري ليلة القدر في الوتر من العشرالأواخر:

(1) وروى البخاري (2017) في صحيحيه من حديث عائشة رضيالله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر منالعشر الأواخر من رمضان».

(2) وروى البخاري في صحيحه (2021) من حديث ابن عباسرضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر منرمضان؛ ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى».

(3) ورواه أحمد في المسند (36/5) وابن أبي شيبة فيالمصنف (76/3)، والترمذي في السنن(794) بسند صحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنهقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «التمسوها في العشر الأواخر؛ لتسعيبقين أو لسبع يبقين أو لخمس أو لثلاث أو آخر ليلة».


ثالثا: التماس ليلة القدر في السبعالأواخر:

روى البخاري (2015)، ومسلم (1165) في صحيحهما من حديثابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَالقدر في الْمَنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرىرؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبعالأواخر».


رابعاً: التماسها في ليلة سبع وعشرين:

قال به بعض الصحابة، وفي هذا روى الترمذي في سننه (793) من طريق زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: أَنَّي عَلمتَ أبا المنذرِ! أَنَّها ليلة سبع وعشرين! قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهاليلةٌ صبيحتها تطلع الشمس، ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله؛ لقد علم ابن مسعودأَنَّها في رمضان، وأَنَّها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا. قال أبوعيسى: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وهو كما قال.


الدعاء في ليلة القدر

والدعاء فيها: يحسن الدعاء فيها بأفضل الدعاء وأحسنه،ولا يعتدي أحد بدعائه، ولا يتجاوز ولا يتخذ وسائط في دعائه، ويختار من الدعاءالثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم

روى أحمد في المسند (171/6) بإسناد صحيح من حديث عائشةرضي الله عنها قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟! قال: «تقولين اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

والحمد لله الذي بلغنا رمضان، وبلغنا العشر الأواخرمنه، واللهم! اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينواختم بالصالحات أعمالنا.

د/ عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

تاريخ النشر 22/09/2008

الإبانة - جريدة الوطنالكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:27 PM
الغاية.. عالم بلا قيود يسمى (الوسطية!)


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله ربالعالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، أما بعد:

لا بد منمعرفة الغاية في كل ميدان ومجال ومن ثمَّ تحديد وضبط الوسائل الموصلة إلى الغايةوالهدف، فإن كانت الغاية سامية فلا بد وأن تكون الوسائل إليها نبيلة لا عيب يشوبها،فليس كل وسيلة أوصلت إلى الغاية يؤخذ بها ويُعملُ بها، وفي ميدان الإسلام اعلمواعباد الله أن الغاية الأسمى والأعظم هي «توحيد الله تعالى»، به حياة للقلوب، منأجله خُلقنا وفي سبيله نموت ونحيا.

وبمعرفة الغاية فقد كفينا مؤونة البحث عنالوسائل، فلا مؤتمرات ولا لجان ولا بحوث لتحديد الغايات والوسائل، فالأمر قد حسممنذ أربعة عشر قرنا، أيها المسلمون علينا بالاتجاه ناحية الوحي فهو الطريق المعصوم،والامتثال، والاتباع والعمل، ونودع المصطلحات وليعلموا أنه لا مجال للعبث بدينناتحت أي مسمى كان.

خير دينكم أيسره

وليس خير دينكمأوسطه

روى أحمد في مسنده [32/5ـ338/4] عن محجن الأسلميـ رضيالله عنهـ وفي المسند أيضا [479/3] عن الأعرابي الذي سمع رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: «إن خير دينكم أيسره إن خير دينكم أيسره».

ويفهم منه أنه ليس خيرالدين وأفضله أوسطه (ما يسمى بدين الوسطية!!)، فهناك أمور شرعية أمر بها المشرع،الخير في أولها لا في أوسطها، وهناك مطالب شرعية، الخير في آخرها لا في أوسطها، لمارواه مسلم في صحيحه [440] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: «خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرهاأولها».

وروى البخاري [6126]، ومسلم [2327] في صحيحيهما من حديث عائشةـ رضيالله عنهاـ أنها قالت: ما خُيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذأيسرهما ما لم يكن إثما فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، وفي رواية «إلا اختارأيسرهما».

قال الحافظ في الفتح وغيره: «إلا أخذ أيسرهما» أي أسهلهما، «ما لميكن» الأيسر «إثما» أي: مُفضيا للإثم «فإن كان» الأيسر «إثما كان أبعد الناس عنه» ويختار الأشد.

وفي رواية لأحمد في المسند [229/6] من حديث عائشة «ولا عُرضعليه أمران إلا أخذ بالذي هو أيسر إلا أن يكون إثما فإن كان إثما كان أبعد الناسمنه».

وبهذا الحديث استدل بعض الناس على الوسط، والتوسط و(الوسطية!)، ونقول: سنبين من الحديث دلالته ومعناه.

[1] أن الأمرين لا وسط بينهما ولا وسط لهما،فكيف يُستدل بالحديث على الوسطية المزعومة؟

فالأعداد واحد واثنان لا وسطبينهما، فعندما تسأل ما الوسط بين العدد واحد والعدد اثنين؟ الجواب: لا يوجد،وعندما يكون السؤال ما الوسط بين العدد واحد والعدد ثلاثة؟ سيكون الجواب: العدداثنان وسط بين الواحد والثلاثة، فيكون وسطا بينهما، ولكن هذا لا يعني أنه حظيبالأفضلية عن الآخرين، وللتوضيح والبيان لم يكن في قرون الخير الثلاثة الأُول منذعهد النبي صلى الله عليه وسلم ذكري أن أوسطهم أفضلهم، بل الأول هو خيرهم وأفضلهم،فعليك أخي المسلم بالعهد الأول، كما رواه البخاري [2652]، ومسلم [2533] في صحيحيهمامن حديث عبد الله بن مسعودـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خيرالناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام، تسبق شهادة أحدهم يمينهويمينه شهادته».

[2] أمور الشرع لا تخيير فيها، ولا عرض فيها، حتى يعمل منشاء ويهمل من شاء، فيكون العبد غير ملزم بعمل.

[3] دين الإسلام والأمورالشرعية لا إثم فيها فترجح أن المراد التخيير بين أمور الدنيا والنبي صلى الله عليهوسلم يختار الأيسر من الأمرين ما لم يكن هذا الأمر مفضيا إلى محظور وموقع فيالإثم.

[4] لذلك الحديث معناه يتفق مع الأمور الدنيوية.

[5] والتخييرفي الأمور الدينية والشرعية متعلق بالقدرة والاستطاعة.

التخفيف والتيسير لا علاقة لهما

بالوسطيةومداره في الشرع على سبعة أسباب

فمن المعلوم أن التخفيف والتيسير في العباداتوالمعاملات مدارها في الغالب على سبعة أسباب:

(الأول) السفر: ومن التيسيرفيه قصر الصلاة والفطر والتيسير عليه في المسح، فينقل من حال يوم وليلة في الحضرإلى المسح أكثر من يوم وليلة في السفر، لقوله تعالى (ومن كان مريضا أو على سفر فعدةمن أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرةـ 185].

(الثاني) المرض: ومن التيسير فيه الترخيص بالتيمم عند مشقة استعمالالماء أو شحه.

(الثالث) الإكراه: قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئنبالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [النحلـ 106]، وهذه الآية من أصول الشرع وقواعده عند الإكراه.

(الرابع) النسيان: ودليله ما رواه ابن ماجة [2045] وابن حبان في صحيحه [202/16] واللفظ له بسند صحيحمن حديث ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز عن أمتيالخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، وقال الحاكم [216/2] هذا حديث صحيح على شرطالشيخين ولم يُخرجاه ووافقه الذهبي.

(الخامس) النقص: والنفوس تطلب الكمالوتحبه والنقص يخالف الكمال وهناك نوع من المشقة عند ناقص العقل والأهلية فناسبهالتخفيف في التكليفات ولذا كان عدم تكليف الصبي والمجنون للدليل الذي رواه أحمد فيمسنده [100/6] والدارمي في سننه [225/2] من حديث عائشةـ رضي الله عنهاـ عن النبيصلى الله عليه وسلم قال: «رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغيرحتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل»، وقد قال حماد أيضا: وعن المعتوه حتى يعقل، وقالأبو عبد الله الحاكم [216/2] هذا حديث صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي ومن ذلك عدمتكليف النساء في فترات الحيض والنفاس، فإنها حالة نقص لما رواه مسلم في صحيحه [79] من حديث عبد الله بن عمرـ رضي الله عنهماـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهقال: «.... وما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لُب منكن»، قالت: يا رسول اللهوما نقصان العقل والدين؟ قال:«أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد،فهذا نقصان العقل، وتمكث الليالي ما تصلي، وتفطر في رمضان، فهذا نقصان الدين»، وروىالبخاري [304] ومسلم [80] في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللهعنه.

(السادس) العسر: وقد نفى الله تعالى عن نفسه إرادة العسر لعباده، لقولهتعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرةـ 185]، وقوله تعالى (يريدالله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا) [النساءـ 28] وهذا تخفيف في التكاليف، وقولهتعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحجـ 78]، وقال(فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابنـ 116]، وفي الآيات البيان التام أن الله لا يكلف عباده ما لا يطيقون، لأنتكليف العبد ما لا يطيقه وما لا يقدر عليه، منالمشقة والعسر.

(السابع) الجهل: وبالجهل لم يقصد المكلف ارتكاب المنهي عنه فيعذر بجهله، لذلك أرسل اللهالرسل وأنزل الكتب حتى يرفع الجهل ويعرف الناس دينه ويُعلم الحق من الباطل، قالتعالى (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) [الإسراءـ 15]، وفي هذا المعنى قوله (لئلايكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساءـ 65]، وقال الشاعر:

وقالوا أماتخشى ذنوباً أتيتها

ولم تك ذا جهل فتعذر بالجهل

وفي خاتمة المقالنقول: إن التخفيف والتسهيل في التكاليف والتيسير على عباد الله بلا غلو ولا تقصيريكون بالاتباع والاقتداء والامتثال لما جاء عن الله تعالى وعن رسول الله صلى اللهعليه وسلم، ولم يكن يوما بترك النصوص الشرعية، والانفلات إلى عالم بلا قيود يسمى (الوسطية).

اللهم ارزقنا فقها في الدين، وثبتنا على طريق نبيك محمد الأمينصلى الله عليه وآله وسلم.



تاريخ النشر: الاثنين 25/9/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:29 PM
الغناء والأناشيد والمقامات الموسيقية باب واحد



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعدُ:

بعد أن ظهر من يروِّج للغناء وطلبَ الاعتناء بهذه الحرفة وعدمإهمالها، جاء بعض الناس ممن عرف بإثارة المسائل الشاذة، وتتبعها فنثر بعضاً منمسائله الجديدة وذكر بمسائله القديمة الشاذة في الوسائل الإعلامية المقروءةوالمسموعة ليقوم بإشغال صغار طلاب العلم والعوام، وكذلك من لا علم عنده، ولا متابعةلِما يفتي به العلماء الثقات، والأئمة الأثبات؛ ممن عرفوا بالتقوى والديانة، والعملعلى رفع همة أبناء المسلمين والعناية بهم، والأخذ بأيديهم لما به نفعٌ في الدنياوالآخرة، ومن المعلوم أنه لا يكاد يوجد قول منكر ومذموم، أو مسألة مرجوحة وفقه شاذ؛إلا وستجد له قائلاً، حتى أن الكفر المخرج من الدين هناك من يتخذه مذهباً ويقول به،ويدافع عنه.

من أخذ بالقول الشاذ وزلات العلماء كان شرُّ عبادالله

ففي «مسائل الإمام أحمد بن حنبل» رواية ابنه عبد الله (3/1351رقم: 1875) قال: سمعت أبي يقول: سمعت يحيى بن سعيد القطان يقول: لو أن رجلاً عمل بكلرخصة؛ بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل المدينة في السماع- يعني الغناء - وأهل مكةفي المتعة- أو كما قال أبي-، كان به فاسقاً.

وروى أبو بكر الخلال في «الأمربالمعروف والنهي عن المنكر» (ص100 رقم:170) وغيره بسند صحيح عن معمر بن راشد قال: كان شرُّ عباد الله.

وروى أبو بكر الخلال في كتابه «الأمر بالمعروف والنهيعن المنكر» (ص99 رقم:164) قال: وحدثني أبي- أي: أحمد بن حنبل- قال: حدثني إسحاق بنعيسى الطباع قال: سألت مالك بن أنس عمّا يترخص فيه أهل المدينة من الغناء؟ فقال: إنما يفعله عندنا الفساق. والإسناد صحيح.

وروى أبو بكر الخلال في «الأمربالمعروف والنهي عن المنكر» (ص99 رقم: 168) بسند صحيح قال سليمان التيمي: لو أخذتبرخصة كل عالم - أو زلة كل عالم -اجتمع فيك الشّر كله.

وروى أبو بكر الخلالفي «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (ص100 رقم:171) بسند صحيح عن إبراهيم بن أدهمقال: من حمل شاذّ العلماء حمل شراً كبيراً.

من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد

فاللهالله.. بالمسلمين وصيانة الدين عن كل ما يشوبه ويحرفه عن الصواب والاستقامة، قالتعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَيَرْجُو اللَّهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا}[الأحزاب:21]. ولقدأوصانا بقواعد عظيمة؛ كفيلة بحماية أصول الديانة، والذب عن شرائع الإسلام، ودفع كلمحدث في دين الله، فقد روى البخاري (2697) ومسلم (1718/17) في «صحيحيهما» من حديثعائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرناهذا ما ليس منه فهو رد». وهناك ما يفيد العموم كما في رواية لمسلم في «صحيحه» (1718/18): «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

لم يعرف الصحابة الأناشيد الصوفية

لقد جاءالرسول صلى الله عليه وسلم وعاش بين أصحابه وبين هذا الدين أكمل بيان، وتلا القرآنولم يكن شاعراً، واتخذ شاعراً، وكان الحداء معروفاً عند أصحابه، ولم تعرف الأناشيدالمحدثة والألحان الغريبة في عهد سيد الأنبياء والمرسلين، ولم يعرفها أصحابه الغُرّالميامين، فأنشأ جيلا حمل الرسالة من بعده، وأدى الأمانة على الوجه الذي أراد الله،فرضي الله عنهم أجمعين، ولم تكن تُعرف هذه المقامات والألحان المحدثة والمبتدعة،فلم تدخل على القرآن، ولا أدخلت على الشعر والقصائد المشروعة؛ لينقلب الأمر إلى مايعرف اليوم بالأناشيد الإسلامية والتواشيح الصوفية.

كان هذا منكراً من القول وزورا باتفاقالناس

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة (1/246):

ومع هذا فلايسوغ أن يُقرأ القرآن بألحان الغناء ولا أن يقرن به من الألحان ما يقرن بالغناء منالآلات وغيرها لا عند من يقول بإباحة ذلك ولا عند من يحرمه بل المسلمون متفقون علىالإنكار لأن يقرن بتحسين الصوت بالقرآن الآلات المطربة بالفم كالمزامير وباليدكالغرابيل، فلو قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم قد قرأ القرآن، وقد استقرأه منابن مسعود، وقد استمع لقراءة أبي موسى، وقال: «لقد أوتي مزمارا من مزامير داود»،فإذا قال قائل: إذا جاز ذلك بغير هذه الألحان، فلا يتغير الحكم بأن يسمع بالألحان؛كان هذا منكراً من القول وزورا باتفاق الناس.اهـ

السلف برآء قطعاً من القراءة بألحان الموسيقىالمتكلفة

وقال ابن القيم في زاد المعاد (1/463): فصل في هديه صلى الله عليهوسلم في قراءة القرآن واستماعه وخشوعه وبكائه عند قراءته واستماعه وتحسين صوته بهوتوابع ذلك.

وفصل النزاع أن يقال: التطريب والتغني علىوجهين:

أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا تمرين ولا تعليمبل إذا خلي وطبعه واسترسلت طبيعته جاءت بذلك التطريب والتلحين فذلك جائز وإن أعانطبيعته بفضل تزيين وتحسين كما قال أبو موسى الأشعري للنبي صلى الله عليه وسلم: «لوعلمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً»، والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق لا يملك مننفسه دفع التحزين والتطريب في القراءة ولكن النفوس تقبله وتستحليه لموافقته الطبعوعدم التكلف والتصنع فيه فهو مطبوع لا متطبع وكلف لا متكلف فهذا هو الذي كان السلفيفعلونه ويستمعونه وهو التغني الممدوح المحمود وهو الذي يتأثر به التالي والسامعوعلى هذا الوجه تحمل أدلة أرباب هذا القول كلها.

الوجه الثاني: ما كان منذلك صناعة من الصنائع وليس في الطبع السماحة به بل لا يحصل إلا بتكلف وتصنع وتمرنكما يتعلم أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة وأوزانمخترعة لا تحصل إلا بالتعلم والتكلف فهذه هي التي كرهها السلف وعابوها وذموهاومنعوا القراءة بها وأنكروا على من قرأ بها وأدلة أرباب هذا القول إنما تتناول هذاالوجه وبهذا التفصيل يزول الاشتباه ويتبين الصواب من غيره وكل من له علم بأحوالالسلف يعلم قطعا أنهم برآء من القراءة بألحان الموسيقى المتكلفة التي هي إيقاعاتوحركات موزونة معدودة محدودة وأنهم أتقى لله من أن يقرؤوا بها ويسوغوها ويعلم قطعاأنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب ويحسنون أصواتهم بالقرآن ويقرؤونه بشجى تارةوبطرب تارة وبشوق تارة وهذا أمر مركوز في الطباع تقاضيه ولم ينه عنه الشارع مع شدةتقاضي الطباع له بل أرشد إليه وندب إليه وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به وقال: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن»، وفيه وجهان: أحدهما: أنه إخبار بالواقع الذي كلنانفعله والثاني: أنه نفي لهدي من لم يفعله عن هديه وطريقته صلى الله عليهوسلم.اهـ

وفي مجموع فتاوى ابن باز (9/290)

س: ماذا يقول سماحتكم فيقارئ القرآن بواسطة مقامات هي أشبه بالمقامات الغنائية بل هي مأخوذة منها أفيدونابذلك جزاكم الله خيرا؟

ج: لا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناءوطريقة المغنيين بل يجب أن يقرأه كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب الرسول صلى اللهعليه وسلم وأتباعهم بإحسان، فيقرأه مرتلا متحزناً متخشعاً حتى يؤثر في القلوب التيتسمعه وحتى يتأثر هو بذلك، أما أن يقرأه على صفة المغنيين وعلى طريقتهم فهذا لايجوز.اهـ

وقال الشيخ بكر أبو زيد في بدع القراء القديمة والمعاصرة (ص5): التلحين في القراءة، تلحين الغناء والشَّعر. وهو مسقط للعدالة، ومن أسباب ردالشهادة، قَضَاءً. وكان أول حدوث هذه البدعة في القرن الرابع على أيديالموالي.اهـ

وقد كتُبَ هذا المقال على عجل فلله الحمد أولاً وآخراً ولناعودة بإذن الله.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 18/01/2010

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:31 PM
الكتاب والسنة أصول أهل الحديث والسنة والجماعة



كتب:د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله والصلاةوالسلام على من لا نبي بعده:

ان الناس في تمييز الامور والنظر فيها على تفاوت كبير، وكذلك حال المستفيد من كلام الله تعالى وكلام الرسول صلى الله عليهوسلم، هو ايضا ما بين مستفيد منتفع، راسخ فيما هو عليه من منهج وشريعة وعقيدة، واخرمشتت الافكار، تتنازعه مقالات اهل الاهواء والبدع، لا يكاد يجد ما يقف عليه، متقلبالامر والدين، قال تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمّن يمشي سويا على صراطمستقيم) (تبارك: 22)، وقال تعالى: (أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي بهفي الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) (الانعام: 122).

سبب في انحراف الطوائف

ومن اقبل على كتب الكلام وتردد على ائمة الضلالة، جعلمن نفسه مرمى سهام عدم التوفيق، والانحراف وفقدان الميزان الحقيقي الذي به يفصل بينالحق عن الباطل، ومآله انه في جانب واهل السنة والاثر في جانب اخر، نسأل الله لناوله الهداية والتوفيق، وضرب الله مثلا لمثل هؤلاء بالفريقين المختلفين كما قالتعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا أفلا تذكرون) (هود: 24)، قوله: (مثل الفريقين) كالأعمى والأصم وفريق كالبصير والسميع، فالمُعرضعن الحق وطلبه اعمى عن رؤية الحق في الدنيا والاخرة، لا يهتدي الى خير ولا يعرفه،اصم عن سَماع الادلة والبراهين من الكتاب والسنة الصحيحة، مكبا على بضاعة اهلالبدع، فلا يسمع ما ينتفع به ولا يصل اليه، واما الرجل اللبيب فهو الذي جرد نفسهلطلب الحق لا يسمع الا قال الله، قال رسوله، فطن، لم يجعل من عقله ودينه رهينه آراءالرجال، بصير بالحق يُميز بينه وبين الباطل فيتبع الخير ويترك الشر، سميع للحجةيفرق بينها وبين الشبهة فلا يروج عليه باطل، (هل يستويان مثلا) لا شك انهما لايستويان ابدا، (أفلا تذكرون)، أي: أفلا تعتبرون فتفرقون بينالفريقين.

وصف حال أهل الأهواء والبدع

ولقد ادى بهم الانصراف عن الحق:

ـ1 أن فقدواالانتفاع بالجوارح والحواس، التي انعم الله على عباده، فقال تعالى: (لهم قلوب لايفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها اولئك كالأنعام بل هماضل) (الاعراف: 179)، والمعنى انهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح، التي جعلهاالله سببا للهداية كما في قوله تعالى: (وجعلنا لهم سمعا وابصارا وافئدة فما اغنىعنهم سمعهم ولا ابصارهم و لا افئدتهم من شيء) (الاحقاف: 26).

أهل البدع «صم بكم عمي» امام كتابَيْ الفتوحات المكيةوفصوص الحكم

ـ2 مشابهة الانعام بل حالهم اسوأ من الانعام فقوله: (اولئككالأنعام بل هم أضل)، اي: من الدواب لانها قد تستجيب مع ذلك لراعيها وان لم تفقه مايقول لما بينهما من انس وألفة، وهو لا يستجيب! لذلك كان الوصف في قوله تعالى: (كمثلالذي ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون) (البقرة: 171)،والنعق صوت الراعي لغنمه والمعنى: مثل سماع هؤلاء الدعوة الى الكتاب والسنة وتركاباطيل اهل الضلال وما يقابله من عدم استجابتهم لنداء الحق، لهو دليل على قلة العقلوالفهم عن الله، وعن رسوله، كمثل المنعوق به من البهائم التي لا تفقه من الامروالنهي الا الصوت ولا تفقه ما يقول (صم بكم عمي فهم لا يعقلون)، ومثل قوله تعالى: (صم بكم عمي فهم لا يرجعون) (البقرة: 18)، والمعنى انهم لا يكونون صما ولا بكما ولاعميا الا عند عرض الحق عليهم، ولعدم الاخلاص في ارادة الحق، يعيشون في حال -والعياذبالله - في عزلة عن حواسهم، فكما اعرضوا واهملوا في طلب الحقيقة والتجرد عند طلبالحق، عوقبوا بعدم الاستفادة من هذه الجوارح والحواس، ولذلك اهل البدع صم بكم عميعن كتب ناطقة بالضلال والخرافات كـ «الفتوحات المكية» وما فيه من كفر دعا له واحدمن اشهر من اظهر الكفر في عصور الامة.

ـ3 انقطاع العلاقة بين القلب والجسد: وهذا من اشد ما يقاسيه الانسان، قال تعالى: (واعلموا ان الله يحول بين المرء وقلبه) (الانفال: 24)، وقال: (فإنها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (الحج: 46)، والبصائر الهدى، بصائر في القلوب لفهم الدين على الوجه الذي جاء بهالرسول صلى الله عليه وسلم واصحابه رضي الله عنهم، وليست ببصائر الرؤوس.

ـ4المُبتدع يخسر نفسه: قال تعالى: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون اولئكالذين خسروا انفسهم) (هود: 21ـ20) وقال تعالى: (نسوا الله فأنساهم أنفسهم) (الحشر: 19).

ـ5 المُبتدع مستسلم لقرينه: وينقاد دون إعمال العقل في ما تَعَّبدهالله به من نصوص الكتاب والسنة، غارق في قاموس مصطلحات القوم المستحدث، تذهب بهالريح في كل مهب، قال تعالى: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيص له شيطانا فهو له قرينوانهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون انهم مهتدون) (الزخرف: 37ـ36)، فأولياؤهم يزينونلهم البدع ويدفعون اليها، وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا، فيهلك بعضهم بعضا بتجمعاتهموتحزباتهم الباطلة.

مراجعة أهل البدع لما هم عليه وعلى لسانهم تراجعوا عنمذهبهم

ومن تجارب اهل الاهواء بعد الإعراض عن الوحي وضياعالاعمار في ظلمات علم الكلام، حصل مراجعات بعد طول عناء دون الوصول الى نتيجة اوثمرة سوى العودة الى ما في الكتاب وسنة رسوله، فذكروا حالهم وترحالهم كتابةوشعرا.

وهذا قائلهم بعد ان قضى عمره معظما للفلاسفة معرضا عن صاحب الرسالةيقول:

من أنت يا رسطو ومن

افلاط مثلك يا مبلد

ومن ابن سيناحيث قرر

ما هذيت به وشيد

هل انتم الا الفراش

رأى السراج وقدتوقد

فدنا فأحرق نفسه

ولو اهتدى رشدا لأبعد

وقال الشهرستانيفي اول كتابه نهاية الاقدام في علم الكلام:

لقد طفت في تلك المعاهدكلها

وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم ار إلا واضعا كفحائر

على ذقن او قارعا سن نادم

تاريخ النشر: الاثنين 31/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:33 PM
الكُتَّابُ وَقَانونُ الكًتَابَةً فًي القًرْطَاسً



الحمد لله الذي علَّمَ بالقلم والصلاة والسلام علَى من أُرْسًلَ إلَي الناسً كافة» من عرب وعجم، وبعد:

قال الله تعالَى: (اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم)[العلق: 3-5]، وهذا قسم من اللهتعالَى وتنبيه لًخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليمً الكتابةً الَّتًي بًهاتُنَالُ العلومُ وَلًهذا قال تعالَى:(والقلم وما يسطرون) [القلم:1].

وَإنإمساك اليد بالقلم والصحيفة وانسياب المداد ليكتب مخزون العقل وما يستحضره الذهن،لَهو فن رفيع القدر، عظيم الشأن، مَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ بًهً عَلَى عبادهً، لذلكيَحْسُنُ لًكُلًّ كاتبي أَنْ يَعْرًفَ قَانُونَهُ وَأَعْرَافَهُ.

والكتابُالْمَرقوم قد يكون هدفه:

1- مراسلةُ لأخ و صديق أو رفيق.

2- كتابةمَضْمُونُها المديح والثناء.

3- وقد يكون الكاتب» ذَا مًهْنة فًي وزارة أوديوان أو كاتب لَدَى سُلْطان، يَقُومُ عَلَى إًعْدَادً الْمُراسَلاتًوَالْمُخَاطَباتَ، وبًأسلوبه يوقد الْحَرْبَ بَيْنَ الطرفين، وَكَمْ جَمَعَبًجَميلً خًطَابًهً بَيْنَ ضًدَّيْنً.

4- وَمنً الكتابَةً تَصنيف الكتبوَالْمؤَلفات فًي شَتَّى الْمَعَارًفَ وَالعلومً.

5- وَمَن فنون الكتابة أنيكون كاتب مَقَالي ينشر ما يكتب فًي إحدَى الصحف اليومية أو الأسبوعية.

خيرما يقتني اللبيب كتاب ... محكم النقل متقن التقييد

فما هو القانون الذي يحكمقلم الكاتب؟ وما هو المعيار الذي يقاس به أداء الكاتب؟ وما هي المعالم المشتركةالتي يجب توافرها فًي المكتوب؟ ليجاز عندَ نُقَّادً الكَلًمً وَلْيُكْتَبَ لَهُالنَّجَاحُ.

أولا: الصدق والإخلاص

ينبغي أن يكون الكاتب صادقي فًيمايكتبه، نبيلي فًي رسالته، لا يسرق عقل القارئ، الذي يقرأ له، إلَى بيئة لا تعرف منالكتابة إلا رسمها، ينحت فًي ذهنه الكذب والنفاق، قال تعالَى:(اتقوا الله وكونوا معالصادقين)[التوبة: 119]، وفًي رًوَايَةي لأحمد في مسنده (1/410)، وأبو يعلَى فيمسنده (9/245) بسند صحيح، كان عبد الله بن مسعود رضي الله يقول: (إن الكذب لا يصلحمنه جَد وَلا هَزَل، ولا يَعًدُ الرَّجُلُ صَبًيَّا ثُمَّ لا يُنْجَزُ لَهُ). وأفضلمنه ما روى البخاري (6094)، ومسلم(2607) فًي صَحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعودرضي الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهديإلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجوريهدي إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا».

ثانيا: وضوحالهدف وَسُمو الغاية

تَحديد الْهدفً والغايةً من الكتابة عنصر مهم وأمرلازم، لًمن أراد ولوج هذا الميدان، لذلك نجد من يكتب لغايَةي يُجهد النفس فًي جمعالأفكار وضمها إلَى بعضها لتكون خادما لًهذا الْهدف وتحت لواء هذه الغاية، وفقدانالْهدف هو ضياع للْهوية وكشف لشخصيةً ذلك الكاتب، وموقعه من فن الكتابة الرفيع، لذاأهداف الكاتب لابد وأن تكون محددة واضحة الْمعالًم .

مَنْ كَانَ يُؤْمًنُبًاللهً واليومً الآخًرً فَلْيَكْتُبْ خيراً أو لًيُمْسًكْ

وكما أن الوضوحمطلب فكذلك السمو والرفعة بًهذا الْهدف من أسْمَى المطالب، وأن يكون هدفه تقديمالْخَير لأمته بًمداد القلم، ومن كتب لأهداف دنيويي وَأُمور دَنًيَّة» فعزاءُناللقلمً والْمًحْبَرَةً والقرطاسً، فَعَلامَ ضَيَاع الزمنً، وَلتجرب مواهبك فًي فنيآخَرَ، واترك القلم والكَتْبَ لأهلهً .وعلَى ذلك جرى اتفاق أهل العلم والقلم، فقالالذهبي فًي كتاب الكبائر وقبله النووي والغزالًي: و ينبغي للإنسان أن يسكت عن كل مارآه من أحوال الناس إلا ما في حكايته فائدة للمسلمين .

ثالثا: انتقاءُالْمُفرَدَةً والعنايةً بًها

وفي ذلك إحياء وعودة إلَى اللغة العربية - لغةالقرآن - باختيار المفردة التي لا تؤذي قارئا أو سامعا، بل تجد قبولا ومعالَجةنفسية يعيشها القارئ، وبشيوع الْمُفردةً النَّقًيَّةً الْحَيَّةً عًنْدَ الكَاتًبًوالقارئ وانتشارها نرقَى بالذوق العام للمجتمعات، وفًي هذا احْتًرَامُ الكَاتًبًلًعقْلًهً، وإنه فًي حال العمل علَى صَقْلً العقل» وتسليحه بالعلم والمعرفة، ومعالممارسةً وَالدُّرْبَةً، يًجًدُ عقلاَ ذا مَخزون مَعْرفًيّ، يَتَجَوَّلُ فًيهًفينتقي لكل موقف مفردته، ولكل ميداني كلمته.

رابعاً: السمو مع المتلقًّي (القارئ والسامع)

نعني كُلَّ مُخَاطَبي بالكتابةي ولو كان خصما أو عدوا فقدقال الله تَعَالَى: (وقولوا للناس حسنا) [ البقرة: 83 ]، وقال تعالَى:(اذهبا إلىفرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) [طه:43 -44]، يقول اللهتعالَى: لموسى وهارون: فقولا لفرعون قولا لينا، وفي ذلك توجيه بلين الجانب.والكتابةوالقول مثيلان، فإن القلم أحد اللسانين، وكاتب النبي صلَّى الله عليه وسلم كسرىالفرس وقيصر الروم ونجاشي الحبشة» بعبارات لطيفة لعلهم يدخلون في دين اللهوَيَدَعُونَ ما هم عليه عاكفين، كما روى البخاري (7)، ومسلم(1773) فًي صَحيحيهما منحديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقرأه فإذا فيه ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم). وباحترام القارئ وَمُخاطبةً عقله بًهدوء قد يَبْلُغُ العلاجُ موضعه فيكونالقبول.

خامسا: العلم والمعرفة

وهل هناك كاتب بلا معرفة ولا علم؟! وفي هذا عدة أمور:

(1) الواجب على كل من تصدى للكتابة أن تكون لديه قاعدة منالمعرفة والعلم.

(2) من المعلوم أن أسمى العلوم وأعلاها قدرا وشأنا هو العلمبالكتاب والسنة.

(3) أن يحسن الجمع بين تراكيب مفرداته وضم معلوماته ويقومعلَى توجيهها ووضعها فًي مَكَانًها الذي جُعًلَتْ لَهُ.

سادساً: التأدب معالمخالف

وهنا التؤدة وعدم التعصب في الرد أمري مطلوب، ووصف عزيز مرغوب،فبالرفق والتؤدة يتسنى للكاتب وضع كل حرف موضعه.ولنا ما روى الترمذي في سننه (2010)، وعبد بن حميد في مسنده (1/183) ما صح عن عبد الله بن سرجس المزني قال: أنالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمت الحسن، والتؤدة، والاقتصاد، جزء من أربعةوعشرين جزءاً من النبوة».والكتابة بغضب عند المعالجة و فًي حال الردود عَلَىالمخالف، يُغْلَقُ العقلُ وهنالك لا تسأل؟ لماذا يزل القلم في اختيار تراكيبه وجملهومفرداته. وللحديث بقية في هذا الباب المهم.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 12/2/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:34 PM
الْمُحَافَظَـةُ عَلَى الْهَوًيَّـةً وَبًنَـاءُ الشَّخْصيَّةً



إنَّ بناءَ الذاتً والاعتزازً بًها مًنْ أَهَمًّ مُقَوماتً بَعْثً الأُمَمً والْحضارات، فلكلًّ حَضارة لُغَة، ومُعْتَقَدَات،وَأَعْرافي، وَأَعْياد، وَتَقاليد خَاصَّة بًها، وعلى قَدرً التمَسُّكً بًهَا» والثباتً عَلَى استمرارً وجودًها» تكون هذه الْحضارةُ قد فرضت لًلَونًها وجوداًبَيْنَ الْحضاراتً، وعلى قدر ما تَملك مًنْ مُقَوًّماتً التَّمَيُّزً» وَسُبلالنجاحً، تكون أقرب لإغراءً النفوسً، وَمُخاطبةً العقولً الصحيحةً، وَأَنَّهامَلاذي للبَشَرً، وَنباتي للشَّجَرً، وَسكوني لًلْحَجَرً.

الْحَفـاظُ عَلَى الْهَويَّـةًظَاهًراً

أولا: اللُّغَةُ العَرَبًية هَويَّةُالأُمَّةً

وَالْمُحافظة على الْهوية الْخارجية هو بالْمحافظةً عَلَى اللسانوالبيان، فاللغة العربية هًي إحدى اللغات السائدة فًي زمن ما قبل الرًّسالةًالْمُحمدية، ثُمَّ نَزَلَ الوَحْيُ بًلسانً سَيًّدً وَلَدً آدَمَ مُحَمَّد صَلَّىاللهُ عَليهً وسلَّم، فقال تَعالَى: (وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمينعلى قلبك لتكون من المنذرين بلسان عَربًي مُبًيْن )[الشعراء: 192- 195]، وَقَالَتَعَالَى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) [يوسف: 2]، وتقرر للعالَمكُلًّهً: أَنَّ دًينَهُ الإسلامُ، فالدينُ وَاحًدي، لقوله تعالَى: (إن الدين عندالله الإسلام ) [آل عمران: 19]، وَكًتَابَهُ القرآنُ، فالكتابُ وَاحًدي، قالتعالَى:(وأوحي إًلَيَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ ) [ الأنعام: 19 ]، وُبُعًثَمُحَمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلم للناس كافةً، فالنَّبًيُّ الْمُرْسَلُ واحد، قالتَعالَى: ( وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولَها )[الشورى:7]،وَقَالَ: ( قل يا أيها الناس إًنًي رسول الله إليكم جميعا )[ الأعراف: 158]، قَالَأَبو جَعْفَر الطَّبَرًيًّ فًي تَفسيرًهً جَامًعً البَيَانً: ( قل ) يا مُحَمدُ! للناسً كُلًّهم، ( إًنًي رَسولُ اللهً إًليكم جمًيعاً )، لا إًلَى بَعضًكُم دُونَبَعضي ،كَمَا كَانَ مَنْ قَبْلًي مًنَ الرُّسُلً» مُرْسَلاً إًلَى بَعضً الناسًدونَ بَعضي، فَمنْ كان مًنهُم أُرْسًلَ كذلكَ» فَإًنَّ رًسَالَتًي لَيسَتْ إًلَىبَعْضًكُمْ دُونَ بَعْض، وَلكًنَّهَا إًلَى جَمًيعًكُم.اهـ.

وَلًذَا رَوَىالبُخَارًيُّ (438) وَمُسْلًمي (521) فًي صَحًيْحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً جَابًرًبْنً عَبْدً اللهً رَضًيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسولُ اللهً صَلَّى اللهُعَلَيهً وَسَلَّم: « وَبُعًثْتُ إًلَى النَّاسً كَافَةً»، فكان بًهذا الدين وهذاالكتاب وهذا النَّبًي، أَنْ نُقًلَتْ اللغةُ العَربيةُ مًنَ الإًقْلًيمًيَّةً إلَىالعَالَمًيَّةً، فأصبحت عَلامَةً بارزةَ للحضارةً العربيةً والإسلاميةً، فكلمارأيتَ العربيةَ رَمزاً لًلعًزًّ والفَخْرً فًي كُلًّ مَيدان، فاعلمْ أَنَّ حَالَأُمَّةً الإسلام بًخَيْر. ولكي نحافظ عليها ونصونَها علنيا ببعض الأمورمنها:.

(1): عدم الاستجابة للدعوات التى نسمعها من دعاة تفكيك الأمة، تنطلقبَيْنَ الفَينَةً وَالأُخْرَى، تُنَادًي بًإًحْياءً اللهجاتً الْمَحَليةً،وَجَعْلهَا بَدًيلاً لًلُغَةً القُرآن.

(2): وَيَجًبُ أن يزداد الاهتمامبتعليم أبنائنا لغتهم، حتى نرى أجيالاً تُمَثًّلُ الْهويةً.

(3): وأن نعتنيبًها، ونَحرص على نشرها.

(4): التَّرْكُ وَالتَّخَلي عَنْ التَّحَدُّثًباللغاتً وَاللَّهَجَاتً الدَّخيلةً أو التَّحَدُّثً بًبَعضً مُفْرَدَاتًها ـ علىقدر الاستطاعة - وَالتًى أصبح البعض يعتقد أَنَّها جُزْءي مًنَ اللغَةً الأم. ويُستثنَى من ذلك ما دعت إليه الْحاجةُ، وفرضته الضرورةُ، وكل هذا يُقدَّرُبًقدرًهً، من أجل حًمايةً الْهَويةً.

ثانيا: الأَعْيَادُ وَالسُّلوكُوَالعَادَاتُ هَوًيَّة

إن الشعوبَ لَها عادات وتقاليد تَهتم بًها، ولكلحضارة أعياد، وَمَحافًل تَجمعُهَا، وتَحرصُ الْحضارةُ عليها، لأَنَّها تُبْقًي علَىهَويَّتًها بَيْنَ الأُمَمً، وَ هًي عُنْصر مهم فًي توحدًها وتَماسُكًها، فلا تتفلتشعوبُها وتتشتت، فعندما يتَمَزّيق ثَوبُ الْهَويَّةً، تقعُ الْمَأْساةُ، ويكونالأفراد والشعوب عُرضةً للتَّأَثُّرً بالْحضاراتً الْمُجَاورةً. ولذا جاء مًنْطَرًيقً أَنَسي رَضًيَ اللهُ عَنْهُ فًي صَحًيحً مُسلًمي (302) عن اليهود: (فَقَالُوا: مَا يُرًيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مًنْ أَمْرًنَا شَيْئًا إًلاخَالَفَنَا فًيهً). وكذلك حَثَّ الشارعُ علَى التَّمَيُّزً وَعَدَمً ذَوَبَانًالْهويةً، كَمَا رَوَى البُخَارًيُّ (952)، وَمُسْلًم (892) فًي صَحًيْحَيْهًمَامًنْ حَدًيثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهًصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا بَكْري! إًنَّ لًكُلًّ قَوْميعًيدًا وَهَذَا عًيدُنَا». فكما أَنَّ لًلأُمَمً أَعْياد وَعَادَات خَاصَة بًها،كما فًي قوله: «إًنَّ لًكُلًّ قَوْمي عًيدًا»، وَجَبَ عَلَى أُمَّةً الإًسلامًالتَّمَيُّزُ عَنً الْحَضَاراتً والطوائَفَ، بًالأَعيادً وَمَواسًمَ الفَرَحًوالسُّرورً لقولًهً: «وَهَذَا عًيدُنَا»، قال شيخ الإسلام فًي كتابه «اقتضاء الصراطالمستقيم »: قَوْلُهُ: «إًنَّ لًكُلًّ قَوم عًيداً، وَهَذَا عًيدُنَا»، فإن هذايُوجًبُ اختصاصَ كل قوم بًعيدًهم، كما أَنَّهُ سُبحانَهُ لَمَّا قَالَ: (ولكل وجهةهو موليها)، وقال: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)، أوجب ذلك اختصاص كل قوم بوجهتهموبشرعتهم، وذلكَ أَنَّ اللامَ تُورثُ الاختصاصُ فإذا كان لليهودً عًيد» وللنصارىعًيد» كانوا مُختصيْنَ بًهً، فَلا نُشركهم فيه، كما لا نُشركهم فًي قًبلتهموَشًرعتهم.اهـ

الْمُخَالَفَةُ وَالتَّمَيزُ

حتَّى لا تذوبُهَوًيَّتُنَا فًي هَوًية أُخرَى

قلت: وهَذا عَيْنُ الْحفاظً عَلَىالْهَوًيةً، وَرَسْمُ طًريق خاص لًهذه الأمةً بَيْنَ الطُّرُقً، فرَوَىالبُخَارًيُّ (5892) وَمُسْلًم (259) فًي صَحًيْحَيْهًمَا مًنْ حَدًيثً ابْنًعُمَرَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ: «خَالًفُوا الْمُشْرًكًيْنَ». وَرَوَى مُسْلًمي (260) فًيصَحًيْحَهً مًنْ حَدًيثً أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَرَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «خَالًفُوا الْمَجُوسَ». فكاندوما يُبعًدُ أَصحَابُهُ عَنْ مَظَاهًرً الآخَرًين التًي هًي ميزة لَهم، ويُنَبهعلَى مُخالفتهم، وعدم متابعتهم، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاودَ فًي سُنَنًه بًسَندصَحيح (3313) مًنْ حَدًيثً ثَابًتُ بْنُ الضَّحَّاكً رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: نَذَرَ رَجُلي عَلَى عَهْدً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ،أَنْ يَنْحَرَ إًبًلا بًبُوَانَةَ، فَأَتَى النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهًوَسَلَّمَ، فَقَالَ: إًنًّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إًبًلاً بًبُوَانَةَ، فَقَالَالنَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فًيهَا وَثَن مًنْأَوْثَانً الْجَاهًلًيَّةً يُعْبَدُ؟»، قَالُوا: لا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فًيهَاعًيد مًنْ أَعْيَادًهًمْ؟»، قَالُوا: لا، قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ: «أَوْفً بًنَذْرًكَ، فَإًنَّهُ لا وَفَاءَ لًنَذْر فًيمَعْصًيَةً اللَّهً، وَلا فًيمَا لا يَمْلًكُ ابْنُ آدَمَ».

ثالثا: بَعْضُاللبَاسً رَمْز وَعَلامَةُ شَخصية.

يُلاحَظُ أَنَّ لًكُلًّ بلد أو إقليم أومنطقة لباس خاص بأهلها، وفًي بعضها يكون جُزء مًنَ اللباسً علامةً فارًقَةًتَرْمُزُ إلَى بلده أو دينه ومعتقده، وَإًنه مًنَ الْمُحزنً أَنَّ بَعْضَالْمُسلًميْن وَصلَ بًهم الأَمْرُ إلَى الاستًهانَةً بًزَيًّهً وَلبَاسًهً، الذييُحددُ هويته، ويرمزُ إلَى مَوقًعَهُ الْجُغْرَافًي أَحْيَاناً، وَغَرَّهُ التطورَالْحضاريًّ فًي الْمجال الدنيوي فًي بعض البلاد، فسارع إلَى خلع لباسه، ولبس لباسالقوم إعجاباً، واعتقاداً أَنَّ السًرَّ فًي مَا هُمْ عَليهً مًنْ تَطَوري فًيالصناعةً وَ العلومً الدُّنيوية، هُوَ فًي نسيج اللباس، وليس فًي خلايا العقولً. ثُمَّ لًماذا نُشاهًدُ بَعضَ الطوائًفً تُحافًظُ علَى زيّ مُعَيَّن؟، كَمَا نَرَاهفًي طائًفَةً السًّيخً مثلاً، فَإًنَّ الكَثيْرَ مًنْ أَتباعً هَذًهً الطائًفَةًيُلازًمُ رَأْسُهُ لباساً خاصاً، لا يضعه عَنْ رَأسًهً، مَهمَا كانت الْمًهنَةُ أوالْمَكانُ، وَمثالاً: نَرَى الشُّرَطَ وَالعَسَاكًرَ مًنهم لا يَخلعون هذا اللباس،لًماذا؟! إًنَّها الْهَويةُ... إًنَّها الرمزُ للديانةً وَالْمُعتقدً...إًنَّهُالتَّحديُ الناطقُ..يَقَولُ: هَوًيَّتًي لَنْ تَذوب !!

الْحفاظُ عَلَى الْهَويةً بَاطًناً

أولا: سَلامَةُ الْمُعْتَقَدًوَصحَّتُهُ

ولإصلاح الباطن يَجبُ تَعَاهدُه بالنصحً للهً تعالَى، وذلكبالْمحافظة على العقيدة الصحيحة، وتوحيد الله وأفراده بالعبودية، فلا معبود بحقيسًواه، ولا طريق لطاعَتهً إًلا بًاتًّباعً نَبًيه، صلى الله عليه وسلم، فَما كان مننتيجَةيي إلا أَنْ تَمَيَّزَتْ هذًهً الأُمةُ عَنْ بَاقًي الأُمَمً والدياناتًوالْمًلَلً وَالطَّوائًفَ، بًتَوحًيدً الوَاحًدً الأَحَدً الفَردً الصَّمَد، قَالَتَعالَى: ( قل إًنَّنًي هداني ربًي إلَى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفاوما كان من المشركين قل إن صلاتًي ونسكي ومحياي ومَماتًي لله رب العالمين لا شريكله وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )[الأنعام: 161-163].

وانفردت أمة الإسلاممن بين الأمم بسمو الاعتقاد، واحترام العقل، فهي أمة بلا خرافات، فاحترمت العقل،أمة أنكرت الْخُزَعْبَلات، فلم تكن ضحية للأضرحة وبيوت الأموات، فأعلت من شأنالعقل، أمة لَم تُقًر شعوذة ولا سحرا» فسمت بالعقل.

ثانيا: التَّلازُمُبَينَ الظاهًرً وَالبَاطًنً

لا يُمْكًنُ بًحال الفَصْلُ بَيْنً الداخلًوَالْخَارًجً، وَالبَاطًنُ وَالظاَهًرُ، بل إن ما نراه مًنْ أنواعً السلوكوالمظاهر، والصفات الْخارجية، لاينفك أبداً عما يدور فًي العقل واحتواه الذهن،ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بًما استقر فًي الفؤادً واعتقده القلب، لذلك علَى قدر مانَرَى مًنْ تَمَسُّك بًشعائًرً الإسلامً وَمَظاهرًهً، نَعلَمُ أَنَّهُ نباتي قَدضُرًبَتْ عُروقُهُ فًي الباطًنً، وَكُلّمَا تُسَقى هذهً العروقُ التًي لا تُرَى، لامَحالةَ يَوماً سَوفَ نَرَى عَلَى الأَرْضً ظَاهًراً لًلنَّاسً» ما يُعَبًّرُ عَنْهَوًيَّة مَفْقُودَة أَوْ مَوجُودَة.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 5/3/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:36 PM
المصلحة الكبرى هي حفظ هيبة الدولة وقوة النظام


كتب:د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

ان الحفاظ على كيان الدولة وهيبة النظام في نفوس الناس من اعظم المصالح التي يجب الا تنتهك، بل هي المصلحة الكبرى وفوق كل مصلحة، ففي هيبة الدولة، هيبة القضاء وهيبة المؤسسات العامةوالخاصة، وهيبة للمدن والقرى والطرقات فلا تنتهك الحرمات، فيعم الامن والامان في كلمكان، حتى المواطن تكون له هيبة فلا يجرؤ احد ان يعتدي على ممتلكاته ، لذا يجب الايسمح لاحد ان يعتدى على هذا الكيان الذي تعلقت به مصالح البلاد ومنافع العباد وبلتستمد من وجوده، وتزداد المصالح قوة واستقرارا كلما كان النظام قويا متماسكا مهابالجانب، وقال الشاعر:

حصّن بلادك هيبة لا رهبة

فالدرع من عدد الشجاعالحازم

المفسدة العظمى في ظاهرة التهديد والوعيد العلني للدولة.

وانمن اكبر المفاسد التي نراها ذلك الهجوم الشرس المعلن، الذي تكال فيه الاتهاماتللنظام الحاكم، وهذا الضجيح السافر، من اناس حادوا عن الجادة وخالفوا الصواب حتىبدت الدولة منزوعة المهابة، واصبح الكلام على الحكام وولاة الامر، وكل من يمسكبزمام الامر في الدولة، من المسلمات وعنوانا لاغلب المنتديات، والحقيقة انه لأمرخطير، ونهايته شر مستطير ولله در القائل:

يا راقد الليل مسرورابأوله

ان الحوادث قد يطرقن اسحارا

وهذا خلط للحق بالباطل وتلبيس علىالعوام فوجب اعلام الانام ان هذا الذي يدور ليس دين الاسلام، وهو عبارة عن خليط منمذاهب الفرق الباطنية، والخوارج، وقطاع الطرق، التي ما برحت في كل زمان ومكان تحيكالدسائس لولاة الامر، وتقوم على تأليب العامة على الحكام، وكذلك الاساليب المستوردةمن دول دينها، ونظامها قائم على التفرق والاختلاف ويرون حرية الرأي في السبابوالشتائم، والمهاترات والنزاعات التي تنتهي بزرع الفتن في المجتمعات وفناء الدولوهدم الحضارات.

ذو الخويصرة التميمي رائد بدعة الخروج بالرأي علىالحاكم



قال للنبي صلى الله عليه وسلم وهو في جمع مناصحابه: (اعدل ـ اتق الله ـ ما عدلت) لقد عاب ذلك الرجل النبي صلى الله عليه وسلموهو ولي امر المسلمين، فنزل قول الله تعالى: (ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن اعطوامنها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون * ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسولهوقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون) »التوبة: 59،58«. وروى البخاري (3610)، ومسلم ـ1064) في صحيحيهما من حديث ابي سعيد الخدريرضي الله عنه قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسماً أتاهذو الخويصرة ـ وهو رجل من بني تميم ـ فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال: »ويلك ومنيعدل اذا لم اعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل«، فقال: عمر يا رسول الله! ائذن ليفيه فأضرب عنقه، فقال: »دعه« فإن له اصحاباً يحقر احدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه معصيامهم، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم منالرمية«.

وفي رواية في الصحيحين: فقال: يا رسول الله! اتق الله، قال: »ويلكاولستُ احق اهل الأرض ان يتقي الله«.

وفي رواية في الصحيح: فقال رجل ماعدلت. وفي الحديث:

ـ قوم لم يعترضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلمفكانوا هم النموذج الأمثل لحال الرعية مع الراعي، فرضوا بما قضى به، وسلموالحكمه.

ـ وهناك من شذ عن هذا المنهج، وأظهر اعتراضه وسخطه، فأخبر النبي صلىالله عليه وسلم انه منحرف الطريقة والمنهاج هو وأتباعه.

المصلحة العامة مقدمة على المصلحةالخاصة

لابد ان تقدم المصلحة العامة، فهي اعظم من مصالح آحادالناس، او مصالح بعض التجمعات مهما كان ذلك الحق، فالحق العام مقدم على الحق الخاص،لما روى البخاري (3603)، ومسلم (1843) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضيالله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنها ستكون بعدي اثرة، وأمورتنكرونها«، قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من ادرك منا ذلك؟ قال: »تؤدون الحق الذيعليكم، وتسألون الله الذي لكم«. فتماسك المجتمع حول أميره حق عام، وما يفقده البعضمن حقوق، هي في حكم الحق الخاص، وبصيانة الحق العام تستقيم مصالح وحقوق المجتمع،وفي الصحيحين [»البخاري (7053)، ومسلم (1849)] أيضا من حديث ابن عباس رضي اللهعنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »من كره من أميره شيئا فليصبر«. وفيماذكرنا لم يقل لهم النبي صلى الله عليه وسلم هاجموهم في ندواتكم ومجالسكم بالقولوالفعل، من أجل حقوقكم، وأوغروا صدور العامة على حكامهم وحكوماتهم من أجل حقوقكم،حتى صار المجتمع يعتقد ان ما يردده هؤلاء ويقولونه هو الحق، فيحقد العامة علىنظامهم، وتتسع الهوة بين الحاكم والمحكوم، والحق والصواب أننا أمرنا بقوله: »تؤدونالحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم« وأمرنا بالصبر كما في حديث ابن عباس، لاان نجمع الناس لكي نملأ آذانهم صراخاً وضجيجاً. وبالغ النبي صلى الله عليه وسلم فيذلك لأهميته فروى أبو داود (4244) والحاكم (479/4) وصححه، وأصله رواه مسلم (1847) من حديث حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »إن كان لله خليفة في الأرضفضرب ظهرك وأخذ مالك فاطعه وإلا فمت وانت عاض بجذل شجرة«. أي: (فضرب ظهرك): ظلما، و (أخذ مالك): ظلما، (فأطعه): أي فالزم طاعته، ولا تخالفه لئلا تثور فتنة، (وإلا): فإن لم يكن أمير ولا جماعة، (فمت وانت عاض بجذل شجرة) وهذا توجيه لاعتزال الناسوالابتعاد عن الفتن. وأسأل الله ان يكون في ذلك نفعا لمن وقف على ما ذكرناه، وانيوفقني واياكم لما يحب ويرضي من القول والعمل، والحمد لله ربالعالمين.

تاريخ النشر: الاثنين 19/6/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:37 PM
المظاهرات عدو المصالح والإصلاح



الحمدلله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

إن النزول إلىالشوارع والتجمع في الأماكن العامة، وتسيير الحشود البشرية، ما هو إلا نوع تمرد علىالدولة ونظامهاـ حقا كان النظام أو باطلاـ والخروج على جماعة المسلمين، مهما كانذلك الشعار المحمول، فلا تغتر بلمعانه وبريقه، فالأمر أكبر والشر يقدمزاحفا.

وما في التجمهر والتظاهر من الفتن والفساد فإنما يُدرك بأدنى تفطنوتأمل فيما يشاهد من الأقوال والأفعال.

والمظاهرة معناها: المعونة والنصرة،قال تعالى: (ولم يظاهروا عليكم أحدا) [التوبةـ 4]، والمظاهرة: المعاونة، وقال تعالى (ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا) [الإسراءـ 188]، أي: عونا ونصيرا.

وروى البخاريفي صحيحه (4596، 7085) أن محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال: قُطع على أهل المدينةبعثي فاكتتبت فيه فلقيت عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثمقال: أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركينعلى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فيرمى به فيصيب أحدهم فيقتله أويضرب فيقتل فأنزل الله (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم). الآية.

قالأهل العلم: (يكثرون سواد المشركين) جماعتهم أي مع أنهم لا يوافقونهم في قلوبهمكانوا ظالمين لأنهم أفادوهم قوة بوجودهم معهم. وذكر البخاري في موضعين منها: (كتابالفتنـ باب من كره أن يكثر سواد الفتن والظلم) وهذا من فقهه رحمه الله.

وقالالحافظ في الفتح: وفي هذه القصة دلالة على براءة عكرمة مما ينسب إليه من رأيالخوارج لأنه بالغ في النهي عن قتال المسلمين وتكثير سواد من يقاتلهم، وغرض عكرمةأن الله ذمّ من كثّر سواد المشركين مع أنهم كانوا لا يريدون بقلوبهم موافقتهم،وقال: فكذلك أنت، لا تكثر سواد هذا الجيش، وإن كنت لا تريد موافقتهم. أهــ

كيف نشأت ولماذا نشأت ومتى نشأت؟

كيف ولماذا؟ سببه الأول العصيانالبشري لأنظمة المكان الذي يعيش فيه، والموطن والبلد الذي يقطن فيه، سواء كان الحقله أو عليه.

متى نشأت؟ وباختصار حول نشأتها:

أولاً: في التاريخالإسلامي نجد فرقة الخوارج هم أول من أظهر هذه الفتنة، فخرجوا على ولاة الأمروأمراء المسلمين، ولا يخفى ذاك التجمع والتجمهر حول بيت عثمان بن عفان ـ رضي اللهعنه ـ ثالث الخلفاء الراشدين المهديين، والذي انتهى بقتله، وبدأت الفتن تتابع فيبلاد المسلمين.

ثانيا: في التاريخ الغربي نجد أن شعار الديموقراطية الذيأعلنوه منهجا إصلاحيا، وسعوا إلى تصديره في كل أنحاء المعمورة، يفاجئهم ويقلقهمبالشغب الديموقراطي، فالمظاهرة والعصيان المدني عندهم هما من الحريات التي كفلهاشعار الديموقراطية، وما زالت هذه الدول تعاني ويلات الانقلابات الديموقراطية، التيجعلت الدولة غير مستقرة دائمة التغيير، كل يوم هي في حال، ونظام التشريع يتبدلويتقلب، كتقلب الليل والنهار، فكيف تستقر للناس مصالح، وكيف السبيل إلى بيئة وعالمتوجد فيه الطمأنينة والهدوء والراحة، وهذا ما ينشده الناس من كلتشريع.

ملاحظة: اصطلاح الديموقراطية لفظ مجمل قد يحمل معاني نافعة وقد يحملمعاني ضارة، لذا لا نقبله كله ولا نرده كله، بل نطلب التفصيل في لفظه ومعانيه، فماوافق الكتاب والسنة أخذنا به، وما خالف ما جاء من عند الله رددناه، وما تعرض لأمورإدارية وتنظيمية من غير مخالفات شرعية، فالأمر لواضع النظام أن يأخذ ما يناسب مصالحالرعية.

المظاهرة ضياع لمصالح الأمة

إن المظاهرات من الفساد في الأرضلما فيها من:

1ـ نزع هيبة الدولة والنظام عند مواطنيها.

2ـ بث الشعورالخاطئ بين الدول المحيطة بذلك التجمهر والتشهير بأن نظام الحكم غير مرضيعنه.

3ـ في المتظاهرين من هو حسن النية، وإن كان التظاهر عمل غير صالح منأصله، ولكنه يفتح مجالا للدخلاء بين الصفوف والقيام بإطلاق بعض العبارات المسمومةالتي توغر الصدور، وفي ذلك شق لصف المسلمين، قال تعالى (لو خرجوا فيكم ما زادوكمإلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين) [التوبةـ 47]، ومن يضمن عدم إطلاق رصاصة أو قذيفة في الاتجاه الآخر أو في الهواء،ليدفع بالفريقين إلى مقتلة ومذبحة، وكم قرأنا وسمعنا الكثير من ذلك مما لا يستطيعأن يرفضه عقل صحيح، والرصاصة إذا انطلقت لن يوقفها أحد وستبلغ مداها، وتترك أثرها،ولا نملك إلا علاج الأثر، هذا إذا تمكنا من ذلك.

4ـ تحريك شهوة النفسالشريرة الداخلية لمحاولة الوثوب على النظام الحاكم، والإطاحة به، عندما يرون البعضمن الشعب يتجرأ على النظام، ولا تتخذ الدولة إجراء حازما يوقف ويمنع تكرار هذهالفتن، ومشاهد التاريخ القديم والمعاصر تخبرنا عن ذلك.

5ـ إثارة الشهية لبعثالشرور الخارجية، لابتلاع الدولة التي لا تستطيع إخماد فتن الداخل.

والفتنأخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم، روى البخاري (3602) ومسلم (2886) في صحيحيهمامن حديث أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ستكونفتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير منالساعي، ومن يُشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به»، وأثر عن السلفالابتعاد عن مواقع الفتن.

وروى عبد الرزاق في المصنف بسند صحيح (450/11) عنطاووس قال: لما وقعت فتنة عثمان قال رجل لأهله أوثقوني بالحديد فإني مجنون، فلماقُتل عثمان قال: خلوا عني فالحمد لله الذي شفاني من الجنون وعافاني من قتلعثمان.

في الطاعة والصبر

العلاج والحل

قال تعالى (وتعاونواعلى البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب) [المائدةـ 2]، وقال تعالى (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [العصرـ 3].

والمظاهرة خروج عن الطاعة لذا أمرنا بالطاعة والصبر، روى البخاري (3792) ومسلم (1845) في صحيحيهما من حديث أسيد بن حضيرـ رضي الله عنهـ أن رجلا من الأنصارقال: يا رسول ألا تستعملني كما استعملت فلانا؟ قال: «ستلقون بعدة أثرة فاصبروا حتىتلقوني على الحوض».

وروى البخاري (3603) ومسلم (1843) في صحيحيهما من حديثابن مسعودـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون أثرة وأمورتنكرونها»، قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا؟ قال: «تؤدون الحق الذي عليكم وتسألونالله الذي لكم».

عصمنا الله وإياكم من الفتن ما ظهر منها ومابطن.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 27/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:38 PM
الْمَنهَجُ السَّلفي وَمناهجُ جماعة الـ (138)



د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

دأب أهل العلم على بيان معتقد أهل السنة والذب عنهوالنهي عن التشبه بالكفار والبراءة من شعائر المشركين قال الله تعالَى:(وَإًذْقَالَ إًبْرَاهًيمُ لأَبًيهً وَقَوْمًهً إًنَّنًي بَرَاء مًمَّا تَعْبُدُونَ إًلاالَّذًي فَطَرَنًي فَإًنَّهُ سَيَهْدًينً وَجَعَلَهَا كَلًمَةً بَاقًيَةً فًيعَقًبًهً لَعَلَّهُمْ يَرْجًعُون)[الزخرف:26-28]، ويقرأ المسلمون مراراً فًي صلواتاليوم والليلة الدعاء بًمخالفة اليهود والنصارى فًي قولنا: (اهْدًنَا الصًّرَاطَالْمُسْتَقًيمَ صًرَاطَ الَّذًينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهًمْ غَيْرً الْمَغْضُوبًعَلَيْهًمْ وَلاَ الضَّالًّينَ )[الفاتحة:6-7]، وفًي زمن الانبهار والإعجاب من بعضالناس بًما عليه الكفار ذلك الإعجاب الناشئ عن ضعف الْمسلمين، نجد قيام أهل العلمفًي مثل هذه الأيام من كل عام بتذكير الناس بالْتّمسك بالدين، والْمحافظة علَى هويةالْمسلمين، وعدم الاحتفال والْمشاركة أو التهنئة بأعياد الْمشركين من اليهودوالنصارى والْمجوس والآخرين، وهذا القول عليه عامة أهل السنة.

جماعة الـ (138) ردوا علَى الحُجةًبالكثرةً

أثارت قضية تهنئة الكفار جدلا بين الْمسلمين فمن ذاهبإلَى القول بحرمة تَهنئة الكفار بأعيادهم أو مشاركتهم، وآخرين قالوا بالْجواز،والذين ذهبوا إلَى التحريم هم أهل السنة وأصحاب الحديث. فكان قولُهم قائما علَىأدلة وقواعد صلبة تنحت فًي الْحجر، لًما تَملك من قوة التأصيل والاستدلال، وعدماضطرابً القواعد. والقائلون بالجواز كالذي يكتب فتواه فًي الْهواء أو علَى سطحالْماء، لا يَملك قاعدة، ولا يقف على أصول ثابتة، بل ذهبوا إلَى التلويح بالكثرة،وَردوا حُجَّةَ أهل السنة بًعددً دونَ عدةي، فقالوا: لدينا (138)، ومتى كان جمعالأسماء والكثرة حُجة ودليلا؟!

وإليك الأدلة من كلام الله تعالَى بأن الكثرةلَم تكن دليلا على الحق فإذا لَم يملكوا دليلا علَى ما ادعوه وأذاعوه» فلن يشفعلَهم العدد الذي ذكروه، ولو حشدوا ألفا أو ألفين، فالنصر لًمن ساق الأدلةوالبراهين، قال تعالَى: (إًنَّهُ الْحَقُّ مًنْ رَبًّكَ وَلَكًنَّ أَكْثَرَالنَّاسً لاَ يُؤْمًنُونَ )[هود: 17]، وقال: (وَلاَ تَجًدُ أَكْثَرَهُمْشَاكًرًينَ)[الأعراف: 17]، وقال: (وَقَلًيل مًنْ عًبَادًيَ الشَّكُور)[سبأ: 13]،وقال: (ذَلًكَ مًنْ فَضْلً اللَّهً عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسً وَلَكًنَّ أَكْثَرَالنَّاسً لاَ يَشْكُرُونَ)[يوسف: 38]، وقال: (وَلَكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَيَعْلَمُونَ)[الروم: 30]، وقال: (وَإًنْ تُطًعْ أَكْثَرَ مَنْ فًي الأَرْضًيُضًلُّوكَ عَنْ سَبًيلً اللَّهً )[الأنعام: 116]، وقال تعالَى: ( وَمَا أَكْثَرُالنَّاسً وَلَوْ حَرَصْتَ بًمُؤْمًنًين )[يوسف: 103]، وقال تعالَى: (وَلَقَدْصَدَّقَ عَلَيْهًمْ إًبْلًيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إًلا فَرًيقًا مًنَالْمُؤْمًنًين )[سبأ: 20].

الأعياد جزء ومظهر وشعيرة من شعائرالديانات

والعيد إما أن يكون جزءاً من شعائر الدين أو لا يكون،فإن قلت: جزء من دينهم وافقت أهل السنة، ولكن أخطأت فًي الاستدلال ولَم تُحسن إنزالالأحكام الشرعية فًي مواضعها، وإن قلت: ليس جزءاً من دينهم، خالفت الصواب، وأخطأتالفهم فًي البداية ولَم توفق إلَى الْحقًّ فًي النهاية، فأخطأت فهما وحكما، والأدلةعلى أن الأعياد من شعائر الديانات كثيرة نقتصر علَى ذكر حديثين منها:

الأول: ما رواه أحمد فًي المسند (3/103) وأبو داود فًي سننه(1134) بسند صحيح من حديث أنسبن مالك رضي الله عنه قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الْمَدينة وَلَهميومان يلعبون فيهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما هذان اليومان؟) قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، قال: (ان الله عز وجل قد أبدلكم بًهما خيرا منهما يومالفطر ويوم النحر).فخالف النبي صلى الله عليه وسلم ما عليه غير الْمسلمين، ولًماذالَم يترك لَهم هذه الأيام وهذه الأعياد؟! وهًي أيامُ فرح وسرور، والإسلام دينالسعادة والفرح، والجواب أن العلة والسبب فًي الترك والإبدال أَنَّها متعلقةبالعقائد الجاهلية الْسائدة، ولذا قال :(إن الله أبدلكم)، فلا يُحتفل فيها بعدالإبدال.

الثانًي: روى أبو داود فًي سننه(3313) بسند صحيح عن ثابت بن الضحاكقال: نذر رجل على عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينحر إًبلا بًبوانة، فأتى النبيصلى الله عليه وسلم فقال: إًنًّي نذرت أن أنْحرَ إبلا ببوانة، فقال النبي صلى اللهعليه وسلم: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟) قالوا: لا، قال: (هل كانفيها عيد من أعيادهم؟) قالوا: لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أوف بنذرك) فإنهلا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يَملك ابن آدم. وهنا واضح من قوله: (هلكان فيها عيد من أعيادهم؟)، أن الأعياد جزء ومظهر وشعيرة من شعائر الديانات. وبعدهذا يُقالُ أَنَّها مسألة خلافية لَم يرد فيها نص وهي موضعللاجتهاد.

مُخالفة المشركين من أصول الدين

قد أُمرنا بًمخالفة الْمشركين ومفارقتهم فًي كثير منالأمور تَمَيُّزاً وظهورا لًهذه الأمة، قال تعالَى:(أَيَبْتَغُونَ عًنْدَهُمُالْعًزَّةَ فَإًنَّ الْعًزَّةَ لًلَّهً جَمًيعًا)[النساء:139]، وقد رَوَى البخاريُّ (5892) ومسلمي (259) فًي صحيحَيهما من حديث ابن عمرَ رضيَ الله عنه قال: قال رسولُاللهً صلى الله عليه وسلم: (خالًفُوا الْمُشرًكًين)، وروى مسلمي (260) فًي صحيحه منحديث أبًي هُرَيرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللَّهً صلى اللَّهُ عليهً وسلم: (خَالًفُوا الْمَجوس).

لا غرابة فًي الأمر... لا غرابة

والقول بالجواز من جماعة الـ (138) التًي جَمعت ألوانالْمخالًفين للدعوة السلفية فًي العالَم، أمْري ليس فيه غرابة» فقد جمعت الصوفية،والطوائف الحديثة كـ (الوسطية)، ودعاة التقريب بين الفرق والديانات، فلا غرابة أنيَصدر ذلك وإن ما يفعلونه يكشف عن مُعاناةي وهزيْمةي نفسية. وهذا الشعور بالضعفوالْهزًيْمةً الداخلية أمام الديانات والطوائف المختلفة، يعانًي منه من لَم يعرفالتجرد والنقاء والصفاء الذي يُمَثله: الْمُعتقد السلفي، وحلاوة الإيمان به. والحمدلله رب العلمين على توفيقه وفضله وإحسانه.

تاريخ النشر: الاثنين 7/1/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:40 PM
بلادُنا جزء من جزيرةً العرب...بيضةُ الإسلامًا لمحروسة



الحمد لله الذي قال:(كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلًبَنَّ أَنَا وَرُسُلًي إًنَّ اللَّهَ قَوًيّ عَزًيز) وأصلي وأسلم على رسوله القائل: «إًن الشَّيطان قدأَيًسَ أن يَعبُدَهُ المصلون فًي جزيرة العرب»» أما بعدُ:

بعث الله الإسلامفي جزيرة العرب وانطلق الدعاة» وانتشرت بعوثُ الْحقًّ شرقا وغربا حاملة رايةالموحدين» داعية إلَى عبادة الله وحده» لا شريك له، وإنقاذا للإنسان من طوفانالْمُبَادئً الْمُنحرفة والْمَفاهيم الزائفة، وكان ظهورُ أَمْرً هذا الدين ظُهُورَخيري وبركة على الناس عامة» وعلى العرب خاصة، وأصبحت الجزيرة العربية» نقطة البدايةلًتوحيد العالَمين، على شهادة أن لا إله إلا الله» فلا معبود حقي في الوجود إلاالله، قال تعالَى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرًكُواْ بًهً شَيْئاً) [النساءـ36]، وقال تعالَى (وَمَا أُمًرُواْ إًلاَّ لًيَعْبُدُواْ إًلَـهاً وَاحًداًلاَّ إًلَـهَ إًلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرًكُونَ ) [التوبةـ31]، ومن جزيرةالعرب جُدّدت الدعوة إلَى توحيد رب العالَمين، دعوة الأنبياءً والْمُرسلين، وكانتدعوة محمد صلى الله عليه وسلم للناس كافة، وحظيت الجزيرة بتلك الميزة والخصيصة،فكانَ لَها من الشرفً والْمكانةً العَليَّةً ما كان.

دعوةُ الإسلامً إلَىحمايةً البيتً الحرام

ومن أجل حراسة جزيرة العرب» وحفاظا على دين الإسلام» حمى الله البيت من الشرك والمشركين، فَمُنعَ الْمُشركون من دخول المسجد الحرام حتّىقيام الساعة» فقالَ تعالَى (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آمَنُواْ إًنَّمَاالْمُشْرًكُونَ نَجَس فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجًدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامًهًمْهَـذَا وَإًنْ خًفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنًيكُمُ اللّهُ مًن فَضْلًهً إًنشَاء إًنَّ اللّهَ عَلًيم حَكًيم ) [التوبةـ28]، لًيُبقيَ بيته الْمُحرم بعيدا عنالخرافات، صافيا من الشوائب والخزعبلات، وطاهرا من أنواع الشرك، ومنسوخ الديانات» كاليهودية والنصرانية والْمَجوسية.

الدعوةُ إلَى حمايةً الجزيرة» مُحيط البيتًالحرام

ومن أجل حراسة جزيرة العرب جاءت النصوص الشرعية بألا يبقى دين آخر فيجزيرة العرب غير ملة الإسلام، فلا يَجتمع في الجزيرة دينان، ولا يبقى فيها عقيدتانحفاظا وتطهيرا للمكان» الذي بعث ربنا تبارك وتعالَى فيه النبي صلى الله عليه وسلمبشيرا ونذيرا للناس كافة؟ والدليل:

(1) ما رواه البخاري(3053)، ومسلم(1637) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليهوسلم: «أخرجوا الْمُشركين من جزيرة العرب».

(2) وروى مسلم (1767) في صحيحهمن حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سَمًعَ رسول الله صلى الله عليه وسلميقول: «لأُخْرًجَنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب» حتَّى لا أدع إلامسلما».

فأين حرَّاس الجزيرة؟! حتَّى نَحمي بيتَ الله الحرام» من أيًّ طغيانومن عبث أهل الرجس والأوثان.

أين حرَّاسُ الجزيرة؟! حتَّى نُبقًي على هيبةالأماكن المحيطة بذلك المكان، ونجري الأحكام التًّي جاء بًها النَّبًيُّ صلى اللهعليه وسلم، سيد ولد آدم، وخير من جاد به الزمان، حتَّى نُبددَ أحلام الْمَجوسًوأعوانًهم، فتبقى لنا جزيرة العرب مُهابَة مًمن خالف الإسلام من الْمشركين، وأعانعلى هدم الدين وبعيدةً عن الشرك، ووسائل الشيطان.

أين حماة جزيرة العرب وبيضة الإسلام؟!

حتّىنَحمي ما حمى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُعمل كلام ربنا من الآيات البيًّنات،وأحاديث رسوله الصحيحة الصريحة الواضحة، والدّالة دلالة قاطعة، لا يداخلها ظن أومتشابه أو تأويل، أنه لا مكان للشرك وأصنامه، ولا مكان لكل رمز يدعو لديانة أومعتقد غير الإسلام» على تراب الجزيرة العربية، ولا يجادل في ذلك إلا من خُتم علىقلبه فأصبح لا يقيمُ وزناً لًمُحكم التنزيل وأحاديث رسوله الأمين.

أين دعاة التوحيد وحراس العقيدة؟!

إًنًّيأُذَكّر نفسي وإياكم بدعوة معاذ بن جبل وأبًي موسى الأشعري رضي الله عنهما عندماأُرسلا إلَى اليمن لدعوة الناس إلَى الإسلام فقد روى البخاري (1458)، ومسلم (19) فيصحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَمابعث معاذا رضي الله عنه إلَى اليمن قال: (إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ماتدعوهم إليه (1): عبادة الله ـ (2) وفي رواية: (أن يوحدوا الله)، (3) وفي رواية: (ادعهم إلَى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)ـ، فإذا أطاعوا لذلك،فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا» فأخبرهم أنالله فرض عليهم زكاة من أموالًهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بًها» فخذ منهم،وتوق كرائم أموال الناس).

حُسنُ الاعتقادً دعوة إلَى الأخلاق الفاضلة

لَميبدأ معاذ بدعوة الناسَ إلَى الأخلاق وتَهذيب السلوك وسرد القصص والرقائق» فَذًكرُها يَجدُ قَبولا لدى جميع الناس على اختلاف المعتقدات، بل كان صاحبَ دعوةواضحة بًها يَميزُ الْحَقُّ من الباطلً، والطيبُ من الخبيث، ويصير الناس إلَىفسطاطين أهل إسلام وأهل كفر، فدعا جاداً إلَى التوحيد، وعبادة الله وحده لا شريكله، قال تعالَى (وَإًذَا ذُكًرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذًينَلَا يُؤْمًنُونَ بًالْآخًرَةً وَإًذَا ذُكًرَ الَّذًينَ مًن دُونًهً إًذَا هُمْيَسْتَبْشًرُونَ ) [الزمرـ45]، ومن الْمَعلومً أنّ من امتلأ قلبه توحيدا، وانقيادا،وخضوعا، وتَذَلُّلا، وَمَحبةً لله الواحد القهار» ناطقا بالشهادة موقناً بًها منقلبه، صالحا بها معتقده، وعارفا طريق توحيد الأنبياء والْمرسلين» حتّى صار قلبامتعلقا بالله وحده لا شريك له، لا شك أنه سيبلغ الْمنتهى فًي حسن السلوك والأخلاقالفاضلة، فبصلاح القلب وبصحة ما حواه من حسن الاعتقاد» تنصلح الجوارح وتستقيم علىصراط الله، والدليل ما روى البخاري (52)، ومسلم (1599) فًي صحيحيهما من حديثالنعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سَمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «وإن فًي الْجسدً مضغة إذا صلحت صلح الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فسدت فَسَدَ الْجَسَدُكُلُّهُ» ألا وهي القلبُ».

أين من يحمل هم الإسلام نقياصافيا؟!

عليكم بالصدع بكلمة لا إله إلا الله في كل مكان، وإعلان التوحيد فيكل مكان وميدان، وبيان أن العبادات ذات أمري عظيم، فلا تصرف إلا لله وحده، ولا حقفيها لًنَبًيّ، أو وَلًيّ أو ملك أو رئيس...

فيا عباد الله!... الله أعظموأجل من أن يشرك معه غيره، عباد الله! الخوف... الخوف من جبار السماواتوالأرض.

عباد الله! فروا إلَى الله، وأقبلوا عليه، وادعوه خوفا وطمعا،وكونوا عبيدا بين يديه تجدوا خير الدنيا والاخرة.

وجود بلادنا في جزيرة العرب المحروسة ميزة

إنإرادة اللّه الكونية والشرعية كانت سببا في جمع الشرق والغرب والمسلم والكافروإجماع العلماء الربانيين كابن باز وابن عثيمين علَى استعادة ما اغتصب من جزيرةالعرب ( الكويت) قهراً وظلما، جورا وطغيانا، فعادت بحمد الله الكويت غصنا في شجرةالجزيرة، وزهرة في باقة رياض التوحيد وتمت نعمة الله علينا بذلك، فعاد الحق إلىنصابه والسيف إلى قرابه وما ذلك إلا لأنَّها من جزيرة العرب التًّي يَئًسَ الشيطانأن يعبد فيها، لًما روى مسلم في صحيحيه(2812) من حديث جابر بن عبد الله رضي اللهعنهما، قال: سَمًعت النَّبًي صلى الله عليه وسلم، يقول: «إًن الشَّيطان قد أَيًسَأن يَعبُدَهُ الْمُصلون فًي جزيرة العرب، ولكن فًي التَّحْرًيشً بينهُم»، فالكويتبقعة محمية من الله، تجري عليها الأحكام الشرعية للجزيرة العربية، فمن راهن علىبناء معابد غير بيوت الله ومساجد المسلمين، فلا يعرف النصوص الشرعية، وراهن علىقصاصات ورق مدادها الجهل وفقه الواقع.

تحررت الكويت رغم أنف فقه الواقع

ومن أفتى بعدمجواز الاستعانة بالمشركين وراهن على أن النصارى دخلوا جزيرة العرب مستعمرينمستوطنين، نقول: دعك من فقه الواقع وعليك بالكتاب والسنة واقتفاء الآثار، فمن سارعلى هذا الْمنهج سيفتح الله عليه علما وخيرا كثيرا، ويقف على جادة الحق والصواب،ونقول لَهم لقد عادت البلاد المغصوبة إلَى أهلها وأخرج الله كل الجيوش، ومن جميعالديانات، رغم أنف دستور فقه الواقع الذي تتحاكم إليه الأحزاب والجماعات الفكرية» التًّي تخالف فتوى العلماء وأساطين الشريعة.

يأبَى الله أن يكون اللات والعُزَّى فيالبلاد

ولو لَم يخرج المغتصب من الكويت ( بقعة من جزيرة العرب)، كما هو مرادالكثير!! لرأيت أهلا غير أهلها، وعبادات غير عبادة الله، وسترى العين عبد اللاتيَعْبُدُ اللاتَ، وعَبْدُ العُزَّى يَعْبُدُ العُزَّى، ولتوقفت الخيرات، التًّيتخرج من الكويت إلَى جميع القارات، تصل إلَى أيدي فقراء وأيتام فًي زوايا منسية منهذا العالَم، وسوف ترى هذه الأموال تُصرف علَى الخرافات التًّي ابتلي بًها الناس،وهذا أمر لا يرضاه الله فًي جزيرة العرب، فأبَى الله أن تكون موطنا للشرك وأهلهوقضى بتطهير ما اقتطع من جزيرة العرب ويسر أسبابه.

ملاحظة مهمة: لا يستباح حق إلا بًبَيًّنة لا شبهةفيها

ما ذكرته نصوصا عامة قد خُصًّصَت بنصوص أخرى وجمعا بين الأدلة (1) يجوزاستقدام أهل الملل والديانات الأخرى لسد حاجة البلاد فًي التخصصات المختلفة بعقودمحددة.

(2) لا يجوز الاعتداء عليهم وإيذائهم وكذلك لا ينبغي ظلمهم واستباحةأموالهم بحجة أنهم كفار أو (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب)، فمن أذن له ولي الأمرأو دخل البلاد بإذن آحاد المسلمين فلا يغدر به، ويعيش محفوظ الحقوق آمنا على نفسهوماله حتّى يغادر، لًما روى البخاري (6914) في صحيحه من حديث عبد الله بن عَمْرورضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل نفسا معاهدا» لَم يرحرائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما)، والأدلة في هذا الباب كثيرة،والمعاهد من أخذ الأمن والميثاق بأي صورة كانت، كتأشيرة الزيارة، ورمز الإقامة،وغيره من صور منح العهد والأمان المعتبرة في عصرنا.

د/عبد العزيز بن ندَىالعتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 5/11/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:42 PM
ترتيب أعمال يوم النحر



كتب:الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛أما بعد:

إن ترتيب أعمال يوم النحر سنة يؤديها الحاج متابعةلفعل النبي صل الله عليه وسلم، ويبدأ الحاج بالرمي، ثم يذبح، ثم يحلق، ثم يطوف، فلوقدم منها نسكا على نسك لا شيء عليه.

أولاً: تقديم الذبح على الرمي


-1 فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهعنهما

رواه البخاري (83)، ومسلم (1306) في صحيحهما من طرقابن شهاب الزهري، عن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنرسول الله صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع بِمنى للناس يسألونه، فجاءه رجلفقال: لَم أشعر؛ فحلقت قبل أن أذبح؟ فقال: »اذبح ولا حرج«، فجاء آخر فقال: لَمأشعر؛ فنحرت قبل أن أرمي؟ قال: »ارم ولا حرج«، فما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنشيء قدم ولا أخر؛ إلا قال: »افعل ولا حرج«.

-2 وفيه حديث عبد الله بن عباس رضي اللهعنهما

رواه البخاري ( 1734)، ومسلم(1307) في صحيحهما من حديثطاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرميوالتقديم والتأخير، فقال: »لاحرج«.

وأخرجه البخاري في صحيحه (84) من طريق عكرمة عن ابنعباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيدهقال: »ولا حرج«، قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده »ولا حرج«.


ثانياً: تقديم الحلق على الذبح

-1 فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهعنهما

رواه البخاري (83، 124، 1736، 1738، 6665)، ومسلم فيصحيحهما (1306/327، 328، 329، 330، 331، 333) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصرضي الله عنهما.

-2 وفيه حديث عبد الله بن عباس رضي اللهعنهما

رواه البخاري (1734)، ومسلم (1307) في صحيحهما من حديثطاووس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرميوالتقديم والتأخير فقال: »لاحرج«.

ورواه البخاري في صحيحه (84) أيضاً من طريق عكرمة عنابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي ؟ فأومأبيده قال: »ولا حرج«، قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده »ولا حرج«.

-3 وفيه حديث علي بن أبي طالب رضي اللهعنه

رواه أحمد في مسنده (1/ 75) فيما صح من حديث علي بنأبي طالب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله! حلقت قبل أن أنحر، قال: »أنحر ولاحرج«، ثم أتاه آخر؛ فقال: يا رسولالله! إني أفضت قبل أن أحلق، قال: »احلق أو قصر ولا حرج«.


ثالثا: تقديم الحلق على الرمي


-1 فيه حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهعنهما

رواه مسلم في صحيحه (1306/333)، وأحمد في المسند (2/160، 202، 210)، وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهعنهما.

رابعاً: تقديم الطواف على الرمي

فيه حديث عبد الله بن عباس رضي اللهعنهما

رواه البخاري في صحيحه (1723، 6666) قال: حدثنا أحمدبن يونس، أخبرنا أبو بكر، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء، عن ابن عباس رضي اللهعنهما قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: زرت قبل أن أرمي، قال: »لا حرج«، قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: »لا حرج«، قال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: »لاحرج«.


خامساً: الطواف قبل الحلق

رواه أحمد في المسند (1/75، 156)، والترمذي في سننه (885)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/813، 14/177) وقد ثبت من حديث علي بن أبي طالبرضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا أتاه فقال: أفضت قبل أن أحلق؟قال: »فأحلق أو قصر ولا حرج«.

فائدة: تقديم الطواف على الرمي

لا تصح من حديث عبدالله بن عمرو بنالعاص

روى مسلم في صحيحه ( 1306/333 ) قال: وحدثني محمد بنعبدالله بن قهزاذ، حدثنا علي بن الحسن، عن عبدالله بن المبارك، أخبرنا محمد بن أبيحفصة، عن الزهري، عن عيسى بن طلحة، عن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسولالله صلى الله عليه وسلم؛ وأتاه رجل يوم النحر وهو واقف عند الجمرة، فقال يا رسولالله! إني حلقت قبل الرمي، فقال: »ارم ولا حرج«، وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أنأرمي، قال: »ارم ولا حرج«، وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: »ارم ولا حرج«، قال: فما رأيته سئل يومئذ عن شيء إلا قال: »افعلوا ولاحرج«.

ورواه أحمد في المسند(2/210) قال: حدثنا روح، حدثنامحمد بن أبي حفصة، حدثنا ابن شهاب به.

ورواه الدارقطني في السنن (3/41) قال: حدثنا أبو بكرالنيسابوري، حدثنا أبو الأزهر والعباس بن محمد قالا: حدثنا روح، حدثنا محمد بن أبيحفصة عن ابن شهاب به.

> وانفرد محمد بن أبي حفصة، عن الزهري بزيادة: إنيأفضت إلى البيت قبل أن أرمي، قال: »ارم ولا حرج«، ومحمد بن أبي حفصة، هو محمد بنميسرة، وقد روى ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (7/241) بإسناده إلى عثمان بن سعيدقال: قلت: ليحيى بن مَعِين محمد ابن أبي حفصة؛ يعني في الزهري فقال: »صويلح ليسبالقوي«.

> قال الدارقطني في سننه (3/41): وزاد ابن أبي حفصةفي حديثه: »أفضت قبل أن أرمي«، ولم يتابع عليه؛ وأراه وهم فيه واللهأعلم.

> وقال الذهبي في ترجمته في ميزان الاعتدال: ومنغرائبه ما رواه مسلم؛ يا رسول الله! أفضت قبل أن أرمي، قال: »لاحرج«.

وقد خالف محمد بن أبى حفصة رواة الحديث عن الزهري: مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وعبد الملك بنعبد العزيز بن جريج، وصالح بن كيسان، ومعمر بن راشد، ويونس بن يزيد الأيلي، وزمعةبن صالح اليماني، وسبب هذه المخالفة هو ضعفه في الزهري.

والذي روي في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي اللهعنهما السؤال عن أربعة أشياء:

1- الحلق قبل الذبح.

2- والحلق قبل الرمي.

3- والنحر قبل الرمي.

4- والإفاضة قبل الرمي.

فالثلاثة الأول؛ الرمي والحلق والذبح ثابتة عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وأما تقديم الإفاضة قبل الرمي فلا تثبت منحديثه، وهي رواية شاذة لا تصح من حديثه. والمتن صحيح عند مسلم بغير هذا الإسناد،ولكن النزاع في مخرج الرواية ( الصحابي).

وهي ثابتة في الصحيح من حديث عيد الله بن عباس رضيالله عنهما. والكلام في هذا المبحث مبسوط في موضع آخر والحمد لله على فضلهوتوفيقه.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 08/12/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:43 PM
تنبيه الأصحاب إلى خطر "الإضراب"



الحمد لله رب العالمين، الذي كرم ابن آدم بهذا الدين،وأعزه بسنة سيد المرسلين؛ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؛ أمابعد:

لا يخفى على العارفين والعقلاء على مر العصوروالأزمان؛ أهمية الأمن ونعمة الأمان، وأثره في الاستقرار والبنيان، وبقاء مصالحالأمم، واستمرار الحضارات، بل إن عناصر النجاح وبقاء الأمم قائمة على أمرين؛أولهما: وجود الأمن، وثانيهما: قوة الحالة الاقتصادية؛ لوفرة النعم وسهولة الرزق،ولقد قال الله تعالى: الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ-[ قريش: 4]، وقوله:الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ؛أي: أن كل بلد ومجتمع بلا جوع؛دليل على تقلب الناس في النعم الوفيرة، ورغد العيش؛ في بيئة تنعم بالنمو الاقتصادي،وقوله: وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ ؛ أي: أن نعمة الأمن ضرورة للوجود الإنساني، بل منأكبرِ النعم على الإنسان وجود الأمن، وإن الحياة في بلاد آمنة، ورزق متيسر لا يحملالإنسان هم تحصيله وجمعه، فهذه أركان بناء الدول والحضارات؛ مع وجود الإمام الذييجتمع حوله الناس؛ خوفاً من ضرر الزعماء، فبتعدد الزعماء يُنزع للأمن وينهار، ويمنعالرزق واليسار.


السعادة الدنيوية في ثلاثة أمور


إن السعادة في الحياة الدنيا جمعها النبي- صلى اللهعليه وسلم - في توفر ثلاثة أمور، لما روى الترمذي في سننه (2346) وحسنه، وابن ماجهفي سننه (4141) من حديث عُبيد الله بن مِحصن الأنصاري الخَطْمِيِّ رضي الله عنه،قال: قال رَسُولُ اللهِ-صلى الله عليه وسلم- : »من أَصبح منكم آمِنًا في سِرْبه،مُعَافًى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا«. قال الترمذي: »حديثحسن«. قلت: وهو كما قال؛ حسن بالشواهد. فإن مجاوزة بيان النبي -صلى الله عليه وسلم- وطلب العلاج في المظاهرات والإضرابات خطر وزلل.


حكم المظاهرات والإضرابات


وهذه مقدمة للدخول في حكم المظاهرات والإضرابات، وماجرّته على كثير من الأمم من الفساد والويلات، وذلك بعدما لوحظ في الآونة الأخيرة منتفشي الدعوة إلى الإضرابات والاعتصامات، باسم المطالبة بالحقوق وانتزاعها، والمؤلممشاركة كثير ممن عرف بالحكمة والعقل، وغيرهم ممن نحسن الظن به، وإن كانت عند آخرينعملاً ومنهجاً ذا تأصل اسْـتُلَّ من عقولٍ لا تدرك مطالب الشرع أو لا تعبأ به،فأصبحت تعيش هذه الثقافة المنكرة، ولا تقبل أن تحيد عنها أو تُراجع فيها؛ إلا أنيكتب الله لهم الخير والهداية. قال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّاللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ-[البقرة: 272]، وقال تعالى: نُورٌ عَلَى نُورٍيَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ-[النور:35]، وقال تعالى:مَنْ يَهْدِاللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّامُرْشِدًا-[الكهف: 17].


كيف نشعر بقيمة لحظة أمان واطمئنان؟!


أيها الإنسان! أن يُسمحَ لك بوجود مساحة للتفكير، وتجدأملاً في العيش، ولو كان زمناً محدوداً، وتحظى بلحظات من الشعور بالأمن والطمأنينة،وراحة البال في الأوطان، بين الأهل والخلان، لَهو أمر عزيز تبذل المهج من أجلتحصيله، وإن هذا الجزء من الأمن وراحة البال والاطمئنان؛ يتجاوز بمراحل مجموعةالمطالب والحقوق؛ التي يسعى إلى تحصيلها كثير من الناس بالمظاهرات والاعتصاماتوالإضرابات، وهي في نهاية الأمر وسائل غريبة، ومسالك غير مشروعة.


درء المفاسد مقدم على جلب المصالح


في مجالس العلم والحكمة.. لا أماكن الفوضىوالفتن


من المعلوم لدى العلماء والحكماء، وفي مجالس العلموالحكمة، لا أماكن الفوضى وطلاب الفتن، ومجامع الغوغاء والدهماء، أن درء المفاسدمقدم على جلب المصالح، وكذلك عند التزاحم والتنازع بين أمرين، فعند تزاحم المصالح؛نسعى إلى تحصيل المصلحة الكبرى وتقديمها على المصلحة الصغرى.

قال تعالى: وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْدُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ[الأنعام: 108]، إن كشفالباطل وبيان عيبه وضلاله، أمر مطلوب ومصلحة شرعية، حث عليه الشارع، ومنها بيان هذهالمعبودات الباطلة، والآلهة التي تعظم وتعبد من دون الله فوقع الناس في الشرك، وبماأن ذلك سيؤول إلى مفسدة كبرى وهي سب المشركين لله؛ جاء المنع من التشريع من ذلك: وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، فإن عدم بيان الضلال وسبآلهة المشركين؛ مفسدة صغرى إلى جانب المفسدة الكبرى وهي سب الله سبحانهوتعالى:فَيَسُبُّوا اللَّهَ.


حكم انتزاع الحقوق من ولاة الأمر


أولا: روى البخاري في صحيحه (2377)، وأحمد في المسند (3/111) من حديث أنس رضي الله عنه، دعا النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار ليقطع لهمبالبحرين، فقالوا: يا رسول الله! إن فعلت؛ فاكتب لإخواننا من قريش بِمثلها، فلم يكنذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: »إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتىتلقوني«. قال الحافظ ابن حجر في الفتح(5/48): قوله: »سترون بعدي أَثَرةً«، بفتحالهمزة والمثلثة على المشهور، وأشار -صلى الله عليه وسلم- بذلك إلى ما وقع مناستئثار الملوك من قريش عن الأنصار بالأموال والتفضيل في العطاء، وغير ذلك، فهو منأعلام نبوته صلى الله عليه وسلم.

قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: »فاصبروا«، وقالالأنصار: سنصبر

ثانيا: روى مسلم في صحيحه (1059) من حديث أنس رضي اللهعنه في قصة الرسول- صلى الله عليه وسلم- مع الأنصار يوم حنين قال: فإنكم ستجدونأثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض، قالوا: سنصبر.

ثالثاً: وروى البخاري (1955)، ومسلم(1839/38 ) فيصحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: »على المرءالمسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية؛ فإن أمربمعصية فلا سَمع ولا طاعة«.

رابعاً: وروى البخاري (7056)، ومسلم (1709/42 ) فيصحيحيهما عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض فقلنا: حدثنا أصلحك الله بحديث ينفع الله به، سَمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال : دعانا رسول- صلى الله عليه وسلم- فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا؛ أن بايعناعلى السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازعالأمر أهله، قال: »إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيهبرهان«.

خامساً: وروى البخاري (3603)، ومسلم(1843) في صحيحيهمامن حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها«، قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من أدركمنا ذلك ؟ قال: »تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم«.

سادساً: وروى البخاري (7053)، ومسلم(1849) في صحيحيهمامن حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال: »من كره من أميره شيئاً فليصبر فإنه من خرج من السُّلطان شِبْرًا مات مِيتَةًجاهلية«. العلاج بالصبر المشروع لا بالإضراب الممنوع

جاء في الآثار السابقة الحث على الصبر والتوجيهإليه:

- »فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله«.

- على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبوكره

- السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا،وأثرة علينا

- قال: »وأمور تنكرونها«، قال: »تؤدون الحق الذيعليكم، وتسألون الله الذي لكم«.

- »من كره من أميره شيئاً فليصبر«.


هذا هو العلاج الذي دلنا عليه وجهنا إليه النبي - فلاينبغي الالتفات إلى الأساليب الأخرى من إضراب أو غيره من نتاج العقل البشري الذييقصر عن علاج كثير من الأمور وجلب مصالح المسلمين والمحافظة عليها فلا للجوء إلىالبشر والترهيب بالتجمعات والخطابات بل عليكم بمشكاة النبوة فالصبر الصبر عباد اللهوقد قالها من هم خير منا، قال الأنصار أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- :سنصبر، وقال تعالى:إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِحِسَابٍ-[الزمر: 10]، وقال تعالى: وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَرِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ[الأنفال: 46]


أضرار الإضراب


أولا: نزع هيبة الدولة


الإضراب المراد به التجمع والتجمهر لمعارضةِ ما عليهالواقع، وعدم الرضى بالمحيط، فإن أصله يعود إلى جهتين؛ الأصل القديم: وهو تعبيروأسلوب سلكه الخوارج في العهد الأول، وأصبح فيما بعد عرفاً ومنهجاً يميز منهجالخوارج، فكان سبباً لتحريك شهوات الطامعين، وزرع عدم الأمن بينالمسلمين.

وهناك نسخة الإضراب المستوردة من الجهات الغربية،والعادات والأعراف الشاذة والغريبة على مجتمعاتنا، مما جعل المجتمعات الغربيةمسرحاً للفوضي، وميداناً للجريمة، ومصدر قلق على الأمم فهي المصدر الرئيس لتصديرالثورات إلى الدول الآمنة يمثل هذا السلوك تعطيل الأعمال وعدم التعاون من أجل الحقالذي يدعون مصادرته، وتعبيرا عن عدم الرضى.

ثانياً: الإضرابات مقدمات للفتن

كانت بداية كثير من القلاقل والفتن هو تجمع الناس (الإضراب) لهدف معين، لا يكاد يلبث حتى ينقلب إلى لهيب نار تأكل الأخضر واليابس،وما التجمع حول بيت عثمان بن عفان الصحابي الخليفة الشهيد وأدى إليه ذلك التجمع؛إلا دليل جلي على أن المطالب والحقوق أو ما يظن أنها حقوق، ليس هذا الطريق إليحلها، بل ما حدث من قتل لعثمان بن عفان رضي الله عنه إلا عار دون في التاريخ علامةعلى الخزي الذي تجره المظاهرات والاعتصامات والإضرابات.


التجمهر حول بيت الخليفة عثمانومحاصرته


وروى البخاري في صحيحه (695) عن عبيد الله بن عدي بنخيار أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور فقال: إنك إمام عامة، ونزلبك ما ترى؛ ويصلي لنا إمام فتنة ونتحرج؟ فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإذاأحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم.

ثالثاً: تعطيل مصالح الأمة ومنافعالمسلمين

إن العاملين في الدولة القائمة على مصالح العبادتربطهم علاقة الأجير الذي يأخذ منفعة من المالك (الْمُستأْجر ) مقابل عمل بأجر متفقعليه مسبقاً، فالإضراب وعدم التعاون إخلال بالعقد بين الطرفين، وفي ذلك ضرر بالغيقع على عامة المسلمين، والمضربون يقدمون مصلحة صغرى - إن وجدت - على مصلحة كبرى،وهذا خلل في المفاهيم أو انحراف في المنهج وخلل في السلوك، لا بد من تقويمه، من أجلمصلحة الأمة ولبقاء هيبة الدولة حتى لا يتلاعب بأمنها بعض الخارجين على النظامالسليم والطريق القويم.


رابعاً: عمل غريب على أخلاق المسلمين


إن الإضراب ليس عملا أخلاقيا، وقائم على رفض التعاونعلى الخير، قال تعالى:وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواعَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ[المائدة : 2]، بل فيه من الغرابة والشذوذ عن أخلاقوعادات وأعراف المسلمين على مر العصور والدول التي تناوبت على المجتمعات؛ إلا ماكان يصدر من فرق الخوارج، والطوائف المنحرفة. ولكن هذه السلوك تسلل إلى من نحسنالظن به لجهله بمصدره، وعدم الإلمام بخطورته.


خامساً: الإضراب: معناه الترك والإعراض


قال في المعجم الوسيط: الإضراب مصدر أضرب. وقال: فيالعرف الكف عن عمل ما. وذكر أيضاً في المعجم الوسيط: من معناه العرفي عدمالتعاون.

قلت: لا يعرف الإضراب عند المسلمين، ومعنى الإضراب فياللغة العربية إما الإبطال وإما الانتقال عن غرض إلى غرض، وإن تلاها مفرد فهيعاطفة، ومن حروف الإضراب: بل و أم...

والإضراب سلوك غير شرعي، بل لا صلة له بالثقافةالعربية، ولم أقف على أن الإضراب مفردة في معاجم اللغة العربية فهي عمل مستوردسلوكا واسما، والدليل غرابة لفظه فهل وجد وأخذ سماعاً من العربالأقحاح.


لا مرحباً بسرور عاد بالضرر


سادساً: القضاء بين الحاكم والمحكوم


قال تعالى :وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍفَحُكْمُهُ إِلَى اللَّه-[الشورى :10]، وقال:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَآَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْفَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْكُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُتَأْوِيلا[ النساء:59]، وقال تَعَالَى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىيُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْحَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[النساء : 65]. وترك الدعوىالجوفاء من طلب التحاكم منظمات العمل الدولية، وما يسمونه بمنظمة حقوق الإنسان.ولذاكما بُيِّنَ فاللجوء إلى الجهات القضائية التي تحكم بالكتاب والسنة، والأخذبالتشريعات الإدارية التي تحكم العلاقة بين الأطراف المختلفة والمتنازعة، وتقضيبالحق لأهله، وتحسم مادة التمرد، وأما القيام بأعمال استعراضية، وإظهار نوع منالقوة وعدم الخوف من العقاب أمام جموع العوام والدهماء، فهذا منذر بنهايةالدول.

وقيل في الحكمة: أول العشق النظر وأول الحريقالشرر


كل الحوادث مبداها من النظر

ومعظم النار من مسـتصغر الشـرر

والمـرء ما دام ذا عـين يقلبـها

في أعين العين موقوف على الخطـر

كم نظرة فعلت في قلب فاعلهـا

فعل السـهام بلا قوس ولا وتـر


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 27/10/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:45 PM
ثَقَافَـةُ العـَواطًفً



تعريف الثقافة: الثقافة مصدر ثقف: وثقف الشيء أقام اعوجاجه وسواه، وثقف الإنسان أدّبه وهذّبهوعلّمه، والثقافة: حسن التلقي، وإدراك الأشياء وفهمها، وتحصيل العلوم والمعارف، قالالبغوي في تفسيره: الثقافة الحذق والبصر بالأمور.

وتعريف العواطًف: العواطفجمع عاطفة» أي: هي مجموعة مشاعر وأحاسيس ناتجة عن المحبة والمودة والصداقة والرحموالصحبة والأخوة، وَيُلحق بًها مشاعر الخوف والرهبة والغضب، والانفعالات الناتجة عنعوامل بيئية وتربوية، ومن معانيها الْمَيلُ النَّاتًجً عن تَفاعلداخل.

وثقافة العواطف نراها ويُعَبّرُ عنها بسلوك ظاهر كالشعارات المختلفة،والجماعات السياسية والأحزاب والمذاهب والأفكار الناتًجة عن أسباب بيئية وتربويةأثرها واضح فًي النشأة، وكذلك الأحوال الاقتصادية لَها دورها الذي بدلت به عقائدمجتمعات بأكملها، فكم رأينا من آثار الفقر على مذاهب الناس وتوجهاتًها، وللناحيةالعلمية ووجود الجهل دور مؤثر فًي طغيان العاطفة وحجب الحقيقة، وللروابط المختلفةمن رحم وصداقة تأثير بيني فًي توجيه عواطف الإنسان وخلق عقيدته ومنهجه، قالتعالَى:(وَوَصَّيْنَا الإًنْسَانَ بًوَالًدَيْهً إًحْسَانًا)[الأحقاف: 15]،وقال:(وَصَاحًبْهُمَا فًي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) [لقمان: 15]، وروى أبو داود فيسننه(4833)، والترمذي في سننه (2378)، وأحمد في المسند(2/ 303، 334) بإسناد حسن عنأبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دينخليله فلينظر أحدكم من يخالل»، وما نراه من سلوكيات وظواهر مختلفة ما هو إلا تعبيرعن هذه الآثار.

طغيان العاطفة خلل يَحجبُ الحقيقة

وإًنَّ كثيرا من عدم الاتزان والاضطراب الذي تعيشهالجماعات والأفراد، نَجد من أسبابه ودوافعه الرئيسة ما ذكرناه من ثقافة العواطف،عندما لا تحكم بأصول التشريع وقواعده، وهو تأثير الانفعالات العقلية والْمُيولالنفسية على الفرد والجماعة ليُدْفَع فًي اتْجاهً الْخللً عند تَحصيل المصالحوالمنافع، وهذه العواطف عنصر مؤثر فًي تكوين العقائد والنظريات، وتقرير المسائلواتخاذ القرار، ولًهذا كانت العاطفة سببا لوجود كثير من الأفكار الْمُنحرفة،والسلوكيات الشاذة.

[العواطف أسقطت مذاهبَ وملوكا، وأنشأت عقائدودُولا]

إذا انفلت زمام الأمر وصُرفَ الناسُ عن العقائدالسليمة، وَوُكًلَ الناسُ إلَى أنفسهم وعواطفهم، لا إلَى رَبًّهم عز وجل، فإنالثورة العاطفية والْهيجان البشري يبلغ به الْمدى لتبديل عقائد الناس وتَمزيق حدودالبلدان ومعالًمها، فهو يدفع الْجَماهير والْجُموع البشرية فًي كل اتجاه، تحطم كلشيء فًي طريقها كثورة البركان يدمر ما حوله، فإن فوضى العواطف تفعل ما لا تفعلهالجيوش الْمُنَظمة، فتغير العالَم، وترسم معالًم الأرض وحدود الدول فًي أيام محدودةبل فًي ساعات معدودة.

ضبط العواطف بالكتاب والسنة

أدلة وأمثلة منتقديم الشرع علَى العواطف

أولا: موقف أبي بكر الصديق من العواطف

الموقفالثابت من الصديق أبي بكر رضي الله عنه» أوقف الرياح العاطفية التًي عصفتبالْمسلمين بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث كان الوقع مفاجئا علىالصحابة حتى أفقد الكثير منهم التركيز لشدة فَقْدً مَنْ أَحبُّوه وعاشوا معه،وفقدان الوحي معه، فحصل اللغط بين المسلمين، وفرح المنافقون بًما حدث، واعتقد بعضالناس بنهاية الأمر، فكان موقف أَبًي بكر رضي الله عنه وثباته وصموده أمام العواطفوالمشاعر التي ألْهَبَتْ أجواء المدينة، فلم يذهله شيء من تلك الأحاسيس والانفعالاتعن الحق، وخشي من ردة بعض الناس عن الإسلام، فذكر الناس بالله وَبًما جاء فًيكتابه، وبين الحق وجعله الله سببا فًي ثبات الْمؤمنين، وَوُلًّيَ الخلافة بعدُ، كماجاء فًي رواية البخاري (3670) فًي صحيحه من حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول اللهصلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسُّنْحً ـ قال إًسْماعيل: يعني بالعالية ـ فقامعمر يقول: والله! ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وقال عمر: والله ماكان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكرفكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله، قال: بَأبًي أنت وأمي طبت حيا ميتا،والذي نفسي بيده لا يذيقنك الله الموتتين أبدا، ثم خرج، فقال: أيها الْحالف! علىرسلك فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال: ألا من كانيعبد محمدا صلى الله عليه وسلم» فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله» فإن الله حيلا يموت، وقال: (إًنَّكَ مَيًّتي وَإًنَّهُمْ مَيًّتُونَ)[الزمر:30]، وقال: (وَمَامُحَمَّد إًلا رَسُول قَدْ خَلَتْ مًنْ قَبْلًهً الرُّسُلُ أَفَإًنْ مَاتَ أَوْقُتًلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابًكُمْ وَمَنْ يَنْقَلًبْ عَلَى عَقًبَيْهًفَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزًي اللَّهُ الشَّاكًرًينَ)[آل عمران:] ...إلَى قولًه: فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس .

وبثقافة العواطف قتلعمر رضي الله عنه وقالوا جهادا، وبثقافة العواطف قتل عثمان رضي الله عنه وقالواعدالة، وتوالت الويلات على الأمة، لعدم تحكيم الكتاب والسنة، وترك العقل بلا ضابط،فكان لثقافة العواطف النصيب الأكبر من الخراب والدمار الذي أصابالأمة.

ثانيا: موقف سعد بن أبي وقاص من دموع وعواطف أقربالناس نسبا

من يصمد أمام عاطفة الأمومة؟! من يوقف عاطفة الأمويكفكف الدموع؟ ومن يُعرض عن هذا الشعور، ويَجعلُ الإيْمانَ باللهً نَصْبَعَيْنَيْهً، وغايته، ومبتغاه، فيُخْضًع مشاعره وعواطفه لًمرضاة الله، إًنَّهم أصحابرسول الله صلى الله عليه وسلم» العهد الأول، وإليك ما رواه مسلم (1748) في صحيحه منحديث مصعب بن سعد، عن أبيه أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لاتكلمه أبدا حتى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْتَ أن الله وصاكبوالديك! وأنا أمك، وأنا آمرك بًهذا، قال: مَكَثَتْ ثلاثا حتَى غُشي عليها منالْجهدً فقام ابْني لَها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عزوجل في القرآن هذه الآية: (وَوَصَّيْنَا الإًنْسَانَ بًوَالًدَيْهً حُسْنًا) [العنكبوت:8]، (وَإًنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرًكَ بًي)، وفيها: (وَصَاحًبْهُمَا فًي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا)[لقمان: 15]. وفي الآية دليل على تركدين الآباء مع المصاحبة في الدنيا بالمعروف» أي: الإحسان إليهما وإن كاناكافرين.

[لا تخضعوا لثقافة العواطف واعرضوها على الكتابوالسنة]

ثانيا: موقف أَسْماء بنت أَبًي بكر الصديق من عواطفالرحم

وهذه أَسْماء بنت أَبًي بكر الصديق كان لَها رحم من الكفار فقدموا منمكة لزيارتًها، فقاومت العاطفة وجردت نفسها، وأبت إلا عرضها علَى التشريع، كما جاءفي رواية البخاري (3183) ومسلم (1003) في صحيحيهما من حديث أَسْماء بنت أبًي بكررضي الله عنهما قالت: قَدًمت عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش إذ عاهدوا رسول اللهصلى الله عليه وسلم ومدتهم مع أبيها، فاسْتَفتَتَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلمفقالت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: (نعمصليها).

[ثقافة العواطف» مسرح بلا رقابة]

العواطف وظاهرة التكفير واستباحة الدماءالمعصومة

وإن ما ترونه من ظاهرة التكفير واستباحة الدماء المعصومة عبر تاريخالأمة، هو بسبب الانحراف عن الضوابط الشرعية، ووقوع بعض الدعاة أو نشأةً الأفرادتحت وطأت العواطف والانفعالات الْمختلفة لتخرج طائفة منحرفة» ذهبت تكفر الأفرادوالمجتمعات وتستبيح القتل باسم الغيرة علَى الإسلام.

تفريق الأمة بالحزبية» ظاهرة عاطفية

لا يستطيع أحد التشكك في أن الأحزاب وليدي جاء من رحمثقافة العواطف، حيث تداعت الأفكار والانفعالات والميول التي تجنح إلى الانفرادبمصالح الأمة وثروات الشعوب، حتى أصبحت لواءً التف حوله أنصاره، فتكونت الأحزابوصنعت العصبية المحظورة، روى مسلم (1850) في صحيحه من حديث جُندب بن عبد اللهالبجلي قال: قال رسولُ اللَّهً صلى الله عليه وسلم: «من قُتًل تَحت راية عًمًّيَّةيدعو عصبية أو ينصر عصبية فَقًتْلَة جاهلية»، وروى أحمد فًي المسند (1/449) بسندصحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أعان قومه على ظلم فهو كالبعير المتردي ينزع بذنبه»، رواه البخاري(4905)، ومسلم (2584) فًي صحيحهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كنا في غزاة ـقال سفيان: مرة في جيش ـ فكسع رجل من الْمُهاجرين رجلا من الأنصار فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال الْمُهاجري: يا للمهاجرين! فسمع ذاك رسول الله صلى الله عليه وسلمفقال: «ما بال دعوى جاهلية»، قالوا: يا رسول الله! كسع رجل من الْمُهاجرين رجلا منالأنصار فقال: «دعوها فَإًنَّها مُنْتًنَة» وَفًي رواية للبخاري (3158): «دعوهافإًنَّها خبيثة». أفضل الأسْماءً أنكرها النبي صلى الله عليه وسلم عندما رفعت باسمالعواطف، ولذا نهيَ عنها في حينها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (28/328): وكل ما خرج عن دعوة الإسلام والقرآن من نسب أو بلد أو جنس أو مذهب أوطريقة فهو من عزاء الجاهلية بل لما اختصم رجلان من المهاجرين والأنصار» قالالمهاجري: يا للمهاجرين! وقال الأنصاري: يا للأنصار! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ؟»، وغضب لذلك غضبا شديدا. وقال فًي اقتضاءالصراط المستقيم (1/71): فهذان الاسْمان» الْمُهاجرون والأنصار اسْمان شرعيان جاءَبًهما الكتاب والسنة وَسَمَّاهُما الله بًهما، كما سَمانا(الْمُسْلًمًينَ مًنْقَبْلُ وَفًي هَذَا) [الحج: 78]، وانتساب الرجل إًلَى الْمهاجرين والأنصار انتسابحسن محمود عند الله، وعند رسوله، ليس من المباح الذي يقصد به التعريف فقط» كالانتساب إلى القبائل والأمصار، ولا من الْمَكروه أو الْمُحرم» كالانتساب إًلَى مايُفضي إلى بدعة أو معصية أخرى، ثم مع هذا لَما دعا كل واحد منهما طائفة منتصرا بًهاأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وسَمَّاها دعوى الجاهلية. وقال ابن القيم فيمدارج السالكين (2/370): وهُما اسْمان شريفان سَماهم الله بًهما في كتابه فنهاهم عنذلك، وأرشدهم إًلَى أن يتداعوا بالْمسلمين والْمؤمنين وعباد الله وهي الدعوىالجامعة بخلاف المفرقة كـ (الفلانية و الفلانية) فالله المستعان .اهـ

التجرد من جلباب ثقافة العواطف

ونختم بأن الأسباب المختلفة التي تُمثل مجموعة تنطلقمنها ثقافة العواطف:

:1ـ كالآثار البيئية والتربوية.

2ـ تأثيرالعلاقة مع الأصحاب والْخلان فالمرء على دين خليله.

3ـ الأهل والأقاربوالنسب.

4ـ الجهل. 5ـ الفقر . 6ـ المحبة. 7ـ الخوف . 8ـ الغضب. وما أشبه ذلكمن الْمُؤثرات الْمُتنوعة التي يجب أن يُجرد الإنسان نفسه منها عند النظر فًيالْمسائل الشرعية وغيرها، عقيدةً ومنهجاً وعبادة وسلوكا، ويكون متبعاً للكتابوالسنة، خاضعا للنصوص الشرعية غير عابئ بًما تُمليه مشاعره وأحاسيسه، لا يرهبمُحيطه حَتَى يَخْرُجَ بتحرير سليم، فيقف علَى أرضي صلبة، ويصل إلَى معرفة الحقيقة،و يُمَيًّز أهلها.

د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 28/1/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:46 PM
جُرأةُ الدكتور عَلَى الإًسلامً وَقَلْبُ الأَحَادًيثً (1)



الْحمدُ للهً رَبًّ العالًميْنً وَالصلاةُ والسلامُ على خَاتَمًالْمُرسلًين وَبعد:

دَأَبَ بعض من الدكاترة وأخص بالذكر الذين يعملون فًيالتخصصات الشرعية ويقومون بتدريس أبنائنا باسم الدراساتً الإًسلامية، علَىالتَّصدًي للمصدرً الثانًي من مصادر التشريع وهو: (السنةً) أَعنًي أَحادًيثَ رَسولاللهً صلى الله عليه وسلم، لا يفرقون بَيْنَ صحيح وضعيف ولا يعرفون غَثَّ الكلامًمًنْ سَمينًهً، فيطلقون العنان لأنفسهم دون خوف من الله، وَيُعَلًّمُونَ الناسَ مالا تَصًحُّ نسبته إلَى النبي صلًى الله عليه وسلم من الأحاديث الضعيفة والمكذوبة،وقد نبهنا فًي موضع سابق عَلَى عًظَمً هذا الأَمْرُ، فقال تعالَى:(فمن أظلم ممنافترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم )[الأنعام: 144]، وقال: (فمن أظلم مًمنكذب على الله)[الزمر: 32]، وجاء التحذير فًي الصَّحًيحَيْنً عَنْ جَمْع مًنَالصَّحابَةً كما نُقًلَ بالأسانيد الثابتة عَنْ عَلًيًّ بن أَبًي طالب،وَالزّبَيْرً بْنً العَوَّام، وأَبًي هُرَيرَةَ، وأَبًي سعيد الْخُدريًّ، وَالْمُغًيْرَةَ بْنً شُعْبةَ وَعبد اللهً بْنً عَمْرًو بن العَاصً وَأَنَسً بْنًمَالك رَضًيَ اللهُ عَنْهُم وغيرهم، فقد تَوَاتَرَ عَنْهُمْ قَوْلُ النَّبًيًّصلَّى اللهُ عَليهً وَسَلَّم: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتعمّداً فَلْيَتَبَوَأمَقعَدَهُ مًنَ النَّارً». وروى مسلم في مقدمة صحيحه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابًوعَبْدً اللهً بْنً مَسْعود رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُما (بًحَسْبً الْمَرْءً مًنْالْكَذًبً» أَنْ يُحَدًّثَ بًكُلًّ مَا سَمًعَ).

شكاوى الْمُتَعَلًّمًيْنمًنْ بَعْضً الْمُعَلًّمًيْنً

ومن الدواعي التًي دفعتنا إلَى تناول هذاالموضوع هو ما يصلنا من شكاوى الْمُتَعَلًّمًيْن مًنْ بَعْضً الْمُعَلًّمًيْنً الذيطرز اسمه باصطلاح الدكتور معتقدا أن هذا الاصطلاح منحه إجازة للتعالُمً والجرأةعلَى الإسلام والقول فًي دين الله بغير علم والعبث بأحاديث رسول الله صلَى اللهعليه وسلم.

وأحد هذه الأسئلة التًي تواترت من طلبة العلم هو السؤال عن حديثافتراق الأمة؟ الذي يصر أحد مدعي العلم على أن يأتًي به مقلوبا فيقول للتلاميذ: افترقت أمتًي إلَى كذا وسبعين فرقة كلها فًي الْجَنَّةً إًلا واحدة فًي النار،وَالْحَديثُ كما جاء علًى الوجه الصحيح فًي كُتُبً السُنَّةً الْمَعْروفَةً عَنْجَمْع مًنَ الصَّحابَةً منهم ما رواه أحمد فًي مسنده (4/102) عَن أَبًي عَامًرعَبدً اللَّهً بْنً لُحَيّ قَالَ: حَجَجْنَا مَعَ مُعَاوًيَةَ بنً أَبًي سُفيَانَفَلَمَّا قَدًمْنَا مَكَّةَ» قَامَ حًيْنَ صَلَّى صَلاةَ الظُّهْرً فَقَالَ: إًنَّرَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «إًنَّ أَهْلَالْكًتَابَيْنً افْتَرَقُوا فًي دًينًهًمْ عَلَى ثًنْتَيْنً وَسَبْعًينَ مًلَّةً،وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ سَتَفْتَرًقُ عَلَى ثَلاث وَسَبْعًينَ مًلَّةً، - يَعْنًيالأَهْوَاءَ - كُلُّهَا فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً، وَهًيَ الْجَمَاعَةُ،وَإًنَّهُ سَيَخْرُجُ فًي أُمَّتًي أَقْوَام تَجَارَى بًهًمْ تًلْكَ الأَهْوَاءُ،كَمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بًصَاحًبًهً، لا يَبْقَى مًنْهُ عًرْق وَلا مَفصًل» إًلا دَخَلَهُ، وَاللَّهً يَا مَعْشَرَ الْعَرَبً! لَئًنْ لَمْ تَقُومُوا بًمَاجَاءَ بًهً نَبًيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ لَغَيْرُكُمْ مًنْالنَّاسً أَحْرَى أَنْ لا يَقُومَ بًهً». وَإًسنَادُهُ حَسَني وَالْحَدًيثُصَحيحُ.

فجاء الدكتورُ الْمُتعالًم فأَعرضَ عما صَحَّ عَنً النَّبًيًّصَلَّى اللهُ عَليهً وَسَلَّمْ وذهب يعبث فًي الدين بتلقًيْن الطلاَّب الأحاديثالْموضوعَةً وسنقوم بتبيان ما ذهب إليه فًي العدد القادم وأسْاَلُ اللهَ أَنْيُوفقَنًي وَإًياكم لًنُصرةً السنةً.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 26/3/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:48 PM
ُجرأةُ الدكتور عَلَى الإًسلامً وَقَلْبُ الأَحَادًيثً (2)


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أمابعد:

فقد ذكرنا فيما سبق أن هناك بعضاً ممن مُكّنَ من التعليم النظامي- والذي يتعين على المتعلم حضور الدرس دفعاً لمفسدة أكبر- قام بالتعدي على حديث رسولالله صلى الله عليه وسلم وذهب مغامراً بلا خوف من الله، يُجاهر بكل جرأةي فيُصحح منالحديث كيف شاء ويُضعًّف متى شاء، ولقد ذكرنا بما نقله الذهبي في تاريخ الإسلام، أنالحافظ ابن ناصر الدين قال لما دفنوا أبا عامر العبدري: خلا لك الجو فبيضي واصفري،مات أبو عامر حافظ أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن شاء فليقل ما شاءأ.هــ

وذهب ذلك المغامر معتقداً، هو ومن خلفه، أنه بتطاوله على الأحاديثوالسنة النبوية، لن يجد من يتعقبه، بعد رحيل أسد السنة وناصر الدين، ذاك النجم الذيهوى، وما زال نوره في السماء، أعني شيخ المحدثين الألباني، إن جُموع هؤلاء تعتقد أنالجو قد خلا لهم، ولن يقف أهل السنة وأصحاب الحديث على عبث هذه الفرق والطوائف التيتقوم على تشويه الإسلام ولن يجد أهل الحق من يردّ على ذلك المتعالم بضاعته التالفة،كاشفاً عوارَ طائفته، وما تُروّج له بين الناس، ومُظهراً زيف كلامه للقراء وعوامالمسلمين، وكأني أرى فيهم قول طَرفة:

يا لك من قُبَّرة بمعمرً

خلا لك الجوُّ فبيضيواصْفًرًي

قد رُفع الفخُّ فماذا تحْذرًي

ونّقّرًي ما شئْت أنتُنَقَّرًي

قد ذهب الصّيّادُ عنك فابْشري

لا بُدَّ من أخذًكً يوماًفاصبري

ولكن سخّر الله للشريعة حراساً كُثر، ينْفون عنه زيفالمتعالمين، والله سبحانه قد تكفَّل بحفظ دينه من أيدي الجهلةً والعابثين، فقالتعالى (إًنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذًّكْرَ وَإًنَّا لَهُ لَحَافًظُونَ) [الحجر - 9]، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من الذكر المحفوظ، كما رَوَى أحمد فيمسنده (4/130) وأبو داود في سننه (4604) بسند صحيح من حديث المقدام بن مَعْدًي كَربالكندي- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أُوتيتُالكتابَ ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يُوشكُ رجل يَنْثني شبعاناعلى أريكته، يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلالي فأحلُّوه، وما وجدتم فيهمن حرام فحرًّموه».

فإن التطاول على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هوالتطاول على كتاب الله سواء بسواء، فالكل شرعي، والكل من عند الله.

الجماعةُ

ذكرنا في موضع سابق حديث معاوية بن أبي سفيان فقال: إنرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثًنْتينوسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثي وسبعين ملة- يعني الأهواء- كلها فيالنار إلا واحدة، وهي الجماعة، وإنه سيخرجُ في أمتي أقوام تجارى بهم تلك الأهواء،كما يتجارى الكلبُ بصاحبه، لا يبقى منه عًرْق ولا مفصل، إلا دخله، والله يا معشرالعرب! لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لغيركم من الناس أحرى أنلا يقوم به» [رواه أحمد في مسنده (4/102) بإسناد حسن ورواه غيره، والحديثصحيح].

وروى ابن ماجه في سننه (3392) من حديث عوف بن مالك قال: قال رسولالله صلى الله عليه وسلم: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنةوسبعون في النار، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في الناروواحدة في الجنة، والذي نفسُ محمدي بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدةفي الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل: يا رسول الله من هم؟، قال: الجماعة» [وسندهحسن، وهو صحيح].

ما أنا عليه وأصحابي

وروى الترمذي في سننه (2641) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهمفي النار إلا ملة واحدة» قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي». [حسنه الترمذي، وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي، صالح في المتابعاتوالشواهد، فالحديث بما قبله].

السّوادُ الأعظمُ

وروى الطبراني في المعجمالكبير (8/273 رقم: 8051) من حديث أبي أُمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اختلفت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعين فرقة في النار وواحدةي في الجنة،واختلفت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعون فرقة في النار وواحدة فيالجنة، وتختلف هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون في النار وواحدة فيالجنة» فقلنا: انْعتْهُم لنا، قال: «السواد الأعظم». [قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/234) رواه الطبراني ورجاله ثقات، قلت: والحديث صحيح].

المعنى واحد وإناختلف المبْنى

جاءت الروايات السابقة على ذكر الفرقة الناجية ففي رواية «وهيالجماعة»، وفي رواية «ما أنا عليه وأصحابي»، وفي رواية أخرى «السواد الأعظم»،والمعنى واحد وإن اختلف المبنى، ولذا قال الآجري في الشريعة (1/302): ثم إنه سُئل: من الناجيةُ؟ فقال في حديث: «ما أنا عليه وأصحابي»، وفي حديث قال: «السواد الأعظم»،وفي حديث قال: «واحدة في الجنة وهي الجماعة»، قلت أنا: ومعانيها واحدة إن شاء اللهتعالى أ.هـ

والحديث كما ترى ثَبُتت روايته عن كثير من الصحابة: معاوية بنأبي سفيان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعوف بن مالك، وأبي أُمامة، وغيرهم لمأذكره اختصاراً، رضي الله عنهم أجمعين،وممن روى هذا الحديث أنس بن مالك- رضي اللهعنه- وكانت رواية أنس موافقة للروايات الثابتة عن أصحاب رسول الله صلى الله عليهوسلم كما أخرجه ابن ماجه في سننه (3393) من طريق قتادة عن أنس بن مالك قال: قالرسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة»،وتابعه:

(1) زياد بن عبد الله النميري عن أنس عند أحمد في مسنده (3/120).

(2) سعيد بن أبي هلال بن أنس، عند أحمد في مسنده (3/145).

(3) زيد بن أسلم عن أنس، عند أبي يعلى في مسنده (6/340 رقم: 3668).

وفي ذكر هؤلاء الأربعة عن أنس ما يكفي خشية الإطالة، فهاك الحديث عنأنس موافقاً لأصحابه من الصحابة.

ما الذي حدث لحديث أنس؟!

مرَّالحديثُ بمراحل:

أولها: الوضع، وثانيها: القلب، ثم السرقة، ثم الاضطرابوالتناقض.

(مرحلة وضع الحديث والكذب)

رواه أبو جعفر العقيلي فيالضعفاء الكبير (4/201) قال:

ـ1 حدثنا محمد بن مروان القرشي قال: حدثنا محمدبن عبادة الواسطي قال: حدثنا موسى بن إسماعيل الجبلي، قال: حدثنا معاذ بن ياسينالزيات، قال: حدثنا الأبرد بن أبي الأشرس، عن يحيى بن سعيد، عن أنس بن مالك، رضيالله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تفترق أمتي على سبعين، أو إحدىوسبعين فرقة، كلهم في الجنة إلا فرقة واحدة» قالوا: يا رسول الله من هم؟قال«بالزنادقة»، وهم القدرية. ومن طريقه رواه ابن الجوزي في الموضوعات (1/267) قال: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنبأنا ابن بكران، قال: أنبأنا العتيقي، قال: حدثنا يوسف بن الدخيل، قال: حدثنا العقيلي، قال: حدثنا محمد بن مروان القرشيبه.

في إسناده معاذ بن ياسين الزيات، قال العقيلي (4/201): «رجل مجهول،وحديثه غير محفوظ».

والأبرد بن أبي الأشرس، قال الذهبي في الميزان: «قال ابنخزيمة: كذّاب وضّاع»، وزاد عليه ابن حجر في اللسان (1/128) بقوله: وهذا من الاختصارالمُجحف المُفسد للمعنى، وذلك أن المشهور في الحديث «كلها في النار إلا واحدة» أ.هـ

قلت: وهكذا يتحمل الوضّاع الأبرد بن الأشرس وضع الحديث وبذلك تمت مرحلةالوضع.

وفي العدد القادم بإذن الله تعالى سنكمل بقية المراحل التي مرَّ بهاحديث أنس رضي الله عنه، والحمد لله رب العالمين.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 2/4/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:49 PM
جُرأةُ الدكتور عَلَى الإًسلامً وَقَلْبُ الأَحَادًيثً (3)




الْحمد لله وحده والصلاة والسلام علَى من لا نبَيَّ بعده» وأما بعد:

تَقَدَّمَ ذًكْرُ مَرحَلَةً وَضْعً الْحديث ونسبة الكذب إلَىالنَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، فَبَعْدَ أَنْ صَحَّ عَنْالنَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فًيسُنَنًهً(3393)، وَ أَحْمدُ فًي مُسندًه (3/120)، و(3/145)، وَأَبو يعلَى فًيمُسنَدًه (6/340 رقم: 3668)، مًنْ حَدًيثً أَنَسً بْنً مَالًك: «إًنَّ بَنًيإًسْرَائًيلَ افْتَرَقَتْ عَلَى إًحْدَى وَسَبْعًينَ فًرْقَةً، وَإًنَّ أُمَّتًيسَتَفْتَرًقُ عَلَى ثًنْتَيْنً وَسَبْعًينَ فًرْقَةً، كُلُّهَا فًي النَّارً إًلاوَاحًدَةً، وَهًيَ الْجَمَاعَةُ».. ثُمَّ جَاءوا بًدَمي كَذًبي، وَبَدَّلُواالصَّحًيحَ بالسَّقًيمً، فَنَسَبُوا الكَذًبَ إًلَى رَسُولًً صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ مًنْ طَرًيقً الصَّحَابًيًّ نَفْسًهً، أَنَسً بْنً مَالًك: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى سَبْعًيْنَ، أَو إًحْدَى وَسَبْعًيْن فًرْقَة، كُلَّهمفًي الْجَنةً إًلا فًرْقَةً وَاحًدَةً»، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهً! مَنْ هُمْ؟قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ». رَوَاهُ العُقَيلي فًي الضُّعفاءً الكَبيْرً (4/201)،وَمًنْ طَرًيقًهً ابْنً الْجَوزًي فًي الْموضيوعاتً (1/267). فأصبحَ الْحديثُمقلوباً كَما تَرَى:

1- الصَّحًيحُ: «إًنَّ بَنًي إًسْرَائًيلَ افْتَرَقَتْعَلَى إًحْدَى وَسَبْعًينَ فًرْقَةً، وَإًنَّ أُمَّتًي سَتَفْتَرًقُ عَلَىثًنْتَيْنً وَسَبْعًينَ فًرْقَةً، كُلُّهَا فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً، وَهًيَالْجَمَاعَةُ».

2- الْمَوضُوعُ: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى سَبْعًيْنَ، أَوإًحْدَى وَسَبْعًيْن فًرْقَة، كُلَّهُم فًي الْجَنةً إًلا فًرْقَةً وَاحًدَةً»،قَالوا: يَا رَسُولَ اللهً! مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ».

ولذا قالالْحافظُ ابْنُ حَجَري فًي اللًّسَانً (6/56): وَهَذا مًنْ أَمْثًلَةً مَقْلوبًالْمَتْنً. ا هـ

وَكَانَت هَذًهً مًنْ فًعْلَةً الوَضَّاعً الكَذَّابًالْمعروف: وَهُوَ الأَبْرَدُ بْنُ الأَشْرَسً. أَحَدً الوَضَّاعًيْنَوَالقَصَّاصًيْنَ، الذين أَحْدَثُوا فًي الدًينَ مَا اللهُ بًهً عَليم، وَأَفْسَدواعَلَى الْمُسلًميْنَ دًينَهُم الذي ارتَضَاهُ اللهُ لَهُم، وَمَا زَالَ الْحالُبًالأُمَّةً حتَّى يَومًنَا هَذَا، نَرَى أَمْثَالَ أُولئًكَ القَصَّاصًيْنَوالوَضَّاعًيْنَ مًمَّنْ سلك الطرًيقَةَ وَالنَّهْجَ ذاته، يَتَكَلَّمونَ فًي دًينًالله بًغَيْر عًلمي وَلا هُدَىً مًنَ اللهً.

[مَرحلةُ سَرًقَة الْحديثًالموْضوعً]

2- وَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلَي بْنً خَالدًاللَّيْثًي، قال: حَدَّثَنَا نُعَيمُ بْنُ حَمَّاد، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحيَى بْنيَمان، عَنْ ياسيْن الزَّيات، عَنْ سَعْدً بْنً سَعًيدي أَخًي يَحيَى بْنً سَعًيديالأَنْصَارًيًّ، عَنْ أَنَس، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهًوَسَلَّمْ: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى بًضْع وَسَبْعًيْن فًرْقَة، كُلها فًيالْجَنةً إًلا فًرْقَة وَاحًدَةً، وَهًيَ الزَّنَادًقَة». وَمًنْ طَرًيقًهً رَوَاهُابْنُ الْجَوْزًيًّ فًي الْمَوْضُوعَاتً (1/267): قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُالوَهَّابً، قَالَ: أنبأنا ابْنُ بًكرانَ، قَالَ: أنبأنا العَتًيقًي، قَالَ: حَدَّثَنَا يُوسفُ بْني الدخيلً، قَالَ: حَدَّثَنَا العُقَيلي، قَالَ: حَدَّثَنَاالْحَسَنُ بْنُ عَلَي بْنً خَالدً اللَّيْثًي بًهً، وفًي إسناده:

1- نُعَيمُبْنُ حَمَّاد: مُتَكَلَّم فًيْهً.

2- ويَحيَى بْن يَمان: فًيهًمَقال.

3- وَالثالثُ الْمُتَّهَمُ: ياسيْنُ الزَّياتً: قَالَ البُخَارًيُّفًي كًتَابًهً الضُّعَفَاء (1/124): مُنكَرُ الْحَدًيثً، وَقَالَ النَّسَائًيُّ فًيالضُّعَفَاءً (1/111): مَتْرُوكُ الْحَديثً، وَقَالَ ابْنُ حًبَّان فًي كًتَابًهًالْمَجروحًيْن (3/142): كَانَ مًمَّنْ يَرْوًي الْمَوضُوعات عَنً الثقاتًوَيَتَفَرَّدُ بالْمُعضلاتً عَنً الأَثْبَاتً لا يَجوزُ الاحْتًجَاجُ بًهً. فَسَرَقَهُ ياسيْن الزَّياتً مًنْ الأَبْرَدً بْنً الأَشْرَسً، وَجَعَلَهُ مًنْرًوَايَتًهً كَمَا جَاءَ فًي رًوَايَةً الرافًعًيًّ القَزْوينًي فًي التَّدْوًينًفًي أَخبَارً قَزْوًين (2/79): مًنْ طَرًيقً ياسًيْن، عَنْ يَحيَى بْنً سَعًيدي،عَنْ أَنَسي بْنً مَالًكً قَالَ: رَسُولُ اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّمْ: «سَتَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى كَذَا وَسَبْعًين مًلَّة»، كُلها فًي الْجَنَّةً إًلامًلَّة وَاحًدَة، قًيًلَ: أَيُّ مًلَّة؟ قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ». وَمًنْ ثَمَّقَلَبَ إًسْنَادَه فَجَعَلَهُ عَنْ ياسيْن الزياتً، عَنْ سَعْدً بْنً سَعًيدالأَنْصَارًيَّ، عَنْ أَنَسي.. الْحديث، فَصَارَ مُضْطَرًباً يُحَدًّثُ بًهً علَىوَجْهَيْنً بَعدَ قَلبً إًسْنَادًهً:

1- عَنْ ياسيْن الزَّيات، عَنْ سَعْدًبْنً سَعًيدي الأَنْصَارًيًّ، عَنْ أَنَس

2- عَنْ ياسيْن الزَّيات، عَنْيَحيَى بْنً سَعًيدي الأَنْصَارًيًّ، عَنْ أَنَس

وَقَالَ ابْنُ حَجَري فًياللًّسَانً (6/56): فقال: تارة عن يَحيَى بْنً سَعيد، وتارة عَنْ سَعْدً بْنًسَعًيد، وَهذَا اضطًراب شَديد سَنَدا.اهـ

[قَلبُ اسم الرَّاوي جَاءَبًالاضْطًرابً فًي الإًسْنادً]

والْحملُ علَى يَاسًيْن الزَيَّاتً فًيسَرًقَةً الْحديثً الْمَوضوعً مًنْ الأَبْرَدً بْنً الأَشْرَسً وَبًذلك تَمَّتمَرْحَلةُ السَّرًقَةً الأولَى، وما جلبته مًنْ اضْطًرَاب فًيالإًسْنَادً

[مَرحلةُ سَرًقَةُ السرقةً]

وَرَوَاهُ ابْنُالْجَوْزًيًّ فًي الْمَوْضُوعَاتً (1/267): قَالَ: أَنْبَأَنَا الْجَرًيرًيُّ،قَالَ: أَنْبَأَنَا العشَارًيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّارَقُطْنًيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكر مُحَمدً بْنً عُثمانَ الصَّيْدَلانًي، قَالَ: حَدَّثَنَاأَحمدُ بْنُ دَاودَ السّجًسْتَانًي، قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمانَ بْنُ عَفَّانَالقُرَشًيًّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبو إًسْماعًيلَ الأيلًي حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، عَنْمًسْعَرً، عَنْ سَعْدً بْنً سَعًيدي، قَالَ: سَمًعْتُ أَنسَ بْنَ مَالك يَقولُ: سَمًعتُ رَسُولَ اللهً يَقولُ: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى بًضْع وَسَبْعًيْنَفًرْقَة كُلَّها فًي الْجَنَّةً إًلا الزَّنَادًقَةَ». قَالَ أَنَسُ: كُنَّانَرَاهُم القَدَرًيَّة.

وفًي إسناده:

1- عُثمانُ بْنُ عَفَّانَالقُرَشًيًّ: قَالَ الذَّهَبًيُّ فًي الْميزانً: السّجًسْتَانًي» قَالَ ابْنُخُزَيْمَةُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ كَانَ يَضَعُ الْحَدًيثَ عَلَى رَسُولُ اللهً صَلَّىاللهُ عَلَيهً وَسَلَّمْ، وَزادَ ابْنُ حَجَر فًي اللسانً (4/148): (وَقَالَالْجوزَقَانًي: مَتْروكُ الْحَدًيثً، كانَ يَسرًقُ الأَحَادًيثَ).

2- حَفْصُبْنُ عُمَرَ بْنً مَيمون. أَبو إًسْماعًيلَ الأيلًي: قَالَ أَبو حَاتًم فًيالْجَرحً وَالتَّعْدًيلً: كَانَ شَيْخاً كَذَّاباً، وَقَالَ العُقَيلًي (1/275): وحَفْصُ بْنُ عُمَرَ هَذا يُحَدًّثُ عَنْ شُعبةَ وَمًسْعَرً وَمَالك بْنً مًغْوَلوَالأَئًمَّةً بًالبَواطًيلً، قُلْتُ: والرجلان: عُثمانُ بْنُ عَفَّانَ القُرَشًيًّالسّجْزًيًّ، وَحَفْصُ بْنُ عُمَرَ الأيلي كًلاهُمَا مُتَّهَمي بًالوَضْعًوَالكَذًبً، فَسُرًقَ الْحديثُ الْموضوعُ الْمُضْطَرًبُ السَّنَدً وَحَدَّثوا بًهًعَنْ سَعْدً بْنً سَعًيد، عَنْ أَنَسً.

[مَرحلةُالتَّناقُضً]

وَرَوَاهُ ابْنُ عَدًيّ فًي الكَامًلً فًي الضُّعَفَاءً فًيتَرْجَمَةً خَلَفً بْنً ياسًيْن، قَالَ: ثَنَا الْحُسَين بْنً إًسْمَاعًيلَالقَاضًي، ثَنَا عَلًي بْنً أَحْمَدَ الْجواربًي، ثَنَا أَبُو عُمْرانَ الْجيليمُوسَى بْنً إًسْمَاعًيلَ، ثَنَا خَلَفُ بْنً ياسًيْن الزَّياتً، ثَنَا الأَبْرَدُبْنً الأَشْرَسً، عَنْ يَحيَى بْنً سَعًيد، عَنْ أَنَسً بْنً مَالك، قَالَ: قَالَرَسُولُ اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّمْ: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى إًحْدَىوَسَبْعًين فًرْقَة» كُلَّها فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً»، قَالوا: وَمَنْ هُمْيَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ وَهُم أَهْلُ القَدَرً».

وفًيإًسنادًهً خَلَفُ بْنً يَاسًيْن الزَّياتً: قَالَ ابْنُ عَدًيّي: وَلَم أَرَلًخَلفً بْنً ياسًين هَذا غَيْرَ هذا الْحديثً، وَإًنْ كانَ لَهُ غَيْرُهُ فَلَيسَلَهُ إًلا دُونَ خَمسَةً أَحَادًيثَ، وَقَالَ العُقَيلًي (2/23): (مَجهول)، وَقَالَالذَّهَبًيُّ فًي الْميزانً: هَذَا مَوضُوع، وَهُوَ كَمَا تَرَى مُتَنَاقًض. قُلْتُ: وَالعًلَّةُ مًنْ خَلفً بْنً ياسيْن هَذا فَالْحديث الذي وَضَعَهُالأَبْرَدُ بْنُ الأَشْرَسً: «كُلهم فًي الْجَنةً إًلا فًرقَةً وَاحًدَةً»، قَالوا: يَا رَسولَ اللهً! مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ»، وَهُم القَدَرًيَّةُ. فَغيَّرَ خَلَفُ بْنً يَاسًيْن فًي مَتْنَهُ، وَأَبْدَلَ لفظ الْجَنَّةً بالنارًفَجاءَت رًوَايَةُ خَلَفً بْنً يَاسين هَكَذا: «كُلها فًي النَّارً إًلا وَاحًدة»،قَالوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهً؟! قَالَ: «الزَّنَادًقَةُ، وُهُم أَهْلُالقَدَرً». فَأَصبَحَ الْحديثُ الْموضوعُ مَتْنه مُتَنَاقًضاً، وَالقَولُ فًيهً مَاقَالَه إًمَامُ الاسْتًقْرَاءً التَّامًّ الذهبًي رَحًمَهُ اللهُ: هَذَا مَوضُوع،وَهُوَ كَمَا تَرَى مُتَناقًض.

جُلُّ بًضَاعَةً القَومً مًنْ كُتُبًالْمُوضُوعَاتً

هَؤلاءً الْمُتَعالًمونَ الْمُتَصَدًّرًونَ لايُفرًّقونَ بَين مُصَنَّفاتً الْحديثً الصَّحًيحً، الصالًحةً للاحْتًجَاجً،وَكُتُبً الأَحَادًيثً الضَّعًيفَةً وَالْمُوضوعَةً البَاطًلَةً، وغرَّ هذا وأمثالهما يقف عليه في كتب بعض أهل العلم كالفخر الرازي الذي ذكر الحديث الموضوع في تفسيرهولم يعلّه بما فيه، إما وهماً منه أو لعدم تمكنه من الصناعة الحديثية، وَلسانُحَالً دُعَاةً هَذًهً الطَّوائًفً وَالفًرقً عَدَمُ الاكْتًراثً بًجُهودًالأَئًمَّةً وَالعُلَمَاءً، الذين أَفْنَوا الأَعْمَارَ فًي حًفظً دًيْنًالأُمَّةً، فَأَلَّفُوا وَصَنَّفُوا، وَقَسَّموا وَنَوَّعُوا فًي التَّصْنًيفً فًيشتَّى الفُنون، كُلُّ ذلك لًلإًحَاطَةً بًكُلًّ صَغًيْر وَكَبًيْر تَعَلَّقَبًحَدًيثً رَسُولً اللهً صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّمْ، وَذَباً عَنْ سُنَّتًهً،كَي يَتَمَيَّزَ الصَّحًيحُ مًنَ السَّقًيمً، وَيُعرفُ الْمُحًقُّ مًنَالْمُبْطًلً.

أَينَ تَجًدُ حَديثَ الدكتورً الْمُوضُوع؟!

وَسنَذكُرُلَكُم بَعضاً مًنْ مَظانًّ حَدًيثً الدكتورً الْمُوضُوع: «تَفْتَرًقُ أُمَّتًيعَلَى بًضْع وَسَبْعًيْنَ فًرْقَة كُلَّها فًي الْجَنَّةً إًلاالزَّنَادًقَةَ».

1- فًي الضُّعفاءً الكَبيْرً لأَبًي جَعْفَر العُقَيلي (4/201) قَالَ: وَلَيسَ لًهذَا الْحديثً أَصل مًنْ حَديثً يَحيَى بْنً سَعًيد وَلامًنْ حَدًيثً سَعْد.

2- فًي الكَامًلً فًي الضُّعفاءً قاَلَ ابْنُ عَدًيّفًي تَرْجَمَةً خَلَفَ بْنً يَاسًيْن الزَّياتً: وَلَم أَرَ لًخَلفً بْنً ياسًينهَذَا غَيْرَ هَذا الْحَدًيثً.

3- وفًي الْمُوضُوعَاتً (1/268) قَالَ ابْنُالْجَوزًيًّ: هَذا الْحديثُ لا يَصًحُّ عَنْ رَسُولً اللهً.

4- وَفًيتَلخيصً كًتَابً الْمَوضُوعَاتً (1/79): ذَكَرَهُ الذَّهَبًيُّ فًي تَلخًيصًهًمُوافًقاً عَلَى وَضَعًهً.

5- فًي بغيةً الْمُرتادً فًي الرَّدًّ عَلىالْمُتَفَلسًفَةً وَالقَرَامًطَةً وَالبَاطًنًيَّةً (1/337): قَالَ شَيخُ الإسلامًابْنُ تَيْمًيَةَ: هَذا الْحديثُ فَلا أَصْل لَه بَلْ هُوَ مَوضُوع كَذًببًاتًّفَاقً أَهلً الْمَعْرًفَةً بًالْحَديثَ، وَلَم يَروًهً أَحَد مًنْ أَهلًالْحَدًيثً الْمَعروفًين بًهذا اللَّفْظً.

6- وَفًي مًيزانً الاعْتًدالً (2/453): قَالَ الذَّهَبًيُّ: هَذا مُوضُوع» وَهوَ كَمَا تَرَىمُتَنَاقًض.

7- وفًي لًسانً الْمًيزانً (6/56) قَالَ ابْنُ حَجَرَ: وَالْمَحْفُوظُ فًي الْمَتْنً تَفْتَرًقُ أُمَّتًي عَلَى ثَلاثي وَسَبعًينَ فًرقَةكُلَّها فًي النَّارً إًلا وَاحًدَةً، قَالَ: وَمَا تًلكَ الفًرقَةُ؟ قَالَ: مَاأَنَا عَلَيهً اليومَ وَأَصحابًي.

8- وَفًي تَنْزًيهُ الشَّرًيعَةًالْمَرفوعَةً عَنْ الأَخبارً الشَّنًيعةً الْمَوضُوعَةً (1/310): ذَكَرَهُ ابْنُعَراقُ.

9- اللآلًئً الْمَصنوعَةً فًي الأَحادًيثً الْمَوضُوعَةً (1/227) ذكره السيوطًيُّ فًي مُصَنَّفًهً فًي الأَحَاديثً الْمَوضُوعَةً. وَذَكَرَهُ عَليالقَارًي فًي كًتَابَيْهً الْمَوضُوعَاتً الصُّغرَى وَالكُبْرَى نَقْلاً عَنْالسّيوطيًّ.

10- الْمَصنوعُ فًي مَعرفَةً الْحديثً الْمَوضُوعً(1/80) قَالَعَلًي القَارًي: لا أَصل لَهُ كَذا فًي اللآلئ. 11- الأَسْرارُ الْمَرفُوعَةً فًيالأَخبارً الْمَوضُوعَةً (الْموضُوعاتً الكُبْرَى) (1/161) قَالَ: فًي اللآلًئ لاأصل لَهُ يعنًي بًهذَا اللفظً.

12- فًي كَشفً الْخَفَاءً (2/268): قَالَالعَجلونًي: قَالَ فًي اللآلئ لا أَصلَ لَهُ أَي بًهذَا اللَّفْظً، وَإًلافَالْحديث رُوًيَ مًنْ أَوجه مَقبولَة بًغَيْرً هَذَا اللفظً.

13- اللؤلُؤُالْمَرصُوعُ فًيما لا أَصْلَ لَهُ أَو بًأَصْلًهً مَوْضُوع (1/66) قَالَالْمشيشيُّ: لا أَصلَ لَهُ بًهَذا اللفظً.

14- فًي نَظمًالْمُتَنَاثًرً(1/47) لًلكَتَّانًيًّ قَالَ بَعدَ نَقله لًكَلامً أَهل العلم عَلَىتَواتًرً الْحديثً الصحيًحً: (فَهوَ الذي يَنبَغًي أَنْ يُعَوَّلُ عَلَيهً دونَالْحديثً الْمَكذوبً عَلَى النَّبًيًّ صَلَّى اللهُ عَلَيهً وَسَلَّمْ) اهـ. قَالَ: يُرًيدُ بًهً حَديثَ العُقَيليًّ وَاْبًن عَدًيًّ عَنْ أَنَسي. اهـ

15- وفًيالفَوائًدَ الْمَجموعَةً فًي الأَحادًيثً الْمُوضُوعَةً (502): أَصَابَ الشوكانًيُّفًي تَقْييدًهً لًهذَا الْحديثً الْموضُوعً وَإًضَافَتًهً إلَىمَجموعَتًهً.

16- وَفًي السّلسًلَةً الضَّعيفَةً (1035): قَالَالأَلبانًيُّ: مَوضُوع.

وَفَّقَنا اللهُ وَإًيَّاكُم لًنُصرَةً دًينًهًوَسُنَّةً نَبًيًّهً.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 9/4/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-08-2010, 10:51 PM
حرية الرأي ... وحق إبليس في الوجود



خلق الله إبليس وأوجده، وَإًرَادَةً وُجُودًهً عَلَى الأَرضً إًرَادَة قَدَرًيَّة كَونًيَّة،وَعندما خلق الله آدم، أَمَرَ الملائًكَةَ وَإًبْليسَ أَن يسجدوا لآدم، قالتعالَى:(ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لميكن من الساجدين)[ الأعراف: 11]، وقال: (وإذ قال ربك للملائكة إًنًي خالق بشراً منصلصال من حمأ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فسجد الملائكةكلهم أجمعون إلا إبليس أَبَى أن يكون مع الساجدين)[الحجر:28-31].

أَوَّلُ مُطالَبي بًحُرًّيَةً الرَّأْيًوَالاعْتًقاَدً

فأعلن إبليس عصيانه وخروجه عن طاعة الله، لًيَصْرَخَمُعْلناً أَوَّلَ مُطالَبَة بًالْحُريةً- حُرًّيَةً الرَّأْيً وَالْمُعْتَقَدً - كَمَا فًي قَوْلًهً تعالَى علَى لسان إبليس: (قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قالأنا خَيْري منه خلقتني من نار وخلقته من طين)[الأعراف: 12]، وَفًي قوله: (قال ياإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين قَالَ لَم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأمسنون) [الحجر:32-33].

مَنْ يُضَلًّلُ إًبليسَ

لا يُؤْمًنُ بًالرَّأيًوَالرَّأْيً الآخَرً !

إن إبليس موجود، وله آراء ومعتقدات ودعوة قائمة،يُمارس دعوته عَبْرَ مسَاحةً الْحريةً الْمَمْنوحَةً للجميع، وَمَنْ الذييَستَطًيعُ أَنْ يُصَادًرَ حَقَّهُ فًي الوُجُودً، وَقَوْلً كُلًّ مَا يُريد ؟! ويرى إبليس أن من يتكلم فًي شَأَنًهً ومذهبهً وطريقتهً، أُصولًيّي مُتَشدًّد لايُؤْمًنُ بًالرَّأيً وَالرَّأْيً الآخَرً، بل هُوَ يَسْعَى لإًقْصَائًهًوَمُصَادَرَةً الرَّأْيً الآخَرً .

رائد دعوة الزلل والانحراف

بدأ بإطلاق دعوته الضالة بوسائله المختلفة علَى أولمجتمع إنسانًي، ذَاكَ الْمُجتمعُ الْمُكونُ آنذاكَ مًنْ آدم عليه السلام وزوجهحواء، داعيا إلَى هوايته في الإغواء من أجل الإيقاع فًي الزلل وَالْخَطَلً، كما فًيقوله تَعَالَى: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولاتقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين فَأَزَلَّهُما الشيطان عنها فأخرجهما مًمَّاكانا فيه) [البقرة: 35-36]، وإن كل الدعوات المنحرفة عن الصراط المستقيم، والطريقالقويم، التي تُعْلًنُ تَمردها عن الحق، وعدم قبوله، والمطالبة بعدم مصادرة رأيها،بل ترى فًي فترات ظهور الْحق وانتشاره مصادرةً لًمُعتقداتًها الباطلة، وتطالب أنيكون لَها حَقي فًي الوجود، وَأَنْ تُمنحَ مساحةً مًنَ الْحُريةً عن طريق الوسائلالإعلامية المختلفة، طمعاً فًي نشر ما عندها من باطل، كل هذه الدعوات: تسير علَىخطى القطب الأكبر، والمرجع الأول رائد دعوة الانحراف ومنظرها. وعندما يُفتح بابالشر والضلال» تصبح العقول البشرية جزءاً من الْخرافة، وَهكذا ينحرف الناس عامةوالْمسلمون خاصة عن ما اختاره الله لَهم من الدين القيم، قال تعالَى:(فأقم وجهكللدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لًخلق الله ذلك الدين القيمولكن أكثر الناس لا يعلمون) [الروم: 29-30]، والدين القيم هو دين الإسلام الصحيحالقائم علَى أصولي وأدلةي وَبَراهًيْنَ» ثَبَاتُها كثبات الجبال الرواسي، دينالإسلام النقي الصافًي» الذي لا يقوم علَى الخيال والخراب، والفكر وسراب العقولوآرائها، ولَم تداخله الشوائب والْخرافات .

إبليس مُجَدًّدُ أَمْجَادً المنحرفين

وإن الخذلان بالاستماع والإًتًّبَاعً لَهذه الطوائفعلَى اختلافها وتصديق ما يقول أتباعها» ما هو إلاَّ تعاون معلن أو غير معلن بين هذهالطوائف وإبليس، بل هو اتًّبَاعُ الزَّوَايَا وَالْخَلَواتً والْمَرْجًعًيَّاتلًخطواتً الشيطان، قال تعالَى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهمليجادلوكم)[الأنعام:121]، وقال تعالَى:(ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبعكل شيطان مريد)[الحج: 3]، فالمصالح مشتركة، والأمور تذهب إلَى هدفي واحد» ويعملإبليس علَى استخدام كل الوسائل باسم هذه الفرق والنحل المنحرفة، التي اتخذت منالإسلام شعارا» مُعَبًّراً عَنْهُ بقوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعنأيمانهم وعن شمائلهم)[الأعراف: 17]، وكان له وَلَهم ما أراد، قال تَعَالَى: (فزينلَهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم)[النحل: 63] .

لا تقديس لذات النبوة

وَلَم تُمنح الأُلوهيةُ والقَدَاسَةُ لأُسْرَةخَاصَّة

والغاية الَّتًي يريدون» أن لا يعبد الله بًما شرع» علَى الوجه الذيجاء به رسول الله صلَى الله عليه وسلم، وما عليه سلف الأمة من الصحابة رضي اللهعنهم، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلَى يوم الدين، فَلَم يُغَيًّروا عَقيدةً أويُحَرًّفُوا شَريعةً أَو يُقَدًّسوا أحدا، وَلَم يقدس نبي الله صلى الله عليه وسلم - وهو الأسوة والقدوة - أحداً كائنا من كان، قال تعالَى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلاإياه)[الإسراء: 23]، وبدأ بنفسه فَنَهى عن الغلو فيه وتقديس ذاته، قال تعالَى: (قُللا أقول لكم عندي خزائنُ اللهً ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقول لكم إًنًّي مَلَكي إًنْأَتَّبًعُ إًلاَّ مَا يوحَى إًلَيَّ) [الأنعام:50]. وروى البخاري(3445) فًي صحيحهعَنْ ابْنً عَبَّاس سَمًعَ عُمَرَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَىالْمًنْبَرً: سَمًعْتُ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لاتُطْرُونًي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإًنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ،فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهً وَرَسُولُهُ» . وروى البخاري (1330)، ومسلم(529) فًيصَحيحيهما عَنْ عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُعَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ فًي مَرَضًهً الَّذًي مَاتَ فًيهً: «لَعَنَ اللَّهُالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبًيَائًهًمْ مَساجًد» .

أَوَّلُ مُعارض فًي التاريخ

أول من صرخ معارضا لًمنظومة الْحياة ولًما عليه واقعه،لأمر الله ولًما عليه أمر المخلوقات آنذاك» هو إبليس الذي خرج عن صمته ليبديَ رأيه،معلناً اعتراضه التاريخًيًّ، فَتَمَرَّدَ بالعملً، فقال تعالَى:(إن الشيطان كانللرحمن عصيا)[مريم: 44]، ولقوله تعالَى: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليسأَبَى أن يكون مع الساجدين)[الحجر:30-31]، وذهب يجادل فًي أمر الله له بالسجود،معترضاً، فَعَارضَ بالقولً» لقوله تعالَى: (قال أنا خَيْر منه)، وَقوله:(قَالَ لَمأكن لأسجد لبشر)، فهل هو القُدْوَةُ الأَوَّلُ للمُعارضةً ؟! وهل الشيطان هو صاحبالطريقة والمؤسس لنظرية المعارضة ؟ بالاعتراض علَى الْحق ونشر دين الخرافةوالضلالات، وإطلاق الزَّئًير والصيحات لضياع مصالًح الأُمَمًوَالْمُجْتَمَعاتً.

من هو زعيم الأغلبية ... !!

وبالنظر فًي واقعنا اليوم» من انتشار للباطلًوَأَهْلًهً، وما نراه من تشويهي للإسلام» وعبادة والأولياءً من دون الله، بل إن مانراه من قيام دولي وأحزابي وأقطاب تعمل علَى تشويه الإسلام» يجعلنا ندرك إدراكاجازماً، ذَلًكَ السًّرُّ فًي تَرَبُّعً إًبليس الْمطلق علَى عرش الأغلبية، قالتعالَى:(قَالَ رَبًّ بًماَ أغويتني لأُزَيًّنَنَّ لَهم فًي الأرض ولأغوينهمأَجْمَعين إلا عبادك منهم الْمُخلصين)[الحجر:39-40]، بعد قرار إبليس بالرفضوالعصيان والتمرد، وقف يحشد المعارضة وذهب يدعو لاستمالة أكبر قدر من البشرية،والاستيلاء علَى الفرق والطوائف واحتوائها فًي الزوايا والخلوات، قال تعالَى:(قالأرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلاقليلا)[الإسراء: 62]، وقال تعالَى: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعنأيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين)[الأعراف: 17]، وإليك الأدلة من كلامالله تعالَى بتصديق ذلك، قال تعالَى: (وقليل من عبادي الشكور)[سبأ: 13]، وقالتعالَى: (ذلك من فضل الله علينا وعلَى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون)[يوسف: 38]،وقال تعالَى: (ولكن أكثر النـاس لا يعلمون)[الروم: 30]، وقال تعالَى: (وإن تطع أكثرمن في الأرض يضلوك عن سبيل الله)[الأنعام: 116]، وقال تعالَى: (إنه الحق من ربكولكن أكثر الناس لا يؤمنون)[هود: 17]، وقال تعالَى: (وما أكثر الناس ولو حرصتبمؤمنين)[يوسف: 103]، وقال تعالى: (ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا منالمؤمنين)[سبأ: 20].

وهذا من صمت القلم والحمد لله أولاوآخرا.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 29/1/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 03:46 PM
حكم حديث "كان يُقلس له في عيد الفطر"



د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


ورد إلينا سؤال من أحد طلبة العلم في المدينة (طيبة) يقول فيه: ما صحة الحديث الذي رواه ابن ماجه في سننه: "كان يقلس له في عيد الفطر"، وما معنى يقلس؟


فأجبنا بالآتي:


الحديث يُروى عن عياض الأشعري، وعن قيس بن سعد بن عبادة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.


الرواية الأولى: أخرجها ابن ماجه في سننه (1302) قال: حدثنا سويد بن سعيد، حدثنا شريك، عن مغيرة، عن عامر قال: شهد عياض الأشعري عيداً بالأنبار فقال: ما لي لا أراكم تقلسون كما كان يقلس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم؟


وأقول: الإسناد فيه علل ظاهرة:


* في سنده شريك القاضي، وهو صدوق سيئ الحفظ.


* وعياض الأشعري، رجح أبو حاتم أن لا صحبة له فحديثه مرسل.


* كما أن في الإسناد علة خفية عامر الشعبي اختلف عنه:


أ- فرواه إسرائيل عن جابر، عن عامر، عن قيس بن سعد (رواه أحمد في المسند [422/3]).


ب- ورواه شيبان، عن جابر، عن عامر، عن قيس بن سعد، رواه إبراهيم بن الحسين القطان، ومن طريقه رواه البيهقي في شعب الإيمان، ورواه البيهقي أيضا في السنن الكبرى من غير طريق راوي سنن ابن ماجه أبي الحسن إبراهيم بن سلمة القطان في زوائده على السنن.


ت- ورواه شريك القاضي، عن مغيرة عن عامر عن عياض.


ث- ورواه شريك، عن أبي إسحاق، عن عامر، قيس بن سعد وأخرجه ابن ماجه في سننه (1303) قال: حدثنا أبو نعيم عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عامر، عن قيس بن سعد الحديث...


وهذا إسناد صحيح لولا عنعنة أبي إسحاق السبيعي وهو مدلس.


وأقول:


أولاً: الإسناد ضعيف لعلة التدليس.


ثانياً: فيه علة أخرى، فإن إسرائيل يرويه تارة عن جابر الجعفي: ضعيف مشهور، وتابعه على ذلك شيبان بن فروخ، عن جابر، وتارة يرويه عن جده أبي إسحاق.


ورواية عن جابر أرجح، ولكن الضعف ملازم للروايتين والطريقين.


بولد: قال ابن أبي حاتم في العلل (209/1): سألت أبي عن حديث عامر، عن قيس بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقلس له يوم الفطر، أي شيء معناه؟ وبعضهم يقول: هذا عن عامر، عن عياض الأشعري، عن النبي صى الله عليه وسلم، أيهما أصح؟ وما معنى الحديث؟


فأجاب أبي فقال: معنى التقليس: أن الحبش كانوا يلعبون يوم الفطر بعد الصلاة بالحراب.


واختلفت الرواية عن الشعبي في عياض الأشعري، وقيس بن سعد.


* رواه جابر الجعفي، عن الشعبي، عن قيس بن سعد، عن النبي صلى الله عليه وسلم.


* ورواه آخر ثقة، أنسيت اسمه، عن الشعبي، عن عياض، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعياض الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم: مرسل، ليست له صحبة.


قلت: الإسناد الأول مُعلٌ بجابر الجعفي والإسناد الآخر معل بالإرسال، وعلى التسليم أن الثقة الذي رجحت به رواية [كما هو ظاهر صنيع أبي حاتم] عامر الشعبي عن عياض الأشعري هو المغيرة بن مقسم، وهو ثقة كما قال.


ولكن من حمل عنه أي: الراوي عنه هو: شريك بن عبد الله القاضي، كما تقدم بيانه.


وحاله من حيث الجملة صدوق له أخطاء، وهذه علة اخرى تضاف إلى الإرسال، وبهذا فالحديث ضعيف لا تقوم به حجة.


والتقليس: معناه هو اللعب والغناء عند النبي صلى الله عليه وسلم.


والحمد لله رب العالمين




تاريخ النشر 06/10/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 03:49 PM
حكم صيام الأيام الستة من شوال

تصام الأيام الستة متتابعة أو متفرقة




كتب:د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

إليك أخي القارئ بعض الأحكام المتعلقة بصوم ستة أيام من شهر شوال.

أولاً: الدليل من السنة:

حديث أبي أيوب- رضي الله عنه- روى مسلم في صحيحه (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر».

وتكفيه شمس صحيح مسلم لترى صحته.

وروي من غير طريق أبي أيوب:

-1 عن ثوبان- رضي الله عنه- في «مسند الشاميين» للطبراني (1/278 رقم 485): عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان وستاً من شوال، فكأنما صام السنة كلها». وهو صحيح لغيره.

-2 وعن أبي هريرة- رضي الله عنه- كما رواه البزار في «مسنده» (مختصر زوائد مسند البزار- 668 ) من طريق العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:¢من صام رمضان وأتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر»، بإسناد صحيح.

-3 وعن شداد بن أوس- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان وأتبعه بست من شوال......» الحديث، وهو حسن.

وفي الباب أحاديث عن جمع من الصحابة أعرضت عنها، منها ما احتج به أسد السنة الشيخ ناصر الدين الألباني كـ (حديث جابر) ولكن في النفس من عمرو بن جابر الحضرمي أحد رجال إسناده شيئاً فهو «ضعيف جدا» عندنا على الرغم من قول الحافظ عنه في التقريب: ضعيف. وقد بينت ذلك بتوسع في كتابنا (نقض قول ابن دحية الكلبي).

ثانياً: لا توصل برمضان لما ورد من النهي عن صوم يوم الفطر ورواه مسلم في صحيحه (1140) من حديث عائشة- رضي الله عنها- قالت:¢نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صومين، يوم الفطر ويوم الأضحى».

ثالثاً: تصام متتابعة أو متفرقة في شوال ولم نقف على دليل يرجح أي الحالين، فكلاهما جائز ومتساو في الأجر.

والحمد لله على فضله وإحسانه



تاريخ النشر: الاثنين 23/10/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 03:52 PM
خذوا على أيديهم...لا تُغرًقوا السَّفينةَ



د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبًيّ بعده» أما بعد:

إًنَّ الخراب والدّمار لا ينشده ذَوُو العقول والألباب» فلا أحد يقبل بًهدم بيتهً، وخراب داره، ولا يسعى فًي ذهاب مصالًحه وفساد شأنه، ولكنها الفًتَنُ إذا حلت بأرض» جعلت من النساءً أَيامَى، والأبناءً يتامَى، والديار خرابا، والسواد بياضا، واعلموا عباد الله! أَنَّ دعاةَ الفًتَن وموقدوها، ورؤوس الفوضى، وأقطاب الفساد» زينوا للدّهْماء وعامة الناس أَنَّهم دعاة إصلاح، وهم دعاة فساد فًي البلاد، ونار شر تُحرق العباد، قال الله تعالَى فًي هؤلاء وأمثالًهم: (وَإًذَا قًيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسًدُوا فًي الأَرْضً قَالُوا إًنَّمَا نَحْنُ مُصْلًحُونَ أَلاَ إًنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسًدُونَ وَلَكًنْ لاَ يَشْعُرُونَ وَإًذَا قًيلَ لَهُمْ آَمًنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمًنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إًنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكًنْ لاَ يَعْلَمُونَ) (البقرة 13ـ11)» أَي: ارجعوا عن سبل الغواية والضلال، قالوا: نَحن أهل الرأي السديد والقول الرشيد، وهم عند التحقيق عبيدي للشهوات والشبهات» (وَلَكًنْ لاَ يَعْلَمُونَ)، فكيف نأمن أولئك على الدين والأنفس والأعراض والأموال؟! بل كيف وُسًّدوا الْمناصب، ووضعت تَحت أيديهم مصالح العباد؟! ودعوتُهم قائمة علَى الإفساد فًي كلًّ واد!

ولله در القائل:

ومن ذا الذي يرجو اللئيم سجية

ويأمل ريا منه وهو سراب

ويعقد كفيـه على وُدًّ غَـادري

ألا إن عمران العدو خراب


التّعوذُ من جَهْدً البَلاءً


لن ندع أحدا يهدم بيتا وَيُخرب مسجدا، ولن نترك الداء يسري فًي الْمجتمع» يسمم الناس بأفكار هدامة، نًهايتها الحسرة والندامة، ولًماذا تُهمل هذه الأفكار والأحزاب تعيث فًي الأرض الفساد، فكلما ظهرت فًي مكان أو زمان نشرت البلاء والوباء، وأحيت الفتن وانتشر الْهرج، وشاعت الفوضى، وعمَّ الفساد في الأرض، وعندنا تصبح الفوضى سائدة» فلا تسأل عن الْهلكة، وعذاب الفرقة والاضطراب والخلاف» الذي يًحل فًي الأوطان، ويضعف البلدان، وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة الْمجتمع من البلاء والفتن وشقاء العيش وصعوبة الحياة» فكان يرشد أصحابه إلَى أفضل الدعاء، كما روى البخاري (6616)، ومسلم (2707) فًي صحيحيهما من حديث أبًي هريرة رضي الله عنه، عن النّبًي صلى الله عليه وسلم قال: «تعوذوا بالله من جَهْدً البلاء، ودَرَكً الشقاء، وسوء القضاء، وَشَماتة الأعداء».


ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا


لقد تنوع التوجيه والبيان والإرشاد فًي كتاب الله وسُنّةً نَبًيًّهً ومن ذلك ضرب الأمثال لتدرك العقول وتعي القلوب مراد الله، ليكون قريبا إلَى الأذهان قال تعالَى: (وَيَضْرًبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لًلنَّاسً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (إبراهيم: 25)، وقال تعالَى: (وَتًلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرًبُهَا لًلنَّاسً لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (الحشر: 21) وسنذكر مثلين من السنة» من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم تبين أن الفتن تبدو صغيرة فإذا بًها تصبح فًي قوتًها وفتكها بركانا هائجا.


ومعظمُ النارً من مُستصغرً الشرر


أولا: الاستهانة بصغائر الذنوب

روى أحمد فًي الْمسندً (331/5) بسند صحيح من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إًيَّاكُم ومُحقرات الذنوب، كقوم نزلوا في بطن واد، فجاء ذا بعود، وجاء ذا بعود» حَتَّى أَنْضَجوا خبزتَهم، وإن مُحقرات الذنوب مَتَى يؤخذ بًها صاحبها تُهلكه»، وله شاهدي رواه أَحْمدُ فًي الْمُسندً (402/1) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إًيَّاكم ومُحقرات الذنوب» فَإًنَّهن يَجتمعن على الرجل حتَّى يهلكنه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب لَهن مثلا» كمثل قوم نزلوا أرض فلاة، فحضر صنيع القوم فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يَجيء بالعود» حتّى جَمعوا سوادا، فَأَجَّجُوا نارا، وأَنْضَجوا ما قذفوا فيها».

ـ1 ضرب النبي صلى الله عليه مثلا» الذنوب الصغيرة والاستهانة بأمرها» بالأعواد الصغيرة التي إذا اجتمعت أوقدت نارا وأنضجت طعاما.

ـ2 ويستفاد من الحديث أن بعض الفتن تبدو صغيرة» ولكنها سبيل إلَى القضاء على الْمَمالك والدول، وضياع لًمصالًح الأمم والشعوب، فلا بد من حسمً مادّتًها، وَوَأْدًها فًي مهدها.


نَجاةُ السفينة» نَجاةُ الْمُجتمع


ثانيا: الأخذ على أيدي المخالفين والمنحرفين نجاة للأمم

روى البخاري في صحيحه (2493، 2686) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النَّبًي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها» كمثل قوم استهموا على سفينة فصار بعضهم في أسفلها، وصار بعضهم في أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء» يَمرون بالماء على الذين في أعلاها فتأذوا به، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولَم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا» هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم» نَجوا ونَجوا جَميعا». وفًي روايةي له: «فأخذ فأسا فجعل ينقر أسفل السفينة» فأتوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذيتم بًي، ولا بد لًي من الْماء فَإًن أَخَذوا على يَديه» أَنْجَوه ونَجَّوا أنفسهم، وإن تركوه» أهلكوه وأهلكوا أنفسهم». وفًي روايةي لابن حبان فًي صحيحه (533/1): «فقال: من ناوأه من السفهاء: إفعل، فأهوى إلَى فأس ليضرب بًها أرض السفينة، فأشرف عليه رجل رشيد فقال: ما تصنع؟ فقال: نحن أقربكم من المرفق وأبعدكم منه» أَخرقُ دف السفينة فإذا استغنينا عنه سددناه، فقال: لا تفعل» فإنك إن فعلت تَهلك ونَهلك».

ـ1 ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلا» المجتمع فيه قوم صالحون وآخرون مفسدون» وقعوا فًي المخالفة والانحراف عن الصراط المستقيم، بًجماعة فًي سفينة» همَّ بعضهم بفعلي ظاهره مصلحة وهو خطر على السفينة وأهلها، فلا بد أن يأخذ العقلاء على أيدي السفهاء، ولا يتركوهم وما أرادوا، وَيَمنعوا الأقوال والأفعال الْمُنحرفة» ففي ذلك النجاة والسلامة للجميع.

ـ2 قال الله تعالَى: (وَاتَّقُوا فًتْنَةً لاَ تُصًيبَنَّ الَّذًينَ ظَلَمُوا مًنْكُمْ خَاصَّةً) (الأنفال: 25)» أَيْ: لا تَختصُّ إصابتها برؤوس الضلالة، ومن يباشر الظلم منكم بل يعمه وغيره، كإقرار الْمنكرات، والْمُداهنة فًي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وافتراق الكلمة، وظهور البدع، والسكوت عن سادات الفوضى» فأعمالُهم تعقبها فتن لا تبقي ولا تذر.

ـ3 ويستفاد من قول الله سبحانه وتعالَى وحدًيثً نَبًيًّهً أنه إذا لَم يأخذ العقلاء على أيدي السفهاء من العابثين بالأمن، ودعاة الشر، وباعثي الفتن» ضاعت البلاد وهلك العباد، ولا يخفى أن استمرار الحضارات وحياة الشعوب وصلاح المجتمعات» فًي حاجة لعلاجي ناجع ومواقف حازمة، فشرارة الفتنة تطفأ فًي حينها، وأفكار السوء والْمعتقدات الْمنحرفة توأد فًي مهدها، والأفاعي تقتل في جحورها.


القضاءُ على مادَّةً الفسادً


فلا يستهان بًمادة الفساد التي تتسلل إلَى الجسد فيتآكل شيئا فشيئا حتى تفتك به، فصغائر الذنوب تؤذي، والْمُداومة عليها سَيجًرُّ يوما إلَى الوقوع فًي الكبائر، فحذار من كل زلة وانْحراف، وتَنبَّه من الوقوع فًي الفتن، ولا تستصغر أَمْرَ قَذاةي وقعت فًي العين» فكم من الدمع أسالت علَى الْخدّينً. وكذلك شأن الذنوب والمعاصي والبدع فًي الناس، والخطوب والأخطار عندما تستهين بًها الدول والأمم...

مثلُ القذاةً بعينً المرءً يَحقرُها

ودمعُها أبداً من وَخْزًها يكًفُ


تاريخ النشر: الاثنين 3/3/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 03:53 PM
خَيْرُ الأمُورً أًوْسَطهَا... لا يَصًحُّ حَدًيثاً



كتب:د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نَبًيَّ بعده:

لا يجوز مطلقا الاستدلال بالنصوص الضعيفة والموضوعة، ولا ينبغي أن تنسب إلَى النبي صلَّى الله عليه وسلم وإلَى الوحي أخبار لَم يقلها وجاء التحذير والنَّكيْرُ فًي الصَّحًيحَيْنً عَنْ جَمْعي مًنَ الصَّحابَةً كما نُقًلَ بأسانيد نَقًيَّة عَنْ عَلًيًّ بن أَبًي طالب، وَالزّبَيْرً بْنً العَوَّام، وأَبًي هُرَيرَةَ، وأَبًي سعيد الْخُدريًّ، وَ الْمُغًيْرَةَ بْنً شُعْبةَ وَعبد اللهً بْنً عَمْرًو بن العَاصً وَأَنَسً بْنً مَالك رَضًيَ اللهُ عَنْهُم وغيرهم، فقد تَوَاتَرَ عَنْهُمْ قَوْلُ النَّبًيًّ صلَّى اللهُ عَليهً وَسَلَّم: »مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمًّداً فَلْيَتَبَوَأ مَقعَدَهُ مًنَ النَّارً«.

خير الأمور أوسطها

من الأحاديث الضعيفة والموضوعة

ومن هذه الأقوال التي تضاف زوراً إلَى الشرع، وتنسب إلَى أقوال النبي صلَّى الله عليه وسلم، ذلك القول الشائع (خير الأمور أوساطها) رواه البيهقي في السنن الكبرى (3/273):بإسناده عن عمرو بن الْحارث، قال عمرو: بَلَغَنًي أَنَّ رَسُولَ اللهً صَلّى اللهُ عليه وسلم قال: (أَمْراً بَيْنَ أَمْرَينً وَخَيْرُ الأُمُورً أَوَسَاطًهَا). وقال: هذا منقطع، وقال البيهقًيُّ فًي شُعَبً الإيمان (5/169): هذا مرسل، والمنقطع والمرسل من أقسام الضعيف فلم يصحح البيهقًيُّ هذا القول الشائع، وَرُويَ مًنْ طُرُق لا يَنْهَضُ مًنهَا شيء فًي ذًكرًهً فَائًدَة للاحتجاجً، ولضعفه جرى بعض أهل العلم علَى وضعه فًي الضعيف الموضوع، وما أفردوا لَها من مصنفاتي ومؤلفاتي فًي الأحاديث الضعيفة والْموضوعةً كما فعل الشوكانًيُّ في كتابه الموسوم »الفوائد الْمجموعة فًي الأحاديث الموضوعة«، وقال: رواه البيهقي معضلا.وأحمد الغزي العامري ذكره فًي »الْجد الحثيث في بيان ما ليس بًحديث« . ويعلم الله أننا بًحمد الله نَملكَ آلةَ الْحُكمً علي الْحديثً والْجَزْمً بًإًعلالهً، ولكن أحب أن أذكر أن مًمَّنْ ضَعَّفَهُ وأعلهُ شيخُ الْمُحَدًّثيْنَ فًي هذا الزمان، والذي قال: بعدم صحته، وهو من هو فلا يَعرف إلا الْحديث ومن فخاره، وعلو منزلته أنه لَم تعرفه موائد السلاطين، ولَم يتشاغل بًمدح الأمراءً، والولاةً، والتكسب من ذلك.

خير الأمور أوسطها من الأقوال الشائعة عَلَى الألسنة وفيه الصحيح والموضوع

ولشيوعه علَى ألسنة الناس كان من مظان الكتب التي اعتنت بًهذا النوع من التصنيف ولذا ذكره السخاوي فًي »الْمَقاصد الْحَسنةً فًي بيان كثير من الأحاديث المشتهرة علَى الألسنة«، وجاء فًي اللالًىء المنثورة لبدرالدين الزركشي: المعروف بـ » التذكرة فًي الأحاديث الْمشتهرة«، ومختصره صاحب »كتاب الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة«، وأورده العجلونًي فًي »كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس«.


الوَسطًيَّةُ...وَخَيْرُ الأُمُورً أَوْسَطًهَا

هذا الْحديثُ الضعيفً، بل لا أراهُ إلا مصنوعاً وموضوعاً، عَلَى خَيْرً البَريةً مُحمد صلى الله عليه وسلم، وهو من الأدلة التًي يستدل بًها دعاة الوسطية، لتسويق ذلك المفهوم الشاذ، وهذا الْمَذْهَبً الْهُلامًيًّ الْهش الذي لا تستطيع أن تقف عليه، أو تصب معتقدات الناس وأعمالَهم فًي قالبه، وكيفَ يُرادُ أن يَتًمَّ تقييم الناسً وفق مذهب الوسطية؟! .والإعراض عن الكتاب والسنة، أهو عدم رضَى أو رد أو حداثي فًي الدين؟! وأين ما روى البخاري (2697) ومسلم (1718) في صحيحيهما من حديث عَائًشَةَ رَضًيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهً صلى الله عليه وسلم: »مَنْ أَحْدَثَ فًي أَمْرًنَا هَذَا مَا لَيْسَ فًيهً فَهُوَ رَدّ« وَفًي رًوَايَة لًمسلم فًي صحيحه (1718): »مَنْ عَمًلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهً أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ«.


تاريخ النشر: الاثنين 26/2/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 03:59 PM
دعوة الحق: دعوة إلى توحيد الله؛ وتحذير من الشرك وأهله!!




عرفت دعوة أهل السنة والجماعة بدعوة الناس إلى لا اله إلا الله، وبعث ما اندثر من معالم التوحيد، وتجديد ما طُمس من رسوم الإسلام، ولذا تنفرد هذه الدعوة برفع مقولة: عليكم العودة إلى الأصل؛ عليكم بالعهد الأول، فتميزت عن غيرها من الدعوات والشعارات التي تُرفع باسم الإسلام؛ بالتصدي لمحاربة الشرك بأنواعه المختلفة، ورصده زماناً ومكاناً، وتحذير الناس من أخطاره، وبيان أنه المحبط للعمل، قال الله تعالى: {وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[الأنعام: 88]، وقال تعالى:?وَلَقَدْ أُوحِيَ إليْكَ وَالى الذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}[ الزمر : 65]، وهذا الخطاب كان في حق الأنبياء والرسل وهم أصفياء الله من خلقه، وقد كفل الله لهم العصمة من الوقوع في الشرك، فكيف الحال بغيرهم . وما لَم يقع العبد في الشرك؛ فباب المغفرة مفتوح، والعبد تحت المشيئة ما لَم يشرك بالله، فإن الله تعالى إذا شاء أدخله النار وعذَّبه على قدر معاصيه، ثم أدخله الجنة، وإن شاء غفر له، وأدخله الجنة بِمنِّه وكرمه، قال تعالى: ?إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}[النساء: 48]، وهذا الذي جعل المنهج السلفي مُمَيَّزاً ظاهراً على المناهج الأخرى، يستمد قوته وعصمته من شدة الحرص على عبادة الله وحده، والعمل على حصانة العبد، وحفظه من الوقوع في الشرك، وصيانة أقواله وأفعاله من الوسائل المفضية إليه .

الشناعة على العلماء لمحاربة الشرك ووسائله،

ومحاربة كل مجدد لدعوة التوحيد

إنه لَم يأت رجل بِمثل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ودعا إليه؛ إلا كادوا له، وآذوه، وناصبوه العداء، فمذ أربعة عشر قرناً وأعداء الإسلام يعملون جاهدين على تشويه الإسلام؛ يباشرون عداءهم بطرق مخترعة، وألوان مختلفة، فأوقدوا نار الفتنة بين المسلمين، وحملوا العداء للإسلام وأهله، لقد أعلنوها حرباً ضروساً، فلم يفلحوا في القضاء على الإسلام أو تبديله، ممَّا دفع بهم إلى استحداث دعوات جديدة، لعلها تنال من الإسلام وتفتك بأهله، فكانت النداءات المتكررة عبر تاريخ الأمة؛ دعوة إلى تجديد الإسلام [تحريفه] وتطويره، والدعوة إلى تحديث العقائد والشرائع، ليواكب الحضارات ويتعايش مع الملل، وما تبطنه تلك الدعوات؛ لا يحمل خيراً للأمة، فما هي إلا دعوة طمس لشعائر الإسلام، وتحايل محض لتحريف الملة، والإحداث في الدين والمعتقدات، والقضاء على الأمة، فاحتالوا لذلك حتى نجحوا في نقل معركة العداء، وصيحات التجديد [التغيير والتبدل] إلى قلب المجتمع المسلم، فجاسوا خلال الديار، وأوقدوا ناراً للحرب بين أبنائه، فبلغ الأمر نجاحه باستغلال الجهلة من أبناء المسلمين، واستعمال المرضى، وأشباح المثقفين المنتسبين للإسلام، من الذين لا يجيدون إلا جلد الذات لِما يعانون من شعور بالنقص، وفقدان الهُوية، وزادهم ضعفاً ما نقله الغرباء، وزرعوه، في نفوس أولئك المجددين؛ من استصغارٍ للنفس، واحتقار للمحيط .



أمجاد ذهبية لا يمحوها الزمان



وكانت محاولات الحد من انتشار الإسلام في شتى بقاع الأرض، وأنحاء المعمورة لا تقف، ولا تكاد تنقطع، فهذه القومية الفارسية المنهارة، تعمل على زرع معتقداتها، وتقوم بجمع حطامها لإيقاف المارد وانكساره، وكذلك الإمبراطورية الرومانية الصليبية؛ التي قام الإسلام باجتثاث جذورها، وبُنِيَت أمجادٌ ذهبية على تاريخ الصليبية المقبور، وإن محاولات الصليبين اليوم هو العيش على الأماني والأحلام، وجمع الحطام ولملمة الركام، من أجل القضاء على دين الإسلام .



ما السر في نقد الإسلام والسلفية؟!



إني سائل فأجيبوا؟!

هل يُعادى ضعيفٌ أو يتشاغل مخالفيه بالتنقيب في أصوله بحثاً عن مواطن ضعفه، كي توجه له سهام الانتقادات؟

إني سائل فأجيبوا؟!

هل يُنْتَقَدُ الضُّعفاءُ أمِ الأقوياءُ؟! أم أن فترات الضعف؛ هي الفرصة المواتية للتفوق عليه ومجاوزته، ونشر الثقافة المنافسة، مستغلين حالة سباته وضعفه!

أَيُنْتَقَدُ الضعيفُ؟! إن الضعيف لا يلتفت إليه، ولا ينتقد، وما تلك العداوة للطريقة السلفية، وصيحات المخالفين وعويل الضعفاء، إلا ردة فعل لما لمسوه من قوة هذا الطريقة، والصلابة التي يتمتع بها هذا المنهاج، فمن الأمور المسلمة والمجمع عليه عقلاً؛ أن الضعيف لا يعاني منه أعداؤه ومخالفوه، فلا يلتفت إليه ولا ينتقد، ولا حاجة للاهتمام بأمره أو الانشغال به .

وقيل شعراً:

لا يملك العبد الضعيف لنفسه

رشداً ولا يقدر على خذلان

تَدَّعي فرق كثيرة وجماعاتٍ شتى في مشارق الأرض ومغاربها تمثيل الإسلام، ومن بين هذه المناهج والدعوات؛ منهج السلفية ذلك الشعار الصعب، صعب في شموخه، صعب في ثباته أمام المخالفين من دعاة الضلال والانحراف، إنه الاسم الصعب الذي تكسرت أقلام الحاقدين دون أن تشوه صورته النقية، فلم يستطيعوا زحزحته قيد أنملة عن أصوله وثوابته .

كناطحٍ صخرةً يوماً ليوهِنَها

فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوَعِلُ



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 23/11/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:08 PM
دين الإسلام ومفاهيم الوسط والوسطية

وسط الشيء ما بين طرفيه.. والوسط بين الجيد والرديء




كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

نبدأ بتعريف الوسط لغة بالآتي: وسَطُ الشيء ما بين طرفيه، والوسط بين الجيد والرديء، وجاءت في كتاب الله معان للتوسط والاعتدال، كما في قوله تعالى (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا) [الإسراء- 110]، أي طريقا وسطا في القراءة، وهو ما بين الجهر والمخافتة، ولذا قال بعض أهل العلم: أي وسطا، فإن الاقتصاد في جميع الأمور محبوب، وقال تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) [النمل- 90]، وقوله (إن الله يأمر بالعدل) بالتوسط في الأمور، وقال تعالى (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان- 67]، (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) لم يجاوزوا حد الكرم، (ولم يقتروا) ولم يضيقوا تضييق الشحيح، (وكان بين ذلك قواما) وسطا وعدلا، وقال (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) [الإسراء- 29]، نهى سبحانه وتعالى عن البخل وعن التبذير وأمر بالتوسط والاعتدال.

الوسط في الأقوال والأفعال


مطلوب من جنس العاقل ولا يشترط فيه الإسلام


التوسط في الأعمال والأقوال فعل يصدر من الإنسان لا يشترط في فاعله أن يكون مسلما أو كافرا، لذلك الباب مفتوح أمام (الوسطية) بمفهومها الواسع، للتفاعل مع الكل وبمعيار واحد، فيه «وسطية» تسع الديانات، والناس على اختلاف ألوانهم وألسنتهم.

وللوسط معان عدة، منها العدالة والخيرية اللتان أخذتا من قوله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة- 143]، وقوله (وسطا) أي: خيارا عدولا. فهذه الأمة تشهد على سائر الأمم والعدالة شرط في الشهادة، وأكرمت أمة محمد صلى الله عليه وسلم بهذه الشهادة.

ثم هل الوسط هو الإسلام؟ هل الوسطية ركن من أركان الإسلام؟ وهل الوسطية شرط كمال أو شرط أصل في الدين؟ أين الدليل؟

والجواب لا دليل ولا برهان، هذا كلام الله، وهذه دواوين السنة بين أيدي المسلمين، أثبتوا دعواكم، أو عودوا إلى ألفاظ الشرع، والخير كل الخير فيه، والأخذ بأيدي الناس هو في الوحيين الكتاب والسنة.

الدعوة إلى الوسط و(الوسطية)

دعوة إلى مفاهيم مجهولة

من دعا إلى «الوسطية» نصاً؟ من هم السلف في الاصطلاح؟ وما مصادر التلقي لدعاة الوسطية؟

إن قالوا كتاب الله وسنة رسوله! قلنا: فلماذا لم تسموها بالدعوة إلى الكتاب والسنة بأفهام سلف الأمة، هكذا يُزال الغموض الذي هو لباس هذه الدعوة، وعنوان لهذا الشعار، حتى ذهب بالبعض إلى الاعتقاد بأن هذه (الوسطية) هي دعوة دمج لأهل السنة بالطوائف المنحرفة كي يغرقوا في مستنقع أهل الأهواء والبدع، ويذوبوا في الفرق، وتحركي لإزالة الحواجز التي تحمي أهل السنة من دين الخرافات باسم (الوسطية)، وذهب آخرون إلى أنها دعوة إلى التقريب بين الأديان.

نتساءل ما الوسط أو (الوسطية) بين التوحيد والشرك؟ ما الوسط أو (الوسطية) بين السنة والبدعة؟ أم هي دعوة للقضاء على الألفاظ الشرعية كــ (البدعة)، بمصطلحات جوفاء، وما الوسط بين الإسلام والكفر؟ لا شك أنه لا وسط، إلا إذا كان الوسط أخوة الأديان والتقريب بينها.


الدعوة إلى الكتاب والسنّة


هي دعوة إلى ألفاظ ومعاني شرعية منضبطة


السداد والاستقامة من الألفاظ الشرعية التي بالإمكان دعوة الناس إليها والتمسك بها حتى ننأى بهم عن كل انحراف سواء كان هذا الانحراف دائراً بين الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير.

من الألفاظ الشرعية (الاستقامة)


والاستقامة: أن يكون العبد في دينه على السنة، ليس بالغالي ولا المقصر مستقيما بين الإفراط والتفريط سائرا على قصد السبيل، قال تعالى (وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين) [النحل- 9]، والقصد هو الصراط المستقيم (ومنها جائر) الأهواء والبدع، أي: ومن السبل ما هو جائر ومعوج عن الاستقامة، وقال تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام- 153]، وروى أحمد في مسنده [1/465] والدارمي في سننه [1/78] ما صح من حديث عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا، ثم قال: «هذا سبيل الله مستقيما»، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه» ثم تلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)، وقال أبو عبد الله الحاكم: صحيح الإسناد، وهو كما قال، وقال تعالى (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) [الشورى- 52]، ولا شك أن الطوائف التي سلكت السبل المنحرفة، وقعت فيما وقعت فيه من الأهواء والبدع، وابتعدت عن الصراط المستقيم والطريق القويم، فأصابها انحراف من جنس ما أصاب النصارى الذين انحرفوا عن جهل، واليهود الذين انحرفوا عن علم، كما في قوله تعالى (أهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) [الفاتحة: 6-7]، فالمؤمن يطلب من الله تعالى أن يهديه إلى الصراط المستقيم الذي هو الطريق القويم بين الملل المختلفة، والطوائف المنحرفة، فلا إفراط ولا تفريط في أعمال القلوب والأبدان، من المعتقدات والعبادات والأخلاق، قال تعالى (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم) [الزخرف- 43]، فإنك لا تزال بخير ما دمت متمسكا بالوحي، فهي الحنيفية السمحة ملة إبراهيم عليه السلام، قال تعالى (قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) [الأنعام- 161]، وروى مسلم في صحيحه [38] من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي- رضي الله عنه- قال: قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: «قل آمنت بالله فاستقم»، والاستقامة ضد الاعوجاج وهي التمسك بأمر الله تعالى والاقتداء بسنة رسول الله عليه وسلم فعلا وتركا.

انظر أخي وتمعن في اللفظ الشرعي كم من البركات حوى، وكم من البشر هدى، فلا تشتغل بغيره.

من الألفاظ الشرعية (السداد)

روى البخاري في صحيحه [39] من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الدين يُسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا ً وَالرَّوحَة، وشيء من الدُلجة» في [كتاب الإيمان- باب الدين يُسر] وقول النبي صلى الله عليه وسلم أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.

وزاد البخاري في كتاب الرقاق- باب القصد والمداومة على العمل- قوله «والقصد القصد تبلغوا»، قلت: «والقصد» الأخذ بالأمر الأوسط، فلا يجهد نفسه فيكون العجز والانقطاع، بل يعمل بتدرج ليدوم العمل ولا ينقطع.

قال ابن حبان في صحيحه [1/319] : «سددوا» يريد به كونوا مسددين، والتسديد لزوم طريقة النبي صلى الله عليه وسلم واتباع سنته وقوله : «وقاربوا: يريد به لا تحملوا على الأنفس من التشديد، ما لا يطيقون، «وأبشروا» فإن لكم الجنة إذا لزمتم طريقتي في التسديد وقاربتم في الأعمال.

روى أحمد في مسنده [5/276] والدارمي في سننه [147/1] بإسناد صحيح عن ثوبان- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «استقيموا ولن تحصلوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن»، قال ابن عبد البر في الاستذكار [1/209] والذي عندي في تأويل هذا الحديث أن قوله «واستقيموا» يعني على الطريقة النهجة، التي نهجت لكم، وسددوا وقاربوا، فإنكم لن تطيقوا الإحاطة في أعمال البر كلها، ولا بد للمخلوقين من ملال وتقصير في الأعمال، فإن قاربتم ورفقتم بأنفسكم كنتم أجدر أن تبلغوا ما يراد منكم.

وللحديث بقية والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 11/9/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:11 PM
رمضان أحد أركان الإسلام







صيام شهر رمضان أحد الأركان الخمسة للإسلام ومبانيه العظام وجعله الله من خصائص الإسلام وفضائل هذا الأمة وقد جاءت الأدلة الشرعية على أهميته وعظمة في دين الإسلام.


أولا: أدلة فرض صيام رمضان


-1 قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[البقرة: 183- 184].


-2 وروى البخاري (8)، ومسلم (16) في صحيحيهما من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«بُنيَ الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».


-3 وما أخرجه البخاري (46)، ومسلم (11) في صحيحيهما من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرها؟ قال: «لا؛ إلا أن تطوع»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان»، قال: هل علي غيره ؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الزكاة»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص. قال رسول الله صلى الله: «أفلح إن صدق».


ثانياً: فضائل شهر رمضان:


-1روى البخاري (1898، 1899)، ومسلم (1079) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين»، وفي رواية: «فتحت أبواب الرحمة»، وفي رواية: «أبواب السماء».


-2 وروى الترمذي (682)، وابن ماجة (1642) في السنن بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان؛ صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار، فلم يفتح منها باب، وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد يا باغي الخير! أقبل، ويا باغي الشر! أقصر، ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة».


-3 وروى أحمد في المسند (2/230)، والنسائي (2106) في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما حضر رمضان؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد جاءكم رمضان شهر مبارك، افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة، ويغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم». والحديث صحيح بالشواهد.


-4 روى البخاري (1904)، ومسلم (1151) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله - «قال الله: كل عمل ابن آدم له؛ إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده؛ لخُلُوفُ فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه».وفي رواية للبخاري (1894)، ومسلم (1151): «الصيام جنة فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم - مرتين - والذي نفسي بيده لخُلُوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك، يترك طعامه، وشرابه، وشهوته من أجلي؛ الصيام لي وأنا أجزي به، والحسنة بعشر أمثالها».


ويستفاد من الأحاديث والنصوص الشرعية:


- يصفد الله في شهر رمضان الشياطين ومردة الجن.


- تفتح فيه أبواب الجنة والرحمة وتغلق أبواب النار.


- خُلُوف فم الصائم أطيب عند الله من رائحة المسك.


- الإمساك عن فحش القول، والسباب والمشاتمة.


- للصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه.


- فيه ليلة القدر والتي هي خير من ألف شهر.


- يعتق الله من يشاء من عباده كل ليلة من ليالي رمضان.


ثالثاً: فضل القيام في رمضان


روى البخاري (37)، ومسلم (759) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».


كتابة قيام ليلة كاملة أفضل من كتابة قيام بعض الليل


في صلاة القيام (التراويح) يلاحظ خروج بعض المصلين بعد ركعتين أو أربع ركعات ولا ينتظرون حتى يوتر الإمام وينصرف من صلاته وهذا العمل مخالف للسنة، فقد روى الترمذي (806)، والنسائي (1364)، وابن ماجه (1327) في السنن ما ثبت وصح من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة». وقال ابن خزيمة في صحيحه (3/340): و في قوله صلى الله عليه و سلم: «من قام مع الإمام حتى ينصرف؛ كتب له قيام ليلته»، دلالة على أن القارئ و الأمي إذا قاما مع الإمام إلى الفراغ من صلاته، كتب له قيام ليلته، و كتب قيام ليلة أفضل من كتب قيام بعض الليل. اهـ


أحاديث ضعيفة وموضوعة في فضائل شهر رمضان


صليت الجمعة التي تسبق هذا الشهر -رمضان - بيوم عند أحد خطباء ورغم كثرة الأحاديث في فضائل هذا شهر رمضان ولكنه آذاني ونقل إلى المصلين ما لا تصح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعد من أخباره وآثاره، مما دفعني لتوجيهه وغيره من الخطباء والوعاظ وبيان علِّة الخبر الذي ذكره على منبر الجمعة... والحديث أسوق إسناده كما هو: روى الإمام أحمد في المسند (2/292) قال: حدثنا يزيد أنا هشام بن أبي هشام عن محمد بن الأسود عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان، لم تعطها أمة قبلهم، خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله عز وجل كل يوم جنته، ثم يقول: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، ويصفد فيه مردة الشياطين، فلا يخلصوا إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، قيل: يا رسول الله! أهي ليلة القدر قال: «لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله». [ضعيف جداً]


وفي إسناده: هشام بن أبي هشام؛ وهو هشام بن زياد أبو المقدام واشتهر بهشام بن أبي هشام.


وفي كتاب الجرح والتعديل قال يحيى بن معين: هشام أبو المقدام ليس بثقة.وروي عن أحمد بن حنبل أن هشام بن أبي هشام وهو هشام بن زياد أبو المقدام: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: ليس بالقوي ضعيف الحديث، وهو منكر الحديث. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث.


وله شاهد رواه البيهقي في شعب الإيمان (3/303) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه فهو من طريق زيد العمي عن أبي نضرة قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسا لم يعطهن نبي قبلي...» الحديث. وفي إسناده: زيد العمي قال أبو زرعة في الجرح والتعديل: ليس بقوي واهي الحديث، ضعيف. فزاده ضعفا على ضعف والحديث بهذا ضعيف جدا ولا يجوز الاحتجاج به.





الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 24/08/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:14 PM
صًراعُ الْحضاراتً والأمَم والقَومًيّات





يضج العالًم بالصراع والتنافس علَى الدنيا من حيث العموم وفًي الْجَزيرة العربية وما يُحيط بًها من بلاد الْمسلمين نرى صراعا وتزاحما و تطاحنا من نوع خاص: فالفرس يريدون الْمنطقة فارسية والترك يطمحون إلَى ملك ذهب مع التاريخ، واليهود أنشأوا دولة يهودية فًي قلب البلاد العربية والإسلامية، والغرب يلهث خلف أطماعه، غير قادر علَى إيقاف رغبته فًي السيطرة علَى هذا الْموقع الْحساس من العالًم الذي تميز بًما وهبه الله من خصائص ليست لغيره من بقاع الأرض، وهذا يذكرنا بًما رواه أبو داود فًي سننه (4297)،وأحمد فًي مسنده (5/278) بسند صحيح من حديث ثوبان - رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق» كما تداعى الأكلة على قصعتها))، قال: قلنا يا رسول الله! أَمًنْ قًلَّة بنا يومئذ؟ قال: ((أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء» كغثاء السيل، ينتزع الْمهابةَ من قلوبً عدوكم، ويَجعل في قلوبكم الوهن))، قال: قلنا: وما الوهنُ؟ قال: ((حب الْحياةً وكراهية الْمُوتً)).


لًماذا الصراعُ بَين الفُرسً والغَربً؟!


إن الصراع الدائر وما نراه ليلا ونَهارا من حولنا بين الشرق والغرب، وجزء من هذا الصراع ذلك الواقع بين الفرس وبين الدول الأوروبية (الغرب وحلفاؤه)» هو صراع حضارات وقوميات» كُلّ يريد إن يسترد أَمْجاداً قد ذهبت ووَلَّت، وتلك صفحة طواها التاريخ وانتهت، فلا الفرس يقاتلون من أجل الإسلام وإعلاء رايته، ولا بقايا الروم من دول الغرب ومن يقف وراءها يسعون لًحماية الْمسلمين، وإدعاءً النهوض ببلاد العرب والْمسلمين، وكثير من العرب والمسلمين ينامون على أحلام متَى تُقْذَفُ إسرائيلُ فًي البحرً كما نسمع فًي سوق دغدغة الْمَشاعر، وبعضي منهم فًي انتظار وعود غربية» ترفع شعار النهوض بالبلاد ونصرة العباد، يلوحون بًما يُطرب الأسْماعُ ويغريها من الْمنظمات التًي تعمل في خدمة الْجانب الغربًي كمنظمة حقوق الإنسان التي تدعي السعيَ لرفع الظلم والْمعاناة عن الإنسان في كل مكان.


أيهما الأقرب ومن الأخطر؟


إن الأقرب لدين الإسلام هم اليهود والنصارى من سكان الدول الغربية، والأبعد الفرس ومن يدين بالْمَجوسية وغيرها من الدول الوثنية، ومن الْمسلمات أن الكُلَّ أعداء، ولكن الفرس أشدُّ عداءً للإسلام والْمُسلمين من كفار الغرب، وهذا ليس نوع من الْخرص والتوقع» بل هًيَ الْحقائق لا النظريات، وإنه الْخطر الذي يَجب أن يعلمه أبناء هذه الأمة قال الله ـ تعالَىـ:(الم غُلًبَتً الرُّومُ فًي أَدْنَى الأَرْضً وَهُم من بَعْدً غَلَبًهًمْ سَيَغْلًبُونَ فًي بًضْعً سًنًينَ لًلَّهً الأمْرُ مًن قَبْلُ وَمًن بَعْدُ وَيَوْمَئًذ يَفْرَحُ الْمُؤْمًنُونَ بًنَصْرً اللَّهً) [الروم: 5ـ1]، قال ابن كثيْر: الروم أهل كتاب فًي الْجملةً، فهم أقرب إلَى الْمُؤمنين مًنَ الْمَجوسً. اهـ وروى الترمذي في سننه(3193)، وأحْمَد في مسنده (1/276) ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما، فًي قول الله ـ تعالَى-: (ألم غُلًبَتً الرُّومُ فًى أَدْنَى الأرْضً)، قال: غُلًبَتْ وَغَلَبَتْ كان المشركون يُحبون أن يظهر أهل فارس على الروم» لأَنَّهم وإياهم أهل أوثان، وكان الْمُسلمون يُحبون أن يظهر الروم على فارس» لأَنَّهم أهل كتابي،... ثُمَّ ظهرت الرومُ بَعْدُ، قال: فذلك قوله تعالَى: (ألم غُلًبَتً الرُّومُ) إلَى قوله: (يَفْرَحُ الْمُؤْمًنُونَ بًنَصْرً اللهً يَنْصُرُ مَن يشاء)، قال: سفيان سَمعت أَنَّهم ظهروا عليهم يوم بدر. وفًي رواية للترمذي (3194) عن نيار بن مكرم الأسلمي رضي الله عنه، قال: لَما نزلت (ألم غُلًبَتً الرُّومُ فًى أَدْنَى الأرْضً وَهُم من بَعْدً غَلَبًهًمْ سَيَغْلًبُونَ فًى بًضْعً سًنًينَ) فكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان الْمُسلمون يُحبون ظهور الروم عليهم» لأَنَّهم وإياهم أهل كتاب، وفًي ذلك قول الله ـ تعالَى:(وَيَوْمَئًذ يَفْرَحُ الْمُؤْمًنُونَ بًنَصْرً اللَّهً يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ الْعَزًيزُ الرَّحًيمُ) فكانت قريش تُحب ظهور فارس لأَنَّهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب، ولا إًيْمان ببعث، فلما أنزل الله تعالَى: هذه الآية خرج أبو بكر الصديق رضي الله عنه يصيح في نواحي مكة (الم غُلًبَتً الرُّومُ فًى أَدْنَى الاّرْضً وَهُم مًّن بَعْدً غَلَبًهًمْ سَيَغْلًبُونَ فًى بًضْعً سًنًينَ لًلَّهً...) ... الأثر.


التَّحركُ الفارسيُّ يُزعزعُ الأَمن وَيُثًيُر الفًتَن


إن السعيَ لإحياء وبعث الإمبراطورية الفارسية قد يؤثر علَى بلاد الْمُسلمين، ويثير القلاقل والفتن، وله تأثير مباشر علَى الأمن بين الناس، ولكن من صَدَّقَ الرسول صلى الله عليه وسلم، علم يقينا أنه لن تقوم لَهم قائمةي بعد سقوط كسرى، وتلك الإمبراطورية التًي سيطرت علَى نصف العالَم فًي يومي ما من التاريخ لن تعود أبداً...أبدا، ودليلنا ما رواه البخاري(3028)، ومسلم(2918) فًي صحيحيهما من حديث أبًي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبًي صَلى الله عليه وسلم، قال: ((هلك كسرى» ثُم لا يكون كسرى بعده، وقيصر ليهلكن» ثُمَّ لا يكون قيصر بعده، ولتقسمن كنوزهما فًي سبيل الله))، وفًي روايةي فًي الصحيح: ((والذي نفسً مُحمد بيده لتنفقن كنوزهما فًي سبيل الله)).


صًراع ليسَ مًن أَجلً الإسلام


يَجب أن يعيَ الْمسلمون أن تلك الْمساجلات السياسية، ودق طبول الْحرب الفارسية» دافعها عند الفرس قائمي على العمل من أجل استعادة ملك كسرى، لعل ملك فارس يعود إلَى الشواطئ من جديد، فليتنبه! من وضع يده فًي أَيْدً هؤلاء، ظناً منه أَنّهم أَنصاري للعروبةً والإسلام، فلا تغتر أيها الْمسلم! بًمن سقط فًي أحضانًهم من التيارات الْحزبية، وطلب الْمدد والعون منهم، إن أؤلئك الفرس أطماعهم سياسة قومية، ومن حالفهم فلابد أن يكون حليفاً ذليلاً يعمل بأمرهم، يوالًي من يواليهم ويعادي من يعاديهم، ولو كان من بني جلدته وعلَى عقيدته، فلا تكونوا الْمناذرة الْجدد، وهنا لابد وأن ننبه الأحزاب والتجمعات التًي تبحث عن التقارب مع الفرس، أن هؤلاء القوم أعداء لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، والله سبحانه يقول:(لا تَجًدُ قَوْماً يُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الأّيخًرً يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُواْ آبَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إًخْوَانَهُمْ أَوْ عَشًيرَتَهُمْ) [المجادلة: 22]، وقال عز وجل: (وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مًّنكُمْ فَإًنَّهُ مًنْهُمْ) [المائدة: 51]، وقال - تعالَى- :(يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَتَّخًذُوا عَدُوًّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلًيَاءَ تُلْقُونَ إًلَيْهًمْ بًالْمَوَدَّةً وَقَدْ كَفَرُوا بًمَا جَاءَكُمْ مًنَ الْحَقًّ) [الممتحنة: 1].

فاحذروا أتباع كسرى واعلموا أن الكل أعداء من غرب ومن شرقً والبصيرة البصيرة فيما أنتم فيه، واعرفوا أعداءكم يكتب الله لكم النصر والتأييد والسلامة، والْحمد لله رب العالَمين.

د.عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 16/7/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:16 PM
صيام التطوع




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:

الصيام لغة: الإمساك مطلقا وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه ويسمى صائما، والدليل قول الله تعالَى: (إًنًّي نَذَرْتُ لًلرَّحْمَنً صَوْمًا فَلَنْ أُكَلًّمَ الْيَوْمَ إًنْسًيًّا )[مريم :26] أي صمتا وإمساكا عن الكلام، وكل ممسك عن حركة أو عمل أو طعام أو شراب فهو صائم في أصل اللسان العربي.

والصيام شرعا: إمساك مخصوص، عن شيء مخصوص وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع وغيرها مما ورد الشرع بالإمساك عنه، في زمن مخصوص» وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، من شخص مخصوص بشروط مخصوصة.


صيام فرض وصيام تطوع


والصيام قربة وعبادة يتقرب بًها العبد إلَى الله سبحانه وتعالَى وينقسم إلَى صيام فرض وهو شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، وأحد مبانيه العظام، وصيام تطوع يتقرب به العباد طلبا للجنة وخوفا من النار، والدليل ما رواه البخاري(46)، ومسلم(11) في صحيحيهما من حديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد» ثائر الرأس، يسمع دوي صوته» ولا يُفْقَهُ ما يقول» حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل علي غيرها ؟ قال: «لا» إلا أن تطوع»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان»، قال: هل علي غيره ؟ قال: «لا» إلا أن تطوع»، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، قال: هل علي غيرها ؟ قال: «لا» إلا أن تطوع»، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله» لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».


صيام مطلق وصيام مقيد


وصيام التطوع رغب إليه النبي صلى الله عليه وسلم وحث عليه، ومنه صيام مطلق وصيام مقيد، ودليل صيام التطوع مطلقا ما رواه البخاري (2685)، ومسلم في صحيحيهما (1153) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من صام يوما في سبيل الله» باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفا))، وروى البخاري (7054)، ومسلم في صحيحيهما (1151) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لًي وأنا أجزي به» يدع شهوته وطعامه من أجلي، للصائم فرحتان» فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخلوف فيه» أطيب عند الله من ريح المسك)).

والصوم المطلق للمسلم أن يصومه تطوعا لله في أي زمن شاء ويحذر أيام النهي فلا يصام في عيد الفطر ولا عيد الأضحى ولا يفرد يوم الجمعة ويوم السبت بصيام.


صيام التطوع المقيد


1- صوم الستة أيام من شوال:

روى مسلم فًي صحيحه (1164) من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر)).

أحكام صيام الستة أيام من شوال

وإليك أخي القارئ بعض الأحكام المتعلقة بصوم ستة من أيام شهر شوال

أولا: الدليل: روى مسلم في صحيحه (1164): من حديث أبًي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من صام رمضان ثُم أَتْبَعَهُ سًتًّا من شوال، كان كصيامً الدهر ). وروي من غير طريق أبي أيوب:-

1- عن ثوبان رضي الله عنه في ((مسند الشاميين)) للطبراني (1/278 رقم: 485): عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من صام رمضان، وستاً من شوال، فكأنما صام السنة كلها)). وهو صحيح لغيره.

2- وعن أبي هريرة رضي الله عنه» كما رواه البزار في «مسنده»، «مختصر زوائد مسند البزار»، ( 668) من طريق العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال: ( من صام رمضان، وأتبعه بست من شوال، فكأنما صام الدهر ). بإسناد صحيح.

3- وعن شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان وأتبعه بست من شوال.....).الحديث. وحديثه حسن. وفي الباب أحاديث عن جمع من الصحابة

ثانيا: لا توصل برمضان لما ورد من النهي عن صوم يوم الفطر ورواه مسلم في صحيحه(1140) من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن صومين يوم الفطر ويوم الأضحى).

ثالثا: تصام هذه الأيام متتابعة أو متفرقة في شهر شوال، ولَم نقف على دليل يرجح أي الحالين أفضل» فالكل جائز ومتساوي في الأجر، والحمد لله على فضله وإحسانه.

رابعا: من كان عليه أيام من رمضان فالواجب أن يصومها، فإذا ما كان في ذمته نفل أو فرض فليقدم الفرض، فإنه لا يدري متى يلقى ربه، ونص الحديث يقول (من صام رمضان واتبعه ستا من شوال...) الحديث، فالذي عليه أيام من رمضان لم يصم رمضان كاملاً فالوجب أن يأتي بتمامه بأن يتبعه ستاً من شوال.

وفي العدد المقبل بإذن الله تعالى سوف نكمل بقية أنواع صيام التطوع المقيد، والحمد لله رب العالمين.


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 15/10/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:18 PM
طباع الضباع




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، اما بعد:

ان حفظ المعروف واجب ادبي وخلق رفيع، وعرف سام، اقره الشرع ونبه عليه، وتارة يكون من المعروف والاحسان ما يدفع به الانسان الاذى عن نفسه، وذلك خاص بخصم ساء خلقه وفسد طبعه، قال الله تعالى (ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كانه ولي حميم) «فصلتـ 34»، فهو يسيء وانت تدفع بالاحسان ويكرر سوءه وتقابله بالمعروف، حتى تأسره بهذا السلوك والخلق العالي، وقال زهير بن ابي سلمى:

ومن يجعل المعروف من دون عرضه

يفره ومن لا يتق الشتم يشتم

قال ابو منصور الثعالبي في ثمار القلوب في (المضاف والمنسوب ـ 1/401):

«مجير ام عامر» يضرب مثلا للمحسن يكافأ بالاساءة، واصل هذا المثل ان قوما خرجوا للصيد في يوم حار، فطردوا ضبعا حتى ألجأوها الى خباء اعرابي، فاقتحمته، فاجارها الاعرابي، وحال بينها وبينهم، وجعل يطعمها ويسقيها اللبن، وبقيت عنده بخير حال، فبينما هو نائم، اذ وثبت عليه فبقرت بطنه، وشربت دمه، ومضت هاربة، وجاء ابن عم له يطلبه، فاذا هو بقير، والتفت الى موضع الضبع فلم يرها، فقال: هي التي فعلت فعلتها، والله لاجدنها واخذ كنانته واقتفى اثرها حتى ادركها ورماها فقتلها، وقال:

ومن يصنع المعروف في غير اهله

يُلاق الذي لاقى مُجير ام عامرً

اعــد لها لما استجارت ببيته

أحاليب ألبان اللقاح الدرائرً

واسمنها حتى اذا ما تمكنت

فَرتْهُ بانيـــاب لها واظـــافرً

فقل لذوي المعروف هذا جزاء من

يجود بمعروف الى غير شاكرً

لذلك فعل المعروف من الصفات الحميدة والشيم العالية والقائم على عمل المعروف، وحمل همه، هم روح المجتمع، بل فؤاده النابض، وبوجود امثال هؤلاء تستقيم المصالح وتنهض الجماعة وتستمر الحياة، كالشجرة التي تحيا بوجود عروقها التي لا تُرى وهي من اسباب نمائها وثمارها، واذا عُدمت العروق او قُطعت، فقدت الشجرة الحياة.

وجحد المعروف ونكرانه وعدم الوفاء لاهله من الصفات المنبوذة عند العرب وجاء الاسلام بذمها والنهي عنها، قال تعالى (هل جزاء الاحسان الا الاحسان) «الرحمنـ 60».


حفظ المعروف من الدين ولو كان لكافر


وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحفظ المعروف لاهله، كما حفظ من موقف عدي بن مطعم في مكة، فروى البخاري في صحيحه (3139) من حديث جبير بن مطعمـ رضي الله عنهـ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في اُسارى بدر:«لو كان المطعم بن عدي حيا، ثم كلمني في هؤلاء النتنى، لتركتهم له».


حفظ النبي معروفاً لرأس المنافقين


وحفظ شيئا من ذلك لرأس المنافقين، عبد الله بن ابي سلول، الذي اكثر من ايذاء النبي صلى الله عليه وسلم، لما روى البخاري في صحيحه (1350) من حديث جابر بن عبد اللهـ رضي الله عنهماـ قال: اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن ابي بعد ما ادخل حفرته، فامر به فاخرج، فوضعه على ركبتيه، ونفث عليه من ريقه، والبسه قميصه، فالله اعلم. وكان كسا عباسا قميصا.

قال سفيان: وقال ابو هارون يحيى: وكان على النبي صلى الله عليه وسلم قميصان فقال له ابن عبد الله: يا رسول الله البس ابي قميصك الذي يلي جلدك، قال سفيان: فيرون ان النبي صلى الله عليه وسلم البس عبد الله قميصه مكافأة لما صنع.


(فكان كعب لا ينساها لطلحة)


وكذلك كان هذا دأب اصحابهـ رضي الله عنهمـ من بعده:

روى مسلم في صحيحه (2769) في قصة توبة كعب بن مالكـ رضي الله عنهـ قال كعب بن مالك: فما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني فنزعت له ثوبي فكسوتهما اياه بشارته والله ما املك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت اتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة ويقولون لتهنئك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس فقام طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام رجل من المهاجرين غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة.

وقال السلمي في (آداب الصحبة): والصحبة مع الاخوان بدوام البشر، وبذل المعروف، ونشر المحاسن، وستر القبائح، واستكثار قليل برهم، واستصغار ما منك اليهم، وتعهدهم بالنفس والمال، ومجانبة الحقد والحسد، والبغي والاذى، وما يكرهون من جميع الوجوه، وترك ما يعتذر منه. ا هـ


حفظ المعروف للشيخ والمعلم


ومن ذلك حفظ المعروف مع من علمك حرفا صحيحا او دلك على خير، او كان له فضل في معرفة العلوم الشرعية، والسبيل الى ادراكها، فكل يحفظ حقه ويقابل صنيعه بمعروف دون تنازل عن الحق والصواب في الكتاب والسنة وما عليه الاصحاب رضي الله عنهم اجمعين، والحمد لله رب العالمين.


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 20/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:21 PM
عدم التمييز بين الغاية والوسيلة

اوجد اضطراباً في الاتجاهات والأحكام بين الناس




كتب:د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم المرسلين وبعد:

الغاية من الوجود هي ايجاد من يوحد الله على هذه الارض، وافراد الله بالعبادة، ونشر التوحيد والدعوة اليه، قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) الذاريات56، وقال: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) الروح30، وفي قوله: (الا ليعبدون)، اي الا ليوحدوني، ويدل عليه قوله: (وما امروا الا ليعبدوا الها واحداً لا اله الا هو سبحانه عما يشركون) التوبة.31



توحيد الله وعبادته هما الغاية من الوجود




فالغاية من الوجود هي عبادة الله وحده لاشريك له، لذلك الله سبحانه وتعالى ارسل الرسل، وانزل الكتب من اجل ان يعبد وحده لاشريك له، وقال تعالى: (ولقد بعثنا في كل امة رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) النحل36، وقال تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم الذي بعثه بالتوحيد، وامره ان يدعو الناس الى الصراط المستقيم (قل اغير الله اتخذ ولياً فاطر السموات والارض) الانعام14، وهو كقوله: (قل افغير الله تأمروني اعبد ايها الجاهلون) الزمر64، والمعنى لا اتخذ وليا الا الله وحده لاشريك له فإنه فاطر السموات والارض.


هل السيطرة على أنظمة الحكم غاية شرعية لنشر الإسلام؟


ان العمل على تأسيس الدول وجعل تكوينها هو الغاية امر مخالف لمراد الله عز وجل ومن اذهب العمر والاوقات، وجعل غايته الوصول الى المناصب في الدولة والمؤسسات معتقداً ان الدعوة الى الاسلام تبدأ من ايجاد الدولة وليس العكس، وهو ايجاد الافراد والعباد الموحدين لله سبحانه وتعالى، سواء تكونت على اثر ذلك دولة ام لم تتكون، فقد خالف المنهاج السليم في الدعوة الى الله. ومن قال بغير ذلك حكم على دعوة كثير من الانبياء والرسل بالفشل، فكم من العباد نجحوا في ايجاد عباداً موحدين ولم يؤسسوا دولاً ومؤسسات.

واليك ما ورد في البخاري (5752) ومسلم (220) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: «عرضت علي الامم، فجعل يمر النبي معه الرجل، والنبي معه الرجلان، والنبي معه الرهط، والنبي ليس معه احد، ورأيت سواداً كثيراً سد الافق، فرجوت ان يكون امتي، فقيل: هذا موسى وقومه، ثم قيل لي: انظر فرأيت سواداً كثيراً سد الافق، فقيل لي: انظر هكذا، وهكذا، فرأيت سواداً كثيراً سد الافق، فقيل: هؤلاء امتك». فهل النبي صلى الله عليه وسلم الذي ليس معه احد، اومعه الرجل، والنبي صلى الله عليه وسلم الذي معه الرجلان، قد فشلوا في الدعوة الى الله؟ انهم قد فشلوا على مذهب وطريقة البعض الذي لا يستند في دعوته الى كتاب الله او سنة صحيحة، ونترك لهم هذا التساؤل؟ هل الغاية التي خلقنا من اجلها هي ايجاد دولة مهما كان اعتقاد اهلها؟ موحدين ام مشركين! ام الغاية هي ايجاد عباد موحدين لله تعالى على الارض، رواه البخاري (3009)، ومسلم (2406) في صحيحيهما. من اخبار غزوة خيبر من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: «علي يارسول الله اقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم الى الاسلام، واخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لان يهدي الله بك رجلاً واحداً، خير لك من ان يكون لك حمر النعم». وذكره البخاري في باب فضل من اسلم على يديه رجل.

ان تكوين الدولة ومؤسساتها ما هو الا وسيلة لحماية هذه الغاية السامية وهو التوحيد، وما قام من دول اسلامية الا للقيام بواجب حماية جناب التوحيد والحفاظ على مصالح الموحدين.


الجهاد شرع لحماية التوحيد والموحدين


الجهاد والقتال في سبيل الله بنوعيه، جهاد الطلب وجهاد الدفع، وسيلة فرضها الله لحماية الموحدين ولبسط التوحيد في الارض، واعلاء كلمة لا اله الا الله، لقوله تعالى: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم)، التوبة40، قوله: (وجعل كلمة الذين كفروا السفلى) هي الشرك بالله (وكلمة الله هي العليا) هي: لا اله الا الله، وقوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) الانفال39، ففي قوله: (ويكون الدين كله لله) اي: ان يقال: لا اله الا الله، ويكون التوحيد خالصاً لله لاشرك فيه، وقال تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان الا على الظالمين) البقرة 193، امر الله بقتال الكفار (حتى لا تكون فتنة) اي: شرك (ويكون الدين لله) اي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على باقي الملل والاديان. ومن الادلة من السنة ما رواه البخاري (7458)، ومسلم (1904) في صحيحيهما من حديث ابي موسى الاشعري قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، اي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا، فهو في سبيل الله». وروى البخاري (1399)، ومسلم (21) في صحيحيهما من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم مني ماله ونفسه الا بحقه وحسابه على الله».

لذلك الجهاد وسيلة (غاية لغيره) وليس غاية لذاته، حتى لا تختلط الاساليب السامية النبيلة، بأساليب القتلة من قطاع الطرق وغيرهم، لذا كان الواجب ان يعلم المسلمون ان حماية الشرك والقبور والاضرحة وكل ما يعبد من دون الله ليس جهاداً، بل هذه القبور وكل ما عبد من دون الله هو هدف مطلوب للجهاد متى ما امر الامام بقتالهم ان لم يدخلوا في التوحيد، لقوله: (وقاتلوا المشركين كافة) التوبة .36


لا جهاد من اجل ارض لا تقام فيها شعائر الله بل يرحل عنها


ان تحرير الارض ليس غاية بل ايجاد عباد موحدين لا يشركون مع الله شيئاً هو الغاية التي من اجلها خلق الله الانسان، والارض التي تفقد الغاية «التوحيد»، ولا ترفع فيها كلمة لا اله الا الله، ولا يسكنها موحدون، لا تملك اهمية عند المسلمين، ولا تتمتع بقدسية خاصة، لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الاوطان والاموال، وفر بدينه هو واصحابه، ولم يكن في يوم ما يستحث الناس لتحرير ارض مكة التي اخرج منها، وكان همه وهدفه صلى الله عليه وسلم جعل اهل مكة عباداً موحدين، وقد يكون ترك الارض مطلوباً شرعاً لقوله تعالى: (ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغماً كثيراً وسعة ومن يخرج من بيته مهاجراً الى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع اجره على الله وكان الله غفوراً رحيماً) النساء 100، والمراغم: المتحول من ارض الى ارض، والسعة اي: سعة من الضلالة الى الهدى ومن الفقر الى الغنى، بل ذهب اهل العلم الى انه ليس لاحد المقام بأرض لا يستطيع اقامة شعائر الله فيها.


لذا ارض بلا توحيد لا قيمة لها بميزان الشرع


ونزيد هنا ذكر الشاهد من قصة الرجل الذي قتل مئة نفس واراد التوبة في ما رواه البخاري «3470»، ومسلم واللفظ له «2766» في صحيحيهما من حديث ابي سعيد الخدري قال: (ومن يحول بينه وبين التوبة انطلق الى ارض كذا وكذا فإن بها اناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم ولاترجع الى ارضك فإنها ارض سوء فانطلق حتى اذا نصف الطريق اتاه الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فقالت ملائكة الرحمة جاء تائباً مقبلاً بقلبه الى الله وقال ملائكة العذاب انه لم يعمل خيراً قط فآتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال قيسوا ما بين الارضين فإلى ايتهما كان ادنى فهو له فقاسوه فوجدوه ادنى الى الارض التي اراد فقبضته ملائكة الرحمة).

بل بلغ به الامر في ترك ارضه وموطنه ان حاول زحزحة جسده في اتجاه خير منها ففي رواية في الصحيحين: «فنأى بصدره ثم مات فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فكان الى القرية الصالحة اقرب منها بشبر فجعل من اهلها».

وتكون الارض وسيلة مطلوبة في حال كانت تتعلق بمصالح اهل التوحيد او لاعلاء كلمة التوحيد عليها، وللحديث بقية، والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر: الاثنين 24/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:23 PM
عقولنا غير قابلة للتبعية والإلغاء



د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين؛ أما بعدُ:

لقد أنعم الله على عباده نعماً كثيرة من الصعوبة أن تحصى، ولا نستطيع لَها عداً، قال الله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}[لقمان :20]، ومن أعظم هذه النعم على العباد؛ نعمة العقل، قال تعالى:{وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[النحل: 78]، والمراد بالأفئدة؛ أي: العقول، وإدراك الخير بِها، قال الطبري في «التفسير»: وأنعم عليكم أيها الناس! بأن أعطاكم السمع تسمعون به الأصوات، والأبصار تبصرون بِها الأشخاص، والأفئدة تعقلون بِها الخير من السوء.اهـ

وبِهذا تكون نعمة السمع والأبصار؛ للتمييز بين الأصوات والألوان والهيئات والذوات والأشخاص، ونعمة العقل؛ للتمييز بين الخير والشر، والنافع والضار، وإدراك المصالح من المفاسد، والتفريق بين الحق والضلال، وبين الإيمان والكفر.

لا تفريط بنعمة العقل

ألا تعلم يا عبد الله أن نعمةَ العقل نعمة عظيمة، ولذا نجد صعوبة في وصف هذه النعمة التي وهبها الله لعبادة، وهذا العقل له من المكانة ما أوجب المحافطة عليه بالتشريعات التي جاءت في الكتاب والسنة. ومنها تحريم كل ما يلغي العقل ويحجبه، كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[المائدة: 90].

وفي معنى تسمية الخمر: قال الحافظ في الفتح (10/48): فقال أبو بكر بن الأنباري: سُمّيت الخمر خمراً؛ لأنَّها تُخامر العقل أي تخالطه، قال: ومنه قولهم: خامره الداء أي خالطه، وقيل: لأنَّها تُخمر العقل أي تستره، ومنه الحديث «خمروا آنيتكم»، ومنه خمار المرأة لأنه يستر وجهها. اهـ

المنع لما يلغي العقل ويحجبه

وبما أن الخمر حرم لفعله في حجب العقل وإبطال دوره، فكل شيء جاء بدور يماثل ذلكم الحجب، وقام على تعطيل العقل وإلغائه، فقد تَلبَّس بالدور المشبوه، الذي يعمل على إِعَاقَة العقل، ويسلب صاحبه مُتعة استثماره، وأن يجني بيده لا بيد غيره أفضل الثمار، وأعظم تلك الثمار هو التوفيق إلى دين الإسلام بصفائه ونقائه، وترك عبادة الأوثان.

الاستخفاف بالعقول

قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ} [الزخرف: 54]

من يشاهد واقع الناس يجد أنه لا يكاد يسلم أحد من الاستخفاف بعقول الناس، وعدم احترامها سواء كان ذلك الاستخفاف صادر من المسلمين أو غيرهم - إلا من رحم الله - وعُصِم من هذه المزالق.

{لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}

أمثلة على الاستخفاف بالعقل وإلغائه:

-1 إلغاء المذهبية للعقل:

إن التعصب والولاء المذهبي لعبا دورا بارزاً في إلغاء العقل ومصادرة قدراته، بل الحجر عليه، ردحاً من الزمن، فأصبح أرباب المذاهب الفقهية حاجزاً بين عقول المسلمين وبين الكتاب والسنة. وحالهم كما في قوله تعالى: {لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}[الأنبياء: 23]، واتخذوا من أرباب المذاهب أنداداً للوحي، فعلاقة أتباع المذاهب محجوبة بالحاجب عن الوصول إلى المصدر الرئيس، فلا يعرفون شيئا عن كتاب الله وسنة نبيه، والدين عندهم أن لا حق لهم في معرفة الإسلام إلا عبر وساطة.

-2 استخفاف الصوفية بالعقل:

وهناك دور مارسته الطرق الصوفية فقام الأولياء والأقطاب والأوتاد بالاستخفاف بالعقول، فمنعوا على الأتباع استخدام عقولهم لمعرفة دين الإسلام إلا عن طريقهم، وحظروا عليهم الاتصال بأحد، بحجة أن الحق منحصر في ذات الأولياء، والأقطاب، ومشايخ الطرق، وسدنة الأضرحة.

-3 إهانة الأحزاب للعقل وامتهانه:

وكانت مرحلة الأحزاب، من المراحل التي صادرت العقل بالكلية، بل بلغ بِهم الأمر أن وهب الأتباع عقولهم لأمراء الأحزاب من المفكرين والحركيين والمسؤولين، وبايعوهم على أن لهم كامل الحق في التصرف بعقولهم كيفما شاءوا، بعد أن جُعلت هذه العقول في علب، وحفظت في مخازن ومستودعات الأحزاب. وسبق أن ألفت رسالة في سنة 1409 يوافق 1989 من التاريخ الإفرنجي بعد العودة من رحلة علمية إلى الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله اسميتها: ( الطليعة في براءة أهل السنة).

ذهبت فيها إلى ذم الحزبية ودعوة الناس إلى الخروج من سجون مراكز الأحزاب والاختلاط بعامة المسلمين والعيش بين ظهرانيهم دون تعالٍ عليهم، وقد سُرَّ بها الشيخ المجاهد ربيع السنة حين خروجها، وكذلك صاحبنا الشيخ السلفي علي الحلبي، وكان أصلها مقدمة منفصلة ألفتها أثناء ردي على كتاب «ملة إبراهيم» لصاحبه المبتدع الضال: أبي محمد المقدسي وهو بعيد عن «ملة إبراهيم» وقد حبست الاستدراج على ملة ابي محمد المقدسي نظراً لما فيه من الانحراف والزيغ لأن قراءة هذا الرد تنشر شبهات الكتاب الأصلي.

وكان كتاب «الطليعة في براءة أهل السنة» من أوائل ما كُتب في وجوب هجر الأحزاب، والإقبال على العلم الشرعي، وطريقة علماء الشريعة المعروفين، وسميت منهم أربعة: شيخ العلماء ابن باز، وأسد السنة محدث العصر ناصر الدين الألباني، والشيخ الذي برع في فنون الشريعة محمد بن صالح العثيمين، والشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي، الذي نشر السنة في القطر اليماني، فجدد السنة، وأحيا الملة، وفاق في هذا الباب ابن الأمير الصنعاني والعلامة الشوكاني - رحم الله الجميع - والحمد لله أنهم ذهبوا واتفاق أهل السنة (السلفيين) على أولئك العلماء قائم.

ولقد حاول ذلك المبتدع الضال المدعو أبو محمد المقدسي عندما كان في الكويت سابقاً عبر لقاء واتصال أن لا أذكر اسم الشيخ الإمام ابن باز- رحمه الله- في تلك الرسالة، لتعلموا قدر انحراف هذا وأشباهه، وبعد صمت طويل قد أكشف عن محاضرة للتحذير من هذا المبتدع في عام 1409 وعن المناظرة التي جرت بيننا، ومن بعدها استبيحت دماؤنا.

الخطر الجديد: اختصاصي المنهج

{مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى}

4- استخفاف اختصاصي المنهج للعقول:

وبعد الجهود التي بذلها العلماء لبيان بطلان المذهبية، وخرافات الطرق الصوفية، وكشف عوار الحزبية، والقيام على فضح أساليبها في عزل الناس عن الوحي؛ عن كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، وهتك الطرق التي مارسوها لحجب العقل، وإلغائه، والاستخفاف به.

لقد فوجئ المسلمون بظهور أمر محدث في المجتمعات، وتنصيب بعض الناس نفسه في البلدان والأقاليم، حتى أصبح في كل بلد نائب، فلا يخلو مكان في الأرض منهم، طريقة قائمة على التنفير من العلماء والمشايخ وطلاب العلم وتحذير الناس منهم حتى لا يبقى إلا أولئك الاختصاصيين في المنهاج، وإن ظاهرة خروج من أعلن نفسه وكيلاً ونائباً عن العقول، وجعل معرفة الطريق الواضح، وبيان المنهاج، وتوضيح الصراط المستقيم؛ جمعت كل مفاسد المذهبية والحزبية والصوفية، والآثار الناجمة عنها أنواع فإن جعل الإسلام منحصراً في شخص اختصاصي المنهج وعقله وفهمه، فلا يعرف دين إلا بفهمه، ولا حق لأحد أن يتكلم باسم أهل السنة إلا بإذنه، حتى صار ما يقرره عقله؛ هو المرجِّحُ والمرجع لبقية العقول، والسبيل الأوحد للمؤمنين، وزاد كيلاً بتفريق جماعة المسلمين؛ بجعل المقربين والممكنين؛ هم الذين دانوا بالقداسة لقوله، ولأتباعه من حوله، وأما من لم يقلد هذا العقل؛ و تجرأ منفرداً بالاستقلالية وطالب بالعرض على الكتاب والسنة، فقد فعل أمراً مشيناً، وخرج عن جادة المنهج المرسومة، وَوُسِم بالمخالف للمنهج، لأنه خرق إجماع الدهماء والرعاع، وصارت تلك المخالفة سُبَّةً؛ جعلت جموع المقلدة تنفض من حوله.

وفي الختام؛ أسأل الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، والحمد لله رب العالمين.

تاريخ النشر 02/11/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:26 PM
عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (1)


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

اطلعت على كتاب لأحد المثقفين كتب على غلافه الخارجي عنواناً »كيف نختلف؟« وهو من إصدارات مركز الوسطية، وبعد تصفحي لًمادته» وجدت أَشياء تَحتاج إًلَى وقفات» منها، تعليقه على حديث افتراق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والكاتب يسعى لاتساع دائرة المتفق عليه كما يقول، والتساهل في المسائل الخلافية، وتجاوز الأصول وتَهوين أمرها، لإذابة الخلاف العقدي، انتهاءً بالوصول إلى دمج أهل السنة والجماعة بالفرق والطوائف، ولذلك بذل في كتابه »كيف نختلف؟« مُحاولاتي لإلغاء حديث الافتراق مَبْنَى وَمَعْنَى، تَمهيداً لتجاوز الخلافات العقدية، وجمع المختلفين، تحت لواء الوحدة المزعوم، وحدة على حساب الدين والتضحية برسالة سيد المرسلين.


»ما أنا عليه وأصحابي«


والحديث ثابت النسبة إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم وَيُعَدُّ من الأحاديث المسندة الصحيحة، ذُكًرَ فًي كُتُبً السنةً المعروفةً عَن جَمْعي مًنَ الصَّحابَةً، ومنها ما صح من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقد رواه أحمد فًي المسند (4/102) عن أَبًي عَامًر عبد الله بن لُحَيّ قال: حَجَجْنَا مع معاوًية بنً أَبًي سفيان فلمَّا قدمنا مكة» قام حين صلَّى صلاة الظهر فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إًن أَهل الكتابين افترقوا فًي دًينًهًم على ثًنْتَيْنً وسبعين مًلَّةً، وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة، ـ يعنًي الأَهْوَاءَ ـ كُلُّهَا فًي النار إلا واحدة، وَهًيَ الْجماعة، وَإًنَّه سيخرُجُ فًي أُمَّتًي أَقْوَام تَجَارَى بًهم تلك الأَهْوَاءُ، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل» إلا دخله، والله يا معشر العرب! لئًن لَم تقوموا بًما جاء به نبيكم صلى الله عليه وسلم لَغَيْركم من الناس أَحْرَى أَن لا يقوم به). وَالْحَدًيثُ صَحيحُ» كما هو معلوم عند الجماهير من العلماء وطلبة العلم على مر العصور.

قال: »لَم يخرجه صاحبا الصحيح«، غمزاً في صحة الحديث

أولا: قال الكاتب (48): ولذلك أحببت أن ألقي الضوء على هذا الحديث: هذا الحديث لَم يُخرجه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم» وهذا بطبيعة الحال لا يعني عدم صحته، لكنَّ عدم تخريجهم له ـ والله أعلم ـ رُبَّما لأنَّه يتقاصر عن شرطهم، فيما يخرجونه من الأحاديث.اهـ

قلت: الرد عليه من وجوه:

1ـ قال الكاتب: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، قلت: وهذا غمزي فًي صحة حديث الافتراق، فإذا كان الحديث صحيحا لديه، فلم الإعلان أنه غير مخرج في الصحيحين؟! وهل هذا إعلال منه للحديث، أو صيغة تمريض، وهل هذا هو الضوء الذي أشار إليه وأحبه؟!

2ـ ثم أبدى الكاتب تراجعا فقال: »وهذا بطبيعة الحال لا يعنًي عدم صحته«، وأقول له: فإًذاً ماذا يكون؟ وماذا تريد أن تُفْهًمَ القراء؟! وأنت تغمز في صحة الحديث تارة» قائلا: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، وتتردد وتتراجع تارة بقولك: »وهذا بطبيعة الحال لا يعنًي عدم صحته«، وهل تعتقد أن أسلوبك هذا يضع لنفسك مجالا للرجوع والانسحاب مخافة منازعتك من قبل أهل الصنعة وأصحاب الشأن، وكشف عوار ما تقول؟!.

إذا صح الحديث» أفاد العلم والعمل

3ـ الحديث إذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أفاد العلم، لا الظن، ووجب العمل به سواء كان من رواية الصحيحين أو غيرهما وهذا الذي ندين الله به.

4ـ ماذا سيكون موقف الكاتب إذا أوردنا عليه الأحاديث التي أخرجها أصحاب الصحيح وقد أعلها الأئمة، وهي أحاديث يسيرة، وماذا سيفعل بًمفهوم قوله: »لَم يُخرجه صاحبا الصحيح«، وأشهد القارئ على هيبة الصحيحين، ولكن أسلوب الكاتب ومنهجه حفظه الله وهداه» دفعتني للجوء للدقائق العلمية التي تخفى على كثير من الناس، لأثبت أن العبرة في العلم والعمل، هو فيما صح من الحديث، فقد يخرجه أصحاب الصحيح وَيُضَعَّفُ» وقد يخرجه غيرهما ويصحح، قال ابن الصلاح »في علوم الحديث« (1/101): سوى أحرف يسيرة تكلَّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كـ ( الدارقطني ) وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.اهـ

قال مسلم: ولَم أقل: ما لَم أخرجه ضعيف

5ـ لقد وقع الكاتب في غمز كتب السنة المشهورة، كـ (مسند أحمد، وسنن أبي داود، وسنن الترمذي، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، وسنن الدارمي، وموطأ مالك )، وغيرها من المصنفات المسندة إًلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلل من شأن أحاديثها المتداولة، التي لَم يخرجها أصحاب الصحيح، وكأن لسان حاله ينادي بطرحها، فهي تتقاصر عن شرط أصحاب الصحيح كما هو زعم الكاتب.

6ـ لًماذا يقطع الكاتب ويُحَمًّل الإمامين البخاري ومسلم ما لَم يقولا به ويذهبا إليه، ومن قال ان كل حديث لَم يُخرجاه فهو ليس على شرطهما؟! فهذا محمد بن إًسْماعيل البخاري يسمي كتابه »الجامع المسند الصحيح المختصر«، فالكتاب مختصر للأحاديث الصحيحة» غير جامع ولا شامل لَها، ولَم يكن من شرطه حصر الصحيح في كتابه، فقد روى الخطيب البغدادي في »تاريخ بغداد« (2/8) من طريق إبراهيم بن معقل يقول: سَمعت محمد بن إًسْماعيل البخاري يقول: ما َأدخلت في كتابي »الجامع« إلا ما صح، وتركت من الصحاح لًحال الطوال. اهـ وكذلك مسلم بن الحجاج النيسابوري، لَم يكن من شرطه حصر الصحيح في كتابه فقد ذكر الذهبي في »السير« (12/571): عن مسلم بن الحجاج قال: »إًنَّما قلت: صًحاح ولَم أقل: ما لَم أخرجه ضعيف، وَإًنَّما أخرجت هذا من الصحيح...«. اهـ

7ـ أثبت الكاتب أنه قليل البضاعة في هذا الباب، وكان الواجب عليه وأمثاله عدم الخوض في هذا الحديث وغيره من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرجوع إلى أهل الصنعة، والأخذ من أرباب هذا الميدان.

ثانياً: قال كاتب الورقات »كيف نختلف؟«: الحديث رواه أحمد وأهل السنن من طرق، ومن العلماء من صححه أو حسنه كالترمذي، والحاكم، والذهبي، وابن تيمية، والشاطبي، وابن حجر وغيرهم، ومنهم من ضعّفه كابن حزم وابن الوزير وغيرهما.

شتان بين المصححين والمضعفين

قلت: ويرد كلام الكاتب بالآتي:

1ـ قال الكاتب: ومن العلماء من صححه أو حسنه، قلت: ألا يعلم أن الحسن من أقسام الصحيح فالصحيح والحسن ثابت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعلم والعمل لازم له، وليس هذا محل استخدام لًهذه العبارات» مُحاولة لإيهام القارئ بلفظ يوحي أن الحديث محل نظر.

2ـ وقلت: إن كان الحديث صحيحا لديه كما يدعي فلماذا لا يزال يرسل الموجة تلو الأخرى للتشكيك بالحديث بقوله: »ومن العلماء من صححه أو حسنه، ومنهم من ضعّفه«، فها هو قد رجح صحة الحديث فيما سبق، ثم يعود مرة أخرى مصراً على ذكر القول الذي لَم يرجحه في كتابه قائلاً: »ومنهم من ضعّفه«!

3ـ والمصححون الذين ذكرهم هم أئمة وأعلام لًهذا الفن، والمضعفون كابن حزم وابن الوزير لا يعدان من أهل الصنعة ولا يذكران مع أهل هذا الشأن.

لماذا الإعراض عن المعاصرين شاكر والألباني؟!

4ـ ملاحظة: مًما يلفت الانتباه تجاهل الكاتب لقول إمامين مجتهدين وهما خاتًمة نقاد الحديث وأئمة هذا الشأن، وقد أضر بنفسه وأتى عليهما بالجرح، فهما من أئمة أهل السنة معتقدا ومنهجا وطريقة، ولست أدري بعد هذا أين وضع الكاتب نفسه وأي طري سلك؟! نعم لقد تجاهل ذكر تصحيح أساطين هذا الفن في عصرنا، والذي أعني» محيي السنة وباعث علوم الحديث في القرن الرابع عشر الشيخ أحمد شاكر فقد صحح إسناده في مسند الإمام أحمد (16/169)، وكذلك أسد السنة الشيخ ناصر الدين الألباني في السلسلة الصحيحة (203، 204، 1492)، ولعل الأسباب: (1) أنهما ذهبا إلى الجزم بصحته وهما من هما في هذا الميدان؟!

(2)كان الشيخان على خلاف المنهج والطريق الذي سلكه الكاتب وبقية الوعاظ والمثقفين.

(3) مجانية أصحاب البدع وأهل الأهواء ورفض كل بدعة تميت سنة، ولو كان ظاهر الجمع الاتفاق قال تعالى: تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى[الحشر :14]، يبطنون البغض ويظهرون الاتفاق.

(4) وزادهم الاشتغال بالسنة والحديث معرفةً بسبيل النبي صلى الله عليه وسلم، ونهجه، وفهم أصحابه، فازدادوا بُعدا عن سبل الغواية والضلال فلن يقبلا بدعوة الذوبان، وإماتة السنة والطريقة، فهما في زمرة المحافظين على نهج المتقدمين ويكملان المسيرة والحمد لله على نعمه.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 26/5/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:28 PM
عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (2)


كتب:الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

كم كدّر حديث الافتراق صفو عيش الفرق والطوائف المنحرفة

بعد محاولات التشكيك التي ذكرها كاتب ورقات »كيف نختلف؟«، ليحدث خللا واضطراباً في حديث افتراق الأمة أمام القارئ» حتى يصبح في حيرة من جهة صحته سنداً، وهذا أمري بعيد المنال عن قلم الكاتب ومن جاراه، فقد جزم أصحاب الشأن بصحته بلا تردد، وهذا قد بُيًّنَ فيما سبق، وكذلك بيناه في غير ما موضع مًمَّا كتبناه وذكرناه.

والآن عودة إلَى جولة جديدة من جولات الكاتب وصولاته على حديث الافتراق، هذا الحديث الذي مازال منذ خرج من مشكاة النبوة، شوكة قد غرست في طريق الانحراف، وهو محل قلق لكل مبتدع ومحدث في هذا الدين، وموضع أَلَم لكل من حاد عن الصراط المستقيم، فكم كدر حديث الافتراق صفو عيش الفرق والطوائف المنحرفة» فما برحوا نضالا ومحولاتي حتى يومنا هذا لإلغائه من التشريع، وما نراه من كفاح في ورقات الكاتب» إلا إحدى هذه التهورات البائسة لإيقاف طائفة الحق، وحجب أنصاره الظاهرين، ومن الواجب التنبيه على ما تجاهلوه وبيان أن كثيرا من أصول الشرع تؤيد هذا الحديث» مع النصح لَهم.

أصول الشرع تؤيد معنى حديث الافتراق

جاءت أحاديث عدة تؤيد معناه» فقول النبي صلى الله عليه وسلم: »وَإًنَّ هَذًهً الأُمَّةَ ستفترق على ثلاث وسبعين ملَّة، ـ يعنًي الأَهْوَاءَ ـ كُلُّهَا فًي النار إلا واحدة، وَهًيَ الْجماعة«، وفي روايةً: (ما أنا عليه وأصحابًي)، كما رواه الترمذي في سننه (2641) وحسنه ـ وهو كما قال ـ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فذكره، ومن تلك هذه الأحاديث:

اختلاف الأمة إلى فرق وطوائف

1ـ ما رواه البخاري (3641)، ومسلم (1037)، في صحيحيهما من حديث معاوية رضي الله عنه يقول: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس).

2ـ وروى البخاري (3640)، ومسلم (1921) أيضاً فًي صحيحيهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لن يزال قوم من أُمَّتًي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون). وفي لفظي للبخاري: (لا يزال ناس من أمتي).

3ـ وروى أحمد في المسند (5/278)، وأبو داود في سننه (4252)، والترمذي (2229) في سننه بسند صحيح من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إًنَّما أخاف على أُمَّتًي الأئًمة المضلين)، قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من يخذلهم حتى يأتي أمر الله). قال أبو عيسى: وهذا (حديث حسن صحيح)، سَمعت مُحمد بن إًسْماعيل يقول: سَمعت علي بن الْمَدينًي يقول: وذكر هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)، فقال علي: هم أهل الحديث.

للطائفة المنصورة جزاء وللطوائف الأخرى جزاء

ويستفاد من الأحاديث وألفاظ الروايات: أن هناك فرقة وطائفة على الحق وغيرها من الأمة ليسوا على ذلك، ففي الروايات وجودي لًـ (طائفة من)، وفي روايةي: (قوم من)، وفي رواية: (ناس من) » أي معناه: فرقة من أمتي، و في قوله: (من أُمَّتًي)، من هنا للتبعيض» أَيْ: من بعض أمة النَّبًي صلى الله عليه وسلم» أَيْ: أَنَّ هناك فرقة من باقي عموم مجموع الأمة على الحق، والبقية بخلاف ذلك كما هو معنى الروايات، ولاشك أن الجنة هي الجزاء لأهل الحق، والبقية تحت المشيئة» من شاء عفا الله عنه، ومن شاء أدخله النار بقدر ما يستحق، ثُمَّ يدخل الجنة بعد ذلك. و بالسند الصحيح إلى علي بن المديني شيخ البخاري فقد رجح أن هذه الفرقة من بين فرق وطوائف الأمة» هم أهل الحديث.

السالكون لسبيل الحق في الجنة، والسالكون لسبل الضلال في النار

4ـ وروى أحمد في الْمسند (1/435) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خَطَّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطاً، ثُم قال: (هذا سبيل الله)، ثُم خَطَّ خُطُوطاً عن يَمينه وعن شًماله، ثُم قال: (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثُمَّ قرأَ: (وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا فَاتَّبًعُوهُ وَلاَ تَتَّبًعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بًكُمْ عَنْ سَبًيلًهً)[الأنعام: 153]). قال أبو عبد الله الحاكم: صحيح الإسناد، و وافقه الذهبي وهو كما قالا. وفي قوله: (وَلا تَتَّبًعُوا السُّبُلَ) قال بعض المفسرين: الأهواء والبدع، وكذلك يُفْهَمُ المعنى نفسه من الحديث: (هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه)، وهي سبل الباطل والضلال» سلكته ومالت معه الفرق والطوائف التي مالت عن الحق والصواب، ومن سلك سبل الضلال من أهل الإسلام كان له حظ من النار بقدر سيئاته ما لَم يشمله عفوي من الله.

لماذا الاستدلال بالأحاديث المشكلة

ذهب الكاتب لدفع معنى حديث الافتراق ومحاولة هدمه قائلا : (لكن يجب ألا ينظر إليه وكأنه لَم يرد فًي باب الاختلاف غيره ) (49) قلت: بدأ الكاتب يتأهب للانقضاض على متن الحديث لعله يصل إلَى تعطيل معناه» وهذا مذهب جعل أصحاب السنن على السواء مع أهل البدع، ومن ثَم فلا هجري للمبتدعة، ولا براءةي منهم في الدنيا، ولا ثواب لصاحب السنة، ولا عقاب لمحدث البدعة في الآخرة.

وقال الكاتب (49): أولا: علينا أن نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: »أُمَّتًي هذه أمة مرحومةي ليس عليها عذابي فًي الآخرة، عذابُها فًي الدنيا» الفتن والزلازل والقتل«. وهذا حديث صحيح رواه أحمد وأبو داود والحاكم، عن أبي موسى وهو صحيح الإسناد» فهذا الحديث فيه إشارة إلَى رحمة هذه الأمة، وأنه ليس عليها فًي الآخرة عذاب، وإنَّما عذابها فًي الدنيا. اهـ

والرد عليه من وجوه:

أولا: هذا حديث ذكره أهل العلم من الأحاديث المشكلة، فكيف يخاطب به القراء بًهذه السهولة؟ أيحب أن يكذب الله ورسوله، وقد روى البخاري (127) في صحيحه في أواخر كتاب العلم من قول علي بن أبي طالب رضي الله: حدثوا الناس بًما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، وبوب له إمام الفقهاء والمحدثين: باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا. فهل يريد الكاتب ضرب أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضها ببعض؟ ليوحي بوجود إشكالات واضطرابات في متون الأحاديث.

ثانيا: وهل هذه الظلمات التي يوردها الكاتب على الأحاديث الثابتة يراها ضوءاً، وعد به القارئ وهو القائل في كتابه: أحببت أن ألقي الضوء على هذا الحديث.

ثالثا: قال: وهذا حديث صحيح، قلت: وأيضا وفي هذا الموضع خاصة ونظراً لكثرة الكلام على حديثه الذي ذكره، يتكرر تجاهله للامام ناصر الدين الألباني الذي تصدى لتصحيح الحديث، والدفاع عنه في السلسلة الصحيحة(959) في المجلد الثاني، والرد على شغب المخالفين من المعاصرين، ولذا أشك في جرأة الكاتب كما هو حال غيره، على الصدع بالصحة دون الاتكاء على جبل الْمُحدًّثين.

هل هذا إرجاء خفي جديد

رابعا: قوله: وانه ليس عليها عذاب في الآخرة، قلت: فتح الكاتب بابَ جُرأةي لوقوع الناس في البدع والمعاصي بلا خوف أو وجل، فهي لا تضر في الآخرة كما فهم، وهل هذا قولي بطريقةي، ودعوة جديدة لإرجاءً خفي بأسلوب غير مباشر، فإنه يرى أن العمل من الإيمان» ولكن يرى العذاب في الآخرة على الكفر والشرك، والأعمال ـ البدع والمعاصيـ بلا عقاب أخروي، فالكاتب يقول: [ليس عليها في الآخرة عذاب]، قلت: وكأنه يقول: المعاصي مهما بلغت لا تضر مع وجود الإيمان ولا تدخل فًي النار. فهو يذهب إلى إدخال الأعمال في مسمى الإيمان ومن ثم يسلبها التأثير في ثواب الله وعقابه في الآخرة. وهذا رأيُ لا يقول به أهل السنة، والكاتب هرب من الإرجاء فوقع بشبيه له.

خامساً: »أُمَّتًي هذه أمة مرحومةي ليس عليها عذابي فًي الآخرة، عذابُها فًي الدنيا» الفتن والزلازل والقتل«، أين سيذهب الكاتب من النصوص الكثيرة، والمتواترة في إثبات العذاب في النار لأهل البدع والمعاصي في الآخرة، ومنها حديث الشفاعة، فقد روى البخاري (6558)، ومسلم (191) في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يُخْرجُ قوماً من النار بالشفاعة؟» قال: نعم. وقال أبو بكر الإسْماعيلي في كتابه الموسوم: « اعتقاد أئمة الحديث »: ويقولون إن الله يخرج من النار قوما من أهل التوحيد بشفاعة الشافعين، وأن الشفاعة حق، والحوض حق، والمعاد حق، والحساب حق.اهـ

آخر أهل النار خروجا منها من الأمة المرحومة

وكيف سيرد الكاتب ما رواه مسلم (190) في صحيحه من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها» رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه وارفعوا عنه كبارها، فتعرض عليه صغار ذنوبه، فيقال: عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيقول: نعم، لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول: رب! قد عملت أشياء لا أراها ههنا »، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه.



تاريخ النشر: الاثنين 2/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:31 PM
عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (3)

يغلب على عامة الناس عدم معرفة ما وراء هذه الدعوة!


كتب:الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين» أما بعد:

بعد الانتهاء من كتابة المقالات، قلت: لنفسي لماذا لا أطلع على البحث الذي ذكر باسم (أضواء على حديث الافتراق)، ولَم أكن سَمعت به من قبل إلا من خلال هذه الورقات (كيف نختلف؟)، لأن في كتب أهل العلم ومصنفات أهل الحديث، وكتب مسائل الاعتقاد غُنية وشفاء لكل باحث عن الحق، ولعل القارئ يتساءل عن سبب اهتمامي؟! والجواب هو أن لًي اهتماما ومتابعة للمذهب الجديد والدعوة المعاصرة» المسماة بـ (الطريقة الوسطية) التي أصبح لَها دعاة ومراكز ورواد في هذه الأيام، وكتاب (كيف نختلف؟) من إصدارات مركز الوسطية، ولًما يغلب على عامة الناس عدم معرفة ما وراء هذه الدعوة التي لَم تكن من اكتشاف الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين على مر السنين، لابد من مواصلة الاهتمام ذباً عن الدين وحفاظاً على المسلمين.

وفي كتابه المذكر نصحي بالاطلاع على تلك الدراسة، فطلبته بتاريخ الأول من جمادى لسنة ألف وأربعمائة وتسعة وعشرين، فلم أجد فيه جديدا، وما هو إلا نسخة عن البحث الذي أشار إليه، ولذا أصبح هذا الرد على الاثنين في الموضعين.

عودة إلى الإيراد الأول

والآن عودة إلى الإيراد الأول للكاتب على حديث الافتراق وهو ما ذكره عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا» الفتن والزلازل والقتل».

شرح الحديث وتوجيهه كما يلي:

قوله: «أُمَّتًي هذه»، قد يراد به (1): أن الحديث خاص بًمرتكبي صغائر الذنوب، لا بأهل الكبائر.

(2) أو يحتمل أن المراد أمة خاصة وهي الأمة المشهودة، وهم المشاهدون للنبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة.

(3) أو هم من غفر الله له بالمشيئة قال تعالَى "إًنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفًرُ أَنْ يُشْرَكَ بًهً وَيَغْفًرُ مَا دُونَ ذَلًكَ لًمَنْ يَشَاءُ"[النساء: 116]. (4) وقد يكون المراد بالأمة هنا من اقتدى به كما ينبغي وسار على طريقته واقتفى أثره ونهجه. و «أمة مرحومة»» أي: ميزة خاصة لًهذه الأمة على سائر الأمم لًما خصها بالرحمة الزائدة، «ليس عليها عذاب في الآخرة»» أي: عذاب شديد أو عذاب تخليد.



توجيه الحديث: «أمة مرحومة ليس عليها عذابي فًي الآخرة»

والراجح أن المراد: هو أن غالب هذه الأمة مرحومة، فلا يفهم من ذلك أن العذاب في الآخرة منفي عن جميع الأمة» بل عن غالب الأمة كما بينا، والعذاب في النار في الآخرة واقع للأدلة المتواترة والكثيرة، ومنها الوعيد بالنار عند الفرار من الزحف (الجهاد) قال تعالى: (وَمَنْ يُوَلًّهًمْ يَوْمَئًذ دُبُرَهُ إًلا مُتَحَرًّفًا لًقًتَال أَوْ مُتَحَيًّزًا إًلَى فًئَة فَقَدْ بَاءَ بًغَضَب مًنَ اللَّهً وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبًئْسَ الْمَصًيرُ) [ الأنفال:16]، ولا عبرة لًلفهم الذي ذهب إليه الكاتب. ولا بد من ذكر وبيان معانً وأشباه كثيرة للحديث حتى يتضح المعنى ويرفع الإشكال عنه» ومنها:



«لست أخشى عليكم أن تشركوا»

ما جاءت النصوص الشرعية بذكره من النهي عن الشرك بأنواعه كما روى البخاري (2767)، ومسلم (89)، في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات».



الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك

والنَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم حذر أمته من الشرك بأنواعه، بل أصل دعوته ودعوة الأنبياء والمرسلين أجمعين، قائمة على الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، وجاء في الصحيحين حديثي قد يُفْهَمُ منه أن أُمَّتَهُ لن تقع فًي الشرك، لًما رواه البخاري (1344)، ومسلم (2296/30)، فًي صحيحيهما من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإًنًي والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تتنافسوا فيها». وفي لفظي في الصحيحين [خ (4042)، م (2296/31)]: «إًنًي لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي». وهنا سؤال؟ لًماذا التحذير من شيءي مقطوع بعدم حدوثه؟! والصواب هو: المراد من الحديث أن جميع الأمة لن تقع في الشرك، ولن تحدث أو تكون هناك بعده ردة للجميع» كما قال النووي في شرح صحيح مسلم: وأنَّها لا تَرْتَدُّ جُملة، وقد وقعت ردة في عهد أَبًي بكر الصديق، من بعض الذين أعلنوا إسلامهم، فهل نقضت هذه الردة حديث عقبة بن عامر؟ والجواب بلا خلاف: لا، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في الفتح: قوله:«ما أَخاف عليكم أن تُشركوا»» أَيْ: على مَجموعكم. لأن ذلًك قد وقع من البعض أعاذنا الله تعالَى.اهـ

أي ما أخاف عليكم أن تقعوا في الشرك جميعا، ولكن قد يقع من بعضكم، وعلى هؤلاء تُنَزل نصوص التحذير من الشرك، وقوله: «إًنًّي لست أخشى عليكم أن تشركوا» نَيص يُنَزل على الردة الجماعية.

تاريخ النشر: الاثنين 9/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:32 PM
عودة إلى حديث الافتراقً مع العودة (4)




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

تنبيه: ما زلنا مع رسم طريق الموحدين وتحديد الصراط المستقيم، وبيان افتراق المسلمين، والذي جاء إثباته بالأدلة النقلية والبراهين العقلية، والتنبيه على الاهتمام بًما ذكره أهل العلم في كتب السنة وأصول الاعتقاد، دون نظري إلى كتابات المعاصرين، فهذه مسائل قد حسمت، وما طرق باب التجديد فيها إلا نوع عبث في الدين، ولست أرى في الأفق شيئا أفسر به هذه الكتابات غير محاولة لتبديد سحب السلفية، التي عمَّ خيرها أنحاء المعمورة، مًمَّا زاد غيظ أولئك الذين ليسوا على السبيل المستقيم، وهذه دعوة ستؤتي أكلها بإذن الله، رغم ما يبذله المخالفون من محاولات النيل منها، وأنها دعوة تفرق المسلمين.

لماذا المراجعات العصرية في حديث الافتراق


وهذا سر المراجعات والعودة بالنظر من جديد لقراءة حديث الافتراق بنظرة عصرية، ولست أدري هل وقفوا على كتابات زاهد الكوثري، ذاك الرجل الذي أزرى بنفسه وأجهد أتباعه في هذه المسألة، عندما تفجر حقداً بعد النظر في مصنفات أهل السنة والجماعة في الاعتقاد فوجد نفسه في طريق وأهل السنة والجماعة على الطريق.

العودة إلَى الرد على مراجعات المعاصرين كـ (الجديع) والعودة

= أفضلية الأمة لا ينفي وقوع التفرق في أمة الإسلام

قال الكاتب: ثانياً: هذه الأمة هي أفضل الأمم عند الله تبارك وتعالَى: فهي بيقين قطعي بًمحكمات الكتاب والسنة أفضل من الأمم السابقة، أفضل من أمم أهل الكتاب: من اليهود في زمانهم، ومن النصارى في زمانهم» ولذلك قال الله سبحانه: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرًجَتْ لًلنَّاسً"[آل عمران: 110]، وقال سبحانه "وَكَذَلًكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا"[البقرة: 143]. النصوص النبوية في ذلك متواترة مقطوع بها» فهذه الأمة هي أفضل الأمم، وينبغي أن لا يفهم من الحديث أن الأمم السابقة أقل اختلافا من هذه الأمة، وبالتالي هي أفضل أو أقل شراً.اهـ

والرد عليه من وجوه:

ـ1 قوله: فهي بيقين قطعي بًمحكمات الكتاب والسنة أفضل من الأمم السابقة، قلت: كونها أفضل من الأمم السابقة لا ينفي وقوع التفرق والاختلاف في أمة الإسلام، كما هو واقع ومشاهد، وهل يستطيع الكاتب أن يقول ليس هناك فرق كـ (الخوارج والمرجئة والأشاعرة والمعتزلة و الجهمية)، وغيرها من فرق وطوائف المسلمين، أم أنه لا يرى هذا اختلافاً وتفرقاً !


الدعوة إلى إهمال الفروقات العقدية» نزع للولاء والبراء


ـ2 أم هو في حقيقة الأمر دعوة إلَى إهمال الفروقات العقدية وإزالة الحواجز الشرعية بين فرق المسلمين، ذاهبا في الدعوة إلى نظرية الجمع، ونزع الولاء البراء من قلوب وعقول أهل الحق.

ـ3 قال الكاتب: وينبغي أن لا يفهم من الحديث أن الأمم السابقة أقل اختلافا من هذه الأمة، وبالتالًي هي أفضل أو أقل شراً. اهـ قلت: ومن قال بذلك من أهل التحقيق في مسائل الاعتقاد من أهل السنة، ومن فهم ذلك من أهل السنة والجماعة؟!

ـ4 ومعلوم أن هذه الأمة هي خير الأمم، وأفضلها على الإطلاق، وما يحدث فيها من تفرق واختلاف ليس بًمفضي إلى التخليد في النار» أو أن أهل الكبائر من هذه الأمة عذابهم أشد من عذاب الأمم السابقة، كما ثبت في النصوص الشرعية، وهذا يَردُّ الفهم الذي يدندن حوله الكاتب» بأن قلة عدد المختلفين يجعلهم الأفضل والأقل شراً.


لا مفهوم للعدد، فًي حديث الافتراق


ـ5 لا مفهوم للعدد، فًي حديث الافتراق فقوله: »افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين«، كما لا مفهوم له في قول الله تعالى:" إًنْ تَسْتَغْفًرْ لَهُمْ سَبْعًينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفًرَ اللَّهُ لَهُمْ"[التوبة:80]، أي إن استغفرت دون السبعين فلن يغفر لَهم، وإن زدت في الاستغفار فوق السبعين فلن يغفر الله لَهم، ولذا لا يفهم من ذكر العدد في حديث الافتراق مزيد شري وانَحراف، فالشرور والانحرافات أعظم في أهل الكتاب وغيرهم من الديانات، والإسلام في هذا الباب أفضل حالا، لقوله تعالى: "كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرًجَتْ لًلنَّاسً".

قال الكاتب: ثالثاً: في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا مع النَّبًي صلى الله عليه وسلم في قبة فقال: »....إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة«...إلى أن قال: وبذلك حكم النَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم لَهذه الأمة أن نصف من يدخلون الجنة هم من أتباعه.اهـ

قلت: لا تعارض مع حديث الافتراق، فإن من الأمة من يدخل الجنة بلا عذاب في الآخرة، جزاء على أعماله، ومنهم من يدخلها بعفو من الله، ومنهم من يدخل النار ليأخذ جزاءه على ما اقترف من كبائر الذنوب ثم يُدخله الجنة، وفي النهاية مجموع الأمة في الجنة، منهم الذي عُذًّبَ في الآخرة، وكذلك الذي لَم يُعذب، كما ذكرناه فيما تقدم من حديث أبي ذر رضي الله عنه في رواية مسلم (190) في الصحيح: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا منها«، فنصف أهل الجنة» فيهم من خرج من النار وأدخله الله الجنة.


رفع الخطأ والنسيان لا يعفي أهل الكبائر من النار


قال الكاتب: رابعاً: وقد عفا الله تبارك وتعالَى لًهذه الأمة عن الخطأ والنسيان، كما في سورة البقرة:

"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخًذْنَا إًنْ نَسًينَا أَوْ أَخْطَأْنَا"[286]، وفي الحديث الصحيح: »إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه«، وهذا المعنى أيضاً مقطوع به متداول عند الفقهاء والأصوليين.اهـ

قلت: تحرير موضع النزاع الذي يناقشه الكاتب ويرده» هل يعذب أحد من أهل الإسلام في النار! وقوله الذي ذهب إليه ودافع عنه أنه لا يعذب مسلم بدخول النار، والذي عليه أئمة المسلمين أن تعذيب المسلم في النار قد يكون لبعضي من المسلمين وليس بالمنفي جملة، وهو الذي نعتقد ونقول به كما في قوله: »كلها في النار إلا واحدة«، أي كلها ستدخل النار، ثُم تُخْرَجُ إًلَى الجنة إلا واحدة» لا يدخلها اللهُ النارَ، ويلحق بًهم من شَمله العفو بتكفير سيئاته في الدنيا أو بالمشيئة، وأما من اقترف كبائر الذنوب بعمدي وقصدي من غير إكراه، فيعذب للأدلة ما لَم تشمله المشيئة، وأما الأدلة التي ذكرها الكاتب فليست محل اختلاف ونزاع، بل هي موضع اتفاق على أنهم لا يعذبون.


الأدلة والردود موضع اتفاق» ولا تنازع الحديث


والمراد من الأدلة: أن الإثْمَ في هذه الأحوال موضوع، فما تجاوز الله عنه فلا إًثْم فيه، فالناسي والمكره، والمخطئ ليس عليه جناح، والمراد هنا رفع المآثًم عن الأمة في حال الإكراه والخطأ والنسيان، ومن ذلك قوله تعالَى: "وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحي فًيمَا أَخْطَأْتُمْ بًهً وَلَكًنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ "[ الأحزاب: 5]، وفي الأدلة فائدة: أن الذي يقدم على كبيرة من غير إكراه، وبالعمد دون الخطأ، وبالقصد دون النسيان، فواقع في الإثْم» يعذب عليه في الآخرة، قال تعالى: "إًنْ تَجْتَنًبُوا كَبَائًرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفًّرْ عَنْكُمْ سَيًّئَاتًكُمْ وَنُدْخًلْكُمْ مُدْخَلًا كَرًيمًا"[النساء: 31].


أبعد النجعة في إيراده للأدلة


قال الكاتب: خامساً: وقد رفع الله سبحانه وتعالَى عن هذه الأمة الآصار والأغلال التي كانت على من كان قبلنا: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إًصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتًي كَانَتْ عَلَيْهًمْ"[الأعراف: 157].اهـ

قلت: هذا فضل من الله ورحمة لًهذه الأمة، حيث خفف عنها كثيرا من التكاليف الثقيلة التي كانت على الأمم السالفة، وجعل ذلك نعمة من نعمه، فقد عفا عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم وتجاوز عنها، وفي الآية: يُبين الله تعالى إنعامه علي الأمة بتخفيف ما جعله ثقيلاً على من قبلها من الأمم الأخرى. والعجب كيف يدفع الكاتب بآية هي دليل فضل وتخفيف عن هذه الأمة، وهي أيضاً دليل على التفاوت في التكاليف بين الأمم، وليست دليلا على التفاوت بين فرق الأمة الإسلامية. ولا أرى الكاتب إلا قد أبعد النجعة في إيراده لًهذه الأدلة.


هل الاعتقاد بوجود الفرقة الناجية قول بهلاك الناس؟!


قال الكاتب: الإشكال الحقيقي لدى من يجعل نفسه الفرقة الناجية، ثم يَصمُ الآخرين بالضلال ويتوعدهم بالنار. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: »إذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم«. اهـ

قلت: رويدا رويدا أيها الكاتب !

ـ1 لا يوجد إشكال إلا عند من ترك مذاكرة العلم، وودع العلوم الشرعية، وذهب يجمع الناس على أصول عقلية.

ـ2 حذار أن تلغي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهناك فرقة ناجية، وفرق مخالفة، وما عليك إلا النظر إلى كتب السنة والعقائد فستجدها طافحة بذكر الفرقة الناجية، وذكر علامات فرق الضلال.

ـ3 يجب إدراك أن الذي قال: »كلها في النار إلا واحدة«، هو النبي صلى الله عليه وسلم، وليست من عندنا، فلا تطلق العبارات جزافاً بأن من يعتقد بوجود الفرقة الناجية فهو يقول بًهلاك الناس.


لا جديد في (أضواء على حديث افتراق الأمة)


الغريب أن الكاتب قد أشار في نًهاية ورقاته حيث قال: وقد وقفت على بحث قيم للأستاذ عبد الله بن يوسف الجديع، أنصح بقراءته. اهـ وقد ذكرت لكم أنني في اليوم الذي كنت اكتب هذا التعقب على كاتب ورقات (كيف نختلف؟)، طلبت البحث الذي ذكره من إحدى المكتبات، وفوجئت أَنّي لَم أقف على جديد فهو ناقل لبحثه، ومقلد لصاحب (أضواء على حديث افتراق الأمة)، فأصبح هذا الرد والتتبع على الكاتب ومن قلده، ولا غرابة من اجتماع الاثنين، والتقاء الفريقين» فحديث الافتراق لا يزال شوكة فًي طريق من يحاول خلط الحق بالباطل والحمد لله رب العالمين.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 16/6/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:34 PM
فضائل عرفة ويوم الجمعة وحجة الجمعة.... تعدل حجة


الحمد لله وحده والصلاةُ وَالسلامُ عَلَى مَنْ لا نَبًي بَعدَه، أَمَّا بَعْدُ:

روى البخاري (45)، ومسلم (3017) في صحيحيهما عن طارق بن شهاب عن عمر بن الخطاب أن رجلا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال أي آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا). قال عمر قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو قائم بعرفة يوم جمعة.

روى أبو داود في (2419)، والترمذي (773) في السنن ما صح من حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام وهي أيام أكل وشرب». قال أبو عيسى: وحديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح وهو كما قال.


ومن فضل يوم عرفة


قال النووي رحمه الله فًي شرحه لصحيح مسلم: باب فضل يوم عرفة.

وروى مسلم فًي صحيحه (1348) من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:« ما من يَومي أَكْثَرَ من أَن يُعْتًقَ الله فيه عبدا من النَّارً من يومً عَرَفَةَ وَإًنَّهُ لَيَدنو ثُمَّ يُبَاهًي بًهًم الْمَلائًكَةَ فيقول ما أَرادَ هؤلاءً».

وروى ابن خزيمة في صحيحه (263/4) وابن حبان في صحيحه (163/9) ما صح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الله يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لَهُم: انظروا إًلَى عبادي جاءونًي شعثا غبرا». وهو عند أحمد في مسنده (305/2)

صيام يوم عرفة

وروى مسلم فًي صحيحه (1162) عَنْ أَبًي قتادة الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده».

وفي رواية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صومه؟..... وسئل عن صوم يوم عرفة؟ فقال:« يكفر السنة الماضية والباقية».


لا يصوم الحاج يوم عرفة


روى البخاري (1988)، ومسلم (1123) في صحيحيهما عن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها، أن ناسا اختلفوا عندها يوم عرفة في صوم النبي صلى الله عليه وسلم فقال بعضهم هو صائم وقال: بعضهم ليس بصائم فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره فشربه.


من فضل يوم الجمعة

روى مسلم فًي صحيحه (856) من حديث أَبًي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة»).

روى البخاري (876)، ومسلم (855) في صحيحيهما من حديث أَبًي هريرة رضي الله عنه،أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد أَنَّهم أُوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم، فاختلفوا فيه، فهدانا الله» فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدا، والنصارى بعدَ غَدي».

وروى مسلم فًي صحيحه (856) عن أبي هريرة وعن حذيفة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وكان للنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا» فهدانا الله ليوم الجمعة، فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة المقضى لَهم قبل الخلائق».


تفاضل الساعات فًي يوم الجمعة


وكما أن الجمعة هي أفضل أيام الأسبوع فكذلك هناك تفاضل في ساعات هذا اليوم لًما رواه البخاري (935)، ومسلم (852) في صحيحيهما من حديث أَبًي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي» يسأل الله تعالَى شيئا إلا أعطاه إياه، وأشار بيده يقللها».

ما انتشر بين العامة عن حجة الجمعة

لا أصل له وَأَنَّها تعدل سبعين حجة

انتشر بين العامة ما نسب إلى الشرع وهو لا أصل له ونسبته إلَى النبي صلى الله عليه وسلم باطلة.

1ـ ( أفضل الأيام يوم عرفة إن وافق الجمعة فهو أفضل من سبعين حجة في غير يوم الجمعة ).

قال الحافظ في الفتح (271/88): وأما ما ذكره رزين في جامعه مرفوعا خير يوم طلعت فيه الشمس يوم عرفة وافق يوم الجمعة وهو أفضل من سبعين حجة في غيرها فهو حديث لا أعرف حاله.اهـ

وقال شيخ المحدثين الألبانًي: لا أصل له.

2ـ أَنَّها تعدل اثنين وسبعين حجة.

لا تصح نسبته إلى السنة بل هو مما أشاعه العوام وباطل لا أصل له. ونسأل الله سبحانه أن يتقبل أعمالنا أجمعين ويجعلنا من عتقائه حجاجا ومقيمين.


فائدة


قوله: ( سعيت قبل أن أطوف ) زيادة شاذة

روى البخاري (83)، ومسلم (1306) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص قال:

وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله! لَم أشعر فحلقت قبل أن أنحر فقال:« اذبح ولا حرج»، ثم جاءه رجل آخر فقال: يا رسول الله! لم أشعر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال:«ارم ولا حرج»، قال: فما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء قدم ولا أخر» إلا قال:« افعل ولا حرج».

وروى الحديث أيضا عبد الله بن عباس وجابر بن عبد الله وعلي بن أبي طالب وأسامة بن شريك وغيرهم كلهم رووه من غير زيادة (سعيت قبل أن أطوف).

ورواه جمع من الحفاظ والثقات عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك رضي الله عنه، وخالف أبو إسحاق الشيباني فرواه بهذه الزيادة من طريق جرير عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك الحديث كما رواه أبو داود في سننه (2015) قال:حدثنا عثمان بن أبي شيبة ثنا جرير عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك قال : خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم حاجا فكان الناس يأتونه فمن قال يا رسول الله! سعيت قبل أن أطوف أو قدمت شيئا أو أخرت شيئا فكان يقول:« لا حرج لا حرج إلا على رجل اقترض ( اغتاب ) عرض رجل مسلم وهو ظالم فذلك الذي حرج وهلك».

ولكن رواه أسباط بن محمد عن الشيباني على الوجه الصحيح فالعلة من تفرد جرير عن الشيباني

فرواه ابن أبي شيبة في المصنف (363/3رقم :14967، 287/7 رقم : 36145)

قال: حدثنا أسباط بن محمد عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل حلق قبل أن يذبح قال:« لا حرج».

1وقال: حدثنا أسباط بن محمد عن الشيباني عن زياد بن علاقة عن أسامة بن شريك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال حلقت قبل أن أذبح قال: «لا حرج». هذا وللبحث بقية.




د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 25/12/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:37 PM
فضل العشر الأواخر وليلة القدر المباركة




قال الله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ}[القدر: 1-4]، أنزل الله فيها القرآن، وفيها تتنزل الملائكة الكرام، ونعتها بالليلة المباركة؛ قال تعالى:{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ-[الدخان:. 3 ]، ولذا فالعشر الأواخر من شهر رمضان هي أفضل الليالي من كل عام، وهي الليالي التي كان يحييها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها، وفيها ليلة خير من ألف شهر، وقد روى مسلم في صحيحه (1175) من طريق الأسود بن يزيد يقول: قالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. و كذلك روى البخاري (2024)، ومسلم (1174) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد المئزر. وفسّر أبوبكر الصديق رضي الله عنه (شد المئزر) كما جاء في رواية لأحمد في المسند (1/132) بإسناد حسن من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر؛ أيقظ أهله، وَرَفَعَ المئزَرَ، قيل لأبي بكر: ما رَفَعَ المئزر؟ قال: اعْتَزَلَ النِّسَاءَ.





فضل ليلة القدر


-1 ولفضل ليلة القدر أخبر أن قيامها من الإيمان، وفيها تغفر الذنوب، وتَمحي حسناتُ هذه الليلة الذنوب، والدليل ما رواه البخاري (35)، ومسلم (760) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا؛ غفر له ما تقدم من ذنبه)، وقال البخاري في صحيحه: بَاب قيام ليلة القَدْر من الإِيمان.


-2 وذكر الطبري في تفسيره من فضلها: قال قتادة: إن الله اصطفى صفايا من خلقه؛ اصطفى من الملائكة رسلا، ومن الناس رسلا، واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة، واصطفى من الليالي ليلة القدر، فعظموا ما عظم الله، فإنَّما تعظم الأمور بِما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل. اهـ





وعلامة هذه الليلة؛ تخرج الشمس بيضاء لا شعاع لَها


ومن علاماتِها: (1) تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها. (2) مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع. (3) تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرِ. (4) صافيةٌ بَلْجَةٌ ساكنة ساجية. لما رواه مسلم في صحيحه (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، وقيل له: إن عبدالله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر، فقال أُبَي: والله الذي لا إله إلا هو، إِنَّها لفي رمضان، يحلف ما يستثني، ووالله؛ إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها؛ هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأَمارتُها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لها؛ أي: كأن الشمس في ذلك اليوم لا شعاع لها، لغلبة نور تلك الليلة على ضوء الشمس.





تحري ليلة القدر والتماسها


يكون تَحَرِّي ليلة القَدْرِ فِي الوِترِ من العشرِ الأواخرِ من شهر رمضان، وبِهذا تكون ليلة القدر في شهر معين من السنة هو شهر رمضان، وفي العشر الأخيرة منه، وفي الأوتار منها بلا تعيين ليلة بذاتِها وسبب الإِبْهام ما رواه البخاري في صحيحه (2023) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: (خرجت لأخبركم بليلة القدر؛ فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة). قوله: (وعسى أن يكون خيرا لكم)، و لعل ذلك أن يكون خيرا لكم: أي؛ قد يكون إخفاؤها خيرا لكم؛ لتجتهدوا فِي ليالِي العشر كلها، فإنه قد يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.





أولا: التماس ليلة القدر في العشر الأواخر:


وروى البخاري (2020)، ومسلم (1169) في صحيحهما من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان؛ ويقول: (تَحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان).


ثانيا: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر:


(1) وروى البخاري (2017) في صحيحيه من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان).


(2) وروى البخاري في صحيحه (2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى).


(3) ورواه أحمد في المسند (5/36)، وابن أبي شيبة في المصنف (3/76)، والترمذي في السنن(794) بسند صحيح من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (التمسوها في العشر الأواخر؛ لتسع يبقين أو لسبع يبقين أو لخمس أو لثلاث أو آخر ليلة).





ثالثا: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر:


روى البخاري (2015)، ومسلم (1165) في صحيحهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القدر في الْمَنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر).


رابعاً: التماسها في ليلة سبع وعشرين:


قال به بعض الصحابة، وفي هذا روى الترمذي في سننه (793) من طريق زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: أَنَّي عَلمتَ أبا المنذرِ! أَنَّها ليلة سبع وعشرين! قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلةٌ صبيحتها تطلع الشمس، ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله؛ لقد علم ابن مسعود أَنَّها في رمضان، وأَنَّها ليلة سبع وعشرين، ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. قلت: وهو كما قال.





الدعاء في ليلة القدر


يحسن الدعاء فيها بأفضل الدعاء وأحسنه، ولا يعتدي أحد بدعائه، ولا يتجاوز ولا يتخذ وسائط في دعائه، ويختار من الدعاء الثابت المأثور عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومنه ما روى أحمد في المسند (6/171) بإسناد صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟! قال: (تقولين اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني).اللهم اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، واختم بالصالحات أعمالنا، والحمد لله رب العالمين.


د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 14/09/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:39 PM
فضيلة الليلة المباركة... ليلة القدر


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعدُ:

قال الله تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَةً الْقَدْرً وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرً لَيْلَةُ الْقَدْرً خَيْر مًنْ أَلْفً شَهْر تَنَزَّلُ الْمَلاَئًكَةُ وَالرُّوحُ فًيهَا بًإًذْنً رَبًّهًمْ مًنْ كُلًّ أَمْر سَلاَم هًيَ حَتَّى مَطْلَعً الْفَجْرً)(القدر: 5ـ1).


معنى ليلة القدر


إًنَّها ليلة مشهورة ومشهودة ولفضلها وشرفها ذكرها الشعراء:


أيا ليلة بالخصب لَم تأل شهرة

كما اشتهرت في فضلها ليلة القدر

التعريف: ليلة القدر هي ليلة يوم من أيام شهر في السنة، وهذا الشهر» شهر رمضان، قال تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَة مُبَارَكَة إًنَّا كُنَّا مُنْذًرًينَ فًيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْر حَكًيم) (الدخان 4ـ3)، ومعنى القَدْر: قال ابن القيم في شفاء العليل (23/1): أن القدر مَصدر قدر الشيء يقدره قدرا فهي ليلة الحكم والتقدير، وقال: الله سبحانه أخبر أن فيها يفرق أي» يفصل الله ويبين ويبرم كل أمر حكيم اهـ

قال ابن منظور في اللسان(74/5): القَدْرُ والقَدَرُ القضاء والحُكْم وهو ما يُقَدًّره الله عز وجل من القضاء ويحكم به من الأُمور قال الله عز وجل: (إًنا أَنزلناه في ليلة القَدْرً) أَي الحُكْمً كما قال تعالى: (فيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمر حكيم) وأَنشد الأَخفش لًهُدبَة بن خشرَم:

أَلا يا لَقَومي للنوائبً والقَدْرً

وللأَمرً يأتي المرءَ من حيثُ لا يدري

وللأرض كم من صـالح قد

تَوَدَّأَتْ عليه فَـوَارَتْهُ بلَمَّـاعَة قَفْرً

فلا ذَا جَـلال هًبْنَهُ لجَـلالًه

ولا ذا ضَيـاع هُنَّ يترُكْـنَ للفقرً


ليلة القدر والأمثال


وذهبت هذه الليلة يضرب بًها الْمَثل لفضلها وشرفها وقد ضرب بًها الْمَثل من قال:

فتى ترهب الأموال من ظل كفه

كما يرهب الشيطان من ليلة القدر

سأدعو له والناس دعوة مخلص

عسى أن يريح العاشقين من الهجر

ومن أحسن ما قيل في ضرب المثل بًها قول أَبًى الفتح البستى:

قيل لي قد خفيت قلت كبدر

صار يخفى من بعد أن كان بدرا

أنا خاف كليلة القدر في الناس

وعال كليلة القدر قدرا

وقيل:

هي البدرُ حسناً والنساءُ كواكبي

وشَتَّانَ ما بين الكواكبً والبدرً

لقد فُضًّلتْ حسناً على الناس مثلَما

على ألًف شهر فُضًّلتْ ليلةُ القَدْرً


فضل ليلة القدر


ومن فضائل هذه الليلة:

ـ1 أنزل الله فيها القرآن، قال تعالَى: (إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَةً الْقَدْرً) (القدر: 1).

ـ2 ونعتها بالليلة المباركة» قال تعالَى:(إًنَّا أَنْزَلْنَاهُ فًي لَيْلَة مُبَارَكَة) (الدخان: 3).

ـ3 وجعلها خيرا من ألف شهر فقال تعالَى: (لَيْلَةُ الْقَدْرً خَيْري مًنْ أَلْفً)، أي» أن العمل في ليلة القدر بًما يرضى الله خَيْري من العمل في غيرها ألف شهر.

ـ4 وفي هذه الليلة تنزل الملائكة بأمر ربّها تقوم بًما أنيط بًها من الأعمال في هذه الليلة

ـ5 قيام ليلة القدر من الإيمان، وفيها تغفر الذنوب وتَمحي حسناتُ هذه الليلة الذنوب، والدليل ما رواه البخاري(35)، ومسلم(760) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال البخاري في صحيحه :بَاب قيام ليلة القَدْر من الإًيْمان.

ـ6 وذكر الطبري في تفسيره من فضلها: قال قتادة: إن الله اصطفى صفايا من خلقه اصطفى من الملائكة رسلا ومن الناس رسلا واصطفى من الكلام ذكره واصطفى من الأرض المساجد واصطفى من الشهور رمضان والأشهر الحرم واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله فإنما تعظم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل. اهـ

وعلامة هذه الليلة تخرج الشمس بيضاء لا شعاع لَها

ومن علاماتًها: ـ1 تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها.ـ2 مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع. ـ3 تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرً. ـ4 صافيةي بَلْجَةي ساكنة ساجية. لًما رواه مسلم في صحيحه (762) من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه، وقيل له: إن عبدالله بن مسعود يقول: من قام السنة أصاب ليلة القدر فقال أُبَي: والله الذي لا إله إلا هو، إًنَّها لفي رمضان، يحلف ما يستثني ووالله» إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بًها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها» هي ليلة صبيحة سبع وعشرين، وأَمارتُها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها بيضاء لا شعاع لَها. أي» كأن الشمس في ذلك اليوم لا شعاع لَها لغلبة نور تلك الليلة على ضوء الشمس. ولذا جاء في رواية أبي داود في سننه (1378)، وأحمد في المسند (132/5) بسند حسن» قال: تصبح الشمس صبيحة تلك الليلة» مثل الطست ليس لَها شعاع حتى ترتفع، وفي رواية الترمذي في السنن(793) صح من حديث أبي بن كعب قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلة صبيحتها تطلع الشمس ليس لَها شعاع فعددنا وحفظنا والله.وقال عبادة بن الصامت عند أحمد (324/5): تخرج مُستوية ليس لَها شعاع مثلَ القمر ليلة البدرً وذكر أن أَمارة ليلةً القَدْرً: أَنَّها صافيةي بَلْجَةي كأن فيها قمرا ساطعا ساكنة ساجية، لًما رواه أحمد في المسند من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه (324/5)، قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث (151/1): ليلة القدر بَلْجَةي أي مُشْرقة، والبُلْجةُ بالضم والفتح: ضوء الصبح، وقال ابن منظور في اللسان (215/2): والبَلْجَةُ بالفتح ويالبُلْجَةُ بالضم ضَوء الصبح وبَلَجَ الصبح يَبْلُجُ بالضم بُلُوجاً، وانبَلَجَ وتَبَلَّجَ أسفر وأضاء.


تحري ليلة القدر والتماسها


يكون تَحَرًّي ليلة القَدْرً فًي الوًترً من العشرً الأواخرً من شهر رمضان، وبهذا تكون ليلة القدر في شهر معين من السنة هو شهر رمضان، وفي العشر الأخيرة منه، وفي الأوتار منها بلا تعيين ليلة بذاتًها وسبب الإًبْهام ما رواه البخاري في صحيحه(2023) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليخبرنا بليلة القدر فتلاحى رجلان من المسلمين فقال: «خرجت لأخبركم بليلة القدر» فتلاحى فلان وفلان، فرفعت، وعسى أن يكون خيرا لكم، فالتمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة». قوله: «وعسى أن يكون خيرا لكم»، و لعل ذلك أن يكون خيرا لكم أي قد يكون إخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا فًي ليالًي العشر كلها فإنه قد يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.

أولا: التماس ليلة القدر في العشر الأواخر: (1) روى البخاري(813)، ومسلم(1167) في صحيحيهما أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: انطلقت إًلَى أبي سعيد الخدري فقلت: ألا تخرج بنا إًلَى النخل نتحدث، فخرج، فقال: قلت: حدثنًي ما سَمعت مًنَ النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم في ليلةً القَدْرً؟ قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر الأول من رمضان» واعتكفنا معه» فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، فاعتكف العشر الأوسط» فاعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تطلب أمامك، قام النبي صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال: «من كان اعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم فليرجع» فإني أريت ليلة القدر، وإني نسيتها، وإًنَّها في العشر الأواخر، وفي وتر، وإني رأيت كَأَنًّي أسجد في طين وماء». وكان سقف المسجد جريد النخل» وما نرى في السماء شيئا» فجاءت قزعة فأمطرنا، فصلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم» حتى رأيت أثر الطين والماء على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرنبته تصديق رؤياه.

(2) وروى البخاري(2020)، ومسلم(1169) في صحيحهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في العشر الأواخر من رمضان ويقول: « تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان ».

ثانيا: تحري ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر: وروى البخاري(2017)، صحيحيه من حديث عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وروى البخاري في صحيحه(2021) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى».

ثالثا: التماس ليلة القدر في السبع الأواخر: روى البخاري(2015)، ومسلم(1165) في صحيحهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أُرُوا ليلةَ القدر في الْمَنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر».

رابعاً: التماسها في ليلة سبع وعشرين: قال به بعض الصحابة، وفي هذا روى الترمذي في سننه(793) من طريق زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب: أَنَّي عَلمتَ أبا المنذرً! أَنَّها ليلة سبع وعشرين! قال: بلى أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنَّها ليلةي صبيحتها تطلع الشمس، ليس لَها شعاع، فعددنا وحفظنا، والله» لقد علم ابن مسعود أَنَّها في رمضان، وأَنَّها ليلة سبع وعشرين ولكن كره أن يخبركم فتتكلوا. قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.قلت: وهو كما قال.


الدعاء في ليلة القدر


والدعاء فيها: يحسن الدعاء فيها بأفضل الدعاء وأحسنه، ولا يعتدي أحد بدعائه، ولا يتجاوز ولا يتخذ وسائط في دعائه، ويختار من الدعاء الثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم

روى أحمد في المسند(171/6) بإسناد صحيح من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: يا رسول الله! أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟! قال: «تقولين اللهم! إنك عفو تحب العفو فاعف عني».

والحمد لله الذي بلغنا رمضان وبلغنا العشر الأواخر منه، واللهم! اجعل أعمالنا خالصة لوجهك الكريم، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين واختم بالصالحات أعمالنا.

ولله من شهر الصيام مودع

على كل محتوم السعادة يكرم

تنزل فيه الذكر من عند ربنا

فيبدأ بالذكر الجميل ويختم

ولله فيه من ليـال منـيرة

أضاء بنور الوحي منهن مظلم

وصابت سحاب الدمع يمحى بمائها

من الصحف أوزار تخط ومأثم

ولله فيه ليلة القدر قد غدت

على ألف شهر في الثواب تقدم

تبيت بًها حتى الصباح بإذنه

ملائكة السبع الطباق تسلم


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر: الاثنين 8/10/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:41 PM
فوائد من حديث «جبريل أتاكم يعلمكم دينكم»




د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبيي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين؛ أما بعد:


روى مسلم في صحيحه (8) من حديث عمر رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا»، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه قال: فأخبرني عن الإيمان؟ قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره»، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» قال: فأخبرني عن الساعة؟ قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، قال: فأخبرني عن أماراتها؟ قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة؛ رعاء الشاء، يتطاولون في البنيان»، ثم انطلق، فلبثت ملياً ثم قال: «يا عمر! أتدري من السائل؟» قلت: الله ورسوله أعلم، قال: «فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم».


حديث أم السنة


وهذا حديث عظيم القدر جمع الأعمال الظاهرة والباطنة وكذلك إليه تعود جميع شرائع الإسلام لما جمع من معاني علم السنة فهو كالأم للسنة كما سميت الفاتحة: أم القرآن لما حوته من جمع معاني القرآن.


-1 لم يتفق الشيخان على إخراجه من طريق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وانفرد مسلم بروايته في صحيح عن عمر .


-2 رواه البخاري (50، 4777)، ومسلم (9، 10) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فاتفقا على روايته من طريق أبي هريرة .


? قوله:«بينما» ويجوز بينا بلا ميم، والأصل بين الظرفية: وفي بينا زيدت عليها الألف لتكفها عن عملها الخفض، أو يزاد عليها «ما» ويعرب ما بعده مرفوع على الابتداء، وقيل أصل بينا بينما فحذفت الميم. و«بينما»: ، والأصل أن بين مضافة إلى أوقات، وأوقات مضافة بدورها إلى الجملة بعدها فحذفت هذه الأوقات وعوض عنها بـ«ما» فأصبح معنى: «بينما كذا»:أي؛ بين أوقات كذا.وتقدير قوله: «بينما نحن جلوس»: أي؛ بين أوقات جلوسنا.


? قوله: «نحن» اسم؛ والأسماء تنقسم في ذلك على ثلاثة أقسام اسمٍ ظاهرٍ ومضمرٍ ومبهمٍ .


و«نحن» من الأسماء المضمرة تستعمل للجمع والمثنى وللواحد المعظم نفسه، قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]، والأسماء المضمرة كلها معارف؛ بل هي أعرف المعارف، والذي يدل على أن الضمائر أعرف المعارف أنها لا تفتقر إلى أن توصف، ولأنها توصل إلى معنى مراد بلا اشتراك في الدلالة عليه، ومثاله: «أنا»: فإنها اسم مضمر للمتكلم ويعني واحداً وذاتاً محددةً لا يشترك فيها اثنان .


? «بينما نحن جلوس» «جلوس»: قال ابن منظور في اللسان: الجلوس: القعود. جلس يجلس جلوسا ، فهو جالس من قوم جلوس وجلاس، وأجلسه غيره. والجلسة: الهيئة التي تجلس عليها، بالكسر على ما يطرد عليه هذا النحو، وفي الصحاح: الجلسة الحال التي يكون عليه الجالس، وهو حسن الجلسة اهـ


ومن الجلوس ما هو محرم ومنه المباح والمستحب والواجب


1- الجلوس المحرم: مجالس الغيبة والنميمة والمعاصي، ومجالس البدع والكفر ، قال تعالى:{وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام:68]، وقال تعالى: {قَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا}[النساء:140]، قال ابن جرير الطبري في التفسير (4/328): وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع من المبتدعة والفسقة عند خوضهم في باطلهم. وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون تأولاً منهم هذه الآية؛ أنه مراد بِها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه . وروى الإمام أحمد في المسند (3/339)، والترمذي (2801) في السنن من حديث جابر رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر». وهو حسن بالشواهد والمتابعات.


3- الجلوس المباح يستفاد من الحديث أن الأصل في الجلوس والاجتماع والمخالطة الإباحة.


4- الجلوس المستحب: استحباب الاجتماع والجلوس للفائدة، والازدياد في العلم ومعرفة فروض الكفاية .


5- الجلوس والواجب: ويكون الجلوس والاستماع واجب على المكلف إذا كان العلم من فروض الأعيان واجبات الدين؛ كتعلم الشهادتين والصلاة والصوم.


5- يستفاد من مجالسة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم الاجتماع للعلم ومذاكرته .


آداب الجلوس:


1- على الجلساء أن يختاروا مكاناً بعيدا عن طريق الناس وأماكن حاجتهم لما روى مسلم في صحيحه (269) من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا اللعانين»، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم».


2- رواه البخاري(2465)، ومسلم (2121) في صحيحيهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا: ما لنا بد إنما هي مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلا المجالس فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر».


3- ومن الآداب ما رواه البخاري(911)، ومسلم (2177) في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه».


4- روى أحمد في المسند (2/213)، وأبو داود(4845)، والترمذي(2752) في السنن من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين إلا بإذنهما» . وفي رواية لأبي داود(4844): «لا يجلس بين رجلين إلا بإذنهما».


5- روى أحمد في المسند (2/494)، والترمذي (3433) في السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جلس في مجلس؛ فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم! وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك».


والحديث صحيح وله شواهد منها حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود في السنن(4857)


ونتابع في أعداد قادمة الفوائد والتعليقات





تاريخ النشر 06/07/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 04:42 PM
قَسَـماً ... لَنْ يَرْكَعَ الإًسْـلامُ




خلق الله آدم وتكونت الشعوب والْمجتمعات، وتوالت على هذه الْجموع البشرية حضارات مُختلفة، تنافست فًي عَرضً ما لديها لًهذا الإنسان، عَبر رحلته الطويلة من لَدُن آدم عليه السلام حَتَّى يومنا هَذا، قال الله تعالَى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير)[الحجرات: 13]، فظهرت الْحضارة الإغريقية والفارسية والرومانية، وغيرها حضاراتي كثيرة قبلها وبعدها إلَى يومنا هذا، تنُافًسُ بًما لديها» إغراءا وإغواءا لَهذا الإنسان، ولكن سريعا ما يتكشف زيفها وتنتهي، حيث لا تَملأُ فراغا، ولا يَجد فيها الناس أفراداً وجماعات إًشباعا» لًما تَحتاجه الأجساد والأرواح، فالوهم كله فًيما ادَّعَوهُ، وَدَعَوا إًلًيهً» مًن سَعادَة يمَزْعومَة مَا هًيَ إًلا كَسَراب بقيعة .

الإًسْـلامُ أُحْرَجَ الْحَضَـارَات


وَمَعَ بُزُوغً شَمْسً الإسلامً قَدَّمَ للبشريةً لونا مختلفا في الاعتقاد والأخلاق، ونوعا جديدا يَرْقَى بًالتَّعامُلً الإنسانًيًّ رُقًيًّا» جعل غيره عاجزا عن تَقديْمً نَمط يفوق أو يقترب من النموذج الأمثل الذي قدمه محمد صلَّى الله عليه وسلم، بل جُعًلَتْ المسافةُ طويلة، والبون شاسعا، بينه وبين أقرب نَموذج يُمثل الحضارة الإنسانية، وَأَبقًيَ بعيدا، وسيبقَى بعيدا، إلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لقوله تعالَى: (ولقد كرمنا بني آدم) [الإسراء:70]، وهكذا حاصر الإسلام كل الحضارات في أوكارها، بل شَلَّهَا وَأَذَلَّها حَتَّى تَجمدَتْ من الصَّغَارً فًي أماكنها، وانطلق الإسلام يستقبل الْجُموعَ البَشَرًيَّةً، واستبشر الناس خيْراً ورحبوا بًه، وقال تعالَى مبينا ذلك: (ورأيت الناس يدخلون فًي دين الله أفواجا) [النصر: 2]، واستبدلوا خيوط العنكبوت بعظيم البيوت . وفًي ظل هذا الانطلاق شرقا وغربا» ظهر الْحقد والعداء والحسد علَى العرب والمسلمين، وأخذت صُدورُهُمْ تغلًي كَالقُدورً علَى نًيْرَانًها، وذهبوا للكيد والمكر بًهذه الأمة، وَمُحاولة غزوهم، والقضاء علَى سر تفوقهم، مُحاولين أن يركع الإسلام أو ينحنًي أمام الخرافات، والْمُعتقدات والديانات المنحرفة.


لن يركع الإسلام لأعدائه


أَيُّها المسلمون! لن يركع الإسلام لأعدائه، رَغم تعرضه للهجمات التتارية الشرسة، والصليبية الحاسدة، والصفوية الباطنية الحاقدة، عبر تاريخه المضيء، حسدا وحقدا من عند أنفسهم، قال تعالى: (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء)[النساء: 89]، وقال تعالَى: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تَبَيَّنَ لَهُم الْحَقُّ) [البقرة: 109]، وسينتشر هذا الدينُ الْحَقُّ، والإسلامُ الصحيحً فًي الآفاقً رغم كيد الأعداء والْمُخَالفيْن المنحرفين، قال تعالَى:(والله متم نوره ولو كره الكافرون، هو الذي أرسل رسوله بالْهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون)[الصف:7-9].


العز للإسلام الصحيح وأهله

والذل والصغار علَى مَن خالفه


لن ينحنًي الإسلام لأعدائه


من لحق بالإسلام واعتنقه كان له العز والسؤدد، ومن أعرض عنه أو سعَى فًي إيذاء أهله كان نصيبه الذل والصغار والدمار، وتصديق ذلك فيما جاء عن نبينا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم، فقد روى أحمد في مسنده (4/103) ما صح من حديث تَميم الداري قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر» إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام، وذلا يذل الله به الكفر». وكان تَميمي الدَّارًيًّ يقول: قد عرفت ذلك في أهل بَيتًي، لقد أصاب من أسلم منهم الخير والشرف والعز، ولقد أصاب من كان منهم كافرا الذل والصغار والجزية. وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/477) وصححه ووافقه الذهبًي.


لن يركع الإسلام لأعدائه


أيها الْمُسلمون! لن يركع الإسلام لأعدائه، الذين حاربوه مًن الْخارج، وزرعوا المنحرفين فًي جَسَدً الأُمَّةً، يُحاربون الإسلام من داخله، ويقاتلون الأنام باسم الإسلام، ومازال هؤلاء وأمثالَهم يَحملون أحقادهم، وَيَبُثُّونَ سُمومَهُم السَّبَئًيَّةَ وَالْحَرورًيَّةَ.


لن يَخضع الإسلام لأعدائه


أيها المسلمون! إًنَّكم تَرون مَا يَحدثُ لًلمُسلًمًيْن، يتلقَّى الْمسلمون ضَرَبَات موجعة، الواحدة تلو الأخرى، تُسفكُ الدماءُ وَتُستباحُ الأَعراضُ فًي أنحاء وجهات متفرقة من هذا العالم، بًهدفً القَضَاءً علَى الإسلام، ولكن أنَّى لَهم ذلك، والله تعالَى يقول: (ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون)[التوبة: 32]، وروى أحمد في مسنده (6/4)، وابن حبان في صحيحه (15/91،93) ما صح من حديث المقداد ابن الأسود يقول: سَمًعْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر» إلا أدخله الله كلمة الإسلام، بًعًزًّ عَزًيز أَو ذل ذليل، أما يعزهم الله عز وجل» فيجعلهم من أهلها أو يذلهم فيدينون لَها». وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/476)وصححه، ووافقه الذهبًي.


هزيمة المسلمين لا تعني سقوط الإسلام


أَيُّهَا الْمسلمون! لقد هُزًمَ الْمسلمونَ فًي غزوةً أُحُد، تَحت لواءً مُحمدي صلَّى الله عليه وسلم، حاملَ رسالةً الإسلامً، سَيًّدً الأَوَّلًيْنَ والآخرين، وحاصروه الأحزاب فًي المدينة، ولكن لم يهزم الإسلام، ولم يركع لأحد، وكانت لَهم الانتصارات بعد ذلك، حتَّى بلغ الإسلام ما بلغ . فلا نعتقد أن هزيمة المسلمين هنا أو هناك» ستشهد نًهاية الإسلام الصحيح، بل قد تكون بداية النور وطمس الظلمات، وكل ضربة للموحدين» تزيده قوة علَى قوة، فينطلق من جديد ليعلن أن الإسلام لم ينكسر وأنه راية لا تركع للعبيد، من توقع سقوط الإسلام لم يقرأ التاريخ، بل هو جاهل بتاريخ الحضارات والأمم . اللهم انصر الإسلام والمسلمين وأعلي كلمة الموحدين.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 15/1/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:04 PM
قسمة الخبر إلى مشهور وغير مشهور



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


إن علم الحديث من أجلّ العلوم وأكثرها نفعاً وبركة، وكفى المشتغل بِهذا الفن فخراً كثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قراءة أو حال الكتابة، ولقد حث ربنا تبارك وتعالى على الصلاة على نبيه بقوله: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا" [الأحزاب: 56]، وروى الترمذي في سننه (484)، وابن حبان في صحيحه (3/192) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أَولَى الناس بِي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة»، وقال ابن حبان في صحيحه (3/192): قال أبو حاتِم رضي الله عنه: في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة؛ يكون أصحاب الحديث، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وسلم منهم. قلت: وفي هذا الحديث منقبة لأهل الحديث وأنهم الطائفة المنصورة.





المصدر الثاني من مصادر التشريع


إن السنة الثابتة من الأحاديث والآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم هي المصدر الثاني من مصادر التشريع، قال تعال:"وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا" [الحشر: 7]، وقال: "قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ"[آل عمران:31]، وأحاديث رسول الله صلَى الله عليه وسلم من الذكر الواجب المحافظة عليه والاهتمام به، لِما رواه أَحمد فِي مسنده (4/130)، وأبو داود في سننه (4604) بسند صحيح من حديث المقدام بن مَعْدِي كَرِب الكِنديِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أُوتيت الكتاب ومثله معه، ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، لا يوشك رجل ينثني شبعانا على أريكته؛ يقول: عليكم بالقرآن، فما وجدتم فيه من حلال فأحِلُّوه، وما وجدتم فيه من حرام فَحَرِّموه».





يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه


تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين





فكان لابد أن ينبري لَهذا العلم طائفة تقوم على حراسته وحفظه وضبطه، ولذا قيل: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، فإن في حمله وحفظه؛ حفظ للدين، قال تعالى: "إِنَّا نَحنُ نَزَّلنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظون" [الحجر : 9]. والأحاديث هي المصدر والأدلة التي تُبنى عليها العقائد والأحكام.





ينقسم الخبر إلى مشهور وغير مشهور


دفاعاً عن الأمة، وحماية للملة، وصيانة للديانة، وأداءً للأمانة؛ كان لا بد من مراجعة لتلك القسمة الموروثة؛ أعني قسمة الحديث والخبر إلى آحاد ومتواتر، ومعناه: أن الخبر ينقسم بحسب عدد طرقه المروية إلى خبر آحاد، وخبر متواتر، وهذه القسمة ليس عليها دليل من كتاب أو سنة أو إجماعٍ أو قول صاحب، ولَم تكن في القرن الأول؛ - فالواجب أن يسعنا ما وسع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عدم الخوض فيها -، بل طريقها فرد، ودليلها آحاد، وخرجت بعد أن قالَها أحد الناس، وانطلقت من عقل صاحبها، ثم نُقِلت عنه، وتوارثها جماهير العلماء، كلٌ يقلّد من سبقه، وتبعهم طلاب العلم وعوام المسلمين، دون نقد ونظر، حتى رأينا عجباً من جمود أكثر الناس عليها، علماً أن ما ترتب عليها من أخطار؛ معلوم لدى الجميع، فقد جرّ الويلات وبثت الفُرقة والخلاف في أوساط الأمة.





قسمة الخبر إلى آحاد ومتواتر قسمة نظرية


أولا: الصناعة الحديثية تهدف إلى جمع الروايات، والبحث في حال الرواة بالنظر والاستدلال من أجل معرفة صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز ما تصح نسبته الى النبي صلى الله عليه وسلم من الذي لا تجوز بل تحرم نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالذي صحت وثبتت نسبته يكون وحياً ويفيد العلم ويوجب العمل به.





الخبر المتواتر لا يخضع للبحث والنظر


إذا كان الحديث أو الخبر المتواتر يفيد القطع بصحته فهو خارج ميدان النظر والدراسة، ولذا لا يعتني به أئمة هذا الشأن وأرباب صناعة الحديث، ولا يدور على ألسنتهم أو في مذاكراتهم وكتبهم.





المتواتر لا علاقة له بمباحث علوم الحديث


قال ابن الصلاح في المقدمة (392): ومن المشهور؛ المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله، وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، فإن كان «الحافظ الخطيب» قد ذكره ففي كلامه ما تشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم؛ فإنه عبارة عن الخبر الذي ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة اهـ. وقال الحافظ ابن حجر (النكت على نزهة النظر) (ص/60): وإنما أَبْهَمْتُ شروط التوتر في الأصل؛ لأنه على هذه الكيفية ليس من مباحث علم الإسناد، إذ علم الإسناد يبحث فيه عن صحة الحديث أو ضعفه؛ ليعمل به أو يترك من حيث صفات الرجال، وصيغ الأداء، والمتواتر لا يبحث عن رجاله، بل يجب العمل به من غير بحث. وقال السخاوي في فتح المغيث (3/36): وليس من مباحث هذا الفن، فإنه لا يبحث عن رجاله لكونه لا دخل لصفات المخبرين فيه، ولذلك لم يذكره من المحدثين إلا القليل؛ كالحاكم والخطيب في أوائل الكفاية، وابن عبد البر وابن حزم.


ثانياً: كم عدد الأخبار المتواترة ؟! فإذا كان حد التواتر غير متفق عليه فكيف لهم أن يجتمعوا؟! فمنهم من جعله: (1) لا يقل عن ثلاثمائة وبضعة عشر؛ عدد أهل بدر. (2) وقال بعضهم لا يقبل إلا من خمسين، عدد القسامة. (3) وقيل: لا يقبل إلا من أربعين لأنه العدد الذي لما بلغه المسلمون أظهروا الدين، وهناك أقوال كثيرة بسطها ابن حزم في كتاب الإحكام في أصول الأحكام (1/117). وقد قال كثير من أهل العلم يصعب ويندر التمثيل بخبر متواتر.


ثالثا: على التسليم بوجودها فإنها لا تتجاوز عدد أصبع اليد الواحدة.


رابعا: هل من العقل أن تقسم آلاف الأحاديث إلى قسمين:


-1 أخبار الآحاد وعددها عشرات الآلاف، أي كل الأحاديث، بل مصدر التشريع الثاني، السنة، وتوضع في كفة.


-2 وحديث أو حديثان أو خمسة أحاديث وإن بالغت؛ فليكن العدد عشرة أحاديث في الكفة المقابلة.


حديث الآحاد لا يؤخذ به في العقائد


قال المخالفون لأهل السنة: لا يؤخذ بحديث الآحاد في العقيدة والتوحيد؛ وإنَّما العمل ينحصر بالحديث المتواتر، وقد بينا أنه لا وجود للخبر المتواتر أو يندر وجوده، وما هو إلا تصور موجود في الذهن لا في خارجه. فأصبحت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم معطلة، فا ستطاعوا القيام بعملية إلغاء كاملة للسنة المنقولة، وبقي الميدان للعقل وحده بعد إبطال العقل بهذه القسمة، فكانت المكانة للعقل حيث التحكم في دين العباد والإفساد في كل واد.





إحياء المدرسة العقلية بتعطيل السنة النقلية


وبما أن الاحتجاج عند أولئك القوم في العقائد والتوحيد والأمور الغيبية وكثير من العبادات؛ هو بالخبر المتواتر، لا بخبر الآحاد، ومن المعلوم؛ بل نعلن التحدي أن يجمعوا لنا أخباراً متواترة صحيحة، وذلك إن استطاعوا؛ ولن يستطيعوا أن يجتمعوا، ويتفقوا على حد معين للتواتر، فلن يتفقوا على كلمة وحدٍ للمتواتر، كما أنهم لن يأتوا بحديث واحد يجمع شروط التواتر المختلف عليها. قال ابن الصلاح في المقدمة (393): فإنه عبارة عن الخبر الذى ينقله من يحصل العلم بصدقه ضرورة، ولا بد في إسناده من استمرار هذا الشرط في رواته من أوله إلى منتهاه، ومن سُئِلَ عن إبراز مثال لذلك فيما يروى من الحديث أعياه تطلبه.اهـ وقال المرتضى الزبيدي (ص18): «وفسرت العزة بالقوة؛ أي: لا يكاد يوجد، أو بمعنى العدم؛ إلا أن يدعى أنه ممكن الوجود في بعض الأحاديث»، ثم نقل عن ابن أبي الدم قوله تعليلا: «لأن من شر التواتر أن ينقله جمع لا يتصور تواطئهم على الكذب، ويحصل العلم الضروري أو النظري بصدقهم قطعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ [سماعاً] من فيه، ثم يسمع من هؤلاء الجمع جمع ثانٍ لا يتصور تواطئهم على الكذب، ويحصل العلم بصدقهم، ثم يسمع جمع ثالث عن الجمع الثاني، وهلم جرا.. إلى آخر الإسناد؛ فلا بد من حصول هذا الشرط وتحققه من الطرفين والوسط، ومثل هذا لا يقع في الأحاديث النبوية».انتهى بواسطة النكت على نزهة النظر (ص/61) لأخينا الفاضل الشيخ علي الحلبي.





كتب السنة كلها خبر آحاد


وهذا تعطيل للنقل وإعمال للعقل


وحيث لا أخبار متواترة، وكل ما تحويه الكتب المصنفة في الأحاديث هي عندهم من القسم المعطل؛ خبر الآحاد، فالنتيجة تعطيل النقل وإعمال العقل، فلا حجة في الوحي، ولسان الحال والمقال يقول: لا حاجة للوحي. اللهم انصر السنة وأعز الملة واجمع شمل هذه الأمة على السنة، والحمد لله رب العالمين





الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 10/11/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:06 PM
كيف تَحقق الأمن في مجتمع المدينة؟!



أيها الناس! من أراد أن يعش آمنا في وطنه، وسعيداً بين أهله، يأتيه رزقه من كل مكان بإذن ربه؛ فليحرص أن يكون على ثغر من الثغور، مُجاهداً ومُدافعاً عن بَلَدِه، ضد كل رأيٍ وفعل خارج عن الشرع القويم، والعرف السليم، فكم من الأفعال والآراء المنحرفة أورثت خلافاً، وأثارت فتنة، ولذا قال ابن منظور في اللسان: قال ابنُ الأعرابيِّ في معنى الفتنةِ: والفتنةُ: اختِلافُ النَّاسِ في الآراءِ.اهـ وإن الخلافَ والفرقةَ بابُ شرٍ إذا فُتِحَ صَعب إِغلاقِهِ، حتى إننا لنجد أن كثيراً من الأدلة الشرعية تدعو إلى الاجتماع، ومُجانبة كل أنواع الخلاف والفرقة، قال الله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، وقال تعالى: {وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال 46]، وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ المُشْرِكِينَ مِنَ الذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [الروم31 - 32]، وقال تعالى: {وَلاَ تَكُونُوا كَالذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ} [آل عمران: 105].

علاج الفرقة والخلاف

وإن علاج الفتن بالاعتصام بالكتاب والسنة، والرد عند التنازع إلى الطريق المَعصوم؛ الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال تعالى:}وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا{[النساء: 82]، وقال تعالى: }فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ{[النساء: 59]، وقال تعالى:]فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا{[النساء: 65]، وقال تعالى: }وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ{[الشورى: 10].

التحذير في السنة من الفرقةِ والخلاف

-1 روى البخاري (6027)، ومسلم (2585) فِي »صحيحيهما« من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »المُؤمنُ لِلمؤمنِ كالبنيانِ يشدُّ بعضه بعضا«. ثُمَّ شَبَّك بين أصابعه.

-2 وروى مسلم في »صحيحه« (432) عن أَبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: »استووا ولا تَختلفوا؛ فتختلف قلوبكم«.

-3 وروى البخاري (717)، ومسلم (436) في »صحيحيهما« من حديث النعمان بن بشير رضي الله عهما قال: سَمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »لتسون صفوفكم؛ أو ليخالفن الله بين وجوهكم«. وهو مفسرٌ فِي رواية أحمد فِي «المسند» (4/276) وأبو داود في »سننه« (622) قال: »والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم«.

4- وروى البخاري (722)، ومسلم (414) فِي »صحيحيهما« من حديث أَبي هريرة رضي الله عنه عنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: »إنما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمَّ به فلا تختلفوا عليه«.

5- وروى البخاري (3476) في »صحيحة« من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سَمِعْتُ رجلا قَرأَ آيَةً، وسمعتُ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقرأُ خلافها، فجئت به النَّبي صلى الله عليه وسلم، فَأَخْبَرته، فعرفت في وجهِهِ الكراهية، وقال: »كلاكما مُحسن ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا«.

6- وروى مسلم في »صحيحه« (2666) من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: هَجَّرْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، قال: فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يُعرفُ فِي وجههِ الغضبُ، فقال: »إِنَّما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب«. وَذُكَرَ الهَلاكُ لِما يفضي إليه هذا الخلاف من الكفر والابتداع في الدين.



الأحزابُ باب شَرٍّ وفتنة؛ فلا يفتحُ البابُ

وحذار من مناصرة الأحزاب، ودعوة تفكيك الأمة وتفريقها، فما الحزبيَّةُ إلا انْحرافٌ عن السبيل، وشقٌ للطاعةِ، وخُروجٌ على جَماعة المسلمين، فلا ينبغي لأحد أن يسعى إلى تأسيس أحزاباً مادة نُمُّوها قائم على شق عصى الجماعة، وتفريق المسلمين، وتمزيق الولاء، وإحياء للفتنة.

إلى الله أشكو نِيَّةً شقَّتِ العصا... هي اليومَ شَتَّى، وهيَ أمسِ جَمِيعُ

فيا عبد الله! لا تكن وقوداً للفتن، وعليك النجاة بدينك وصون عرضك؛ من الانْحراف والفساد؛ الذي عليه الأحزاب، وإياك! إياك! ونار الأحزاب؛ فِإنَّها إذا أوقدت، دخل لَهيبها كل بابِ، وأحرقت الحجاب، ولا تنتهي إلا بأكل الأخضر و اليابس.



حماية المُجتمع من الغدر والخيانة ومفاجأة اللئام

الخيانة والغدر من الصفات المَذمومة، ولا قيام لأمةٍ، ولن تقوم حضارة، أو يوجد أمن علَى أكتاف الخونة وأهل الغدر، وقد نَبَّه المُشَرِّع على عظيم خطرها، قال تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء:107]، فالخيانة وصف مُحرم قبيح، فلا يوصف به المؤمنون، قال تعالى:{يَا أَيُّهَا الذِينَ آَمَنُوا لاَ تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[الأنفال:27]، وقال: {وَأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْئُولا}[الإسراء:34]، وروى البخاري (2651)، ومسلم (2535) فِي »صحيحيهما« من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »خيركم قرني، ثُم الذين يلونهم، ثُم الذين يلونهم«، قال عمران: لا أدري أذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد قرنه قرنين أو ثلاثة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: »إن بعدكم قوما يخونون، ولا يؤتَمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السمن«.



وقيل فِي الخيانة:

أخلقْ بِمن رضي الخيانةَ شيمةً... أن لا يُرى الا صريعَ حوادثِ

وقيل:

شرُ المصـائبِ ماجنَتْهُ يـدٌ

لم يَثْنِهـا عن ظلمِهـا رحمُ

والعـارُ حيٌ لا يَموتُ إِذا

قـدُمَ الزمانُ وبادتِ الأمم

إِن الخيانـةَ ليـس يغسِلُها

من خـاطئٍ دمعٌ ولا ندمُ



الغدر والخيانة في مجتمع المدينة

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الفتن في هذه الأمة، وذكر آثارها، كما وجه إلى الحذر منها وكيف الوقاية منها؛ فروى البخاري (3597)، ومسلم (2885) في صحيحهما من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: أشرف النَّبِي صلى الله عليه وسلم على أُطُمٍ من آطامِ المدينة فقال: »هل ترون ما أرى«: قالوا: لا، قال: »فَإِنِي لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر«. وفي قوله: »تقع خلال بيوتكم كوقع القطر«، قال الحافظ في الفتح: وحسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها ولو في بعض جهاتِها.



موقف النبي صلى الله عليه من مُخالفيه

قال الحافظ في الفتح: وكان الكفار بعد الهجرة مع النَّبِي صلى الله عليه وسلم على ثلاثة أقسام:

-1 قسم وادعهم على أن لا يُحاربوه ولا يُمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة: قريظة والنضير وقينقاع.

-2 وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.

-3 وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب فمنهم من كان يُحب ظهوره في الباطن كخزاعة، وبالعكس كبَنِي بكر، ومنهم من كان معه ظاهراً ومع عدوه باطناً وهم المنافقون.

المُحافظةُ على الأمنِ فِي المَدينة؛ وقوله: »من يأتينا بخبر القوم«.



أمن المجتمع وأهميته:

أولا: الموقف من غدر بَنِي النَّضِيرِ:

قام النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء بني النضير فقد روى أبو داود في سننه(3004) وعبد الرزاق فِي »المصنف« (5/358) بسند صحيح قال: أَجْمَعَت بَنُو النَّضِيرِ بالغدرِ، فأرسلوا إلى النَّبِي صلى الله عليه وسلم؛ اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، فَقَصَّ خَبَرَهُم؛أي: عَلِم بِما أضمروا من الغدر به- فلما كان الغد، غدا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتائب فحصرهم، فقال لهم: »إنكم والله لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه«، فأبوا أن يعطوه عهداً فقاتلهم يومهم ذلك، ثُم غدا الغد على بَنِي قريظة بالكتائب، وترك بني النَّضِيرِ، ودعاهم الى أن يُعاهِدوه؛ فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا على بَنِي النَّضِيرِ بالكتائب، فقاتلهم حَتّى نزلوا على الجلاء؛ فجلت بَنُو النَّضِيرِ، واحتملوا ما أقلت الإبل من أمتعتهم وأبواب بيوتِهم وخشبها.

ثانيا: الموقف من غَدْرِ بَنِي قُرَيظَةِ:

-1 أثناء مواجهة العدو الخارجي فِي غزوة الأحزاب؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يتابع أمن المدينة الداخلي، يرصد من يسعى لزعزة المُجتمع، وكان يرسل أصحابه ويقول: (من يأتني بِخبَرِ القوم؟)، وندب الزبير بن العوام لمتابعة بني قُريظة، فروى البخاري (4113)، ومسلم (2415) في »صحيحيهما« من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب: (من يأتينا بِخبر القوم؟»، فقال الزبير: أنا، ثَم قال: »من يأتينا بخبر القوم؟«، فقال الزبير: أنا، ثُم قال: »من يأتينا بخبر القوم؟«، فقال الزبير: أنا، ثُم قال: (إن لكل نبي حوارياً، وأنا حواري الزبير). وفي رواية أحمد في »المسند« (3/314)، وابن حبان في »صحيحه« (15/443) بسند صحيح قال: اشتد الأمر يوم الخندق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ألا رجل يأتينا بِخبر بني قريظة؟«، فقال الزبير: أنا، فانطلق الزبير على فرسه فجاء بِخَبَرهم، ثُم اشتد الأمر فذكر ثلاث مرات، الحدبث...

-2 وبعد الانتهاء من الأحزاب انصرف النبي صلى الله علي وسلم لِمُحاسبة من سعى لزعزعة النظام، وضياع مصالح الأنام، روى البخاري (4117) في »صحيحه« من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق؛ ووضع السلاح واغتسل؛ أتاه جبريل عليه السلام فقال: قد وضعت السلاح؟ والله ما وضعناه فاخرج اليهم، قال: »فإلى أين؟«، قال: هاهنا؛ وأشار إلى بَنِي قريظة فخرج النبي صلى الله عليه وسلم اليهم.

-3 الحسم مع كل غادر بأن يأخذوا جزاء فعلتهم؛ ويُحالوا الى القضاء العادل، فطلب بنو قريظة النزول على حكم سيد من سادات المدينة، أقرب الناس لَهم، لعل المودة واتْحاد التبعية ورابط الجنسية، والمواطنة فِي المدينة تشفع لَهم عند سعد بن معاذ رضي الله عنه، روى البخاري(3043)، ومسلم (1768) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لَما نزلت بنو قريظة على حكم سعد هو: ابن معاذ؛ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان قريبا منه فجاء على حمار، فلما دنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »قوموا إلى سيدكم«، فجاء، فجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: »إن هؤلاء نزلوا على حكمتك«، قال: فَإِنِي أحكم أن تقتل المُقاتلة وأن تُسبَى الذرية، قال: »لقد حكمت فيهم بحكم الملك«.



حكم سعد بن معاذ رسالة إلى ولاة الأمر

-1 إن حكم سعد معاذ كما بيناه فيهم بقتل المقاتلة وسبي الذرية؛ هو رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ولاة الأمر فِي كل زمان ومكان، وهو الحكم العدل ويكفيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لقد حكمت فيهم بحكم الملك«.

-2 لجوء اليهود إلى أقرب الناس، ومخاطبة المواطنة (الوطنية) لَم تؤثر فِي ذلك الصحابِي الذي عرف الإيمان واعتقده، وخبر مقاصد التشريع، ومصالح الأمم لذلك لَم تَجد منه تعاطفاً فِي موقفٍ لا يَحتمل العواطف، فلم يتردد في إصدار حكم يتماسك به المجتمع، وتكون مصلحة الأمة فوق كل مصلحة، وهيبة النظام فوق كل هيبة، ولا التفات الى مودة، أو مواطنة عندما تُصادِمُ مصالح البلاد والعباد، فالمصلحة العامة مقدمة على العاطفة والمودة.

وانتهى الأمر بعد الغدر المُتكرر من بعض القبائل والموطنين في مُجتمع المدينة الى:

(1) الإجلاء والنفي عن مجتمع المدينة، وكلٌ يلحق بِكل شعار عادى من أجله وسعى لتهديد المصالح في سبيله.

(2) المعاهدة على العيش بأمان: لقوله: (لَحقوا بِالنَّبِي صلى الله عليه وسلم، فآمنهم وأسلموا).

(3) القصاص: كما كان لبني قريظة. والدليل ما رواه البخاري (4028)، ومسلم (1766) في »صحيحيهما« من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: حاربت النَّضِيْرُ وَقُرَيْظَةُ؛ فأجلى بَنِي النَّضِير، وأقرَّ قُرَيْظة ومن عليهم حتى حاربت قريظة فقتل رجالهم، وقسم نساءهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين، إلا بعضهم لَحقوا بِالنَّبِي صلى الله عليه وسلم، فآمنهم وأسلموا، وأجلى يهود المدينة كلهم بَنِي قَيْنُقَاعَ وهم رهط عبد الله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهود المدينة.

اتحاد التبعية ورابط الجنسية

وادعاء الوطنية ليس مسوغاً ولا طريقاً إلى الهدم

إن الجنسية، والوطنية، والتبعية؛ ما هي إلا رمز يراد به المحافظة على مصالح الأمة، وهيبة النظام، وبناء مجتمعات صالحة، وحفظٌ للمصالح بِجميع أنواعها، مع عدم الانتماء إلى أي جهة تُمثل خطراً علَى المكان والموطن والمجتمع الذي تعيش بين ظهرانيه، فالواجب على كلٍ في موقعه دفع الأذى عن البلاد، ودرء الفساد صغيره كبيره عن جارك وأهلك، فلا توقعهم في فتن يُخلط فيها النور بالظلام.

اللهم! اعصمنا من الفتن ما طهر منها وما بطن.

لله دَرُّ النائباتِ فَإِنَّها

صدأ اللئام وصيقلُ الأحرار

د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي



تاريخ النشر 28/12/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:08 PM
لا تركضوا خلف الوسطية وابحثوا عن علاقتها بالإسلام





كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

نعود ونقول ما تعريف الوسطية؟ حتى نقف على كنهها ومعناها وقربها وبعدها من الكتاب والسنة واللسان العربي، والحق أنه لا ضابط لها، لقد كان السلف من القرون الثلاثة وما سار على نهجهم يجتنبون الكلام المجمل وينهون عنه، فليس له حد ظاهر أو ضابط معروف، فكلي يصدر عنه بما فهًم أو يأخذ منه ما وافق هواه، والذي جرى عليه أهل العلم في التصنيف والتأليف والتعليم والتفهيم أن التعريف ينبغي أن يُجتنب فيه الألفاظ التي ربما أوقعت في اللبس.

والوسط مفهوم عام كما بيناه في المقال السابق، واعتدال في السلوك الإنساني مطلوب في الغالب من كل البشر، المسلم وغير المسلم على حد سواء، حتى ينعم الناس بحياة هادئة في المجتمع الإنساني، هذا في السلوك وأمور الدنيا، وإما إن تعلق الأمر بالدين والمعتقدات والعبادات، فلا بد من رد الأمور إلى الكتاب والسنة، كما في قوله تعالى {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله{ [الشورى- 10]، وقال {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا{ [النساء- 59].

فنجد أن المراد من العبادة الاستقامة على أمر الله، والتمسك بلفظه ومعناه، ولا نبحث في ديننا عن وسط، وتوسط، ووسطية، بل كل ما جاء من عند الله ما نقول فيه إلا سمعنا وأطعنا.

وأعلم يا عبد الله، أن بعضا من الأمة وقع في مخالفة الاستقامة، وهم على مراتب قربا وبعدا عن الصراط المستقيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم [1/6]: فأخبر أنه سيكون في أمته مضاهاة لليهود والنصارى، وهم أهل الكتاب، ومضاهاة لفارس والروم، وهم الأعاجم.

وقد كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء، وليس هذا إخبارا عن جميع الأمة بل قد تواتر عنه أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة»، وأخبر صلى الله عليه وسلم: «أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة»، و«أن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته» [فعلم بخبره الصدق أن لا بد أن يكون في أمته قوم متمسكين بهديه الذي هو دين الإسلام محضا]، وقوم منحرفين إلى شعبة من شعب دين اليهود أو إلى شعبة من شعب دين النصارى وإن كان الرجل لا يكفر بهذا الانحراف، بل وقد لا يفسق أيضا، بل قد يكون الانحراف كفرا، وقد يكون فسقا، وقد يكون سيئة، وقد يكون خطأ.

وهذا الانحراف أمر تتقاضاه الطباع ويزينه الشيطان، فلذلك أمر العبد بدوام دعاء الله سبحانه بالهداية إلى الاستقامة التي لا يهودية فيها ولا نصرانية أصلا.


الوسط ما جاء الشرع بذكره وسطا


(أولا): الوسطى هي صلاة الصبح، لأنه حصل في النهار التام صلاتان، الظهر والعصر، وفي الليل صلاتان، المغرب والعشاء، وصلاة الصبح كالمتوسط بين صلاتي الليل والنهار.

(ثانيا): الوسطى هي صلاة الظهر، تقع وسط النهار، وليس في المكتوبات صلاة تقع في وسط الليل أو النهار غيرها، وأنها بين صلاتين نهاريتين الفجر والعصر، وأنها صلاة بين البردين، برد الغداة وبرد العشى.

(ثالثا): الوسطى هي صلاة العصر، وسط بين صلاتين بالنهار، الصبح والظهر، وصلاتين بالليل المغرب والعشاء.

(رابعا): الوسطى هي صلاة المغرب، فهي وسط في الطول والقصر، لأنها بين الركعتين والأربع، ولأنها وتر النهار.

(خامسا): الوسطى هي صلاة العشاء، قالوا: لأنها متوسطة بين صلاتين لا يُقصران المغرب والصبح، وذلك أنها تجيء في وقت نوم، وأيضا قبلها صلاتان وبعدها صلاتان، وبما أن الصلاة عبادة فأمر تفسيرها إلى الله ورسوله، ودع عنك ميزان المصطلحات.

ولذا فالراجح أنها العصر، لما روي عن علي وابن مسعود- رضي الله عنهما- وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فروى البخاري [6396]، ومسلم [627] في صحيحيهما من حديث علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق فقال:« ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا، كما شغلونا عن صلاة الوسطى، حتى غابت الشمس وهي صلاة العصر».

وفي رواية مسلم عن شتير بن شكل عن على قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم يوم الأحزاب:«شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا ثم صلاها بين العشاءين بين المغرب والعشاء».

وفي رواية لمسلم في صحيحه [628] عن عبد الله قال: حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس أو اصفرت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا، أو قال: حشا الله أجوافهم وقبورهم نارا».

ومما تقدم وجدنا أنهم قالوا: عن صلاة الصبح وسط، والظهر وسط، والعصر وسط، والمغرب وسط، والعشاء وسط، وجاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أن العصر هو الوسط، فاكتسب مسماه من الشرع لا من غيره، والباقي حقه الإهمال فلا دليل عليه، فما سماه الشرع وسطا نسميه كذلك، ونطلق عليه لفظ الوسط وما لم يسمه الشرع وسط، فلا نسميه ولا نصفه بالوسط ولا كرامة، وبهذا يظهر أن المطلوب شرعا هو التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، لا نجاوز ذلك ونبتدع توسطا و(وسطية) نضبط بها المعتقدات والعبادات.


هل الوسطية بمفهومها المجهول

علاج لأهل الشذوذ والانحراف؟!


إننا نسلط الطريق الشاذ لمعالجة الشذوذ؟ لم يكن هناك توسط واعتدال في اختيار مفردة لغوية من اللسان العربي، بل كان الأمر هو العدول إلى لفظة شاذة الاستعمال (الوسطية)، وهل من الاعتدال والتوسط الانطلاق لمحاربة الشذوذ والانحراف؟ بلفظ شاذ في عالم العربية والألفاظ الشرعية، قلما يدور على ألسنة أهل البيان والفصاحة، حتى يسهل فهمه وإدراكه، والفصاحة قال عنها في القاموس المحيط [1/299]: اللفظ الفصيح: ما يُدرك حسنه بالسمع، وقال ابن منظور في اللسان [2/544]: وأفصح تكلم بالفصاحة، وكذلك الصبي يقال: أفصح الصبي في منطقه إفصاحا إذا بينه وكشفه.أ هــ.

أيعقل أن لفظا شاذا -(الوسطية!)- لم يتناقله علماء الأمة وجماهير الفقهاء، نادرا ما يطرق الأسماع على مر القرون والعصور، نتوقع مع هذه الشذوذ والندرة في الاستعمال إن تُدرك الأفهام هذه الوسطية بيسر وسهولة ويكون فيه الدواء للداء؟ ندع التيسير على الناس ونسلك التعسير، ونقول نحن دعاة تيسير وتبشير! ونحارب التكفير والتفجير.


الصحابة لا يتكلفون الألفاظ

المجملة والمصطلحات الشاذة المجهولة


كبار الصحابة ودعاة الخير يوجهوننا إلى الحديث مع الناس بما يفهمون وبمخاطبتهم بما يدركون كما روى البخاري في صحيحه [127] عن علي- رضي الله عنه- قوله: حدًّثُوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يُكذب الله ورسوله، وكذلك ما رواه مسلم في مقدمة صحيحه عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- قال: ما أنت بمُحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة.

قال المناوي في فيض القدير [5/427]: لأن العقول لا تحتمل إلا على قدر طاقتها فإن أزيد على العقل فوق ما يحتمل استحال الحال من الصلاح إلى الفساد أ.هـ، أي لا يكون هذا طريقا ومسلكا إلى الصلاح، وقال الغزالي في إحيائه: وهذا فيما يفهمه صاحبه ولا يبلغه عقل المستمع، فكيف فيما لا يفهمه قائله؟ فإن كان يفهمه القائل دون المستمع فلا يحل ذكره.

لذا أخي القارئ لا تغتر بالألفاظ المحدثة والكلام الذي ليس له أصل في شرع الله وإن كان مزخرفا فإنه يعد جهلا ومزلة للأقدام، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الاستقامة [2/160]: ومن الكلام ما يسمى علما وهو جهل مثل كثير من علوم الفلاسفة وأهل الكلام والأحاديث الموضوعة والتقليد الفاسد وأحكام النجوم أ.هــ.

ونسأل الله لنا ولإخواننا المسلمين التوفيق والسداد في الأقوال والأفعال.


تاريخ النشر: الاثنين 18/9/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:10 PM
لا تَغتر بما حَولك ... واحذرً الاستًدراجَ





الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعدُ:

من نظر حوله وجد أن الله فتح أبواباً من الخير بلا حدود، على أناسي ليس لَهم كثيُر دًيانَة أو حَظ من عبادة، كفاري كانوا أو عصاة، وهذا يدفع بعضاً من الناسً إلَى القول: كيف وسع لَهم في النعم وهم الذين عصوه، ولَم يطيعوه؟!

ويتساءل آخرون لًماذا هؤلاء الكفار والعصاة، فُتًحت لَهم أبواب الدنيا، ما يريدونه في متناولًهم! وما سعوا إلَى شيءي من أمرً الدنيا» إلا وكان من نصيبهم؟! وإذا نظرت إلَى ظاهر حالًهم خرجت بًما يوحي أن القوم يعيشون السعادة بطولًهَا وعرضها، يتمتعون بالنصيب الأكبر من الراحة والدعة والاطمئنان والإمهال، قال تعالَى:(اللَّهُ يَبْسُطُ الرًّزْقَ لًمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدًرُ وَفَرًحُوا بًالْحَيَاةً الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فًي الآخًرَةً إًلا مَتَاع)[الرعد: 26]، لقد أرسل الله الرسل، وأنزل الكتب، وأقام الحجج» فأعرضوا عن الآخرة، وأقبلوا على الحياة الدنيا، قال تعالَى (أَرَضًيتُمْ بًالْحَيَاةً الدُّنْيَا مًنَ الآخًرَةً فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةً الدُّنْيَا فًي الآخًرَةً إًلَّا قَلًيل)[التوبة: 39].

عندما يعتقد العصاة أنهم نالوا الرضا!!

وقد يعتقد العصاة عندما فتحت لَهم أبواب الدنيا » ورزقوا نعيماً، أن ما هم عليه من باطلي تجاوزه الله سبحانه» ويرون أنه كلما ازدادوا معصية» شاهدوا زيادة نعمة، فشعروا باستقرار النفس، ولسان حالهم نَحن مرضي عنا، ومن جهة بعض المؤمنين الذين من لَم يتمكن الإيمان من قلبه» يؤثر فيه ما يراه من مَشهدً العصاة، وتعرضُ كثير من أهل الإًيْمانً لأنواع الاختباراتً والْمحنً، وينطلق الشيطان يلبس على الْمُؤمنين، ويشكك بطريقتهم الْمُثلى، ويشمت بًهم، فالْخيراتُ فُتحت لاتباعه، وَضُيًّقَت على من أعرض عن خطواته وترك سبيله، قال تعالَى:(وَإًنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنً السَّبًيلً)[الزخرف: 37]، والعلة والحكمة في ذلك يا عباد الله! والسر الخفي» أن هؤلاء مُستدرجون إلَى النار، والْمؤمنين مفتَّحة لَهم أبواب الْجنان، إن ما يعيشه أولئك من حياة وعيش يراه الناسُ جميلا» هو نوع من العقوبة يقع فيه من يستحقه، عقوبةً بسبب الإعراض عن دين الله، قال عز من قائل: (فَلاَ تُعْجًبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إًنَّمَا يُرًيدُ اللَّهُ لًيُعَذًّبَهُمْ بًهَا فًي الْحَيَاةً الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافًرُونَ)[التوبة:55]، وذلك بًما قدمت أيديهم وليس ظلما لَهم، قال تعالَى:(وَمَا رَبُّكَ بًظَلام لًلْعَبًيدً)[فصلت:46].


عقوبة الاستدراج


إن الذين بسطت لَهم الدنيا عقوبة من الله» لن يستطيعوا رفع رؤوسهم ليبصروا حقيقةً، ويعرفوا زيفاً، ويكشفوا باطلاً، قال تعالَى:(فَذَرْهُمْ فًي غَمْرَتًهًمْ حَتَّى حًين أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمًدُّهُمْ بًهً مًنْ مَال وَبَنًينَ نُسَارًعُ لَهُمْ فًي الْخَيْرَاتً بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ)[المؤمنون:56ـ54]» وفي الآية: أي» هل يعتقدون أن ما نُمدهم به من مال وبنين وخيرات خير لَهم، ونوع من الإكرام والتفضيل على باقي خلق الله» وقوله: (أَنَّمَا نُمًدُّهُمْ)أي» يُملي لَهم ويزيدهم، وَبَيَّنه في قوله تعالَى:(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذًينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلًي لَهُمْ خَيْري لأَنْفُسًهًمْ إًنَّمَا نُمْلًي لَهُمْ لًيَزْدَادُوا إًثْمًا وَلَهُمْ عَذَاب مُهًين)[آل عمران: 178]، وفي هذا الإمهال» وما ينهال عليهم من الخيرات، هو استهزاء ومكر واستدراج من الله تعالَى بًهم، عندما أعرضوا عن ذكر الله وإفراده بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والعمل بًالْمَأموراتً وترك الْمنهياتً ولَم يصغوا لنصح الناصحين، ولَم يبالوا بدعوة الأنبياء والْمرسلين قال تعالَى:(اللَّهُ يَسْتَهْزًئُ بًهًمْ وَيَمُدُّهُمْ فًي طُغْيَانًهًمْ يَعْمَهُونَ)[البقرة: 15] .

( كلما أحدثوا ذنبا أحدث لهم نعمة )

وقال تعالَى: (فَذَرْنًي وَمَنْ يُكَذًّبُ بًهَذَا الْحَدًيثً سَنَسْتَدْرًجُهُمْ مًنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ وَأُمْلًي لَهُمْ إًنَّ كَيْدًي مَتًين)[القلم:45ـ44]

أولا: أصل الاستدراج» اغترارُ الْمُسْتَدْرَجُ بًلُطفً مَنْ استدرجه، حيث يرى الْمُسْتَدَرَجُ أَنَّ الْمُسْتَدْرًجَ إليه مُحسني، حتى يورًّطه الْمَهالك، وقوله:(سَنَسْتَدْرًجُهُمْ) الاستدراج استفعال من الدرجة أي نسوقهم إلى الْهلاكً شيئا بعد شيء وهم لا يشعرون، وسنسترقهم شيئاً بعد شيء ودرجة بعد درجة بالنعم عليهم، والإمهال لَهم حتى يغترّوا ويظنّوا أَنَّهم لا ينالُهم عقاب، ولذا يأخذهم إلَى الْهلاك دون أن يشعروا، وقيل: الاستدراج من الله هو أن العبد كلما ازداد معصية زاده الله تعالَى نعمة، وقيل: هو أن يكثر عليه النعم وينسيه الشكر، ثم يأخذه بغتة» فهذا هو الاستدراج من حيث لا يعلمون.

ثانيا:(وَأُمْلًي لَهُمْ) والإملاء هو الإمهال مع إرادة العقوبة، فيُملي لَهم في الآجال ويطيل أعمارهم، وقد يغبطهم آخرون على ذلك ولكن مصابهم جلل (ليزدادوا إثماً)، ولذا قال بعض أهل العلم: كلما أحدثوا ذنبا أحدث لَهم نعمة، وما هذه الأنعام في دنياهم من صحّة الأبدان ورخاء العيش الذي يتقلبون فيه» إلا عذاب لَهم، ووبال عليهم، واستدراج لَهم، قال تعالَى:(أَفَأَمًنُوا مَكْرَ اللَّهً فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهً إًلا الْقَوْمُ الْخَاسًرُونَ)[الأعراف: 99]» حتى يكون مآلهم النار وساءت مصيرا، روى عبد الله بنُ الْمُبارك في كتاب الزهد (1/109) قال: أَخبرنا حرملةُ بنُ عًمران، قال: سَمعتُ عُقْبة بن مسلم يقول: إذا كان الرجل على معصيةً اللهً ـ أو قال: على معاصي اللهً ـ فأَعطاه اللهُ ما يُحًبُّ على ذلك، فَلْيَعلَمْ أنه فًي استًدْراج مًنهُ.

وروى أحمد في المسند (4/145)عن عُقبة بن عامر عن النَّبًي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب» فَإًنَّما هو اسْتًدراج»، ثُم تَلا رَسُولُ اللهً صلى الله عليه وسلم: «(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكًّرُوا بًهً فَتَحْنَا عَلَيْهًمْ أَبْوَابَ كُلًّ شَيْءي حَتَّى إًذَا فَرًحُوا بًمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإًذَا هُمْ مُبْلًسُونَ)». والحديث حسن، وفي سنده رشدين بن سعد تابعه عبد الله بن صالح كاتب الليث عن حرملة بن عمران التجيبي في رواية الطبراني في الكبير (17/330).

وقال تعالَى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكًّرُوا بًهً فَتَحْنَا عَلَيْهًمْ أَبْوَابَ كُلًّ شَيْءي حَتَّى إًذَا فَرًحُوا بًمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإًذَا هُمْ مُبْلًسُونَ)[الأنعام:44]، قوله: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكًّرُوا بًهً)، بًمَعنَى» تركوا ما ذكروا به، والتارك للشيء إعراضا عنه» هو بًمنزلةً مَنْ قد نسي أو تَنَاسَى، (فَتَحْنَا عَلَيْهًمْ أَبْوَابَ كُلًّ شَيْء) أي أغدق عليهم صحةً وسعةً، ومن صنوفً النعم، وأنواع الخيرات وزادها كثرة، وهنا الإنسان إذا لَم يكن له من الله حافظي» لابد وأن يزداد غفلةً ونسياناً، لا هم له إلا ماذا يفعل بأصناف الخيرات وهذا النعيم،(حَتَّى إًذَا فَرًحُوا بًمَا أُوتُوا) فرحوا بًهذا العطاءً وظنوا أنه رضى من الله تعالَى عنهم، فحياة طويلة، وعطاءي لا يبيد، (أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً) وقول الله: بغتة» معناه فجأة، وهي الأخذ على غرة، دون أن يسبق ذلك اشارة أو يشعر بأمارة، فمن يؤخذ وهو غار غافل فقد أخذ بغتة، وما من شيءي أشد وأنكى على الانسان من الْمُفاجأة، والْمُباغتة،(فَإًذَا هُمْ مُبْلًسُونَ) والْمبلس الباهت الحزين الآيس من الخير، فهم آيسون متحسرون، وأصله الإطراق حزناً لًما أصابه، ولا يَجد جوابا لشدة ما نزل به من سوء الحال، أو ندماً على ما فاته.


خوف الاستدراج


خوف الاستدراج: وهو خوف الاستدراج بالنعم وتواترها، وقال بعضهم: أقرب حال إلَى الاستدراج الأمن والدعة، وتواتر النعم عليك وترادف الخيرات عندك، فالواجب أن نخاف الاستدراج، وعلى المسلم التنبهً لذلك لئلا يقع في الاستدراج ويغفل عن نفسه.

ومن علامات الاستدراج العمى عن عيوب النفس، ومن أمارات الاستدراج ارتكابُ الزلة، والاغترارُ بزمان المُهْلة، وحَمْلُ تأخيرً العقوبة على أنه من أهل القُرْبَةً، ومن علامات الاستدراج التمكين من النًّعم مقروناً بنسيان الشكر، وأعلموا عباد الله أن باب الْهَلَكَةً بالابتعاد عن الطاعات» يبدأ بتلطف في الاستدراج أولا، ويتوصل إلَى الإهلاك آخرا.

فكيف لايُخاف منه» وقد قالوا في معناه: الاستدراج أن يأتيه من حيث لا يعلم، والاستدراج أن ندرج إلَى الشيء في خفيّة قليلاً قليلاً ولا يباغت ولا يجاهر، يقال: اسْتَدْرًج فلاناً حتّى تعرف ما صنع أي لا يُجاهر ولا يهجم عليه، قال: ولكن استخرج ما عنده قليلاً قليلاً.


لا تنشغل بمن حولك فالأرزاق مقسومة


لذا على المؤمن أن لا يلتفت يمينا وَشًمالا، يطيل النظر ويشغل النفس قال تعالَى: (وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إًلَى مَا مَتَّعْنَا بًهً أَزْوَاجًا مًنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةً الدُّنْيَا لًنَفْتًنَهُمْ فًيهً وَرًزْقُ رَبًّكَ خَيْر وَأَبْقَى)[طه:131]، واعلموا عباد الله أن الله عز وجل كتب الآجال، والأعمال، وقسّم الأرزاق بين عباده وجعل منهم شقي وسعيد، قال الله تعالَى:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إًنْ كُنْتُمْ فًي رَيْبي مًنَ الْبَعْثً فَإًنَّا خَلَقْنَاكُمْ مًنْ تُرَاب ثُمَّ مًنْ نُطْفَة ثُمَّ مًنْ عَلَقَة ثُمَّ مًنْ مُضْغَة مُخَلَّقَة وَغَيْرً مُخَلَّقَة لًنُبَيًّنَ لَكُمْ وَنُقًرُّ فًي الأَرْحَامً مَا نَشَاءُ إًلَى أَجَلي مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرًجُكُمْ طًفْلا ثُمَّ لًتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمًنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمًنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إًلَى أَرْذَلً الْعُمُرً لًكَيْلاَ يَعْلَمَ مًنْ بَعْدً عًلْم شَيْئًا)[الحج: 5]، وقال تعالَى:(فَمًنْهُمْ شَقًيّ وَسَعًيد)[هود: 105]، وروى البخاري(3208)، ومسلم(2643) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضًيَ الله عنه، قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثُمَّ يكون عَلَقَةً مثلَ ذلك، ثُمَّ يكون مُضغةً مثلَ ذلك، ثُمَّ يُرسلُ الْمَلًكُ فيُنفخُ فيه الروح، ويؤمرُ بَأَربعً كلماتي بًكَتْبً رًزقًهً، وأجلهً، وعمله، وشَقًيّي أَو سَعيد».


د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 24/9/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:12 PM
لا تَغْلوا فًي دًينًكُم





الْحَمدُ لله وحده، والصلاة والسلام علَى من لا نبًي بعده» أما بعد:

إًنَّ الغُلوَّ فًي الدينً هو انْحراف عن الصراط الْمستقيم، قال الله تعالَى:(وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام: 153]، وَمُخالفة جريئة وَصريْحة، لنَهجً سيد الْمُرسلين، وشريعة إمام الْمُوحدين، قال تعالَى: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية:18]، وإعلان للخروج عن طريق الْمسلمين، وَجُموع الْمُصلين، كما جاء فًي قوله تعالَى: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تَبين له الْهدى ويتبع غير سبيل الْمؤمنين نوله ما تَوَلَّى ونصله جهنم وساءت مصيرا) [النساء:115]، وَالغُلوُّ: هو مُجاوزةي للحدًّ، ومفارقةي للحقًّ، ولذلك عُرفَ الغلو عند بعضً أهل العلم: بتجاوزً الْحَقًّ وتَخَطًّيهً، بالإعراضً عن الأَدًلَّةً، واتباعً الشُّبَهً، كما هو حال وفعل أهل الأهواء والبدع، وهذا الفعل سبب رئيس فًي الْهلاكً الذي أصاب الأمم من قبلهم، التًي جنحت إلَى الغلو فًي الدين، والانْحراف عن طريق الأنبياء والْمرسلين، ولذلك نَهى الله فًي مُحْكَمً التَّنْزًيلً عن طريق الْمشركين، ووصفهم بًمفارقة الْحقًّ عندما غَلوا فًي الدين، فقال تعالَى: (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الْحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل ) [المائدة:77]. وَبَيَّنَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، لأصحابه وَأُمَّتًهً من بعده، هذا الانْحراف وخطورته على الإسلام، فإليك ما رواه الإمام أحمدُ فًي مُسنده (1754) والنَّسائيُّ فًي سننه (3057) وابنُ ماجه فًي سننه واللفظ له (3029) بسند صحيح مًنْ حَديثً ابْنً عَبَّاس رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: غَدَاةَ الْعَقَبَةً، وَهُوَ عَلَى نَاقَتًهً: ((الْقُطْ لًي حَصًى))، فَلَقَطتُ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتي، هُنَّ حَصَى الْخَذْفً، فَجَعَلَ يَنْفُضُهُنَّ فًي كَفًّهً، وَيَقُولُ: ((أَمْثَالَ هَؤُلاءً فَارْمُوا))، ثُمَّ قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إًيَّاكُم وَالْغُلُوَّ فًي الدًّينً، فَإًنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم الْغُلُوُّ فًي الدًّينً)). وَهُناك قَواعدَ وَأُصولَ ثَابًتة لا تقبلُ تَأْويلاً وَلا تَبًديلاً، عَرفناها مًنْ نَبًيًّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، فلا بُدَّ مًنْ ذًكْرًهَا وَبَيانًها: مًنْهَا مَا رَوَاه البُخاريُّ (2697)، وَمُسْلم (1718)فًي صَحيحيهما مًنْ حَدًيثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: ((مَنْ أَحْدَثَ فًي أَمْرًنَا هَذَا مَا لَيْسَ مًنْهُ فَهُوَ رَدّ)). وفًي رواية لًمسلم فًي صحيحه: ((مَنْ عَمًلَ عَمَلا لَيْسَ عَلَيْهً أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ)).


(ابْنُ أَبًي دُؤَاد فًي هَذهً البلاد)


الأَحداثُ تَتَشَابَهُ ولو اختلف الزمانُ وتَباعَدَ الْمَكانُ، فلا يكاد أحد الْمُنحرفين الْمُخالفين لًما عليه سلف الأُمَّةً، يَجد مدخلاً وَيَتَمَكّنُ، وتكون له الْحظوة لدى ولاةً الأَمرً» حَتَّى يُظهًرَ فًي الأرضً الفَسَادَ، ويعملُ جاهداً على مُحاربة أهل السنة وأصحاب الحديث، وهذا العهدُ إًنَّما يُذَكًّرُنا بالدُّخلاءً على دَولةً الْخليفةً العَبَّاسًيًّ الْمأمون، وَالْحربُ التًي أَعْلَنوها آنذاك، علَى دعوةً الإمامً أَحمدَ بْنً حَنْبَلَ رَحًمَهُ اللهُ، إمام أهل السنة والْجماعة بلا مُنَازًعي، وَحَظْرً مَذْهَبه، وَطريقته، وكتبه، وملاحقة أتباعه، وإيذائهم والتنكيل بًهم، ومن ذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية فًي مَجموع الفتاوى (4/21) قال: وَفًي دولة أَبًي العَبَّاسً الْمأْمُونً لَمَّا ظَهرَ مَا ظَهَرَ مًنَ الكُفْرً وَالنًّفَاقً فًي الْمُسلمين، وَقَوًيَ ما قَوًيَ مًنْ حال الْمُشركين، وَأَهْلً الكًتَابً، كان من أثر ذلك» ما ظَهَرَ مًنً اسْتيلاءً أَهْلً الضَّلالً، وَتقريب الصَّابًئَةً وَنَحوهم مًنَ الْمُتَفَلْسًفَةً، وَذَلك بًنَوعً رَأْيي يَحسبه صاحبه عقلاً وَعَدْلاً، وَإًنَّما هو جَهْل وَظُلْم، إًذً التَّسويَةً بَينَ الْمُؤمًنً وَالْمُنَافقً، وَالْمُسلمً وَالكافرً، أَعظمُ الظلمً، وطلب الْهُدى عًنْدَ أَهْلً الضَّلالً أَعْظَمُ الْجَهْلً، فَتَوَلَّدَ مًنْ ذلك مًحنة الْجَهميةً حَتَّى امتُحًنَت الأَمَّةُ بًنَفًيً الصًّفَاتً وَالتَّكذيبً بًكلامً اللهً ورؤيته، وجرى من مًحنة الإمام أحمد وغيره» ما جرى مًمَّا يطول وصفه .اهـ


مَنع كتب الشَّيخين غُلُوي.. ودعوة إلَى التَّطَرُّف


وفًي زماننا» نَرَى دَورَةً مًنْ دَورَاتً الزَّمَانً، يُحْجَبُ الْحَقُّ، وَتُمنع كُتُبُ شَيخً الإسلامً عبد العزيز بْنً بَاز رَحًمَهُ اللهُ، وَتُمنعُ كذلك تصانيف الشيخ الإمام والْحبر الْهُمام مُحمد العثيمين رَحًمه اللهُ، الذي جَمع الفنون ولانت له العلوم الشرعية كما أُلين الْحديد لداود عليه السلام، مُنعت كُتُبُ الإسلامً فًي بلادنا مًن الْجهاتً القائمة علَى فسح الكتب والْمؤلفات، بعد أن تَمكنوا من الاستيلاءً علَى هذا الْموقع، وهذه الْمرحلة الزمنية تعد الأسوأ، والأسود فًي تاريخ البلاد لتلك الْجهة الْمَعنية، ولكنه التاريخ» نكتب ما جرى فيه، وندون مراحل الخير والشر، فالتاريخُ ديوان يُقْرَأُ ما فًيهً.


غلوّ الوسطيين


إًنَّ حَجْبَ وَمنعَ كتب الشَّيْخَيْنً اللذين دعوا إلَى إسلام نقيّ لا تشوبه الشوائب، ووقفوا سداً منيعاً حتَّى لا يُبْعَثُ فًي الأمةً دينُ الْخرافاتً، كما كان حال الْمسلمين أيام الدولةً العُبَيْدًيَّةً الْهَالًكَةُ، إن هذا الْمَنْعَ هو الغُلوُّ بًعَيْنًهً أَيُّها الوَسَطًيُّون! وبلغَ الذروة فًي التَّطَرُّفً، وَمُجَاوَزَة لًحُدودً الشَّرْعً الْمُبًيْنً.

لقد فارق الْحَقَّ، ذلك الوسط، ووقع فًي الغلو، وبدأ منذ تم تقريب أهل الأهواء، واستقدامً الْمُبتدعةً، وذهب يساعد علًى نشر كل مذهب مُحدث رديء، مقلداً فًي ذلك من وفد إلَى البلاد، وَلَم يَكن من أهلها، ولا عَلى دًينً سكانًها، فصار ما بين عشية وضحاها، يَملك الْهوية، التًي كانت مفاتًح لأبواب الْمناصب، فبدأ رحلة السباق مع الزمن للوصول إلَى أعلى المناصب وَالْمراتب فًي الدولة، وكان له ما أراد،ـ وهنا لا بد أن أنبه وأوكد على أن خلافنا مع القوم ليس خلاف مع الذات بل خلاف أفكار ومعتقداتـ، وبدأ بَنَشْرً سُمومًهً، التًي لا نًهاية لَها، وتكلم بلسانً القوم، فتجده يوما يدعو إلَى خرافات وبدع الصوفية، ويغذي بًها أبناء الْمسلمين فًي هذه البلاد، التًي وَفَدَ إًليها وَآوَتْهُ وَقَرَّبَتْهُ، ويوماً نَجده يُحارب التوحيد ومعتقدات أهل البلاد الصافية النقية، التًي أخذوها من فحول الْمشايخ من علماء الكويت السلفيين أمثال: ابن فارس وعبد الله الْخلف الدحيان، وعبد العزيز الرشيد وابن جراح وغيرهم... فالْحذر وَالْحيطة يا عباد الله! مًنْ هؤلاءً وَأَمثالًهم، نعوذ بالله من الغلو فًي الدين، وَمًنْ الفًتَنً ما ظَهَرَ وَما بَطَن.


د. عبدالعزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 14/5/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:14 PM
لا تكن مقابرياً...






لقد جاء الإسلام ليعصف بالدعوة إلى الشرك والأوثان، ويقرر أمر التوحيد الذي خُلق الناس أجمعون من أجله، قال الله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات: 56]؛أَي: يوحدون. وبعث الله الأنبياء والمرسلين، وانزل الكتب من أجل كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله)، والقضاء على ما ينافيها وإزالة كل شائبة في طريقها أو تخالف مقتضاها، ومن تلكم الشوائب التي سرعان ما يقع فيها الناس؛ أصل من أصول الشرك وهو عبادة المقابر، ودعوة الصالحين من دون الله أو اتخاذهم وسائط إلى الله.


{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا}


كلما فشى الجهل واندرس الإسلام، ظهرت الخرافات وعَلَت شعاراتُ الكفر وانتشرت، وانحرف العباد عن ذلكم الدين القيم، قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}[الروم: 30]، وابتلِيَ كثيرٌ من الخلقِ بالبدع والمَعاصي وسيئِ الأخلاق، فأفسدوا فِي البلاد ولوَّثوا عقائد العباد، والله سبحانه وتعالى يقول:{وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}[الأعراف:56]، ويقول تعالى: {يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ }[الأعراف: 85]، فكان أن بعث الله رسله لتجديد العهد بالتوحيد ونبذ الشرك، ونشر الفضيلة، ومفارقة الرذيلة، قال الله تعالى: {رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا }[النساء: 165]، بعث الله الأنبياء والرسل لبيان دعوة التوحيد، وتوضيح شهادة أن لا إله إلا الله، وتصحيح العقائد الفاسدة، والمفاهيم السائدة، وتقويم المناهج المُنحرفة؛ في عالَمٍ فسد فيه كثيرٌ من الخَلْقِ، وصار دين الناس خليط من الخرافات والبدع.


فساد العقيدة والمنهج إفساد في الأرض


إعلان التوحيد والبراءة من الشرك وأهله، وإخلاص العبودية لله الواحد القهار، فيه صلاح للمُعْتقد وهو رأس الأمرِ فِي صلاح الأرض، وتطهيرها من الفساد، فلا يشرك مع الله أحد غيره، ولا يعبد سواه، قال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلاَ تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلاَ أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا }[الجن : 18-20]، وروى مسلم في صحيحه (2985) من حديث أبِي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالَى: «أنا أغنى الشركاءَ عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري؛ تركته وشركه»، فإن الله عز وجل لا يُشْرَك معه ملك مُقرب، ولا نبي مرسل، فلا تُعبدُ أحجارٌ، ولا يُسجدُ لأشجار، ولا تُعبدُ القبور، ولا يُعَظَّم الصالِحون، ولا تُستَبْدَلُ الْمَساجدُ بِالْمشاهدِ، ومن أجل صلاح الأرض، وتطهير البلاد والعباد؛ لا نُريد تكرارا لِما عليه الأمم والطوائف السابقات من عقائد الشرك والخرافات، قال تعالَى: {وَلاَ تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[الروم: 31]، ولنا ما رواه البخاري (1330)، ومسلم (531) فِي صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لَم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد).


عبادة البشر والحجر صورة تتكرر وأصلها واحد


ما انتشر من العقائد الزائفة، وما يُشاهد من وُقوعٍ فِي الشركيات والبدع فِي بعض بلدان الْمُسلمين، والانْحراف الذي يُمارسه قيادات العوام، ورؤوس الْجَهْلِ الْمُعاصرين؛ هو امتدادٌ لانْحرافات الأمم والطوائف السابقة، التِي سلكت سبيلاً غَيْرَ سبيل الأنبياء والْمُرسلين، وأتباعهم من الْموحدين، وأمست تُمثل جزءاً من التاريخ، تعكس صُوَر الظلام عبْر مراحل الإنسانية.


المقابريون وتجديد الدعوة


قال الله تعالى: {وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً }[نوح:23]، والْمَعنَى مبيّنٌ فيما رواه البخاري فِي صحيحه (4920) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت فِي قوم نوح فِي العربِ بَعْدُ؛ أَمَّا وُدٌّ كانت لِكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاعٌ كانت لِهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لِمُراد ثُمَّ لِبنِي غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يَعُوقُ فكانت لِهَمْدَانَ، وأما نَسْرٌ فكانت لِحمْيَرَ لآل ذي الكلاع، أَسْماءُ رجال صالِحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إِلَى قومهم أن انصبوا إِلَى مَجالسهم التي كانوا يَجلسون أنصابا وَسَمُّوها بِأَسْمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ حتَّى إذا هلك أولئك؛ وَتَنَسَّخَ العِلمُ، عُبِدَتْ.


وَفِي قوله: (هلك أولئك)؛ مَاتَ الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نُصِبَت، وقوله: (تَنَسَّخَ العِلْمُ)؛ زالت معرفة الناس بأصل نصبها، وفي رواية: (نُسِخَ العِلمُ): أي؛ نسخ العلم بقصة تلك الصور وتاريخها وأسباب نصبها.


واليوم نشاهد هذه الأحداث وكأن الزمن قد استدار، نرى الْمشاهد قد نصبت بِأَسْماءِ الصالِحين، وعملوا علَى صرف العبادة إلَى غير الله، كالسجود والطواف والدعاء والْمَحبة والاستغاثة والاستعانة والخشية والخوف والخشية والرهبة، والاعتقاد بأن هذه المشاهد تضر وتنفع فتكشف الضر وتدفع الكرب، فوقعوا فِي الشرك، وأختم مذكرا بكلمة التوحيد الجامعة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله؛ صلى الله عليه وسلم.


د/عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر 08/06/2009




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:17 PM
لا لتمزيق الجسد

والولاء لجماعة المسلمين العامة





كتب:د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

ليكن ولاؤك أخي المسلم لجماعة المسلمين العامة وأخرج نفسك من الولايات الضيقة، كالولاء للتيارات والأحزاب التي تجعل من صاحبها ضيق الصدر والأفق.

قال تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) [التوبة- 71]، أي: ولاءً عاما

لا ولاء لبعض المؤمنين دون بعض، حيث تجد البعض يوالي من على مذهبه وطريقته ورايته وكأن باقي المسلمين أمرهم لا يعنيه.

وانظر إلى ما روى البخاري (6011) ومسلم (2586) في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلُ المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثلُ الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

( مثل المؤمنين) أي: كل المؤمنين لا بعض المؤمنين، فلم يحدد المشرع مؤمني جهة معينة، أو حزب معين، ليكون لهم ولاء خاص دون غيرهم، ويكون لهم من المودة والرحمة والعاطفة ما لا يكون لباقي جماعة المسلمين

فيُقطّعُ ذلك الجسد الذي ضربه الرسول صلى الله عليه وسلم مثلاً في تعامل المجتمع المسلم كله في قوله المتقدم ( مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).

والفيصل الوحيد في الولاء والبراء والقرب والبعد، هو مدى العلاقة مع معبودنا، مع الله لا إله إلا هو، ومقدار المحبة والمتابعة لرسول الله صلى عليه وسلم، وغير ذلك من التقسيمات والألغاز التي فرقت جماعة المسلمين فلا نقيم لها وزناً، ما دام المشرع لم يضع لها وزناً.

وهذه بعض حقوق إخواننا المسلمين:

للمسلم على أخيه المسلم حقوق منها: يغفر له زلته، ويرحم عَبرته

ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويقبل معذرته، ويرد غيبته، ويديم نصحه، ويحفظ خلته، ويرعى ذمته، ويعوده في مرضه، ويشهد ميتته، ويشمت عطسته، ويرشد ضالته، ويرد سلامه، ويطيب كلامه، ويبر إنعامه، ويبر ويصدق أقسامه، وينصره ظالما أو مظلوما، ويواليه

ولا يعاديه، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره له من الشر ما يكره لنفسه، وإن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه يوم القيامة فيقضى له بها عليه ولن ينجيه قول من الأقوال مهما كان قائله إلا ما كان من قول الله تعالى أو قول على لسان نبيه.


وإليك بعض الأدلة اختصارا:

ـ1 روى البخاري (1240) ومسلم (2162) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة-رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حق المسلم على المسلم خمس، رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس».

ـ2 روى البخاري (13) ومسلم ( 45) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه»، وأخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وكذلك مسلم أخرجه أيضا في كتاب الإيمان.

ـ3 روى مسلم (54) في صحيحه من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم».

ـ4 روى البخاري (6076) ومسلم (2559) في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال».

ـ5 روى البخاري (6077) ومسلم (2560) في صحيحيهما من حديث أبي أيوب الأنصاري- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام».

ـ6 وروى أحمد في مسنده (2/68) ما صح بشواهده عن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله»، ويقول: «والذي نفس محمد بيده ما تواد اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يُحدثه أحدهما»، وكان يقول: «للمرء المسلم على أخيه من المعروف ست: يشمًّته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، وينصحه إذا غاب، ويشهده إذا مات، ويُسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويتبعه إذا مات، ونهى عن هجرة المسلم أخاه المسلم فوق ثلات».

ـ7 روى البخاري (2442) ومسلم (2580) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر- رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمهُ، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة».

ـ8 روى أحمد (2/252) وابن حبان (11/405) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم : «من أقال مسلماً عثرته أقال الله عثرته يوم القيامة».

ـ9 روى البخاري في صحيحه (6952) من حديث أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «انصر أخاك ظالما أو مظلوما»، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟ قال: «تحجزه أو تمنعه من الظلم فإن ذلك نصرة».

ورواه مسلم في صحيحه (2584) من حديث جابر- رضي الله عنهما- في قصة ما حدث بين المهاجرين والأنصار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «فلا بأس ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فلينْهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره».

ـ10روى البخاري (5635) ومسلم (2066) في صحيحيهما من حديث البراء بن عازب- رضي الله عنهما- قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع، أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنائز وتشميت العاطس وإجابة الداعي وإفشاء السلام ونصر المظلوم وإبرار المُقسم ..... الحديث.

ـ11روى أبو يعلى في مسنده (11/481) وابن حبان في صحيحه (2/375) والحاكم في المستدرك (4/294) عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن تجلسوا بأفنية الصعدات قالوا: يا رسول الله إنا لا نستطيع ذلك ولا نطيقه، قال: «إما لا فأدوا حقها»، قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال: «رد التحية وتشميت العاطس إذا حمد الله وغض البصر وإرشاد السبيل».

وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد وهو كما قال.

والأدلة والنصوص في هذا الباب كثيرة ولا نريد الإطالة، والحمد لله رب العالمين.





تاريخ النشر: الاثنين 7/8/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:20 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (1)




الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

يتردد على الأسماع كثيراً في هذا الزمان وفي كثير من الأماكن والبلدان ألفاظ المنهاج والمنهج، ونشأ الخلاف وزاد وكثر حول التمسك بالمنهاج، ومن هو على المنهج أو مخالف له؟ مِمّا كان دافعاً لتناول هذا الموضوع وكشف الغطاء عنه، وهل هو من العلوم الشرعية؟ محاولا الإيضاح والبيان والله المستعان.

الكتاب والسنة؛ طريق العلم بالإسلام، والعمل به، والدعوة إليه

أيها المسلمون! إن المراد بالمنهاج هو الطريق الواضح والسبيل الوحيد، وبيان أن دين الإسلام لا يكون لأحد معرفته وفهمه وعلمه؛ إلا بالأخذ بكتاب الله عز وجل، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: { كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }ابراهيم :1 }، وقال تعالى: { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ } [النحل: 89]، وقال تعالى: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }[فاطر: 24].

ومع كثرة المدارس التي طرقت، والمحاولات التي بذلت، والطرق التي سلكت لمعرفة هذا الدين! لا بد من التسليم أنه لا طريق واضحاً، ولا سبيل قويماً، وصراطاً مستقيماً؛ إلا ما أنزله الله في كتابه العزيز، وبَيَّنَه نَبِيُّه في السنة الصحيحة، قال تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } [الأنعام: 153]، وقال: { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ }[الجاثية:18]، وهذا خطاب وبيان ومنهاج للرسول صلى الله عليه وسلم، ولمن تبعه من أمته إلى يوم القيامة، وما الإسلام إلا آية من كتاب الله أو حديث صحيح من سنة نبيه، وتُحدد مَعالِم الفهم بعمل الرسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامه بهذا الدين، وفهم الصحابة رضي الله عليهم، ومن سار على طريقهم وسلك سبيلهم من التابعين، وقد روى الإمام أحمد في المسند (1/435) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خطَّ لنا رسول الله صلى الله عيه وسلم خطاً، ثُم قال: »هذا سبيل الله«، ثُم خطَّ خطوطاً عن يَمينه وعن شِماله، ثُم قال: »هذه سُبُل على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثُم قرأ: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ }«.

فإياكم واتباع السبل، وعليكم التمسك بسبيل الله، ولا تعرضوا أو تنحرفوا عنه؛ كيف وقد عُرِفَت حدودُه، وَبُيِّنَتْ ضَوابِطُهُ؛ أَتَمَّ بيانٍ في كتاب الله وسنة نبيه، و بهذا السبيل تمسك الصحابة رضي الله عنهم، واعتصموا به، ولم يحيدوا عنه، والخير كله لِمن سلك منهج الصحابة، فهو على المنهج الحق.




تعريف المنهاج والمنهج

التعريف:


لغة: المنهاج: الطريق الواضح البين المستقيم، وقوله: { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ }[الفاتحة:6]؛ أي: ثبتنا على المنهاج الواضح.

* قال أبو جعفر النحاس في معاني القرآن (3/359): والصراط في اللغة المنهاج الواضح.

* وقال ابن منظور في اللسان في مادة ( نَهج ): طريق نهج: بين واضح، وهو النهج، ومنْهَج الطريق: وضحه. والمنهاج: كالمنهج، وفي التنزيل: { لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً }[المائدة: 48]. وأنهج الطريق: وضح واستبان، وصار نَهجا واضحا بينا. و المنهاج: الطريق الواضح، واستنهج الطريق: صار نَهجا، و نهجت الطريق: أبنته وأوضحته، يقال: اعمل على ما نهجته لك، ونهجت الطريق: سلكته. وفلان يستنهج سبيل فلان؛ أي: يسلك مسلكه. و النهج: الطريق المستقيم.

المنهاج في »كتاب الله العزيز«

وفي كتاب الله: قال تعالى:{ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[المائدة: 48].

* قال البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان... وقال ابن عباس: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[المائدة: 48]، سبيلاً وسنة. وفي كتاب التفسير - باب تفسير سورة المائدة - { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا }[48] سبيلاً وسنة. قلت: وقول ابن عباس روي موصولاً، فقد رواه عبد الرزاق الصنعاني في التفسير (2/22)، والطبري في التفسير (10/387) بإسناد صحيح عن ابن عباس في قوله تعالى: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) قال: سبيلا وسنة. وقال الحافظ ابن حجر في تغليق التعليق (2/25): حديث صحيح. قلت: وهو كما قال.

* وقال شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري:

و [الشرعة]: هي الشريعة بعينها، تجمع الشرعة: شِرَعًا، والشريعة: شرائع، ولو جمعت الشرعة: شرائع، كان صوابًا، لأن معناها ومعنى: الشريعة واحد، فيردّها عند الجمع إلى لفظ نظيرها، وكل ما شرعت فيه من شيء فهو شريعة. ومن ذلك قيل: لشريعة الماء: شريعة، لأنه يُشْرع منها إلى الماء. ومنه سميت شرائع الإسلام؛ شرائع، لشروع أهله فيه. ومنه قيل للقوم إذا تساووا في الشيء: هم شَرَعٌ؛ سواءٌ.

وأما[ المنهـاج ]، فإن أصله: الطريقُ البيِّن الواضح، يقال منه: هو طريق نَهْجٌ، وَمنهْجٌ بيِّنٌ، كما قال الراجز:

من يكُ في شـك فهذا فَلْجُ * * * ماءٌ رَوَاءٌ وطريقٌ نَهْـجُ

ثم يستعمل في كل شيء كان بيناً واضحاً سهلاً.

= فمعنى الكلام: لكل قوم منكم جعلنا طريقاً إلى الحق يؤمُّه، وسبيلاً واضحاً يعمل به.اهـ

* قال ابن كثير في التفسير: أما ( المنهاج ): فهو الطريق الواضح السهل، فتفسير قوله: { شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } بالسبيل والسنة أظهر.اهـ

* وقال الشوكاني في فتح القدير: ومعنى الآية: أنه جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا قبل نسخ الشرائع السابقة بالقرآن، وأما بعده؛ فلا شرعة ولا منهاج إلا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.اهـ

المنهاج في السنة: »خلافة على منهاج النبوة«

وفي الحديث: روى أبو دود الطيالسي في مسنده (ص 58)، ومن طريقه أحمد في المسند (4/273) بإسناد جيد من طريق حبيب بن سالِم عن النعمان بن بشير قال: كنا قعوداً في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بشير رجلاً يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة، فقال حذيفة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضاً، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة«، ثم سكت.

قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزيز وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبتُ إليه بِهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعنى: عمر بعد الملك العاض والجبرية، فادخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فَسُرَّ به وأعجبه.

= وفي الأثر السابق: »تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون،.

.. ثم تكون خلافة على منهاج النبوة« الحديث. ويفسره ما رواه أحمد في المسند (4/126) وأصحاب السنن مِما صح من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! إن هذه لَموعظة مودع؛ فماذا تعهد إلينا؟ قال: »قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بِما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين الْمَهْدِيِّينَ، وعليكم بالطاعة؛ وإن عبداً حبشياً، عَضوا عليها بالنواجذ«. وفي روايةٍ صحيحة لأحمد (4/126): »فإنه من يعش منكم؛ يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة«.

قوله: »تكون النبوة«؛أي: يبقى فيكم الإسلام كاملا كما أنزل، ولذا فُسِّرَ عهدُ النبوة المذكور هنا بما جاء في حديث العرباض؛ بقوله: »تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك«، وبين أن عهد الخلفاء الراشدين الأربعة؛ سيكون عهد خير وبركة؛ على سنته ونهجه وطريقته؛ »خلافة على منهاج النبوة«، وذَكَّر الناس وبين لَهم؛ أن عليهم عند ظهور الفتن التمسك بمنهاجه ومنهاج خلفاءه الراشدين من بعده؛بقوله: »فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ«.

ونختم بحمد الله رب العالمين، وتابعوا معنا في الأعداد القادمة تتمة لبيان المنهج والمنهاج.




تاريخ النشر 02/03/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:22 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (2)




د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

أخي القارئ مازلنا مع بيان وتوضيح المنهاج ورفع الإشكال عن المنهج. وتقدم في مقال سابق تعريفه وذكره في الكتاب والسنة.


اتفاق الأمم في أصل الشرائع والعبادات


إن الله تعالى بعث الأنبياء والرسل وأنزل الكتب في الأمم قبلنا، وكان الأنبياء قد كلفوا بالعبادات؛ كلفوا بالصلاة والزكاة والحج والصيام وغيرها، ومثاله:


أولا: اتفقت الملل في أصل تشريع الصلاة

-1 إن الصلاة قد شرعت في الأمم من قبل، والصلاة مشروعة للجميع، قال تعالى: { أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ } [البقرة: 125]، وكذلك في قوله تعالى: { رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ }[إبراهيم: 37]. وعن إسماعيل قال تعالى: { وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا }[مريم: 54-55].


ثانياً: اتفقت الملل في أصل تشريع الزكاة

-2 وشرعت الزكاة في دين الإسلام وفي الملل الأخرى، قال تعالى عن عيسى عليه السلام: { وَأَوْصَانِى بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً }[مريم:31]. وعن إسماعيل: { وَكَانَ رَسُولا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا }.


ثالثاً: اتفقت الملل في أصل تشريع الحج

-3 والحج قد شرع من قبل، قال تعالى: { وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْت }[آل عمران: 97]، وقال: { وَأَذِّن فِى النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً }[الحج: 27].


رابعاً: اتفقت الملل في أصل تشريع الصيام

-4 وكذلك الصيام مشروع قال تعالى: { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ }[البقرة: 183].

وكان لكل أمة طريق ومنهج في كيفية الصلاة، وفي كيفية أداء الزكاة، وكذلك في كيفية الحج والصيام، ولهذه الأمة منهجاً خاصاً في كيفية الصلاة والزكاة والحج والصيام وكل العبادات، ولم يترك أمر هذا الدين هملاً.


اختلاف المنهاج هو سبب الاختلاف بين الملل

والذي حصل أن هذه الأمم اتفقت في أصل التشريع، وقد كان لكل أمة منهج خاص لتطبيق هذه الشرعة، والقيام بِها على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى، قال تعالى: { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } [المائدة: 48]، وكان للأنبياء والرسل أتباع من الناس؛ آمنوا وصدقوا، وعملوا بما جاؤوا به، وخالف آخرون؛ وأصيب الأتباع بالخلاف والفرقة لما بدلوا الطريق، وخالفوا الأنبياء، كما روى مسلم في صحيحه (50) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي؛ إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«. وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ }[الأنعام: 159].

وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد قامت بِهذه العبادات على الطريقة والسنة والمنهج الذي اختصت به، قال تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[الأحزاب: 21].


النجاة بالتمسك بشريعة ومنهاج الرسول صلى الله عليه وسلم


وجاء التحذير والنذير من الخلاف والفرقة، وأُخْبِرنا بأدلة الكتاب والسنة أنها آفة وداء أصاب الأمم السابقة، وسيصيب هذا البلاء بعضاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذا قال تعالى:{ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا }[آل عمران: 103]، وقال تعالى: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ }[آل عمران: 105]، ولا عاصم لهذه الأمة من ذلك إلا التمسك بكتاب الله وسنة نبيه، والسير على المنهاج، قال تعالى:{ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ }[الشورى: 113]، قال ابن كثير في التفسير: فهذا هو الصراط المستقيم، وهو ما جاءت به الرسل، من عبادة الله وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات، وجهالات، وآراء، وأهواء؛ الرسل بُرآء منها، كما قال: { لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }.اهـ

وجه الشبه بين المنهاج المنسوخ وانحراف الطريق

هناك شبه لا يمكن دفعه بين المناهج المنسوخة، وبين الطرق المنحرفة من طوائف وفرق مختلفة في أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

-1 أسْماء أصول الشرع كالصلاة الزكاة الحج والصيام بعضه موجود عندهما.

-2 التفرق والاختلاف وجه شبه بين الفريقين قبل الإسلام وبعده.

-3 مخالفة منهاج النبوة.

-4 النهي عنهما؛ فقد جاء الإسلام بالمنع عن المنسوخ، والنهي عن الانحراف عن السبيل والسنة.

وإن كل منهاج كان قبل الإسلام متبع فهو منسوخ، وأما بعد الإسلام فكل منهاج، وأي طريق غير منهاج النبوة؛ يُعَدُّ انحرافٌ عن السنة والصراط المستقيم.


الانحراف عن المنهاج

هو سبب الخلاف والفرقة بين طوائف الأمة

أيها المسلمون! رغم المسميات والألفاظ والاصطلاحات الشرعية الواحدة، ومع ذلك نجد اختلافا ظاهراً بين أفراد هذه الأمة عند تطبيق شرائع الإسلام والعمل بِها.

وهذا الخلاف المشاهد والفرقة والتنازع في هذه الأمة، أُراه خلاف مشابِهٌ لمخالفة دين الإسلام؛ ملل الأمم الأخرى كما بَيَّنا، رغم وجود اتفاق في أصل التشريع، واتفاق في الألفاظ والمسميات؛ كالصلاة والزكاة والحج والصيام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم خالف الملل السابقة في منهاج العمل والتطبيق، وأما هذه الفرق والطوائف فقد ابتليت بالتفرق والشتات لمخالفة منهاج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهاج أصحابه رضي الله عنهم.

قال عمر: هما المرءان يُقتدى بهما: (عهد النبوة وعهد خلافة أبي بكر)

فلا بد من المحافظة على السنة والسبيل والطريق الواضح.

(أ) روى البخاري في صحيحه (7281) من حديث جابر بن عند الله رضي الله تعالَى عنهما يقول: جاءت ملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم فقال بعضهم:...إلَى قوله: »فمن أطاعَ مُحمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقد أَطاعَ الله، ومن عصى مُحمداً صلى الله عليه وسلم؛ فقد عصى الله، وَمُحمدٌ صلى الله عليه وسلم فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ«. وَفِي رواية في الصحيح: »فَرَّقَ بين الناسِ«.

(ب) وروى البخاري (7219، 7269)، في صحيحيه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أنه سَمع عمر الغد حين بايع المسلمون أبا بكر واستوى على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تَشَهَّدَ قَبْلَ أبي بكرٍ فقال: أما بعد فاختار الله لرسوله صلى الله عليه وسلم الذي عنده على الذي عندكم، وهذا الكتاب الذي هَدَى الله به رسولكم، فخذوا به تَهتدوا، وإنما هَدَى الله به رسوله.

(ج) روى البخاري (1594، 7275)، في صحيحيه عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: جلست مع شَيْبَةَ على الكرسي في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر رضي الله عنه فقال: لقد هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء إلا قسمته، قلت: إن صاحبيك لَم يفعلا، قال: هما المرءان أَقْتَدي بِهما. وفي لفظ للبخاري[7275]: هما المرءان يُقتدى بهما.

(د) روى البخاري (6497، 7086، 7276)، ومسلم (143) في صحيحيهما من حديث حذيفة رضي الله عنه يقول: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: »أن الأمانة نزلت من السماء في جذر قلوب الرجال، ونزل القرآن فقرؤوا القرآن، وعلموا من السنة«.


ما ضوابط المنهاج (الطريق الواضح)


وجعله واضحاً، والاستمرار في الوضوح؟

إن العمل بالكتاب والسنة متجرداً من كل شيءٍ هو دين الإسلام، فيعبد الله ويطاع، والعبادة لا تكون إلا بما شرع، فيعمل بكلام الله وكلام رسوله؛ دون تعصب لأحد من البشر، وبلا انتماء لمقالة مذهب أو شعار حزب، ولا ذوق طريقة، متخلصا من كل الأهواء والعوائق والأمراض، وما يمكن أن يطرأ على النفس؛ مما يصرف عن الامتثال والمتابعة التامة لكلام الله وكلام رسوله. فهذا هو الطريق الواضح والنهج الحق الموصل لمراد الله من العباد، قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ }[الذاريات: 56]، وهو فهم الإسلام جملة وتفصيلاً على ما جاء في كتاب الله تعالى وفي السنة الصحيحة.


الطائفة المنصورة على منهاج النبوة


روى مسلم في صحيحه (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم؛ حتى يأتي أمر الله وهم كذلك«. وذكر البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من كتابه الصحيح. ما رواه البخاري (7311)، ومسلم (1921) في صحيحهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون«. وروى البخاري (3641)، ومسلم (1037) في صحيحهما من حديث معاوية رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك«.وفي لفظ للبخاري: (7312) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة:

»ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله«.

تابع معنا أخي القارئ في العدد القادم »بإذن الله« القواعد والأصول التي تعين على معرفة المنهاج والطريق الواضح، والحمد لله رب العالمين.





تاريخ النشر 09/03/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:24 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (3)




د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

سنبدأ معك أخي القارئ بذكر أصول تعين على معرفة المنهاج والطريق الواضح:

الاتباع والطاعة والامتثال

إن الإسلام مبني على أصلين؛ (1) أن لا نعبد إلا الله وحده، (2) وأن نعبده بِما شرع على لسان رسوله، لا نعبده بالأهواء والبدع. قال الشاطبي في الاعتصام (1/157): السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة عن الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة؛ إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعياً.... وقال: فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف على الاقتداء بمن لا يمتنع عليه الخطأ، إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه.اهـ

أولا: الاتباع والامتثال:

قال الله تعالى: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا }[الأحزاب: 21]. في هذه الآية الدليل على أن القدوة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا قدوة غيره، ولا حجة في كلام سواه كائناً من كان، فهو المعصوم وحدة، ولا عصمة لأحد من بعده، ولم يوحى إلى بشر آخر بشرائع الإسلام، وهذا المعصوم لم يزد في شرع الله على ما جاء من عند الله، ولم يبحث في التوراة والإنجيل وكتب الحكمة والحكماء، بحجة الانتصار للحق، والإبداع العقلي في إنجاح الدعوة إلى الله ونصرة الدين، فلم يخترع طريقة أو مذهباً، ولم يعظم قبر أمه وأبيه وبنيه، ولَم يقلد أحداً من آبائه وأبناء عشيرته وأصحابه، ولم يتأثر بمحيطه أو يجنح إلى التشبه بِأحدٍ مِمن حوله، ولَم يتخذ مرجعاً غير الوحي الذي أتى بخبره من عند الله جبريل الأمين.

لا عصمة للمشايخ والأولياء والمذاهب والأحزاب

والعصمة لواحد: رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ هو الأسوة والقدوة

اعلموا عباد الله أنها لن تكون، ولا ينبغي لها أن توجد؛ الأسوة الحسنة؛ في المراجع والمشايخ والأولياء، وكذلك لا ينبغي أن تُطْلَب الأسوة والقدوة الحسنة؛ لدى المذاهب والطرق والأحزاب. لذا يجب أن لا يمتحن الناس بمقالة أحد غير كتاب الله وسنة نبيه، فلم نؤمر إلا بطاعة الله الواحد الأحد الفرد الصمد؛ طاعة تكون محصنة بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الطريقة والنهج الذي بلغه وأحسن بيانه.

وروى البخاري في صحيحه (6098) في كتاب الأدب - باب في الهَدْي الصالح، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: هو الطريقة الصالحة.اهـ ورواه البخاري أيضاً (7277) في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي؛ هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها.

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من الخروج عن طريقته وسنته وسبيله، لما رواه البخاري (2697)، ومسلم (1718) في صحيحيها من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم له: »من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رَدٌّ«، وفي روايةٍ لمسلم في صحيحه (1718): »من عمل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ«.

أصول ابن عمر رضي الله عنه في المنهاج

قال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أسوة وقدوة حسنة لأصحابه رضي الله عنهم في حياته وبعد مماته، كما روى البخاري في صحيحه (6705) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، سئل عن رجل نذر أن لا يأتي عليه يوم إلا صام، فوافق يوم أضحى أو فطر فقال: { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }؛ لم يكن يصوم يوم الأضحى والفطر، ولا يرى صيامهما.

ولذا كان الصحابة رضي الله عنهم يرون الأمر واجباً بالطاعة والاتباع والامتثال للنبي صلى الله عليه وسلم.

-1 قال الله تعالى: { وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }[الأنعام: 153].

-2 وقال تعالى: { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ } [آل عمران:32]، { فَإِنْ تَوَلَّوْا }؛ أي: خالفوا عن أمره.

-3 وقال تعالى:{ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ }[النور: 54].

-4 وقال تعالى: { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ }[آل عمران:132].

-5 وقال تعالى:{ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا } [النساء: 80]

-6 وقال تعالى: { وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } [النساء: 69].

-7 وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [الأنفال: 20-21].

-8 وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } [الأنفال: 24].

-9 وقال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ } [ آل عمران:31].

-10 وقال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } [الحشر: 7].

أصول ابن مسعود رضي الله عنه في المنهاج

قال: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ }

وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامه ومن بعده من أفضل أهل الأرض إتباعاً له، وأخذاً لكتاب الله والعمل بما جاء به، وإليك ما روى البخاري (4886)، ومسلم (2125) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والنامصات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن؛ المغيرات خلق الله، قال: فبلغ ذلك امرأة من بني أسد، يقال لها أم يعقوب، وكانت تقرأ القرآن، فأتته، فقالت: ما حديث بلغني عنك أنك لعنت الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن؛ المغيرات خلق الله، فقال عبدالله: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وهو في كتاب الله، فقالت المرأة: لقد قرأت ما بين لوحي المصحف؛ فما وجدته، فقال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، قال الله عز وجل:{ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ } [الحشر: 7]، فقالت المرأة: فإني أرى شيئاً من هذا على امرأتك الآن، قال: اذهبي فانظري، قال: فدخلت على امرأة عبدالله، فلم تر شيئاً، فجاءت إليه، فقالت: ما رأيت شيئاً، فقال: أما لو كان ذلك لم نجامعها. وليس هذا بغريب على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، فقد روى البخاري في صحيحه (6097) من طريق الأعمش قال: سمعت شقيقاً قال: سمعت حذيفة يقول: إن أشبه الناس دلاً وسمتاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم لابْنُ أُمِّ عَبْدٍ، من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه، لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا. وقد روى الدارمي في سننه (205) ما صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اتَّبعوا، ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم.

منهاج حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

ولم يكن أمرُ الاتباع والامتثال هذا غريب عن الراوي عنه؛ أعني الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، الذي كان يوصي بالاتباع والاقتداء، ويدعو إلى التمسك بالكتاب والسنة، والتحذير من الانحراف الصراط المستقيم، لما رواه البخاري في صحيحه (7282) من حديث حذيفة قال: يا معشر القراء! استقيموا، فقد سبقتم سبقاً بعيداً، فإن أخذتم يميناً وشمالاً، لقد ضللتم ضلالاً بعيداً، والقراء: هم العلماء بالقرآن والسنة.

-9 وروى البخاري (7283)، ومسلم (2283) في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به، كمثل رجل أتى قوماً فقال: يا قوم! إني رأيت الجيش بعَيْنَيَّ، وإني أنا النذير العريانُ، فالنجاء، فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا مكانهم، فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم، فذلك مَثَلُ من أطاعني فاتَّبَع ما جئت به، ومَثَلُ من عصاني وكذب بما جئت به من الحق«.

-10 وروى البخاري في صحيحه (14) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم؛ حتى أكون أحب إليه من والده وولده«.

قال أبو جابر عبد الله بن حرام الأنصاري:

(لا أترك بعدي أَعَزّ علي منك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم)

-11 وروى البخاري (15)، ومسلم (44) في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين«. وهذا ما عمل به الصحابة واعتقدوه؛ فقد روى البخاري في صحيحه (1351) من حديث جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله عنهما قال: لما حضر أحد دعاني أبي من الليل، فقال: ما أراني إلا مقتولاً في أول من يقتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإني [لا أترك بعدي أعز علي منك غير رسول الله صلى الله عليه وسلم]؛ فإن علي ديناً فاقض واستوص بأخوتك خيرا«.

إن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من آبائنا وأولادنا، وكذلك الناس أجمعين، وهذا التقديم في المحبة يقتضي تقديمه في المتابعة، فكيف نرضى لأنفسنا بعد أن تركنا الأهل والناس أجمعين، بأن نقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم شيخاً أو ولياً، وهل من العقل أن ندع الوحي ونقدم عليه مذهباً وطريقة وحزباً وشعاراً؟!

-12 روى البخاري فِي صحيحه (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »صلوا كما رأيتمونِي أصلي«. وفيه دعوة إلى الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهذا نص عام وخاص؛ دليل عام في الاتباع في كل شرائع الإسلام، ودليل خاص في متابعته في عبادة الصلاة؛ فلا تكون صلاة الأحناف، ولا صلاة مالكية، ولا صلاة شافعية، ولا صلاة حنبلية؛ بل صلاة كصلاة من يستحق المتابعة وحده،

-13 وروى مسلم في صحيحه (1297) عن أبي الزبير أنه سمع جابراً يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول:»لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه«. ويستفاد من هذا الحديث أيضاً دليل عام ودليل خاص؛ دليل عام في الاتباع في كل شرائع الإسلام، ودليل خاص في متابعته في عبادة الحج. قال تعالَى:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[ يوسف: 108].

-14 روى مسلم في صحيحه (1690) من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »خذوا عني، خذوا عني«.

قال أبو القاسم اللالكائي وفي شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/22): فلم نجد في كتاب الله، وسنة رسوله، وآثار صحابته؛ إلا الحث على الاتباع وذم التكلف والاختراع، فمن اقتصر على هذه الآثار كان من المتبعين، وكان أولاهم بهذا الاسم، وأحقهم بهذا الوسم، وأخصهم بهذا الرسم؛ أصحاب الحديث، لاختصاصهم برسول الله، واتباعهم لقوله، وطول ملازمتهم له، وتحملهم علمه، وحفظهم نفاسه وأفعاله، فاخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرايعه مشاهدة، وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه واصلة، فجاولوها عياناً، وحفظوا عنه شفاها، وتلقفوه من فيه رطباً، وتلقنوه من لسانه عذباً، واعتقدوا جميع ذلك حقاً، واخلصوا بذلك من قلوبهم يقيناً، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله مشافهة، لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول، من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف، كالحروف يتلو بعضها بعضاً، ويتسق أخراها على أولاها رصفاً ونظما.

والحمد لله رب العالمين، وتابعوا معنا في العدد القادم بقية الضوابط والأصول.





تاريخ النشر 16/03/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:25 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (4)



د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على من لا نبي بعده القائل: »اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به«؛ أما بعد: نحن اليوم مع العدد الرابع ونذكر فيه الأصل الثاني من الأصول التي تعين على معرفة المنهاج والطريق الواضح.

المشقة غير مقصودة في الطاعات؛

فالأجر على قدر الامتثال في الأعمال والعبادات

ثانياً: مراعاة الاستطاعة في الطاعة والامتثال:

إن اللَّه تعالى أَسقط عن العباد ما لا يقدرون عليه وأبقى عليهم ما يقدرون عليه مراعاة للقدرة والاستطاعة. وامتثال الطاعات والإتيان به؛ مُناطٌ بمقدور العباد، وما خرج عن القدرة والاستطاعة، فلا حرج على هذه الأمة، قال تعالى:{ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 233]، وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج: 78]. وفي أمم سابقة كانت المشقة مطلوبة، وأما شريعةُ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فإن وُجِدَ نوع مشقة وكانت مصاحبة لعمل ما، فليست المشقة مقصودة لذاتها كما هو حال الأمم السالفة، فإن الآصار والأغلال عن هذه الأمة مرفوعة، والمشقة والتضييق على الأنفس ممنوعة في شريعة الإسلام، فأحلت الطيبات وحرمت الخبائث، قال تعالى:{ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } [الأعراف: 157]. لقد منَّ الله على هذه الأمة بالحنيفية السمحة وجعل رسالة الإسلام هي رسالة التيسير والسماحة، فروى البخاري في صحيحه (1211،6127) من طريق شعبة وحماد بن زيد عن الأزرق بن قيس قال: كنا بالأهواز نقاتل الحرورية؛ فبينا أنا على جرف نهر إذا رجل يصلي، وإذا لجام دابته بيده، فجعلت الدابة تنازعه، وجعل يتبعها، قال شعبة: هو أبو برزة الأسلمي، فجعل رجل من الخوارج - وفي رواية: وفينا رجل له رأي -، يقول اللهم! افعل بهذا الشيخ، فلما انصرف الشيخ قال: إني سمعت قولكم - وفي رواية: فقال ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم - وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات وثمان وشهدت تيسيرة.

نقف على منهجين في هذا النص:

الأول: »منهج مستقيم«: يتمثل في وصف أبو برزة الأسلمي رضي الله عنه لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم ورفقه ومعاملته.

بقوله: 1- ما عنفني. 2- وشهدت تيسيرة.

الثاني: »منهج منحرف«: يمثله: وفينا رجل له رأي (أي: منحرف) وفي رواية: من الخوارج، ويتمثل في التعنيف الذي تعرض له أبو برزة الأسلمي؛ بقوله: 1- ما عنفني أحد منذ فارقت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي: إلا ما وجد من هذا في ذلك اليوم.

2- وبدأ يذكر تيسير عهد النبوة مقارنة بالشدة والإنكار الذي وجده من ذلك الرجل.

هل الأجر على قدر المشقة أم على قدر موافقة السنة؟!

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى (10/620): قول بعض الناس: الثواب على قدر المشقة ليس بمستقيم على الإطلاق، كما قد يستدل به طوائف على أنواع من »الرهبانيات والعبادات المبتدعة«، التي لم يشرعها الله ورسوله، من جنس تحريمات المشركين وغيرهم ما أحل الله من الطيبات، ومثل التعمق والتنطع الذي ذمه النبي صلى الله عليه وسلم، حيث قال: »هلك المتنطعون«؛ وقال: »لو مد لي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم«، مثل الجوع أو العطش المفرط الذي يضر العقل والجسم ويمنع أداء واجبات أو مستحبات أنفع منه، وكذلك الاحتفاء والتعري والمشي الذي يضر الإنسان بلا فائدة: مثل حديث أبى إسرائيل الذي نذر أن يصوم، وأن يقوم قائماً ولا يجلس، ولا يستظل ولا يتكلم، فقال النبي: »مروه فليجلس وليستظل وليتكلم وليتم صومه« رواه البخاري وهذا باب واسع. وأما الأجر على قدر الطاعة؛ فقد تكون الطاعة لله ورسوله في عمل ميسر كما يسر الله على أهل الإسلام »الكلمتين«، وهما أفضل الأعمال؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: »كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم« أخرجاه في الصحيحين ولو قيل الأجر على قدر منفعة العمل وفائدته لكان صحيحاً...

وقال أيضاً: فأما كونه مشقاً؛ فليس هو سبب لفضل العمل ورجحانه، ولكن قد يكون العمل الفاضل مشقاً ففضله لمعنى غير مشقته، والصبر عليه مع المشقة يزيد ثوابه وأجره، فيزداد الثواب بالمشقة، كما أن من كان بعده عن البيت في الحج والعمرة أكثر؛ يكون أجره أعظم من القريب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة في العمرة: »أجرك على قدر نصبك«، لأن الأجر على قدر العمل في بعد المسافة، وبالبعد يكثر النصب فيكثر الأجر، وكذلك الجهاد، وقوله صلى الله عليه وسلم: »الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأة ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران«، فكثيرا ما يكثر الثواب على قدر المشقة والتعب، لا لأن التعب والمشقة مقصود من العمل، ولكن لأن العمل مستلزم للمشقة والتعب، هذا في شرعنا الذي رفعت عنا فيه الآصار والأغلال، ولم يجعل علينا فيه حرج، ولا أريد بنا فيه العسر؛ وأما في شرع من قبلنا فقد تكون المشقة مطلوبة منهم. وكثير من العباد يرى جنس المشقة والألم والتعب مطلوباً مقرباً إلى الله؛ لما فيه من نفرة النفس عن اللذات والركون إلى الدنيا وانقطاع القلب عن علاقة الجسد، وهذا من جنس زهد الصابئة والهند وغيرهم.

ولهذا تجد هؤلاء مع من شابههم من الرهبان يعالجون الأعمال الشاقة الشديدة المتعبة من أنواع العبادات والزهادات، مع أنه لا فائدة فيها ولا ثمرة لها ولا منفعة...

وقال والناس أقسام:

- أصحاب »دنيا محضة« وهم المعرضون عن الآخرة.

- وأصحاب »دين فاسد« وهم الكفار والمبتدعة الذين يتدينون بما لَم يشرعه الله من أنواع العبادات والزهادات.

- و القسم الثالث: وهم »أهل الدين الصحيح أهل الإسلام المستمسكون بالكتاب والسنة والجماعة«.اهـ

»لولا أن أشق على أمتي«

كان النبي صلى الله عليه سلم رفيقاً بأمته مشفقاً على الجميع؛ أشفق على المرأة والرجل والطفل الصغير، وعلى الكبير والضعيف والمريض، وكان يحب الرفق في كل شأنه؛ لما روى البخاري (6024)، ومسلم (2165) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »يا عائشة! إن الله يحب الرفق في الأمر كله«. ولهذا كان لا يرى الشدة والمشقة على المسلمين، وأوصى بهم، ودعا بالخير لمن رفق بهم، ودعا بالمشقة في الدنيا والآخرة على من شد وشق على أمته، فقد روى مسلم في صحيحه (1828) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في بيتي هذا: »اللهم! من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم؛ فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم؛ فارفق به«.

فليتنبه كل من ادعى الاتباع والسير على إثر طريقة ومنهاج النبي صلى الله عليه وسلم، بالرفق واللين والتيسير بهذه الأمة، والبعد عن الشدة والتعسير، فلم يكن هذا المسلك يوما ما؛ منهجاً صالحا ولا طريقاً مستقيماً، فالشدة أبعد ما تكون عن هذا الدين، وإن محاسن الإسلام وميزته عن مختلف الشرائع والمناهج الأخرى؛ هو في رفقه ويسره، والتبشير بالخير، والبعد عن التنفير.

لولا أن أشق على....

(أ) روى البخاري (571)، ومسلم (642) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر بن الخطاب فقال الصلاة قال عطاء: قال ابن عباس: فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إليه الآن يقطر رأسه ماء واضعا يده على رأسه فقال: »لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا«.

(ب)روى البخاري(887)، ومسلم (252) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة«.

(ج) وروى البخاري(36)، ومسلم (1876) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »تضمن الله لمن خرج في سبيله؛ لا يخرجه إلا جهاداً في سبيلي، وإيماناً بي وتصديقاً برسلي، فهو علي ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه؛ نائلا ما نال من أجر أو غنيمة، والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين؛ ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله أبداً، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة، ويشق عليهم أن يتخلفوا عني، ولوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل«.

* قال النووي في شرح صحيح مسلم: قوله: »والذي نفس محمد بيده لولا أن يشق على المسلمين؛ ما قعدت خلاف سرية تغزو في سبيل الله« وفيه: ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على المسلمين والرأفة بهم، وأنه كان يترك بعض ما يختاره للرفق بالمسلمين، وأنه إذا تعارضت المصالح بدأ بأهمه. وفيه: مراعاة الرفق بالمسلمين، والسعي في زوال المكروه والمشقة عنهم. اهـ

(د) وروى البخاري (707) في صحيحه من حديث أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي - قال: »إني لأقوم في الصلاة أريد أن أطول فيها، فأسمع بكاء الصبي، فأتجوز في صلاتي؛ كراهية أن أشق على أمه«.

لا ينكر المصلي قائما على المصلي قاعداً

ولذا علينا مراعاة أحوال الناس في الدعوة إلى كتاب الله وسنة نبيه، فقد أُمرنا بالتيسير وترك التعسير، في العمل وفي الدعوة إلى هذا الدين تعليمًا وتفهيماً، كما روى البخاري في صحيحه (220) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: »فإِنَّما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين«، وقد بوب محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله في صحيحه باباً خاصاً في كتاب العلم تحذيراً من التنفير قال: »باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا«، وَأَوْدَعَ فيه ما رواه البخاري (69)، ومسلم (1734) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا«. وأعاد ذكره في كتاب الأدب - باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: »يسروا ولا تعسروا«، وكان يحب التخفيف واليُسر على الناس - وروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »يسروا ولا تعسروا، وسكِّنوا ولا تُنَفِّروا«، فدعا إلى التيسير ونهى عن المشقة على العباد بقوله: »ولا تُنَفِّروا«، فالدعوة إلى ما فيه عسر ومشقة على الناس تنفره منه النفوس وتأباه، وقال الحافظ في الفتح: قوله: »يسروا« هو أمر بالتيسير، والمراد به: الأخذ بالتسكين تارة؛ وبالتيسير أخرى؛ من جهة أن التَّنفير يصاحب المشقة غالباً وهو ضد التَّسكين، والتَّبشير يصاحب التسكين غالبا وهو ضد التَّنفير.اهـ. وعند النظر إلى منهاج هذه الشريعة بالطلب والحث على أن تكون الطاعة والمتابعة والامتثال على قدر الاستطاعة، فالكل مطيع بقدر استطاعته، والكل قد أدى واجب الطاعة، والكل قد أدى الصلاة، [فلا ينكر المصلي قائما على المصلي قاعداً، فإن من عجز عن القيام ففرضه الجلوس وليس القائم بأفضل منه بالنص والإجماع] فقد روى البخاري في صحيحه (1117) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كانت بي بواسير فسألتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: »صَلِّ قائماً فإن لَم تستطع فقاعداً فإن لَم تستطع فعلى جنب«.

وفي العدد المقبل بإذن الله نذكر الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك والحمد لله رب العالمين.



تاريخ النشر 23/03/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:27 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (5)




د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نكمل ما وقفنا عنده في العدد السابق من ذكر الأدلة:

أدلة من كتاب الله:

1- قال تعالى: { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } [البقرة : 185].

2- وقال تعالى:{ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 233]، وقال تعالى: { لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا } [البقرة: 286]، وقال تعالى:{ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } [الأنعام: 152].

3- وقال تعالى: { وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ } [الحج : 78].

4- وقال تعالى: { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ }[التغابن: 16].

أدلة من السنة:

5- وروى البخاري (7288)، ومسلم (1337) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »دعوني ما تركتكم، إِنَّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم«.

6- وروى البخاري (7202)، ومسلم (1867) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة يقول لنا: »فيما استطعتم«. وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعد ذلك يبايع على سنة الله ورسوله على قدر الاستطاعة، ودليلنا ما رواه البخاري (7203، 7205، 7272)، في صحيحه عن عبد الله بن دينار، أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك بن مروان يبايعه؛ وأقر لك بذلك بالسمع والطاعة، على سنة الله وسنة رسوله؛ فيما استطعت.

6- وروى البخاري (7204)، ومسلم (56) في صحيحيهما من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني: »فيما استطعت والنصح لكل مسلم«.

7- وروى البخاري (5862)، ومسلم (782) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »يا أيها الناس! عليكم من الأعمال ما تطيقون«.


»وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت«


8- وروى البخاري (6306، 6323)، في صحيحه من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك [ما استطعت]، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء لك بذنبي، فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت«،. قال: »ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة«.

وقوله: »ما استطعت«؛ أي: قدر استطاعتي، وهو الشاهد من ذكر حديث شداد بن أوس. قال الحافظ ابن حجر في الفتح (11/100): قوله : »ما استطعت«: إعلام لامته أن أحداً لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله، ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم، فرفق الله بعباده؛ فلم يكلفهم من ذلك إلا وسعهم.اهـ


منع حظوظ النفس عن التطاول على عباد الله


قلت: قوله: »وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت«؛ أي: أنا على الطريقة والمنهاج ما استطعت إلى ذلك سبيلا، ولا يمنعني إلا العجز والعذر وعدم القدرة، فيا عباد الله! من كان من أمة الإسلام على قواعد سليمة، وجعل الميزان الشرعي في دينه ودنياه؛ هو الكتاب والسنة، فالواجب إحسان الظن به، وعلينا الإعراض عن الهوى وإيقاف حظوظ النفس التي تتطاول على عباد الله. ومن حظوظ النفس شهوة التقليد؛ ومحبة أن يسمع لها، ولا تخالف في رأي وقول أو فعل، بل تريد الانقياد دون طلب الحجة والدليل، وهي قاعدة فرعون؛ التي تجمع الضلال: [الانحراف والشدة]، قال تعالى: { قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } [غافر:29]، ولذا يجب أن تروض تلك النفوس المريضة، وتعي وتعرف أنه قد خولف من هو أولى منها كالأفاضل من الصحابة والتابعين والأئمة المشهورين.

9- روى البخاري (1150)، ومسلم (784) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: »ما هذا؟« قالوا: لزينب تصلي، فإذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: »حلوه ليصل أحدكم نشاطه فإذا كسل أو فتر قعد«.


التقليد يصد الناس عن الصراط المستقيم


ثالثاً: عدم التقليد وذمه:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

هذا أحد الأصول والضوابط التي تعين على فهم المنهاج

وقال تعالى:{ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } [التوبة: 31].

قيل شعراً كما في كتاب جامع بيان العلم وفضله (2/169) لحافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر رحمه الله:

فجاهد وقلِّد كتاب الإله

لتلقى الإله إذا مُتَّ به

فقد قلَّدَ الناسُ رُهبـانَهم

وكلٌّ يُجـادل عن راهبـه

وللحق مسـتنبط واحـد

وكُلٌّ يَرَى الحقَّ في مذهبه

ففي ما أرى عجب غير أن

بيان التفرق من أعجبه

قال الله تعالى:{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } [الأعراف: 33]، وقال تعالى:{ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [الإسراء: 36]، والتقليد ليس بعلم باتفاق أهل العلم، وما ليس بعلم فهو جهل ولذلك استحق الذم.


ونسب للشافعي:

كل العلوم سوى القرآن مشغلة

إلا الحديث وإلا الفقه في الدين

العلم ما كان فيه قــــال حدثنا

وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وقال شرف الدين ابن أبي الفضل السلمي المرسي(655):

من كان يرغب في النجــاة فما له

غير اتباع المصـــطفى فـيما أتى

ذاك الســبيل المسـتقيم وغـــيره

سبل الضلالة والغواية والردى

فاتبع كتــاب الله والســنن التي

صحت فذاك إذا اتبعت هو الهدى

ودع السـؤال بكـم وكيـف فإنه

بـاب يجر ذوي البصـيرة للعمى


الإسلام جاء لمنع التقليد وإزالة ما جبل عليه الناس


لقد جُبل الناس منذ بدء الخلق على التقليد والمشابهة والمحاكاة حتى أن بعضهم تأثر بطباع البهائم التي عاش معها وخالطها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط(1/219): ولأجل هذا الأصل وقع التأثر والتأثير في بني آدم، واكتساب بعضهم أخلاق بعض بالمشاركة والمعاشرة، وكذلك الآدمي إذا عاشر نوعاً من الحيوان اكتسب من بعض أخلاقه، ولهذا صارت الخيلاء والفخر في أهل الإبل، وصارت السكينة في أهل الغنم، وصار الجمالون والبغالون فيهم أخلاق مذمومة من أخلاق الجمال والبغال، وكذلك الكلابون، وصار الحيوان الإنسي فيه بعض أخلاق الإنس من المعاشرة والمؤالفة وقلة النفرة، فالمشابهة والمشاكلة في الأمور الظاهرة توجب مشابهة ومشاكلة في الأمور الباطنة على وجه المسارقة والتدريج الخفي. اهـ

فإن ما نراه من تقليد الأبناء للآباء، وتقليد الإخلاء، وتعصب التلاميذ للمشايخ والأولياء؛ هو من أعظم ما ابتليت بها البشرية، وما هو إلا نوع محاكاة ومشابهة ومتابعة من غير حجة، ولذا لا غرابة أن تكون المشاكلة والتقليد أصلا من أصول الشر والضرر الذي تتابع على الأمم وعظمت به البلية، وكان لقضية التقليد أهمية عظيمة في كتاب الله، ووجدت من الشرع اعتناء وتنبيهاً، بالتحذير منه تارة، وأخرى بالنهي عنه؛ وذلك من أجل نزع الرواسب وهدم العوائق التي في العقول، حتى تصبح عقولا غير ملوثة؛ بيضاء نقية، تقبل الحق وتذعن له، وهذا أمر يهيئ الناس ليصبحوا على استعداد لقبول ما أنزل إليهم من رب العالمين، وما جاء على لسان المرسلين، فلابد للأسوار التي بنيت من لبنات التقليد أن تزال، والحواجز التي نشأت من محاكاة الآخرين تهال، فلا وجود لما يحول بين الناس والحق المبين، وما يكون سببا لرفض الخير وعدم قبول ما جاء من عند الله.

وفي الفتح الرباني للشوكاني (5/2128) قال في ديوانه:

وبــادر بإلقــاء القـلادة مسرعاً

فإن الرضـى بالأسْر أعظمُ خِــزْيَةِ

فما فاض من فضلِ الإله على الألى

مَضُوْا فَهْوَ فَيَّاضٌ عليك بحكمةِ

فما جـاءنا نَقْلٌ بقصـرٍ ولا أتى

بذلكَ حُكمٌ للعُقُول الصحيحةِ

ولا تك مطواعاً ذلولاً لرائضٍ

تصير بهذا مُشْبِهـاً للبهيــــمةِ

فهذا هو الدَّاءُ العُضالُ الذي سَرَى

بهذا الوَرَى بلْ أَصْلُ كُلُّ بَليَّةِ

ومن اعرض وقلد ما عليه الآخرون بعد بيان الدليل وظهور الحجة، فإنه مكب على فعل من جنس فعل المشركين الذين ردوا الحق ورفضوه بقولِهم:{ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } [الزخرف: 24]، ولن ينفعه حينئذ رد الحق بحجة التقليد، وليس بنافعه من قلده يوم القيامة، بل يتبرأ المقَلَّدُ من المُقَلِّدِ، وتدبر قوله تعالى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا }[سبأ :31-33]، وقال تعالى: { إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ }[البقرة :166-167].

قال ابن القيم فِي أول كتابه »القيّم إعلام الموقعين«:

ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا وكل إلى ربهم راجعون، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ورءوس أموالهم التي بها يتجرون وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون.اهـ

وللحديث بقية في العدد المقبل بإذن الله تعالى، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر 30/03/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:29 PM
ما المنهاج والمنهج؟ (6)



د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

مازلنا مع بيان أصول وضوابط تعين على فهم المنهاج، ونكمل اليوم الأصل الثالث وهو: عدم التقليد ونبذه، فنقول:

الافتتان بتقليد المشايخ والمذاهب والأحزاب سراب بقيعة

إن افتتان بعض الناس بالتعصب للأحزاب والمراجع والمذاهب وذلكم اللهث خلف فرق وجماعات فارقت جماعة المسلمين، ما هو إلا السراب بعينه، قال تعالى: { أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا } (النور:39)، والتاريخ خير شاهد، فلا تلتفتوا إلى فتاوى العواطف، - وفاقد الشيء لا يعطيه- ، أناس اتبعوا غيرهم على غير بصيرة، وتجمعات مفتقرة إلى الحجة والبرهان، فمن المتعذر أن الأمر الذي أذاعوه، والشيء الذي أشاعوه؛ قائم علَى الأدلة والبراهين والقواعد الشرعية، قال تعالَى:{ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ } (الحج :3)، قال ابن كثير في تفسيره: وهذا حال أهل البدع والضلال المعرضين عن الحق المتبعين للباطل يتركون ما أنزله الله على رسوله من الحق المبين ويتبعون أقوال رؤوس الضلالة الدعاة إلى البدع بالأهواء والآراء ولهذا قال في شأنهم وأشباههم: { وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ }؛ أي: علم صحيح ا. هـ.

تعريف التقليد وبيان المراد بالحجة

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (173/2):

قال أبوعبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: التقليد: معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وهذا ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.

وما المراد بالحجة؟

إن الحجة قد حُصرت فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى:{ رُسُلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ } (النساء: 165)، ويؤيِّدُه قوله تعالى: { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } (الإسراء: 15)، وقوله تعالى: { وَلَوْ أَنَّآ أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ ونخزى } (طه : 134)، وقوله تعالى: { ولولا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتِّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ المؤمنين } (القصص: 47).

وهذا بيان واضح وجلي من كلام الله عز وجل في أن الحُجَّة فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في كلام غيره من البشر حجة وبرهان.

»ربي الله وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم«

ودليل الحجة في السنة:

قوله: »وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم«: إن هذا الجواب هو القول الصواب لمن أخذ دينه مشافهة من النبي صلى الله عليه وسلم، أو بالنقل والبلاغ عنه، ولم يلو على غيره، ويتخذ أقواله وأفعاله حجة وديناً يمتحن الخلق به، فاعلم يا عبد الله أن التثبيت في البرزخ كائن من الله عز وجل للذين آمنوا واتخذوا من رسوله وحده حجة في معرفة دين الله جملة وتفصيلا، ولا حجة في أحدٍ دونه، قال تعالى: { أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ } (الشورى: 21)، وذلك عند السؤال في القبر عن المبلغ لدين الإسلام الذي فرضه الله على العباد، فلن يسأل أحد عن غيره، فهو المبلغ لهذا الدين عن الله عز وجل، وما بعده نقلة عنه يذكرون الحجج والبراهين والأدلة التي بلغها للعباد.

وهو الحجة وحده؛ لقوله: »ألا هل بلغت؟«

حيث قال الرسول صلى الله عنه وسلم في حجة الوداع فيما رواه البخاري (1741)، ومسلم (1679) في صحيحيهما من حديث أبى بكرة رضي الله عنه: »ألا هل بلغت؟«، قالوا: نعم، »اللهم! اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مُبَلَّغٍ أوعى من سامع«، فلا حُجَّة في أحدٍ دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان ما ذكرنا من امتحان وسؤال القبر وتثبيت الله للمؤمنين على الحق، فقد روى دليله مسلم في صحيحه (2871) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ } قال: نزلت في عذاب القبر، فيقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم فذلك قوله عز وجل: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }. وأصله في صحيح البخاري (4699) وفي لفظ للترمذي في سننه (3120) عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ }، قال: »في القبر إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟«. والحديث صحيح، ورواه النسائي على شرط مسلم في سننه (2057) ولفظه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ } قال: »نزلت في عذاب القبر يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي الله وديني دين محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ } .

{ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ }

وهنا العجب من أمر المقلدة!! فهؤلاء القوم إذا دعوا إلى كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، جعلوا الحجة فيما عليه الأحزاب والمذاهب وأرباب الطرق، أولو جئتكم بأهدى مما عليه الأحزاب؟!، أولو جئتكم بأهدى مما عليه متعصبة المذاهب وأصحاب الطرق؟!،أولو جئتكم بأهدى مما عليه أساتذة المراجع والزوايا؟! واتخذوا من المراجع والفقهاء والمشايخ ملجأً يلوذون به، ولقد بَيَّنَ اللهُ تعالى حالَهم فِي كتابِه بقولهِ: { وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ }، وكان الإعراض منهم عن داعي الحق والصراط المُستقيم الذي تحداهم بالبراهين والحجج الدامغة بقوله: { قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ } (الزخرف: 23).

وإليك بعض الأدلة:

1- قال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ } (البقرة:170) .

2- وقال تعالى:{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ }(المائدة: 104).

وهذا ما ذكره أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه عندما أجاب عن سؤال هرقل فيما كان يدعو النبي إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

3- وروى البخاري في صحيحه (7) في حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه أن أبا سفيان أخبره أن هرقل أرسل إليه في- الحديث الطويل- قال: »ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا به شيئاً واتركوا ما يقول آباؤكم«.

4- قال تعالى: { .. وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } (المائدة: 77). في كلام الله نهي عن اتباع الأهواء والشعارات المحدثة في الدين؛ فهو سبب ضلال الأمم، وبه كانت الفرقة والاختلاف من قبل في الأمم السالفة، وهو السبب ذاته لنشأة الفرق والطوائف من بعد في هذه الأمة . ففي كل أمة أتباع للأنبياء وأنصار، وآخرون مخالفون أتباع هوى ومحدثو ضلالة. روى مسلم في صحيحه (50) من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي؛ إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف؛ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل«.

5- وقال تعالى:{ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا من دونه أولياء قليلا ما تَذَكَّرُونَ } (الأعراف: 3).

6- وقال تعالى:{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (الزخرف: 23- 24).

7- وقال تعالى: { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ } (التوبة: 31). أي: علماءهم وقرّاءهم، ولأنهم أطاعوا علماءهم في المأمورات والمنهيات، فشابهت تلك الطاعة؛ طاعة الرب والإله المعبود. فأصبحوا بمنزلة من اتخذ أرباباً من دون الله.

8- وقال تعالى: { إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (الأنبياء:52-53)

9- وقال تعالى: { وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ } (الأحزاب: 67).

التشبيه بين التَّقْلِيدَيْنِ بغير حجة للمقلِّد

قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (2/160):

قال أبو عمر: وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من جهة الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر؛ وإنما وقع التشبيه بين التَّقْلِيدَيْنِ بغير حجة للمقلِّد، كما لو قَلَّد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحدٍ ملوماً على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضاً وإن اختلفت الآثام فيه. وقال الله عز وجل: { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ } (التوبة: 115) وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضاً، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا؛ وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك .اهـ

التقليد استهزاء بالأدلة الشرعية

وقال الشوكاني في فتح القدير عند قوله تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ( الأنعام: 68 )، وفي هذه الآية باعتبار عموم لفظها الذي هو المعتبر دون خصوص السبب؛ دليل على اجتناب كل موقف يخوض فيه أهله بما يفيد التنقص، والاستهزاء للأدلة الشرعية، كما يقع كثيراً من أسراء التقليد الذين استبدلوا آراء الرجال بالكتاب والسنة، ولم يبق في أيديهم سوى (قال إمام مذهبنا كذا، وقال فلان من أتباعه بكذا، وإذا سمعوا من يستدل على تلك المسألة بآية قرآنية، أو بحديث نبوي سخروا منه، ولم يرفعوا إلى ما قاله رأساً، ولا بالوا به بالة، وظنوا أنه قد جاء بأمر فظيع، وخطب شنيع، وخالف مذهب إمامهم الذي نزلوه منزلة معلم الشرائع، بل بالغوا في ذلك حتى جعلوا رأيه العايل، واجتهاده الذي هو عن منهج الحق مائل، مقدّماً على الله، وعلى كتابه، وعلى رسوله)، { إنا لله، وإنا إليه راجعون }، ما صنعت هذه المذاهب بأهلها، والأئمة الذين انتسب هؤلاء المقلدة إليهم براء من فعلهم، فإنهم قد صرّحوا في مؤلفاتهم بالنهي عن تقليدهم، كما أوضحنا ذلك في رسالتنا المسماة بـ »القول المفيد في حكم التقليد«، وفي مؤلفنا المسمى بـ »أدب الطلب ومنتهى الأرب« اللهم! انفعنا بما علمتنا، واجعلنا من المقتدين بالكتاب والسنة وباعد بيننا وبين آراء الرجال المبنية على شفا جرف هار، يا مجيب السائلين ا. هـ.

مثال فِي التجرد لله

والبحث عن الحق ولو كان ثمنه مخالفة الأفاضل

وطلباً للاتباع وهدماً للتقليد هذا سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة يخالف الآباء وبقول مسند صحيح: (وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع )، فخالف أباه عبد الله بن عمر، وخالف جدَّه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، في بعض أحكام الحج، يخالف أباه الذي كانت تضرب به الأمثال في اتباع السنة واقتفاء الأثر، وجده ثاني الخلفاء الراشدين وأحد المبشرين بالجنة، وهما من أكثر الناس دعوة للتجرد واتباعاً للحق، فقد عرف سالمٌ أن الحق ليس باتباع هوىً أو تقليد أب، ولكنه بالثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك ما سواه، ولو كان من أقرب الناس، وقد ذهب عبد الله بن عمر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إلى أن من رمى جمرة العقبة وحلق؛ حل له كل شيء إلا النساء والطيب، والدليل ما رواه مالك في الموطأ (491): بسند صحيح عن ابن عمر يقول: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من رمى الجمرة ثم حلق أو قصر ونحر هدياً إن كان معه حل له ما حرم عليه في الحج إلا النساء والطيب، حتى يطوف بالبيت. وخالفت عائشة رضي الله عنها بأنه يحل كل شيء إلا النساء، لما صح من رواية أحمد في المسند (6/107): عن عمرو، عن سالم بن عبد الله، عن عائشة قالت: طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى قبل أن يزور البيت. وحديث عائشة أصله رواه البخاري (1754)، ومسلم (1189) في صحيحيهما. وروى ابن خزيمة في صحيحه (4/303):بسند صحيح عن عمر وابن دينار قال: سمعت سالما يقول: قالت عائشة: أنا طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، و سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.

وقال عبد الله بن عمر: أأمر أبي نتبع،

أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

وكذلك عبد الله بن عمر لم يقلد أباه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، واتبع ما عليه الدليل والحجة لما رواه الترمذي في سننه (824) بإسناد صحيح عن ابن شهاب، أن سالم بن عبد الله حدثه: أنه سمع رجلاً من أهل الشام، وهو يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج؟ فقال: عبد الله بن عمر: هي حلال، فقال الشامي: إن أباك قد نهى عنها، فقال عبد الله بن عمر: أرأيت إن كان أبي نهى عنها، وصنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أأمر أبي نتبع، أم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال الرجل: بل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كان عمر بن الخطاب وقافاً عند كتاب الله

روى البخاري في صحيحه (4642، 7286) في كتاب التفسير وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة - باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم - حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فنزل على بن أخيه الحر بن قيس بن حصن، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجلس عمر ومشاورته؛ كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي! هل لك وجه عند هذا الأمير فتستأذن لي عليه؟ قال: سأستأذن لك عليه، قال ابن عباس: فاستأذن لعيينة، فلما دخل، قال يا ابن الخطاب! والله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر، حتى هم بأن يقع به، فقال الحر: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ } (الأعراف: 199)، وإن هذا من الجاهلين، فوالله، ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقافاً عند كتاب الله .

قال ابن القيم في مقدمة إعلام الموقعين

ونختم بما قال ابن القيم في مقدمة إعلام الموقعين: فتنة عمت فأعمت، ورمت القلوب فأصمت، تربى عليها الصغير، وهرم فيها الكبير، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطوراً، ولما عمت بِها البلية وعظمت بسببها الرزية بِحيث لا يعرف أكثر الناس سواها، ولا يعدون العلم إلا إياها، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون، ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون، نصبوا لِمن خالفهم في طريقتهم الحبائل، وبغوا له الغوائل، ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد، وقالوا لإخوانِهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد.

فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء، ولا يرضى لها بما لديهم، وإذا رفع له علم السنة النبوية؛ شَمَّرَ إليه ولم يحبس نفسه عليهم، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور؛ ويحصل ما في الصدور، وتتساوى أقدام الخلائق فِي القيام لله، وينظر كل عبد ما قدمت يداه، ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين، ويعلم المعرضون عن كتاب رَبِّهم وسنةِ نبيهم أَنَّهم كانوا كاذبين ا. هـ.

قال ابن القيم في نونيته:

يا من يريد نجاته يوم الحسا ب

من الجحيم ومـوقد النيران

اتبــع رســول الله في الأقو

ال والأعمال لا تخرج عن القرآن

وخذ الصحيحين اللذين هما

لعقد الدين والإيمان واسطتان

واقرأهما بعد التجرد من هوى

وتعصب وحمية الشيطان

واجعلهما حكما ولا تحكم على

ما فيها أصلا بقول فلان

وانصر مقالته كنصرك للذي

قلدته من غير ما برهان

قدر رسول الله عندك وحده

والقول منه إليك ذو تبيان

ماذا ترى فرضا عليك معيناً

إن كنت ذا عقل وذا إيمان

عرض الذي قالوا على أقواله

أو عكس ذاك فذانك الأمران

هي مفرق الطرقات بين طريقنا

وطريق أهل الزيغ والعدوان

قدر مقالات العباد جميعهم

عدما وراجع مطلع الإيمان

فالرب رب واحد وكتابه

حق وفهم الحـق منـه دان

ورسوله قد أوضح الحق المبيــــن

بغاية الإيضـاح والتبيان

ما ثم أوضح من عبارته فلا

يحتاج سامعها إلى تبيان

والنصح منه فوق كل نصيحة

والعلم مأخوذ عن الرحمن

فلأي شيء يعدل الباغي الهدى

عن قوله لولا عمى الخذلان

فالنقل عنه مصدق والقول من

ذي عصمة ما عندنا قولان

والعكس عند سواه في الأمرين يا

من يهتدي هل يستوي النقلان

تالله قد لاح الصباح لمن له

عينان نحو الفجر ناظرتان




تاريخ النشر 06/04/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:32 PM
ما المنهاج والمنهج؟!(7)




د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء وخاتم النبيين؛أما بعد:

في عدد اليوم نحن مع أصل جديد وضابط لعله يعين المسلمين على معرفة المنهاج والاستدلال على الطريق الواضح والصراط المستقيم.


رابعاً: والرد عند الخلاف إلى قول الله ورسوله


والإعراض عن أقوال البشر


لكي يوفق العبد إلى السداد والتوفيق؛ فلا بد أن يعظم الوحي، ويجعل من الكتاب والسنة مرجعاً في شأنه كله، فعندما يكون تنازع وخلاف؛ فالواجب عليه طرح جميع الأقوال والأفعال والإعراض عنها، وييمم أمره إلى كلام الله، وأقوال وأفعال رسوله، فإن فيها الفصل، وجمع الكلمة، واتحاد الصف، وقطع مادة الخلاف، وقد حث الله تعالى على ذلك بقوله: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا } [آل عمران: 103]، وحذر من التفرق والاختلاف، لقوله: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ } [آل عمران: 105]، ولقوله: { وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ } [الشورى: 10].

يمم هديت مدارج السلف الألى

نشؤوا على التفريع والتأصيل

واسلك سبيلهم فانك فرع من

سـاس الورى بدلائل التنزيل


لماذا رد التنازع عند الخلاف للكتاب والسنة

-1 تعظيم الكتاب والسنة هو دين الإسلام، والكتاب والسنة هي مصادر هذا الدين.

-2 الإعلام بأن ميزان الحق هو السبيل الوحيد لجمع المختلفين والمتنازعين.

-3 تمييز العباد والأتقياء من الأدعياء.

-4 وضوح المتجردين لله ولرسوله لتقديم الكتاب والسنة.


الحرص على العبادة حتى يوفق العبد إلى الاستقامة


قال تعال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [لبقرة: 208-209]، وقوله: { فَإِنْ زَلَلْتُمْ }؛ أي: انحرفتم عن طريق الاستقامة، وأصل الزلل في القدم، كما في قوله تعالى: { وَلاَ تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } [النحل:94]، ثم نُقل الاستعمال إلى العقائد والأعمال، ولهذا كان دأب النبي صلى الله عليه وسلم العمل والدعاء بالثبات على الحق في جميع أحواله عند الاختلاف وفي غير ذلك، وكان يردد قوله: »أفلا أكون عبدا شكورا«، رواه البخاري(4837)، ومسلم (2820) في صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها، وروياه [البخاري(1130)، ومسلم(2819)] من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، وروى مسلم في صحيحه (770) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال:سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت: كان إذا قام من الليل؛ افتتح صلاته: »اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم«؛ أي: اهدنا إلى الصراط المستقيم.


الأدلة:


-1 قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا } [ النساء: 59]؛أي: أن أمر الإيمان متعلق بالرد على كتاب الله وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، وإلى سنته بعد مماته.


رد التنازع بين عبد الله بن العباس

والمسور بن مخرمة إلى السنة

روى البخاري (1840)، ومسلم (1205) في صحيحهما من طريق إبراهيم بن عبد الله بن حنين عن أبيه أن عبد الله بن العباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه، وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه، فقال: من هذا ؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين أرسلني إليك عبد الله بن العباس، أسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم ؟ فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر، وقال: هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل.


ابن عباس يرد التنازع إلى السنة المعصومة


رغم فضيلة وعلم الشيخين والخليفتين الراشدين رضي الله عنهما، كان من الأمور الواضحات والقضايا المسلمات لدى ابن عباس رضي الله عنه عدم عصمة أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، مهما بلغ من الفضل والمقام، وقد روى أحمد في المسند (252/1) بسند صحيح من طريق ابن أبي مليكة قال: قال عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا بن عباس! قال ما ذاك يا عروة؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج؟! وقد نهى أبو بكر وعمر، فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عروة: كانا هما أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم واعلم به منك وفي بعض ألفاظ روايات أحمد في المسند (337/1) وغيره: أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ويقول: نهى أبو بكر وعمر. والشاهد موقف ابن عباس عند الخلاف في مسألة رغم فضيلة المخالف.

-2 وقال تعالى: { وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } [النساء: 83 ].

-3 وقال تعالى: { فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [النساء: 65 ].

-4 وقال تعالى: { إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ المفْلِحُونَ } [النور: 51 ].

-5 وقال تعالى: { إِنِ الحكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ } [يوسف:40]. ومن عبادة الله وطاعة نبيه التحاكم في كل شؤون الحياة والطاعة والاتباع لمحكم التنزيل فلا مشاركة لأحد من الأولياء والمشايخ والمذاهب والطرق والأحزاب في حسم الخلاف والنزاع والتشريع.

-6 وقال تعالى: { وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ } [الشورى: 10].

-7 وقال تعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلًا مُبِينًا } [الأحزاب: 36].

-8 وقال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [الحجرات: 1]؛ أي: لا تقدموا قولاً ولا فعلاً بين يدي الله ورسوله بل الإمساك عن ذلك حتى تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله، وهنا كما تقدم بيانه؛ يُعلم الأتقياء المتجردون لرب العالمين من الأدعياء الذين يتمسحون بهذا الدين، ويدعون محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم لا يقيمون لكلامه وزناًً.

وسنذكر بأصل جديد في العدد القادم، والحمد لله رب العالمين





تاريخ النشر 13/04/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:34 PM
ما المنهاج والمنهج؟! (8)




د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله رب العلمين والصلاة والسلام على الهادي الأمين؛ أما بعد:

في عدد اليوم نحن مع خامس الضوابط والأصول لعل فيها نفع يعين المسلمين إلى معرفة المنهاج والاستدلال على الطريق الواضح المبين والصراط المستقيم.


خامساً: عدم الغلو في الدين ومجاوزة الشرع.


تعريف الغلو:

والغُلوُّ: هو مُجاوزةٌ للحدِّ، ومفارقةٌ للحقِّ، ولذلك عُرفَ الغلو عند بعض أهل العلم: بتجاوزِ الحقِّ وتَخَطِّيهِ، بالإعراض عن الأَدِلَّةِ، واتباعِ الشُّبَهِ، كما هو حال وفعل أهل الأهواء والبدع، وهذا الفعل سبب رئيس في الهلاكِ الذي أصاب الأمم قبل هذه الأمة، التي جنحت إلى الغلو في الدين، والانحراف عن طريق الأنبياء والمرسلين، ولذلك نهى الله في مُحكم التَّنزِيلِ عن طريق المشركين، ووصفهم بِمفارقة الحقِّ عندما غَلوا في الدين، فقال تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ }[المائدة:77].

في العلم والغُلوِّ في الدين والبدع]

وقال البخاري في الصحيح في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: [باب ما يُكره من التَّعَمٌّق والتنازع في العلم والغُلوِّ في الدين والبدع] لقوله تعالى:{ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ } [النساء:171].

وأَتْبَعَهُ بما رواه البخاري(7299)، ومسلم(1103) في صحيحهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »لا تواصلوا«، قالوا: إنك تواصل، قال: »إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني«، فلم ينتهوا عن الوصال، قال: فواصل بهم النبي صلى الله عليه وسلم يومين أو ليلتين، ثم رأوا الهلال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »لو تأخر الهلال لزدتكم«. كالمنكي لهم.

قوله: (كالمنكي لهم)؛ أي: عقوبة لهم لعدم طاعته عند النهي، والتحذير من التشديد على أنفسهم في دين الله، والغلو بمجاوزة ما شرع لهم.


»أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّين«

واعلم أن أمر الغلو في الدين قد بَيَّنه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لأصحابه وَأُمَّتِهِ من بعده، وحذر من هذا الانحراف، وخطورته على الإسلام، فإليك ما رواه الإمام أحمدُ في المسند (1754) والنَّسائيُّ في سننه (3057) وابن ماجه في سننه واللفظ له (3029) بسند صحيح مِن حديث ابن عباس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غداة العقبة، وهو على ناقته: »القُطْ لي حصىً«، فلقطت له سبع حصيات، هُنَّ حصى الْخَذْف، فجعل يَنْفُضُهُنَّ في كَفِّه، ويقول: »أمثال هؤلاء فارموا«، ثم قال: »يا أيُّها النَّاس! إيَّاكم والغُلُوَّ في الدِّين، فإنه أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدِّين«. وروى أحمد في المسند (3/444) مما صح من حديث عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »تعلموا القرآن فإذا علمتموه؛ فلا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به«.

* والأدلة من كتاب الله:


{ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ }

-1 قال الله تعالى: { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } [المائدة: 77]، قال ابن كثير في التفسير؛ أي: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تُطْروا من أمرتم بتعظيمه فتبالغوا فيه، حتى تخرجوه عن حَيّز النبوة إلى مقام الإلهية، كما صنعتم في المسيح، وهو نبي من الأنبياء، فجعلتموه إلهاً من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال، الذين هم سلفكم ممن ضل قديمًا، { وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ }؛ أي: وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال، إلى طريق الغواية والضلال.اهـ


{ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا }

-2 وقال تعالى: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }[هود:112 ]. قال البغوي في تفسيره: { وَلا تَطْغَوْا } لا تجاوزوا أمري ولا تعصوني، وقيل: معناه ولا تغلوا فتزيدوا على ما أمرتُ ونهيتُ. اهـ

وقال الشوكاني في فتح القدير: ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه، فقال: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ }؛ أي: كما أمرك الله، فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه، لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه، كما أمره بفعل ما تعبده بفعله، وأمته أسوته في ذلك، ولهذا قال: { وَمَنْ تَابَ مَعَكَ }؛ أي: رجع من الكفر إلى الإسلام، وشاركك في الإيمان، وهو معطوف على الضمير في { فَاسْتَقِمْ } ؛ لأن الفصل بين المعطوف والضمير المرفوع المعطوف عليه يقوم مقام التأكيد:أي: وليستقم من تاب معك، وما أعظم موقع هذه الآية وأشدّ أمرها، فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة، { وَلاَ تَطْغَوْا } الطغيان: مجاوزة الحد، لما أمر الله سبحانه بالاستقامة المذكورة؛ بين أن الغلوّ في العبادة، والإفراط في الطاعة على وجه تخرج به عن الحد الذي حدّه، والمقدار الذي قدّره؛ ممنوع منه منهيّ عنه، وذلك كمن يصوم ولا يفطر، ويقوم الليل ولا ينام، ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه، ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: »أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأنكح النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني«، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته تغليباً لحالهم على حاله، أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة.اهـ

قلت: الحديث بتمامه رواه البخاري (5063)، ومسلم(1401) في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا؛ كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: »أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إِني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني«.


{ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }

-3 قال تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ }[المائدة: 87]، ولا تتعدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرّم عليكم، وقد يكون المراد بالنهي عن الاعتداء عدم مجاوزة الحد بتحريم الحلال والمباح، أو يكون التجاوز بالإسراف في الحلال والمباح.


{ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ }

-4 قال تعالى:{ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ }[ المائدة: 66]. وقوله: { مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ }: معنى مقتصدة؛ أي: عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ومجاوزة للحق بالإفراط، ولا تقصير يؤدي إلى الفسق والكفر.ولذلك قال تعالى:{ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ }.


{ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ }

-5 قال تعالى:{ وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ } [الأعراف:181]، { وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ }؛أي: أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله:{ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ }؛أي: يدعون ويعملون بهذا الحق، { وَبِهِ يَعْدِلُونَ } ؛أي: بالدعوة والعمل بالحق يعدلون، فيجعلون الأمور متعادلة، بلا زيادة تؤدي إلى الغلو والإفراط، ولا نقص يؤدي إلى الخلل والتفريط، وهذه العدالة في الدعوة والعمل بالحق؛ هو نهج الطائفة المنصورة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه الطائفة رويت من طريق بعض الصحابة، ومنهم رواية معاوية ابن أبي سفيان رضي الله عنهما، فقد روى البخاري (3641)، ومسلم (1037) في صحيحيهما يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك«. وفي كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح البخاري(7312) رُويَ بلفظ: »ولن يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى تقوم الساعة أو حتى يأتي أمر الله«.

وفي العدد المقبل موعدنا بإذن الله تعالى مع أدلة السنة في النهي عن الغلو، والحمد لله رب العالمين.







تاريخ النشر 20/04/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:36 PM
ما المنهاج والمنهج؟! (9)




د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعد، أما بعد:

نحن نكمل معكم (ظاهرة الغلو) الأصل الخامس: من أصول وضوابط المنهاج، وذكرنا في العدد السابق تعريفه وأثره في الانحراف عن الطريق المستقيم، وكذلك بيّنا شيئاً من الأدلة في كتاب الله.

واليوم نكمل الضابط الخامس وهو الغلو في الدين.

أدلة السنة في النهي عن الغلو:

»هلك الْمُتَنَطِّعون«

-6 وروى البخاري (1865)، ومسلم (1648) في صحيحيهما من حديث أنس رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى شيخاً يهادَى بين ابنيه قال: »ما بال هذا؟!«، قالوا: نذر أن يمشي، قال: »إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني«، وأمره أن يركب.

-7 روى مسلم في صحيحه (2670) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »هلك الْمُتَنَطِّعون قالها ثلاثا«. والمُتَنَطِّعون: قال النووي في شرح صحيح مسلم؛ أي: المتعمقون الغالون المجاوِزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم. اهـ

وقال الخطابي: المتنطع المُتَعَمِّق في الشيء، المتكلِّف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم، الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم، وفيه دليل على أن الحكم بظاهر الكلام، وأنه لا يترك الظاهر إلى غيره ما كان له مساغ وأمكن فيه الاستعمال.اهـ

-8 وروى البخاري في صحيحه (6704) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب؛ إذا هو برجل قائم، فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: »مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه«. قال مالك في الموطأ (1012): ولم أسمع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره بكفارة، وقد أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية.اهـ

قال ابن حزم في المحلى: وقد قال أبو ثور: يلزمه ترك الكلام، واحتج له بقوله تعالى: { إنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَومًا فَلَن أُكَلِّمَ اليَومَ إنسِيًّا } وبقوله تعالى: { آيَتُكَ أَن لاَ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاَثَ لَيالٍ سَوِيًّا }.

قال علي: هذه شريعة زكريا ومريم عليهما السلام، ولا يلزمنا شريعة غير نبيِّنا صلى الله عليه وسلم، مع أن شأنهما آية من آيات النبوة، وليست الآيات لنا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ترك الكلام كما ذكرنا.اهـ


النهي عن الغلو في الأنبياء والصالحين


كثير من الناس تدفعه محبته لنبيٍّ أو شيخ ٍ أو أحد من البشر إلى مجاوزة الحد المشروع في المحبة، فيذهب دون وعي إلى تقليده، وبعضهم بلغ به الأمر إلى عبادته، وذلك من غير عقل يحرص على طلب الحجة ومعرفة البرهان على ما يقوم به، وما يكلف من الأعمال، وهل تجاوز الحق، ووقع في المحذور وتعدي الحدود؟! فالأصل في العلاقة بين الخالق و المخلوق، هو العبادة له وحده وليس لأحد سواه، قال الله تعالى:{ وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 92]، وقال تعالى:{ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ } [العنكبوت: 56]، وما ذلكم الاتصال بالمخلوقين إلا من أجل معرفة مراد الخالق من الخلوقين، وعبادته وحده على الوجه الذي أحبه وأراده، قال تعالى:{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ }[النحل: 36] { وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [الأنبياء: 25]، وإن قيمة وقدر الخلائق من الأنبياء والصالحين والكفار يحددها الوحي والشرع، وليست بدعا يحدثه الناس على ما يشتهون.


تحذير النبي صلى الله عليه وسلم من الغلو فيه


لقد حذر النبي صلى الله عليه مسلم ونهى عن التعدي والغلو ومجاوزة حدود الشرع، وبدأ بنفسه ليكون قدوة لغيره، فلا يقدس أحد و لا يعظم مخلوق من بعده، ولا يطلب الهدى إلا بالطريق الواضح المرسوم، ولا اقتداء بأحد غير المبعوث رحمة للعالمين، قال تعالى: { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ }[ آل عمران:31]، وقال تعالى: { وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [الحشر : 7]. وينبغي أن لا يتخذ هذا الاقتداء والمحبة المشروعة؛ ذريعة إلى الغلو والمجاوزة في التكاليف، والدليل فيما رواه البخاري في صحيحه (3445) من حديث ابن عباس سمع عمر رضي الله عنه يقول على المنبر: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: »لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبده؛ فقولوا: عبد الله ورسوله«.

هكذا قدمها النبي صلى الله عليه وسلم بدءاً بنفسه، وتركنا من بعده على بيضاء نقيه لا يزيغ عنها إلا هالك، حتى لا يقع الناس في الغلو، ويعظم غيره، ويحج إليه وتقدم له القرابين من دون الله، ويتخذ معبوداً، كـود وسواع ويغوث ويعوق ونسر، وأصبح وسيلة شركية يتقرب به إلى الله تعالى.

وروى أبو داود في سننه(2042) بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ولا تجعلوا قبري عيدا«، وروى البخاري (1330)، ومسلم (531) فِي صحيحيهما من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لَم يقم منه: »لعن الله اليهود والنصارى؛ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد«.


الغلو آفة وانحراف في منهاج الأمم


قال الله تعالَى:{ وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آَلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدًّا وَلاَ سُوَاعًا وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً } [نوح:23]، والْمَعنَى مبيّنٌ فيما رواه البخاري فِي صحيحه (4920) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العربِ بَعْدُ؛ أَمَّا وُدٌّ كانت لِكلب بدومة الجندل، وأما سُوَاعٌ كانت لِهذيل، وأما يَغُوثُ فكانت لِمُراد، ثُمَّ لِبنِي غطيف بالجوف عند سبأ، وأما يَعُوقُ فكانت لِهَمْدَانَ، وأما نَسْرٌ فكانت لِحمْيَرَ لآل ذي الكلاع، أَسْماءُ رجال صالِحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إِلَى قومهم أن انصبوا إِلَى مَجالسهم التي كانوا يَجلسون أنصاباً وسَمُّوها بِأسمائهم، ففعلوا، فلم تُعْبَدْ حتَّى إذا هلك أولئك؛ وَتَنَسَّخَ العِلمُ، عُبِدَتْ. وَفِي قوله: »هلك أولئك«؛ مَاتَ الذين نصبوا الأنصاب وكانوا يعلمون لماذا نُصِبَت، »تَنَسَّخَ العِلْمُ«؛ زالت معرفة الناس بأصل نصبها، وفي رواية: »نُسِخَ العِلمُ«؛ أي: نسخ العلم بقصة تلك الصور وتاريخها وأسباب نصبها.

وفي عدد قادم نكمل المسير في ذكر ما يعين على تحديد المنهاج وضبطه والحمد لله رب العالمين.





تاريخ النشر 27/04/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:38 PM
ما المنهاج والمنهج؟! (10)



د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

في عدد اليوم نحن مع سادس الضوابط والأصول لعل فيها نفع يعين المسلمين الى معرفة المنهاج والاستدلال على الطريق الواضح المبين والصراط المستقيم.

سادساً: تقديم النقل على العقل.

ان النقل الذي جاء في الكتاب والسنة مقدم على العقل، لان هذا النقل وحي من الله، فلا تصادم ولا تعارض، ولن يكون فهمه شاقاً على العقل الذي خلقه الله وخاطبه، والنقل وعاؤه العقل ويُفهَمُ على وجهٍ صحيح، فلا تعارض بين نقل صحيح صريح وعقل سليم صحيح.

عوائق في طريق النقل

ويجب على كل مسلم مكلف ألا يجعل التصورات الذهنية، والآثار البيئية، وهوى النفس، والمقدمات العقلية التي اكتسبها من أهل البدع والأهواء؛ عائقاً يُرَدُّ به الحق الذي انزله رب العالمين، وبينه سيد المرسلين. قال الله تعالى: { قُلْ لاَ أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ اِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ }«الانعام 56»، وقال تعالى: { أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ } «محمد: 14»، وقال تعالى: { وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا } «نوح: 24».

ان الواجب على العباد أخذ النقل بقوة والعمل به، دون إعمال العقل فيه، سواء كان ذلك المنقول معقول المعنى أو غير معقول المعنى، والحتم على كل مسلم؛ العلم بما جاء به الوحي والتعبد به الى الله، من غير انتظار ان تقف العقول على علته، ودون نظر هل عرفت العقول حكمته؟ فالمطلوب عبادة الله على الوجه الذي شرع، والتعبد بما جاء في الكتاب والسنة، وعدم الانشغال بحكمة الدليل وعلة التنزيل.

المدرسة العقلية وحجب الوحي بالغاء النقل

هناك من حاد عن الجادة وخالف الطريق الواضح، فأعرض عن المنقول الذي جاء في الكتاب والسنة، وذهب يطلب ما تستحسنه العقول وترضاه، ولذلك فقد تم استخدام كل الوسائل لاعمال العقول في النصوص الشرعية، وايجاد ما أصبح يعرف بعد ذلك بـ (المدرسة العقلية) وما عرف بمذاهب المعتزلة وما تبعها من فرق، وذلك عبر مسالك منحرفة منها:

أولا: تقسيم النصوص الشرعية الصحيحة الثابتة الى قسمين:

-1 قسم يفيد العلم واليقين

-2 قسم لا يفيد العلم واليقين

وهي قسمة مبنية على ان كل ما هو صحيح ثابت النسبة الى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث والأخبار يقسم الى قسمين:

(1) جملة من الأحاديث لا تتجاور المائة، والاصطلاح على تسميتها بالمتواتر.

(2) وبقية الأحاديث، بل كل ما تحويه كتب ودواوين السنة من آلاف الأحاديث والأخبار الثابتة النسبة الى الوحي؛ اصطلح على تسميتها بالآحاد. وأحدثوا مقالة: (ان الخبر الصحيح يفيد الظن أو غلبة الظن)، والتي أصبحت قاعدةً لعملية التشكيك والالغاء، وبعدها قالوا: ان الآحاد يفيد يظن ولا يفيد العلم، والمتواتر يفيد العلم واليقين.

الحديث الصحيح يفيد العلم آحاداً كان أو غيره

وبهذه القسمة المحدثة التي لم تكن في العهد الأول، ولم يقل بها أحد من الصحابة رضي الله عنهم، وكذلك اطلاق الظن على ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالقواعد العلمية، وثبتت نسبته اليه باستخدام آلة الصناعة الحديثية، والقول بان الحديث الصحيح يفيد الظن؛ لا يتجاوز ان يكون قولاً محدثاً لم يقل به أحد من الصحابة وأعلام القرن الأول، والحق الذي لا مرية فيه، ولا يسع مسلم ان يحيد عنه، هو القول: بان ما ثبت نسبته الى السنة يفيد العلم قطعاً وبلا تردد، دون نظر الى الكثرة والقلة في عدد الطرق والأسانيد.

المدرسة العقلية هي إلغاء الكتاب والسنة، وإبطال الاحتجاج بهما

وكان لدعاة المدرسة العقلية من تقديم للعقل على النقل ما أرادوا بسلوك هذا الطريق، فاستطاعوا الغاء السنة، وابطال الاحتجاج بالآلاف من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وبما أحدثوه من القول بان الآحاد يفيد الظن، وبما ان السنة كلها آحاد كما هم معلوم عند العارفين؛ فالحقيقة والنتيجة ان السنة لا تفيد العلم.

وما ذهبوا الى انه يفيد العلم واليقين كـ (المتواتر) لم يسلم منه شيءٌ أيضاً، فتناولته قبضة العقل وسيطروا عليه باحتوائه في قسمة مخترعة.

ثانياً: تقسيم دلالة اللفظ على معناه الى قسمين؛ الحقيقة والمجاز.

-1 الحقيقة: استعمال اللفظ في ما وضع له.

-2 المجاز : استعمال اللفظ في غير ما وضع له.

المجاز قول محدث

والقول بالمجاز طريقة مخترعة، وقول محدث لم يقل به أحد من العهد الأول وعلماء الشريعة من الصحابة والتابعين، والحق انه لا يوجد في اللغة العربية مجاز، وكذلك لا مجاز في كلام الله، بل الكلام على الحقيقة في كتاب الله وفي اللغة العربية.

عطلوا الرسالة وأبطلوا الديانة

وقد ذكرت هنا جزءاً من محاولة تقديم العقل على النقل، ففي الخطوة الأولى تم الغاء قسم كبير من النقل بحجة انه يفيد الظن ولا يفيد العلم، وفي الخطوة الثانية جاؤوا على الذي يفيد العلم واليقين كما في كتاب الله؛ وتم الغاء معناه بحجة ان المراد به المجاز وليس الحقيقة فتم تعطيل اللفظ وسلبه معناه، فاذا قلت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالوا: يفيد الظن ولا يفيد العلم، واذا قلت: قال الله في كتابه: قالوا: ظاهر الآية غير مراد، فعطلوا الرسالة وأبطلوا الديانة، وهكذا لم يسلم من النقل كلِّه شيءٌ، سواء كان على قسمتهم التي أحدثوها؛ آحاداً أو متواتراً، أو أفاد العلم أو لم يفد الا الظن أو غلبة الظن زعموا، وتم لهم الغاء النقل كله ظنية وقطعية، وكان المصير بعد ذلك هو العودة الى العقل، لينفرد ويصبح هو المصدر الوحيد للتشريع، وبذلك انتهى الأمر الى حجب النقل والغاءه، والتحاكم الى عقول البشر !!

ملاحظة: بل ان بعضهم لم يكلف نفسه عناء اختراع طريقة معينة، للتخلص من النصوص الشرعية، وذهب الى ردها بحجة انها لا تجد قبولاً وموافقةً لدى عقله، ومثاله ما رواه البخاري في صحيحه (3320، 5782) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه يقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اذا وقع الذباب في شراب أحدكم، فليغمسه كله، ثم لينزعه، فان في احدى جناحيه داء، والأخرى شفاء». حيث ذهب الى رده ورفضه بعض مدعي العلم والمثقفين بحجة انه لا يتناسب وعقولهم.

قال شيخ الاسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/71):

من نصب القياس أو العقل أو الذوق مطلقاً من أهل الفلسفة والكلام والتصوف، أو قدمه بين يدي الرسول، من أهل الكلام والرأي والفلسفة والتصوف، فانه بمنزلة من نصب شخصاً، فالاتباع المطلق دائر مع الرسول وجوداً وعدماً.اهـ

الصحابة عظموا النقل وأيقنوا انه لا يخالف العقل

روى البخاري في صحيحه تعليقاً، والنسائي في الكبرى (6/238) موصولاً بسند صحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته، وقلت: والله لأرفعنك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: اني محتاج، وعلي عيال ولي حاجة شديدة، قال: فخليت عنه، فأصبحت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة! ما فعل أسيرك البارحة»، قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله، قال: «أما انه قد كذبك وسيعود»، فعرفت انه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انه سيعود»، فرصدته فجاء... الحديث.

لم يُعمل أبو هريرة عقله في الخبر ولم يجعله ظناً

(1) في قوله: فعرفت انه سيعود لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انه سيعود»، تصديق تام لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التصديق علم لا يحتمل الظن.

(2) ولم يجعل لعقله أو لغيره خياراً في الأمر وماذا سيفعل، ولذا قال: (فرصدته)؛ أي: فعل ذلك تصديقاً للمُخْبِرِ، وحصلت نتيجة التصديق كما كان أبو هريرة متيقناً: (فجاء)؛ وذلك تصديقاً لقوله:«كذبك وسيعود». والحمد لله أولاً وآخراً على الهداية والتوفيق.



تاريخ النشر 04/05/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:40 PM
ما المنهاج والمنهج ؟! (11)

هل المنهج والمنهاج أحد العلوم الشرعية أم ماذا؟!!






أُنزل هذا الدين على محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى:{ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[النحل: 44]، فهو الذي أوحي إليه دين الإسلام، ولم يوح إلى غيره، فأخذ به ودعا إليه. وكان المنهاج في العهد الأول قائم على التسليم التام بكل ما جاء في كتاب الله، وما صدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال جملة وتفصيلا، وبلا تخصيص أو تسمية لبعض النصوص الشرعية دون غيرها.

تاريخ ونشأة الفنون والعلوم الشرعية


ونحن في رحلة البحث والتساؤل عن المنهاج والمنهج؛ هل جمعت دلالته ومفهومه في كتاب محدد؟ وهل كان فناً وعلماً خاصاً قائماً بذاته؟ وجب علينا دراسة وتتبع التاريخ الذي مرت به النصوص والأدلة الشرعية حتى استقرت علوماً مختلفة وأين موقع المنهاج منها؟


وتحريراً لهذه المسألة نقول: إن عوامل عدة، ومصالح كثيرة، كانت سبباً في ذهاب أهل العلم إلى تقسيم النصوص والأدلة الشرعية إلى مجموعة علوم شرعية، ولكثرة المصالح والأسباب؛ فلا نجد مجالاً في هذا المختصر لحصرها، ومحلاً لبسط القول فيها ولكن نذكر منها:


1- تسهيل فهم الإسلام وتعليمه وبيان الأهم فالمهم.


2- ظهور الفتن وإحداث البدع كبدعة الخوارج والقدرية.


إيجاد العلوم الشرعية ليس بدعة


إن جعل هذا الدين مجموعة من الفنون، وجملة من العلوم كل على حدة؛ جاء تبياناً لهذا الدين، وتسهيلاً على المسلمين، ودفعاً لشبهات المبتدعة والمنحرفين، ولا يعد ذلك الأمر إحداثاً وابتداعاً في الدين، وزيادة على ما كان عليه المسلمون في العهد الأول، وكيف يكون هذا الأمر مبتدعاً؟! وقد عمل الرسول صلى الله عليه وسل بِمثل هذا؛ عندما أرسل معاذَ بن جبل وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن، لدعوة الناس إلى الإسلام، فقد روى البخاري (1458)، ومسلم (19) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمَّا بعث معاذاً رضي الله عنه إلى اليمن قال: «إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه: عبادة الله».


- وفي رواية: «أن يوحدوا الله»، [توحيد الله].


- وفي رواية: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله»،


«فإذا أطاعوا لذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا؛ فأخبرهم أن الله فرض عليهم زكاة من أموالِهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بِها؛ فخذ منهم، وتوق كرائم أموال الناس».


أولاً: بيان مباني الإسلام العظيمة


وتقديمها على غيرها من شرائع الإسلام


لقد بَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم مباني الإسلام العظام، والتي كانت باباً لدخول الناس في الإسلام، وسبباً في عصمة الدماء والأموال، كما رواه البخاري (8)، ومسلم (16) في صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بُنِيَ الإسلام على خمسٍ: شهادةِ أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وحجِّ البيت، وصوم رمضان».


ثانياً: بيان أن الإيمان شعب كثيرة أعظمها الأعلى ودونه الأدنى


وذلك لما رواه البخاري (9)، ومسلم (35) واللفظ له في صحيحيهما من أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».


ثالثاً: وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يُبَيِّن


ويُفاضل، بحسب المقام وبحسب السائل


(1) أيُّ الأعمال أفضل؟


أجاب النبي صلى الله عليه مسلم في مقامٍ على أي الأعمال أفضل من غيرها، كما روى البخاري (2518)، ومسلم (84) في صحيحيهما من حديث عن أبي ذرٍ جندب بن جنادة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: «الإيمان بالله، والجهاد في سبيله»، وروى البخاري (26)، ومسلم (83) في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي العمل أفضل؟ فقال: «إيمان بالله ورسوله»، قيل ثم ماذا؟ قال: «الجهاد في سبيل الله»، قيل ثم ماذا؟ قال: «حج مبرور».


(2) أي الأعمال أحب إلى الله؟


وفي مقام ومناسبة أخرى بيَّن وأجاب عن سؤال السائل عن الأعمال الأحَبِّ إلى الله، كما روى البخاري (527)، ومسلم (85) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال: «الصلاة على وقتها»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله».قال: حدثني بهن ولو استزدته لزادني. وفي بابه ما رواه البخاري (12)، ومسلم (39) في صحيحيهما من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم أيُّ الإسلام خير؟ قال: «تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لَم تعرف».


(3) أي الذنب أعظم عند الله؟


وكذا بين الذنب الأعظم والذي دونه، فقد روى البخاري (4477)، ومسلم (86) في صحيحيهما من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك»، قال: قلت له: إن ذلك لعظيم، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك»، قال: قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تزاني حليلة جارك».


(4) أكبر الكبائر


وفي باب الكبائر بَيَّن وقَسَّم وحَذَّر من أكبر الكبائر، وجعل الشرك بالله أكبر كبيرة على الإطلاق، لما روى البخاري (2654)، ومسلم (87) في صحيحيهما من حديث أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر» ثلاثاً، قالوا: بلى يا رسول الله! قال؛ «الإشراك بالله وعقوق الوالدين»، وجلس وكان متكئا فقال: «ألا وقول الزور»، قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته يسكت.


مرحلة جمع الأدلة والنصوص الشرعية


لقد وعد الله بحفظ دينه، وصون كل ما دل على شرائع الإسلام وبَيَّنَها فقال تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ } [الحجر: 9].


حفظ كلام الله تعالى:


1- كلام الله محفوظ: وكان الحفظ التام المعصوم لكلام الله، وجمع في مصحف واحدٍ في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وأرسلها إلى البلدان والآفاق. فقد قال البخاري في صحيحه في كتاب العلم - باب ما يُذكرُ في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البُلدان-: وقال أنس: نسخ عثمان المصاحف فبعث بها إلى الآفاق. وروى موصولاً عند البخاري في فضائل القرآن (4988) من طريق ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين! أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصُّحف ننسخها في المصاحف، ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القريشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن؛ فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم فافعلوا، حتى إذا نسخوا الصُّحُفَ في المصَاحِفِ، رَدَّ عثمان الصُّحُفَ إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بِمُصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مُصحف أن يُحرق.قال ابن شهاب: وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت قال: فَقَدْت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف؛ قد كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها، فالتمسناها، فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري { مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ }. فألحقناها في سورتها في المصحف.


القرآن سُوَرُه، وآياته، محفوظة من الله تعالى


لا يستطيع أحد أن يُبَدِّله، ولا يزيد فيه


قال الذهبي في سير أعلام النبلاء(10/171): أما القرآن العظيم؛ سُوَرُه، وآياته، فمتواتر ولله الحمد، محفوظ من الله تعالى، لا يستطيع أحد أن يُبَدِّله، ولا يزيد فيه آية، ولا جملة مستقلة، ولو فعل ذلك أحدٌ عمداً، لانسلخ من الدين، قال الله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَوَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُوْنَ }[الحِجْرُ:9].اهـ


حفظ السنة


2- الأحاديث والآثار لرسول صلى الله علي وسلم: حفظ الصحابة رضي الله عنهم ما كان من قول وفعل وتقرير ووصف للنبي صلى الله عليه وسلم، وجمع الرواة وعلماء الحديث ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث على مراحل بدأت منذ عهده إلى أن استوت، وكان قمة الجمع والإجادة في القرنين الثاني والثالث، وأول من جمع عبد الملك بن جريج بمكة، ومحمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب ومالك بن أنس بالمدينة، والربيع بن صبيح وسعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة بن دينار بالبصرة، وسفيان الثوري بالكوفة، والأوزاعي بالشام، وهشيم بواسط، ومعمر بن راشد باليمن، وجرير بن عبد الحميد الضبي بالري، وعبد الله بن المبارك بخراسان، وكان هؤلاء في عصر واحد، وكان لموطأ مالك الشهرة والانتشار، وكثر التصنيف بعد ذلك في القرن الثالث؛ فمنهم من رتب على المسانيد؛ ويعد مسند الإمام أحمد الأكبر والأشهر، ومنهم رتبه على الأبواب كـ (صحيحي) البخاري ومسلم وسنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، ومصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة، وهناك كتب كثيرة يصعب ذكرها وعدها في هذه الورقات، جمعت السنة على كتب وأبواب ومسائل، وعلى مسانيد أسماء الرواة ومعاجم الشيوخ، وغيرها من طرق الجمع المختلفة.


مرحلة تخصيص النصوص الشرعية بالتسمية


مع مرحلة البداية لأهل الحديث في جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بدأت مرحلة تسمية جملة من الأدلة المتعلقة بجامع واحد، وباب واحد، كـ(كتاب الإيمان)، وكتاب الطهور وكتاب الصلاة وغيرها:


? ولذلك هناك من جمع مرويات وأحاديث في باب يتعلق بمسألة واحدة ومنها: كتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة، وكتب «الإيمان»، و«الطهور»، و«الأموال» لأبي عبيد القاسم بن سلام، وكتاب «فضائل الصحابة» للإمام أحمد، وكتابي «خلق أفعال العباد»، و«رفع اليدين في الصلاة» للبخاري، وغير ما ذكرت من هذا النوع في الجمع والتصنيف كثير.


? ومنهم من جمعه مرتباً على أول قائل للحديث وأول من تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الكتاب مرتباً على أسماء الصحابة الذين هم مخرج الرواية ويسمى المسند وجمعه المسانيد، ومنها «مسند أحمد» رحمه الله.


? ومنهم من جمعه مرتباً على آخر قائل للحديث، ويكون الكتاب مرتباً على أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم هذه الروايات، ويسمى معجماً وجمعه معاجم ومنها «معجم الطبراني الأوسط» رحمه الله.


? ومنهم من جعله جامعا لمجموعة كتب وأبواب كما فعل محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله وكتابه المشهور بين الناس باسم: «صحيح البخاري»، اسمه الحقيقي كما سماه المصنف: «الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه». وهذا الكتاب جمع فيه البخاري ما يزيد على تسعين كتاباً في أنواع العلوم، وذكر في كل كتاب عدة أبواب، وكل باب جمع فيه الأحاديث مسندة شاهداً لهذا الباب.


والبخاري افتتح الجامع الصحيح 1- بكتاب بدء الوحي. 2- كتاب الإيمان وجمع فيه جملة من الأحاديث متعلقة بمسائل الإيمان مفرقة على ثلاثة وأربعين بابا. 3- كتاب العلم. 4- كتاب الوضوء. 5- كتاب الغسل.6- كتاب الحيض. 7- كتاب التيمم. 8- كتاب الصلاة. وهكذا إلى أن ذكر كتاب الزكاة، وكتاب الحج، وكتاب الصيام، ثم ذكر كتاب البيوع، وختم تصنيفه بذكر كتاب التوحيد.


د.عبد العزيز بن ندَى العتيبي




تاريخ النشر 11/05/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:42 PM
ما المنهاج والمنهج؟! (12)

مرحلة استقرار العلوم الشرعية



بعد تعريف المنهاج والمنهج، وبيان ستة أصول تعين على ضبط المنهاج وإدراكه، وما تلاه من الكلام على تاريخ ونشأة العلوم والفنون الشرعية بحثاً عن هوية المنهاج؛ نكمل الحديث ورحلة البحث عن هذه الهوية.

هل هو أحد العلوم الشرعية أو كتاب يدرس في الحلق العلمية أم ماذا؟!

لقد استقر الأمر بعد مرحلة التدوين والتصنيف على التوجه إلى تسهيل فهم الدين ومعرفة شرائع الإسلام، فظهرت كتب اصطلح على تسميتها بكتب «العقيدة»، وكتب «الفقه»، وكتب «التفسير»، وكتب «شروح الحديث وعلومه»، تحوي علوماً كلاً منها يُدرس على حدة، وله أهله المتخصصون من علماء وطلاب علم. وبعد مرحلة زمنية برز جدُّ الناس واجتهادهم في سبيل العلم والمعرفة، فكَثُرت العلوم والفنون:

أولا: علوم اصطلح على تسميتها بعلوم الآلة:

وهي وسيلة لفهم العلوم الأخرى ومنها:

1- علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة..

2- علوم الحديث، وفنونه المختلفة ككتب الرجال والطبقات وتواريخ البلدان...

3- أصول التفسير

4- أصول الفقه، وغير ذلك من الفنون والوسائل التي تعين المبتدي وتفيد المنتهي لفهم العلوم الشرعية التالية:

ثانياً: العلوم المشهورة:

(1) العقيدة.(2) الفقه [ العبادات والمعاملات].(3) تفسير كلام رب العلمين.(4) دراسة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم سنداً ومتناً.(5) الأخلاق والسلوك. كما في الكتب المصنفة في الآداب والأخلاق والزهد، ومنها:

1- كتاب الآداب، وكتاب الاستئذان في صحيح البخاري. 2- والأدب المفرد لمحمد بن اسماعيل البخاري. 3- والأدب لابن أبي شيبة.4- وكتاب «أخلاق العلماء»، و«أدب النفوس» للآجري. 5- وكـتاب «أخلاق النبي وآدابه»، و«التوبيخ والتنبيه» لأبي الشيخ الأصبهاني. 6- وكتاب «الشمائل» لأبي عيسى الترمذي.7- وكتاب الآداب للبيهقي.

8- وكتاب الزهد لعبد الله بن المبارك، والزهد لوكيع بن الجراح، والزهد لأحمد بن حنبل، والزهد لهناد بن السري.

لا يوجد في حلق العلماء والمشايخ

حلق علمية تُسمى «علم المنهاج»

وبعد البحث بتتبع واستقراء العلوم التي يتناولها الطلاب في الحلق العلمية على أيدي العلماء والمشايخ وطلبة العلم، لا نجد علماً اصطلح عليه تسميته بـ«علم المنهاج أو فن المنهج»، فلا هو بالذي وجدناه في قائمة «علوم الآلة»؛ - علوم وسيلة لفهم العلوم الأخرى-، وكذلك لم نقف على ذكره في قائمة العلوم والمعارف المشهورة.

وهل وقفت على «كتاب المنهاج»

و«باب المنهاج» في كتب الحديث؟!

وكذلك عند النظر في كتب السنة التي جمعت الأحاديث والأخبار الصحيحة المنسوبة لخير البرية، لا يوجد فيها كتاب اسمه «كتاب المنهاج»، ولا باب اسمه «باب المنهاج»، - حسب ما وقفت عليه - رغم ما نراه من جهود قد بذلت للاستنباط من النصوص الشرعية؛ والآيات والأحاديث النبوية الصحيحة، وكثرة التبويب للدلالة على معنى في الآية أو فائدة في الحديث.

وأما ما نقف عليه من كتب؛ كـ(كتاب السنة لأحمد)، وابنه عبدالله، وكتاب السنة للبربهاري، وابن البناء، والإبانة الصغرى والكبرى لابن بطة، وكتاب المحجة، واعتقاد أهل السنة للالكائي، فهي كتب متعلقة بمسائل الاعتقاد.

أين نجد المنهاج وكيف نقف على المنهج؟!

وللإجابة عن هذا السؤال نقول:

إن المنهاج ما هو إلا ملكة علم ومعرفة، وملكة فهم وقدرة على النقد، نتيجة تلقي مادة علمية صافية نقية، يوفق إليها العبد المسلم بعد الاطلاع على الأدلة الشرعية الداعية للاتباع والامتثال والتمسك بها، ونبذ التقليد ومعاداته، والرد عند التنازع والخلاف إلى كتاب الله وسنة رسوله، والإتباع المطلق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم في تعليم أصحابه وأَتْبَاعِهِ وسلوك طريقه وسبيله. ونُذَكِّرُ اختصاراً لما سبق شرحه وتفصيله:

المنهاج ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية تكونت بالآتي:

* ملكة الاتباع: ويكون بترويض النفس على التجرد للامتثال واتباع الكتاب والسنة، وذلك وفق الاستطاعة؛ حتى تصبح ملكة لا تنفك عنه، عند تعاطي أمور الدنيا والآخرة.

* ملكة عدم التقليد: بالتجرد الكلي لله تعالى، وعدم التقليد ونبذه بأنواعه في الصغير والكبير؛ حتى لو بلغ الأمر مخالفة الاباء والأجداد، فصار عدم التقليد ملكة موجودة عند التعامل بأمور الدنيا والآخرة.

* ملكة الرد عند النزاع: لا بد من معالجة النفس عند الخلاف والنزاع، فلا تعرف إلا الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ حتى أصبحت ملكة الرد حاضرة عند النزاع.

* ملكة تعظيم حدود الشرع: إن تعويد النفس على عدم الغلو في الدين ومجاوزة الشرع، تجعله مع الأيام ملكة لا تنفك عن الدين عند العمل بأمور الشرع في الدنيا والآخرة.

* ملكة تقديم النقل في كل حال: معرفة قيمة النقل وتقديمه في كل الأحوال على العقل، حتى يصير أمراً مسلماً به في حياة العبد؛ تخلق ملكة خاصة تتناول بها نصوص الشرع.

وبتكون هذه الملكة ونقدها لمقالة شيخ مكتوبة، أو قول مثقف مسموع، أو تأثير مشهد مرئي، تكون الخلاصة والنهاية؛ هي الخروج بنتيجة صافية غير مشوبة.

المنهاج ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية

تتكون ملكة فهم وقوة علمية وقدرة نقدية عند الإنسان بعد الأخذ بالأصول والضوابط الستة التي تم تقدم ذكرها فيما سبق، فعند التعرض لسماع أحد المتكلمين، أو قراءة كتاب أو مشاهدة رأى لأحد المتحدثين، فمهما كانت المادة المسموعة والمقروءة والمرئية، تحمل من بيان الكلام، وزخرف القول، والحشو المنمق، تأتي رياح ملكة الفهم والمعرفة بالنقد والنبش والتفتيش على المسموع والمقروء والمرئي فما كان منه خيراً وجد قبولا، وما كان خلاف ذلك رُفِض وقذفت به الرياح بعيدا. قال تعالى: { فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ }[الرعد: 17].

المنهاج هو الوقوف على الحق

وبتكون هذه الملكة ونقدها لمقالة شيخ مكتوبة، أو قول مثقف مسموع، أو تأثير مشهد مرئي، تكون الخلاصة والنهاية؛ هي الخروج بنتيجة صافية غير مشوبة.

المنهاج ملكة (علمية متجردة)

وحَكَمٌ على المقروء والمسموع والمرئي

المنهاج حكم على العقيدة:

يكون هذا المفهوم (المنهاج) مادة لإزالة الغشاوة عن الأعين، وسيفاً مصلتاً يذب عن دين الله، وحكما قائماً على العقيدة أثناء الدراسة والتعليم. حيث تكون روح النصوص الشرعية التي تنادي بالاتباع والامتثال حاضرة إبان تعلم العقيدة، والأدلة التي تنهى عن التقليد قائمة حين تعلم العقيدة، والرد إلى الكتاب والسنة موجوداً عند المسائل الخلافية في العقيدة.

وبوجود تلك الملكة العلمية، هذه الشخصية الحاضرة التي تحمل هذه القواعد؛ يعتقد المتعلم ما أراد الله منه أن يعتقد، ويعتقد من الإيمان والإسلام والإحسان ما يحبه الله ويرضاه، ولهذا لن يحصل انحراف في العقائد بإذن الله عند المتعلمين من طلاب العلم وغيرهم.

المنهاج حكم على الفقه

وعند دراسة وتعلم الفقه يكون منهج الاتباع، والامتثال مع الاستطاعة، وعدم التقليد، والرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة، وطرح الآراء وما استحسنه العقل؛ سبيلاً وطريقاً ومنهجاً، وحكماً على ما يُتَعَلَّمُ ويناقش من مسائل العبادات والمعاملات وغيره، فلا ينتصر لأحد دون أحد، ولا يقول بقول دون آخر، ولا يقول في مسألة ولا يحرر فهماً وفقهاً بلا دليل شرعيٍّ صحيح واضحٌ بَيِّنٌ الدلالة.

المنهاج حكم على التفسير

وكذلك المنهاج حكم على علوم القرآن وتفسيره

المنهاج حكم على الأخلاق والسلوك:

إن استحضار الاتباع والامتثال مع الاستطاعة، وعدم التقليد، والرد عند الخلاف إلى الكتاب والسنة، وتقديم المنقول على رأي أهل السلوك وقصص الزهاد؛ هو المنهج الحاكم على السلوك والأخلاق، والملكة التي تيسر الطريق إلى الحق.فقد كان الشرع خلق النبي صلى الله عليه مسلم، لِما رواه مسلم في صحيحه (746) من حديث عائشة رضي الله عنها، قيل لَها: يا أُمَّ المؤمنين! أنبِئِيني عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: ألست تقرأُ القرآن؟ قُلتُ: بلَى، قالت: فإن خُلُق نبي الله صلى الله عليه وسلم؛ كان القرآن، و في روايةٍ لأحمد فِي المسند (4/278): فقالت: كان خُلُقُه القرآن.

انتشال الإنسان من عبودية وذُلِّ الأولياء والطرق والأحزاب

أما من لَم يمتثل ولَم يتابع كتاب الله وسنة نبيه، وأَخَذَ السلوك من أرباب ومشايخ السلوك، فإنه سيرى أنواعاً من الطقوس المسلكية؛ تَهوي به إلى الذُلِّ والخضوع والخنوع، والركوع والسجود، وتقبيل الأيدي والفروع، بدعوى التبرك بالمشايخ والأولياء، وهذا نزول وانحدار وحط من كرامة ابن آدم، الذي كرمه الله من فوق سبع سماوات، قال تعالى: { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ }[الإسراء: 70]، وجاء الإسلام لتكريمه، وعزته، ورفعته، وقام بانتشاله من درن الشرك، وعبودية المشايخ، وذُلِّ الطرق والأحزاب.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي

تاريخ النشر 18/05/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:43 PM
ما المنهاج والمنهج؟! (13)

الطائفة المنهجية أو المنهاجية



الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد: لقد كتبنا في اثنتي عشرة مقالة سابقة عن تعريف المنهاج وَحَدِّه، والضوابط والأصول التي تعين المتعلم وطالب الحق في الوصول إليه والسير عليه، وبعد بيان المنهج وتوضيحيه، أردنا مزيداً في البيان الوقوف على بعض المظاهر والمشاهد الغريبة، المبنية على انحراف الطريق والمنهاج...


نلاحظ انتشار بعض المظاهر والأفهام المخالفة للشرع؛ فهناك من يأخذ بعض النصوص ويدع غيرها، وهذه العناية ببعض الأدلة وإهمال الآخر، إما إعراضاً عنها أو جهلاً بها؛ طريق زلت فيه أقدام، وضلت به أفهام، ولا يمكن لأحد الوقوف على الحق، ومعرفة الصراط المستقيم، والقول في مسائل الشرع، وأخذ الأحكام منه، إلا بعد جمع نصوص الباب كله، دون إهمال شيءٍ منها، ومجانبة ذلك السبيل؛ طريق مزلة، ونهج انحراف، وإن هذا العمل من جنس من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، قال تعالى:{أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} [البقرة: 85]، وفي النهاية نجد نتيجة واحدة؛ اضطراب في الميزان، وخلل في الأفهام، وغلط في الأحكام، وقد كان ذلك سبباً مباشراً لظهور أهل الأهواء والبدع، ونشأة الفرق المنحرفة، فهناك كثير من الطوائف حصرت دينها في مسائل محدودة ومعدودة، واتخذوا لهم ديناً معيناً، ورسماً معلوماً؛ سموه بالمنهج، وقد حُدَّ بمسائل محددة، من خرج عنها ضل، ومن زاد عليها اتهم بالزلل، ودين الإسلام أوسع من ذلك، وما ضلال الطوائف والفرق؛ إلا عندما سلكت منهاجاً غير منهاج النبي صلى الله عليه وسلم، ومثال ذلك في مسألة الإيمان، جاء من جعل الإيمان شيئاً واحداً، فقال: الإيمان لا يتبعض ولا يتجزأ، فلا يزيد ولا ينقص، كالخوارج والمرجئة وغيرهما، فَضَلَّ وأَضَلَّ، وأما أهل السنة فيقولون: الإيمان يتبعض ويزيد وينقص، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ}[الفتح: 4]، وقال تعالى:{وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَانًا}[المدثر: 31]، وقد روى البخاري(9)، ومسلم(35) واللفظ له في صحيحيهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».


عباد الله! إن ما يقوم به بعض الناس من حصر للفظ المنهج، وحَدُّ اصطلاح المنهاج في مسائل خاصة، والاشتغال بها، ومن ثم الدندنة حولها، واللهج بها صباح مساء، وجعلها عمود الدين، وعليها يكون امتحان المسلمين، فذلكم النهج والطريق ليس من دين الله في شيء، والأولى على أمثال أولئك النفر؛ الاشتغال بالعلم، والعمل والمثابرة بالإقبال على تَعَلُّمِ دين الله تَعَلُّماً حَسَنا، وعمارة الأوقات بطاعة الله تعالى، وذكره ليلا ونهارا.


ولذا أوصيك أيها القارئ بما رواه أحمد في المسند (4/188) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أعرابيان فقال أحدهما: من خير الرجال يا محمد؟! قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من طال عمره وحسن عمله»، وقال الآخر: إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا، فباب نتمسك به جامع؟ قال: «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل».





من يضعُ قانوناً ومنهاجاً؛ يوالي عليه ويعادي عليه





إن الجهل بالقواعد والأصول الشرعية، وعدم معرفة الضوابط والمصالح المرعية، فتح باب شر على الأمة، وتدافع بعض الناس من الجهال، وكذا أهل الأهواء والبدع، فكلٌ ذهب يضع له ميزاناً، وينسج له قانوناً حسب حدود معرفته بالأدلة والنصوص، والمسائل التي أحاط بها، ولا يجيد غيرها، بل لم يقف عليها، ومن ثَمَّ يبدأ مرحلة جديدة، وذلك بالغلو فيما عرفه من المسائل والأحكام ووقف عليه، وما انتهى علمه إليه، و يرى أن ما قام بجمعه من النصوص والأقوال؛ هي أصول الدين وأركانه، من زاد عليها زل، ومن قَصُرَ عنها ضل.


وفي الختام أسأل أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، ومن اشتبه عليه شيء من أمره، فعليه بالدعاء الذي رواه مسلم في صحيحه (770) من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال: سألت عائشة أم المؤمنين بأي شيء كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: «اللهم! رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم». والحمد لله في الأولى والآخرة.





د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر 25/05/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:45 PM
ما هي البدعة؟




كتب:د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي

البدعة لغة:

1 - الشيء الحديث نشأة وبداية: قال ابن منظور في لسان العرب (7ـ6/8): بدَع الشيء يَبْدَعه بَدْعا وابتدعه: أنشأه وبدأه، وبدع الرَّكية استنبطها واحدثها، وركًيّ بديع: حديثة الحفر.

2 - ومعناها الشيء الذي يكون اولا: وقال: والبديع والبدع: الشيء الذي يكون اولا وفي الترتيل: (قل ما كنت بدعا من الرسل) (الأحقاف: 9)، أي ما كنت اول من ارسل قد ارسل قبلي رسل كثير.

3 - ومعنى البدعة بمعنى الحدث. وقال: البدعة الحدث وما ابتدع من الدين بعد الاكمال.

4 - ومعنى البدعة يأتي بمعنى الاختراع. وقال: وابدعت الشيء اخترعته لا على مثال.

5 - وتأتي بمعنى الخلق أي: بدأه. قال: ويجوز ان يكون بمعنى مبدع أو يكون من بدع الخلق أي بدأه والله تعالى كما قال سبحانه: (بديع السموات والارض) (البقرة: 117)، أي خالقها ومبدعها فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق.

6 - وتأتي بمعنى الجديد: قال: والبديع الزَّقُّ الجديد والسقاء الجديد.

7 - وتأتي بمعنى كلال وانقطاع. قال: وابدعت الابل بركت في الطريق من هزال، أو داء، أو كلال، وابدعت هي كلت أو عطبت، وقال: وابدع به وابدع: كلت راحلته، أو عطبت وبقي منقطعا به.

فحصل لنا من المعاني اللغوية: النشأة، والبداية، والاول، والحدث، والاختراع، والخلق، والجديد، وانقطاع ومنها يظهر لماذا سميت البدعة بدعة لأنه لا نظير لها فيما سبق، ويتبين ان هذه المعاني لا تخالف المعنى الشرعي للبدعة، بل داخلة في معناه.


البدعة شرعا:


قال الشاطبي في الاعتصام (30/1): البدعة طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها ما يقصد بالطريقة الشرعية. قوله (طريقة): الطريق والسبيل والسنن هي بمعنى واحد وهو ما رسم للسلوك عليه وبقوله: (في الدين مخترعة) خرج في الدنيا مخترعة، فكل ما تعلق باحداث الصنائع والمهن وانشاء المدن والقرى وغير ذلك مما لم يكن موجودا فيما سبق فلا يدخل في البدع الشرعية وبهذا يتبين ان كل احداث في الدين بزيادة أو نقص بدعة وهو الذي يدل عليه الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (867) من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وشر الامور محدثاتها وكل بدعة ضلالة».




تاريخ النشر: الاثنين 17/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:48 PM
ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (1)




د.عبدالعزيز بن ندى العتيبي


صيانة للألفاظ الشرعية، وحفاظا على معتقدات الأمة الإسلامية وجدت أن الواجب القيام بالتنبيه على ما درج على ألسنة بعض الناس من ترديد لمفردة الحاكمية وذلك فًي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، حتى يومنا هذا» زمن هذه الكتابة، وعند طرق هذا الباب، في النصف الأول من القرن الخامس عشر، وَأَكْثَرَ مًنْ ترويج الحاكمية وجعله ثقافة بين أتباعه وأوساط مناصريه، تلك الكتابات لبعض أساتذة الاتجاهات المعاصرة، التي برزت بعد سقوط الدولة العثمانية، وربُّما أطلقوا عليه توحيد الحاكمية، ولَم يكن لًهذا اللفظ ذكري وشأن في القرون السابقة، إلا ما سنذكره ونكشف أمره عن أولً ظهور للحاكمية في القرن الخامس! وما تعنيه ؟ ومن دعا إليها ؟ ومن تُمثل ؟ ومن سأل النبي صلى الله عليه وسلم بأن يَحكم بالعدل؟! ومن دعا إلى التحاكم إلى الله في عهد الخلفاء الراشدين ؟


أقسام التوحيد


وهنا قبل البحث في أمر هذه الثقافة الجديدة وسبب نشأتها، لا بد أن أبين للقارئ ما جرى عليه علماء الأمة حيال التوحيد وأقسامه، وما ساروا عليه في حدودي نفعها يعم هذه الأمة بلا إفراط ولا تفريط، حرصا من حراس العقيدة على السير على منهاج النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فليس من هدي أهل الاستقامة من علماء المسلمين الخروج أو الزيادة على كلام الله وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم إلا بشرح مفردة أو تقريب بعيد وتجميع متفرق. وبالاستقراء والتتبع لكلام الله سبحانه وتعالى، وجد أنه كله دائر على معنى التوحيد، إما ببيان التوحيد أو بذكر حقوق التوحيد ومكملاته، وكيف يتحقق، وجزاء الموحدين في الدنيا والآخرة، وذكر جزاء المشركين كذلك، فالقرآن إًمَّا خَبَر أو إنشاء وطلب ولذلك ذهب أهل العلم إًلَى قسمة التوحيد إًلَى قسمين:

(1) توحيد خبري اعتقادي (2) وتوحيد طلبي إرادي.


أولا: التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي


من نظر في كتاب الله وجد أن القرآن كله من أول سورة فيه فاتحة الكتاب إلى آخره سورة الناس، تقرير وبيان لًهذين التوحيدين، فكل سورة في القرآن إما خبر أو دعوة.

خبر عن الله عز وجل وأسْمائه وصفاته وأفعاله وأقواله، وهو التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي وهو توحيد الأسماء والصفات الذي يدخل فيه توحيد الربوبية.


التوحيد الخبري: هو توحيدان متلازمان»

توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية

وفي التوحيد الخبري الاعتقادي أخبر عن نفسه أنه الرب العلي العظيم الخالق الرازق القادر العالم المدبر الحي القيوم الجبار المتكبر العزيز الحكيم الكريم الرحمن الرحيم، قال تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذًي لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ عَالًمُ الْغَيْبً وَالشَّهَادَةً هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحًيمُ هُوَ اللَّهُ الَّذًي لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ الْمَلًكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمًنُ الْمُهَيْمًنُ الْعَزًيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبًّرُ سُبْحَانَ اللَّهً عَمَّا يُشْرًكُونَ هُوَ اللَّهُ الْخَالًقُ الْبَارًئُ الْمُصَوًّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبًّحُ لَهُ مَا فًي السَّمَاوَاتً وَالأَرْضً وَهُوَ الْعَزًيزُ الْحَكًيمُ) [الحشر: 22-24]، فهو المستحق للربوبية، لإخباره عن نفسه بأن له الأسماء الحسنى والصفات العلى، فانقسم التوحيد الخبري العلمي الاعتقادي إلى نوعين متلازمين: توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية.


ثانيا: التوحيد الإرادي الطلبي


تقدم أن كلام الله إما خبر أو إنشاء وطلب، والخبر ذكرنا أنه توحيد الأسماء والصفات المتضمن لتوحيد الربوبية، وإما طلب ودعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه، وأوامري بأنواع من العبادات ونَهيي عن الْمخالفات، فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وهذا هو توحيد الألوهية والعبادة، وهو مستلزم للنوعين الأولين متضمن لَهما أيضاً.


التلازم بين أنواع التوحيد


أولا: [توحيد الربوبية مستلزم لتوحيد الألوهية والعبادة]:

فهو منه كالْمقدمة من النتيجة، ولًهذا كان في كلام الله ذكر الآيات الدالة على توحيد الربوبية أولا، ثم الدعوة إلى توحيد الألوهية، فتكون الربوبية دليلا وبرهانا على الألوهية، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذًي خَلَقَكُمْ وَالَّذًينَ مًنْ قَبْلًكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذًي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فًرَاشًا وَالسَّمَاءَ بًنَاءً وَأَنْزَلَ مًنَ السَّمَاءً مَاءً فَأَخْرَجَ بًهً مًنَ الثَّمَرَاتً رًزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لًلَّهً أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 21-22]، وقال تعالى: (أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتً وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مًنَ السَّمَاءً مَاءً فَأَنْبَتْنَا بًهً حَدَائًقَ ذَاتَ بَهْجَةي مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبًتُوا شَجَرَهَا أَإًله مَعَ اللَّهً بَلْ هُمْ قَوْم يَعْدًلُونَ أَمْ مَنْ جَعَلَ الأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خًلاَلَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسًيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنً حَاجًزًا أَإًلهي مَعَ اللَّهً بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ أَمْ مَنْ يُجًيبُ الْمُضْطَرَّ إًذَا دَعَاهُ وَيَكْشًفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضً أَإًلهي مَعَ اللَّهً قَلًيلا مَا تَذَكَّرُونَ أَمْ مَنْ يَهْدًيكُمْ فًي ظُلُمَاتً الْبَرًّ وَالْبَحْرً وَمَنْ يُرْسًلُ الرًّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتًهً أَإًلهي مَعَ اللَّهً تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرًكُونَ) [النمل:60- 63].


ثانيا: [توحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية لا محالة]:

والربوبية محتواة في توحيد الألوهية، فمن عبد الله وحده لا شريك له، لا شك أنه قد اعتقد قبل ذلك أن الله ربه ولا رب له غيره، وأن مالكه ورازقه وخالقه هو الله، فلا مالك ولا رازق ولا خالق سواه، فهو يعبد الله معتقدا أن الأمر كله بيد الله وحده لا شريك له، والنفع والضر إليه.


ثالثا: [توحيد الأسماء الحسنى والصفات العُلى]:


شامل للنوعين المتقدمين فهو قائم على إفراد الله سبحانه بالكمال المطلق من جميع الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات العلى، وإثبات معناها بلا كيف، والإيمان بما يترتب عليها من آثار وأحكام، وإثبات ما يحب له من أسماء وما يجب أن يوصف به، وما يجب أن ينزه عنه من النقائص، قال تعالى: (لَيْسَ كَمًثْلًهً شَيْء وَهُوَ السَّمًيعُ الْبَصًيرُ) [الشورى:11]، وقال تعالى: (فَلاَ تَجْعَلُوا لًلَّهً أَنْدَادًا) [البقرة:22]، وقال تعالى: (فَلاَ تَضْرًبُوا لًلَّهً الأَمْثَالَ) [النحل: 74]، وقال تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمًيًّا )[مريم :65]، وقال تعالى: (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد)[الإخلاص:4]، ومن الآيات الواضحة الدلالة بين سبحانه أنه لا مثل له ولا نظير ولا ند ولا سَمي ولا كفو له، فلا يجوز أن يكون شيء من صفاته مُماثلا لشيء من صفات المخلوقات ولا أن يكون المخلوق مكافئا ولا نظيرا ولا مساميا له في شيء من صفاته.

وهذه الأسماء والصفات التي لا تنبغي لغيره» منها اسم الرب، فإنه ربي واحدي لا يشاركه أحد في ربوبيته، واسم الرب حق له ولا ينصرف إلا إليه عند إطلاقه، فله وحده الربوبية المطلقة على جميع خلقه، ومن أسمائه: الله، وهذا الاسم لا يطلق إلا عليه، وهو إله واحد، لا إله غيره، هو المستحق للعبادة وحدة، فلا إله ولا معبود حق غيره، فله الألوهية وحده.

وذهب العلماء إلى تقسيم التوحيد إلى قسمة الثنائية أو الثلاثية دون زيادة أو نقصان:

(1) التوحيد العلمي الخبري الاعتقادي (توحيد الأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية).

(2) والتوحيد الإرادي الطلبي (توحيد الألوهية) دعا إليه أمران:

الأول: ناحية تقريبية وتعليمية لإدراك مراد الله من عبادة وسلوك أقرب السبل لفهم الدين.

ثانيا: البيان الواضح لدعوة الأنبياء والرسل وأنهم جاؤوا لبيان توحيد الألوهية وإفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له، وأن الإقرار بتوحيد الربوبية لا يدخل أحدا في الإسلام فقد كان المشركون يقرون بتوحيد الربوبية، فيقولون بوحدانية الله وافراده بأفعاله، ولا يقرون بإفراد الله بأفعالًهم، فلا يشركون معه أحدا في أفعاله، ويشركون معه غيره في أفعالهم، وقد أعلن المشركون ذلك كما في قوله تعالى: (وَالَّذًينَ اتَّخَذُوا مًنْ دُونًهً أَوْلًيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إًلا لًيُقَرًّبُونَا إًلَى اللَّهً زُلْفَى) [الزمر: 3]» أي: وذلك أَنَّهم إذا قيل لَهم: من ربكم؟ ومن خلقكم؟ ومن خلق السماوات والأرض؟ قالوا: الله، فيُقال لَهم: فما معنى عبادتكم الأوثان والأصنام والقبور؟ قالوا: ليقربونا إلى الله زلفى، أي: قُربَى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، كأنه قال: إلا ليقربونا إلى الله تقريبًا، ويشفعوا لنا عند الله، وهذا إبليس ألا ترون كيف أقر بالربوبية والبعث؟! قال تعالى: (قَالَ رَبًّ فَأَنْظًرْنًي إًلَى يَوْمً يُبْعَثُونَ) [الحجر:36].


لا توحيد ألوهية بلا توحيد ربوبية

ولا توحيد ربوبية بلا توحيد أسماء وصفات


وكذلك من ألحد في أسماء الله وصفاته فقد أخل بتوحيد الأسماء والصفات، وأخذ يهدم في بناء توحيد الربوبية، وقد سبق البيان عند ذكر التلازم بين أقسام التوحيد، أن توحيد الربوبية قائم على الإقرار والاعتقاد السليم بتوحيد الأسماء والصفات، وحينئذ لن ينفعه الإقرار بالتوحيدين فلن ينفعه القولُ بتوحيد الربوبية ولا إقرار منه بتوحيد الألوهية، فلا توحيد ألوهية بلا توحيد ربوبية، ولا توحيد ربوبية بلا توحيد أسماء وصفات. وللحديث بقية


تاريخ النشر: الاثنين 21/4/2008




الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:50 PM
ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (2)




د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد:

قد ذكرنا فيما تقدم الخطوط العريضة للتوحيد وأنواعه، مع بيان واضح لًمفهوم التوحيد عند أهل السنة، وما جرى عليه أكابر علماء الأمة من ذكري للربوبية، وأنه رب واحد لا يشاركه أحد في ربوبيته، فغلب اسم الرب وشَمل أفعاله المتفرد بًها التي لا يُشارَكُ فيها، ومن اسم الرب اطلق اصطلاح الربوبية، واصبح يُمثل توحيد الله وإفراده بأفعاله، وهو ما يعرف بتوحيد الربوبية.

وأما إفراد الله بأفعال العباد فلأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومن اسم الله، والإله كما في قول الله تعالى: (شَهًدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ وَالْمَلاَئًكَةُ وَأُولُو الْعًلْمً قَائًمًا بًالْقًسْطً لاَ إًلَهَ إًلا هُوَ الْعَزًيزُ الْحَكًيمُ)[آل عمران: 18]، وقال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا اللَّهُ)[محمد: 19 ]، ومن معنى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، عُرًفَتْ الإلَهية والألوهية، ومنذ القرن الثالث حتى يومنا هذا، وعلماء أهل السنة يَسًمونَ التوحيد بالربوبية والألوهية في الْمُصنفاتً والكتبً، والمجالس العلمية، وَلَم يعُرفَ عنهم ذكر للحاكمية في سياق المدح والثناء.

لا جديد في أقسام التوحيد وكل أفعال العباد خالصة لله إن ما تعرفون من توحيد الألوهية والعبادة، هو إفراد الله بأفعال العباد، فتُصرفُ كل العبادات لله عز وجل بلا استثناء، فالصلاة من أفعال العباد، والزكاة والصوم والحج والدعاء والخوف والخشية والرهبة، وغير ذلك من أقوال وأفعال القلوب والجوارح، والتحاكم إلى الكتاب والسنة من أفعال العباد، فهو الواجب فعله، ولا ينبغي أن يتحاكم إلى غيره، قال الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرًيعَة مًنَ الأَمْرً فَاتَّبًعْهَا وَلاَ تَتَّبًعْ أَهْوَاءَ الَّذًينَ لاَ يَعْلَمُونَ) [الجاثية: 18]، وقال تعالَى: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فًيهً مًنْ شَيْء فَحُكْمُهُ إًلَى اللَّهً) [الشورى:10]، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا أَطًيعُوا اللَّهَ وَأَطًيعُوا الرَّسُولَ وَأُولًي الأَمْرً مًنْكُمْ فَإًنْ تَنَازَعْتُمْ فًي شَيْء فَرُدُّوهُ إًلَى اللَّهً وَالرَّسُولً إًنْ كُنْتُمْ تُؤْمًنُونَ بًاللَّهً وَالْيَوْمً الآخًرً ذَلًكَ خَيْر وَأَحْسَنُ تَأْوًيلا)[ النساء:59]، وقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إًلَى الَّذًينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بًمَا أُنْزًلَ إًلَيْكَ وَمَا أُنْزًلَ مًنْ قَبْلًكَ يُرًيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إًلَى الطَّاغُوتً وَقَدْ أُمًرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بًهً وَيُرًيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضًلَّهُمْ ضَلاَلا بَعًيدًا وَإًذَا قًيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إًلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإًلَى الرَّسُولً رَأَيْتَ الْمُنَافًقًينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا)[النساء60-61]، وكل تحاكم إلى غير الكتاب والسنة هو تحاكم إلى الطاغوت، وحكم بغير التنزيل، فليس من العلم في شيء ابتداع قسم جديد وإحداث الحاكمية التي يروجون لَها، ولا معنى لهذه الْمُحاولات والسعي إلَى وضع توحيد الألوهية في الْهامش.

التحاكم إلى الكتاب والسنة

التحاكم إلى الكتب والسنة هو الدين، وكل من جحد شعيرة من شعائر الإسلام خرج من دائرة الإسلام ولمعرفة حكمها لا بد من الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله والتحاكم إليهما، وهل نسلك سبيل العلماء أم سبيل الآخرين؟! فكلما بدا لنا تعظيم شيء من شعائر الدين - وكل شعبة من شعب الإيمان لها شأن وأهمية - صنعنا له توحيداً، فينتهي بنا الأمر أن لكل شعيرة من شعائر الإسلام توحيداً وحاكميةً.


أولا: توحيد الصلاة أو توحيد الحاكمية في الصلاة

هل نطلق اصطلاح توحيد الصلاة علي إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الصلاة؟ فالصلاة عبادة» وللإتيان بًها على الوجه المشروع، لا بد من التحاكم إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى:(فَأَقًيمُوا الصَّلاَةَ إًنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمًنًينَ كًتَابًا مَوْقُوتًا) [النساء: 103]، وروى البخاري فًي صحيحه (631) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي».


ثانيا: توحيد الصيام أو توحيد الحاكمية في الصيام

وهل نطلق اصطلاح توحيد الصيام على إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الصيام؟ والصيام عبادة» وينبغي التحاكم إلى الكتاب والسنة، حتى تكون كما أراد الله، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذًي أُنْزًلَ فًيهً الْقُرْآَنُ هُدًى لًلنَّاسً وَبَيًّنَاتي مًنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانً فَمَنْ شَهًدَ مًنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) [البقرة: 185]، وروى مُسلمي فًي صحيحه (1080) مًنْ حديث عبد الله بن عُمَرَ رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرَ رمضان فضربَ بيَدَيهً، فقال: (الشهر هكذا وهكذا وهكذا)، ثُم عقد إبْهامه فًي الثالثة، (فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن أُغْمًيَ عليكم فاقدروا له ثلاثين). وفي رواية: (فَإًن غُمَّ عليكم).


ثالثا: توحيد الحج أو توحيد الحاكمية في الحج

وهل نطلق اصطلاح توحيد الحج علي إفراد الله بأعمالنا وعبادتنا في الحج؟ والحج عبادة وحَتّى نؤدي هذا النُّسكَ على الوجه المطلوب ينبغي التحاكم إلى الكتاب والسنة، قال تعالى:؟ وَلًلَّهً عَلَى النَّاسً حًجُّ الْبَيْتً مَنً اسْتَطَاعَ إًلَيْهً سَبًيلا؟[آل عمران: 97]، وروى مسلم (1297) في صحيحه من حديث جابري رضي الله عنهما يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: «لتأخذوا مناسككم فَإًنًي لا أدري لعلي لا أحج بعد حَجَّتًي هذه».


(وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً)؟

عباد الله! إن القرآن نزل بوضوح تام وبلسان العرب، قال الله تعالى: (بًلًسَان عَرَبًيّ مُبًين) [الشعراء: 195]، فجمع المتفرق، وفصل المجمل، فكل العبادات لَها ركنان (1) الإخلاص لله. (2) المتابعة وإصابة السنة، وهل يسوغ لأحد في كل عبادة متضمنة في توحيد الألوهية؟ أن يقول توحيد الدعاء وتوحيد الزكاة، وتوحيد الصدقة، وتوحيد الخوف، وتوحيد الرهبة، وتوحيد الخشية، وتوحيد التحاكم، ونفرق ما جمعه الله في قول واحد:؟ وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً؟ [الذاريات:56]» أي: ليوحدون، ويصرف العباد كل أعمالهم له وحده، فقد روى مسلم (2985) في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تبارك وتعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه».


رابعا: توحيد الفعل أو توحيد الحاكمية في أفعال العباد

فعبادةُ الصلاة» لله، ولا نقول توحيد الصلاة، وعبادة الزكاة» لله، ولا نقول توحيد الزكاة، وعبادة الصوم» لله، ولا نقول توحيد الصيام، وعبادة الحج» لله، ولا نقول توحيد الحج، وعبادة الدعاء» لله، ولا نقول توحيد الدعاء، وعبادة الحكم» لله، ولا نقول توحيد الحكم، وتوحيد التحاكم، أو ما يسمونه: (توحيد الحاكمية) إلى آخر الأفعال التي تصدر من العبد» فهي خالصة لله، فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له.


تسمية التوحيد بين العلماء والمتعالمين

أ ـ تسمية أهل العلم للتوحيد: (1) توحيد الأسماء والصفات، (2) توحيد الربوبية، (3) توحيد الألوهية.

ب ـ تسمية المتعالمين من المثقفين المعاصرين: التوحيد العصري» وهو تغليب اسم جديد على مسمى التوحيد، توحيد الحاكمية، فتكون مذهباً لبعض المثقفين، لا توحيد إلا توحيد الحاكمية، فالذهن دوما متعلق بالحكم والسلطة.

ج ـ تسمية المتعالمين من أهل الأهواء (الْمُحَكًّمَة): (1) لا حُكْمَ إلا لله، (2) ولا حَكَمَ إلا الله.


[مراحل الاتجاه لنقد الحكم والحاكم]


1ـ أول ظهور للحاكمية ومطالبة الحاكم بالعدل

كان أول ظهور واتًّهام للحاكم، وإنكار الانحراف ـ بزعمهم ـ في مؤسسة الحكم، والبحث عن العدالة في زمن النَّبًي صلى الله عليه وسلم، فقام ذو الخويصرة التميمي معترضا على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانظر لًهذا المنحرف كيف يَجرُؤ- ويطالب سيد الخلق بالعدالة وعدم الظلم، والسبب ما يحمل من رؤية ضالة، وأنه الأعلم في مسألة الحكم وأعدل، يريد عدالة وحكما توافق هواه، فسلك طريق الْهوى وهو السبيل المذموم، لأهل الأهواء المنحرفين عن الحق، قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبًعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مًمَّنً اتَّبَعَ هَوَاهُ بًغَيْرً هُدًى مًنَ اللَّهً إًنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًينَ) [القصص:50].

2ـ ذو الخويصرة التميمي يرى أنه الأعلم في مسائل الحكم والعدل

وقد روى ذلك البخاري (3610)، ومسلم (1064) في صحيحيهما من حديث أبًي سعيد الْخُدْرًي رضي الله عنه قال: بينما نَحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يَقْسًمُ قَسْماً أتاه ذو الْخُوَيصًرَةً ـ وهو رجل من بنًي تَمًيمي ـ فقال: يا رسول الله! اعدًلْ، فقال: (ويلكَ ومَن يَعْدًلُ إذا لَم أعدًلْ، قد خبتَ وخسرتَ إن لَم أَكُنْ أعدًلُ)، فقال عمر: يا رسول الله! ائْذَنْ لًي فيهً فَأَضْرًبَ عُنُقَهُ، فقال: (دَعْهُ، فإن له أصحاباً يَحْقًرُ أحدُكُم صلاته مع صلاتًهًم، وصيامه مع صًيَامًهًم، يقرءون القرآنَ لاَ يُجَاوًزُ تَرَاقًيَهُم، يَمرُقُونَ منَ الدًّينً كَمَا يَمْرُقُ السَّهمُ مًنَ الرَّمًيَّةً).

وفًي رواية في الصحيحين«: فقال: يا رسول الله! اتَّقً الله، قال: (ويلك أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهلً الأَرض أن يَتَّقًيَ الله). وفًي رواية فًي «الصحيح»: فقال رَجُل: مَا عَدَلْتَ. وللحديث بقية فالحمد لله من قبل ومن بعد.


تاريخ النشر: الاثنين 28/4/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:53 PM
ماذا تعرف عن الحاكمية؟! (3)





أصبح توحيد الحاكمية نافذة لبعض الأفكار المنحرفة خاصة قضايا تكفير الحكام والشرط والعساكر

د/عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين» أما بعد:

الاتجاه لنقد الحكم والحاكم مراحل ونشأة

ذكرنا في المقال السابق تاريخ الاعتراض على الحكام والولاة، ومراحل نشأة الثورة في وجه الحاكم وأن رائد هذا الاتجاه هو ذو الخويصرة التميمي الذي يُعد أول من مارس هذا الدور وبئس الممارس, فقد وقف أمام سيد الأولين والآخرين وخاتم الأنبياء والمرسلين وطعن في عدله وسياسته لأصحابه، فبئس الممارسة، وتطور هذا الاعتراض حتى أصبح عقيدة ومنهجا لفرقة الخوارج ولابد أن يعلم كل مباشر لعمل من جنس أعمال الخوارج أنه قد جنى على نفسه ومال عن الصراط المستقيم ببعض الأوصاف التي كانت تلحق بهذه الفرقة.


3ـ ثاني ظهور للحاكمية كان مع الخوارج الْمُحَكًّمَة

في زمن الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ظهر أناس نابذوا أمير المؤمنين عليا، وأظهروا التحكيم، يقولون: »لا حُكْمَ إلا لله«، اعتراضا على قبول علي بن أبًي طالب للحكمين أَبًي موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وأنه لا حكَمَ إلا الله، وأبطل هذه الشبهة ابن عباس رضي الله عنهما بقول الله تعالى:

فَابْعَثُوا حَكَمًا مًنْ أَهْلًهً وَحَكَمًا مًنْ أَهْلًهَا إًنْ يُرًيدَا إًصْلاَحًا يُوَفًّقً اللَّهُ بَيْنَهُمَا [النساء: 35]، عند مناظرته لأولئك الخوارج، وقد اجتمعوا فًي أول أمرهم في حروراء، فنسبوا لَها، فالحروري هو الخارجي نسبة إلى حروراء، وسُموا بالمحكمة، والحرورية، والخوارج.


4ـ الخوارج المُحكًّمة وداء التعالُم، وهل الخوارج أعلم من الخليفة الراشد؟

المُحكًّمة: أظهروا التحكيم وقالوا: »لا حُكْمَ إلا لله، ولا حَكَمَ إلا الله«، كلمة حق يراد بًها باطل وهم أول فرق الخوارج، وكانوا أصحاب عبادة ولكن أصيبوا بًمرض التعالُم، ولًهذا كان اعتقادهم أَنَّهم أعلم من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بل كانوا يرون عليا من أئمة الضلال، وكان أول كلمة خرجوا بًها قولَهم: »لا حكم إلا الله«، وانتزعوها من القرآن وحَملوها على غير مَحملًها، قال الله تعالَى: إًنً الْحُكْمُ إًلا لًلَّهً أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إًلا إًيَّاهُ ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ وَلَكًنَّ أَكْثَرَ النَّاسً لاَ يَعْلَمُونَ[يوسف: 40]، ومعنى الآية التي كانت أول زلل وقعت فيه فرق الخوارج» قال البغوي في التفسير: إًنً الْحُكْمُ ـ ما القضاء والأمر والنهي، وقال غيره: ـإًنً الحكم ـ» أي: ما الحكم في شأنً وأمرً العبادة والدين، ـإلاَ لًلَّهً ـ إلا لله عز وجل فله الخلق والأمر، والحُكْمُ: هو فصل الأمر بًما تدعو إليه الحكمة، ثُم بَيَّنَ ما حكم به، فقال: (أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إًلاَّ إًيَّاهُ)أَمَرَ وَدَعَا فًي الكتاب أن التوحيد لله، (ذَلًكَ الدًّينُ الْقَيًّمُ) التوحيد هو الدين المستقيم، الثابت الذي دلت عليه البراهين، وهو دين الإسلام الذي لا عوج فيه. وروى مسلم (1066) في صحيحه من حديث عبيدالله بن أبي رافع مولَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أَنَّ الحرورية لَمَّا خرجت وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا: لا حُكْمَ إلا لله، قال علي: كلمة حق أريد بًها باطل، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إًنًّي لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا منهم ـ وأشار إلى حلقه ـ من أبغض خلق الله إليه منهم أسود إحدى يديه طُبْيُ شاةي أو حلمة ثدي فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: انظروا، فنظروا فلم يجدوا شيئا، فقال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا، ثم وجدوه في خربة، فأتوا به حتى وضعوه بين يديه، قال: عبيدالله وأنا حاضر ذلك من أمرهم. قلت: »طُبْيُ شاةي «، المراد ضرع شاة.


ظهور جديد للحاكمية في القرن الخامس


رُسًمت ملامح لاصطلاح الحاكمية في آخر القرن الربع وبداية القرن الخامس إبان عهد العبيديين فًي مصر، فظهرت فرقة الحاكمية، وكان لَهذه الدعوة دعاة وأتباع.

والحاكمية: نسبة إًلَى الحاكم بأمر الله، وسُميت دولته وعهده بالدولة الحاكمية، وهو أبو علي المنصور بن أَبًي الْمنصور صاحب مصر، ابن العزيز نزار بن الْمعز بالله العُبيدي، وكانت خلافته خمسا وعشرين سنة وأياما وانتهى عهد دولته سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وقال ابن كثير فًي البداية والنهاية فًي أحداث سنة ست وثمانين وثلاثمائة: وفيها ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر. اهـ

وتنسب إلَي الحاكم بأمر الله الفرقة الباطنية الضالة المضلة "الحاكمية" الذين قالوا برجعته، فذهبت إلى الاعتقاد بحياته وأنه قد غاب، ولا بد أنه سيظهر ويعود يَملك الأرض، وكان للدعوة الحاكمية رواج.

حاكمية المثقفين واختلاف الغايات ولَّد توحيداً جديداً

إن الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب هو دعوة الناس إلى التوحيد ومجانبة الشرك، ولَم يكن إيجاد الدول وإنشائها غايةً يُبْعَثُ الأنبياءُ والرسل من أجلها، بل هي وسيلة كباقي الوسائل وجدت تبعا لوجود مجتمع من أهل التوحيد، ودورها قائم على حماية وحفظ مصالح الموحدين، قال تعالى:وَمَا أَرْسَلْنَا مًنْ قَبْلًكَ مًنْ رَسُول إًلا نُوحًي إًلَيْهً أَنَّهُ لاَ إًلَهَ إًلا أَنَا فَاعْبُدُونً [ الأنبياء: 25]، وقال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فًي كُلًّ أُمَّةي رَسُولًا أَنً اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنًبُوا الطَّاغُوتَ فَمًنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمًنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهً الضَّلاَلَةُ[النحل: 36]، قال إمام المفسرين الطبري في تفسيرها: ولقد بعثنا أيها الناس! في كلّ أمة سلفت قبلكم رسولا» كما بعثنا فيكم، بأن اعبدوا الله وحده لا شريك له، وأفردوا له الطاعة، وأخلصوا له العبادة (وَاجْتَنًبُوا الطَّاغُوتَ)يقول: وابعدوا من الشيطان، واحذروا أن يغويكم، ويصدكم عن سبيل الله، فتضلوا.اهـ


وضوح الغاية عند العلماء


لَم يذهب العلماء إلى إحداث ذلك الاسم الجديد (الحاكمية) وابتداع قسمة رباعية لأنواع التوحيد لوضوح الغاية والهدف من الوجود، فمن كانت غايته التوحيد، ذهب إلى إيجاد الموحدين على الأرض كما بينا عند قوله: وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً[الذاريات: 56]» أَيْ: ليوحدون، فدعا العلماء إًلَى التوحيد وَبينوه فًي أقسامي ثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الأسْماء والصفات، وتوحيد الألوهية، وأما من اعتقد أن الغاية إًيجاد الحكومات والدول سعى إلى إحداث مسمى الحاكمية، وأصبح مفهوم التوحيد، ودعوة الأنبياء والرسل، تكاد تنحصر في قسم جديد سَمَّاه توحيد الحاكمية.


الحاكمية السياسية


وإطلاق الردة على الحكومات والمجتمعات

اطلاق الردة على الحكومات وجاهلية المجتمعات ووصفها بالمجتمعات الجاهلية، وما تبعه من الغلو السياسي والحقد على الحكام والولاة، وإن قصر النظر في الإصلاح على الحكم والسلطة، وقلة المبالاة بإصلاح العقائد، والنظر بعين الإهمال إلى التوحيد وباقي شرائع الإسلام، أوجد ثقافة تدور حول الحكم والسلطة والعمل على إثارة الناس للإطاحة بالحاكم والاستيلاء على السلطة، بأي قوة متاحة، والقدح فًيمن يتولَّى الحكم ويسوس البلاد ليلا ونَهارا وسرا وجهارا، فاجتالت ثقافة الحاكمية كثيراً من شباب ومثقفي الأمة، فآمنوا بًهذا الوليد القديم الجديد.


الحاكمية هي الوليد القديم الجديد


تستمد الحاكمية قًدَمَها من أول متعالًمي» وأعني به: ذي الْخويصرة التميمي رأس الخوارج الذي أنكر على النبي صلى الله عليه وسلم، وقدح في حكمه آنذاك، ويستمد هذا الوليد قًدَمَهُ أيضاً من عهد الخوارج الْمُحَكًّمة الذين كانوا يرون أَنفسهم أعلم في أمور الحكم من علي بن أبي طالبي رضي الله عنه.


خطورة آفة التعالم


فكان ذلكم التعالم على النبي صلى الله عليه وسلم، والتعالم على الخليفة الراشد علي بن أبي طالبي رضي الله عنه، وإن التعالُمَ على العلماء في أي زمن وعصر هو طريق الهاوية والانحراف في النهج والعقيدة والشريعة. ولذلك استمدت الحاكمية جديدها من الذين تعالموا على العلماء الربانيين في هذا العصر فلم يرجعوا إليهم في مسائل الدين والاعتقاد، أمثال بعض المثقفين الذين ليس لَهم حظ من علوم الشريعة» خاصة علوم العقيدة والحديث والتفسير والفقه.


لكل ساقطة لاقطة


ولقد تأثر بًهذه الظاهرة من حيث لا يشعر بعض من نُحسن الظن بًهم» لكثرة تريد مفردة الحاكمية فيما يُقرأ من كتاب أو يُسمعُ من خطاب في هذه الأزمان، فاللغة الشرعية دخل عليها ألفاظ غريبة مًمَّا أوجب الاحتياط والحذر، ولكن قد قيل في الأمثال: إن لكل ساقطة لاقطة، فقد جاءوا بقسمة جديدة في التوحيد وجعلوه أربعة أقسام، بإضافة قسم رابع» توحيد الحاكمية، خلاف الأمر الذي استقر عليها علماء أهل السنة والجماعة. فأصبح توحيد الحاكمية نافذة لبعض الأفكار المنحرفة خاصة قضية تكفير الحكام والشرط والعساكر، إن لَم يكن بوابة واسعة تسمح بولوج بعض المفردات والعبارات التي تمثل عقائد وثقافة مذهب الخوارج.


الموقف من الحاكمية


هذا اللفظ وغيره من الألفاظ التي لا ضابط لَها، ولا رابط بينها، ولا تقوم على تأصيل شرعي، إذا ذكرت» فكل يفهمه بحسب إرثه الثقافي ويصرفه إلى المعنى الذي في ذهنه، ولفظ الحاكمية» بعض الناس يصرفه للدعوة الحاكمية والطائفة الحاكمية التي تنسب للدولة الحاكمية في عهد الدولة العبيدية، وقد يفسره بعضهم امتدادا لمفاهيم منهج الخوارج المحكمة، ويذهب بعض المثقفين إلَى التفسير العصري الذي خرج من عقول المفكرين والمثقفين عندما رفعوا راية جاهلية المجتمعات والردة الجماعية، وهناك غفلة من بعض الصالحين أوقعته في هذا الشراك وتأثر بهذه المفردة واعتقد أن في استخدامها نُهوضي بالدين ودفع للإصلاح.


الحاكمية من الألفاظ الموهمة ذات الاستعمالات المتضادة


ونقول هنا إن اللفظ إذا أوهم معاني مختلفة، ومنها معاني باطلة، فلابد من طرحها، وترك ترديدها والإعراض عنها، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا لَم يكن هناك مصلحة تستحق الذكر في لفظ الحاكمية؟! والدليل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذًينَ آَمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعًنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا[البقرة: 104]، وقد نهى الله تعالى عن قولهم راعنا وأمر أن يقولوا مكانه انظرنا، لأن المسلمين يستخدمون كلمة ـرَاعًنَاـ لًمعنى صالح، واليهود يستخدمون ـرَاعًنَا ـ لًمعنى فاسد، فاقتضى الأمر استبداله بًما لا يحتمل معانيَ باطلة، وحجب استخدامه لًما فيه من ضرر على دين المسلمين.


المنع من استخدام الحاكمية أو أن يكون للحاكمية مدلول شرعي


1ـ فيمنع تناولُها واستخدامها تحت مدلول شرعي.

2ـ لا يوجد قسم رابع تحت مسمى توحيد الحاكمية.

3ـ الكف عنه حتى لا نردد مذهب الطائفة العبيدية التي تنسب للحاكم بأمر الله.

4ـ في منعها سد لذريعة التكفير وقفل لبوابة التعالم.

وأخيرا الحمد لله من قبل ومن بعد، والحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن.


تاريخ النشر: الاثنين 5/5/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:55 PM
مسح الركنين اليمانيين لبيت الله الحرام لا التمسح ببيوت الموتى والقبور






الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


إن الكلام في بعض المسائل لا يكون إلا بالتعريف بدين الإسلام و ما يناقضه، وتوضيح أصول الاحتجاج فلا حجة إلا في الأصلين؛ كتاب الله والصحيح الثابت من سنة نبيّه، قال تعالى: {إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ}[هود: 17]، أما أفعال الخلق فلم يجعلها الله حجة على خلقه، قال تعالى:{وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} -[الأنعام: 116].


الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له


قال الله تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ} -[الزخرف: 45]، لقد حمل النَّبِي صلى الله عليه وسلم راية التوحيد كما حملها أنبياء الله ورسله من قبل، وبدأ الدعوة إلى الإسلام، فقام بهدم مظاهر الشرك ونبذ أهله، حتى استوى له الأمر على عوده، قال تعالى على لسان نبيه: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ}-[الأنعام:161- 163]، ولم يتقرب إلى الله خلال دعوته التي امتدت إلى ثلاثة وعشرين عاماً باتخاذ قبر واحد لأحد السابقين الصالحين أو من صحابته المرضيين للتبرك [حاشاه من ذلك]؛ وفقد بعض أصحابه الذين صدقوا دعوته ونصروا دينه في غزوة بدر، وغزوة أحد، والغزوات الأخرى فلم يضرب القباب على قبورهم، وكان فيهم سيد الشهداء وعم رسول الله حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه؛ لم يتخذ من قبره مزاراً تشد له الرحال للتمسح والتبرك، لكي يقتدي بفعله الصحابة، ولتكون سنة وشرعاً للمسلمين، وكذلك لم يجعل لابنه إبراهيم قبراً مُزيناً بقبة كبيرة تكسوها أطنان الذهب والحلي من كل جهة.


عباد الله! لم يكن هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم ولم يأمره ربه بشيء من هذا، بل كان أمراً في كتابه العزيز الأمر بالقضاء على كل وسيلة تؤدي إلى الشرك بالله، ولذلك وجدنا الإسلام صافياً نقياً في ذلك العهد، بعيداً عن الشوائب والخرافات على الصراط المستقيم، وتلقيناه كما جاء من عند رب العالمين، حتى ظهور الأهواء والبدع، فقالوا في الإسلام قولا زوراً، قال تعالى: {وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا}-[المجادلة: 2]، وأدخلوا على المسلمين معتقدات وعبادات ما أنزل الله بها من سلطان، وأحدثوا في دين الله ما ليس منه.


إخلاص الدين لله وحده


إن حكمة وجود المخلوقات بدءاً من الأنبياء والمرسلين وغيرهم في هذا الكون، هو توحيد الله؛ وعبادته وحده لا شريك له، قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ}-[الذاريات: 56]، وقال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ}-[النحل: 48]، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}[الحج:18]، وفي قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ}-؛أي: من الملائكة في السماوات العلا، والحيوانات في جميع النواحي والجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، وقال أيضا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} [النور: 41]، وقال تعالى: -{وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].


الدعوة إلى المحافظة على حقوق القبور


فيما سبق من آيات تبيَّن أن كل المخلوقات في هذا الكون قد صرفت العبادة لله وحدة، وذكر الله سبحانه منها الشمس القمر التي كان يعبدها المشركون، فلم تصرف شيئا من العبادة للقبور والأولياء، وكذلك جاء ذكر النجوم والجبال الشامخة، والتي ظلت في شموخها، فلم تنحن لملك مقرب أو نبي مرسل، ولا عرفت ما ادَّعاه بعض الناس من حقوق لقبور الأولياء والصالحين في الطاعات والقربات. وفي قوله: {وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ }؛ أي: أن كثيراً من الناس هم في مسألة جعل الدين كله لله، وتوحيد الله وعبادته؛ كباقي المخلوقات، يعبدونه وحده لا شريك له، وقوله: {وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ}؛أي: يخبر ربنا سبحانه وتعالى عن تلك الفرق والطوائف التي تصرف الناس عن عبادة الله وحده، و ما ابتدعوه من دعوة إلى المحافظة على حقوق القبور ومشاركتها لله في أفعال العباد والعياذ بالله.


الأنبياء لم يشاركوا الله في الألوهية والربوبية


لا ينبغي للأنبياء والمرسلين أن يشاركوا الله في حقوقه، فضلا عن من دونهم، ولا يجوز أن يُصرف شيءٌ من الطاعات والقربات لأفضل خلقه، ولذلك فإنه لا يخفى على مسلم ما لرسول الله (محمد صلى الله عليه وسلم) من مكانة عَلِيَّة عند ربِّه، وما جعل له واختص به من الفضائل التي لَم تكن لأحد من الخلق قبله وبعده، ومع ذلكم الاختصاص؛ فليس له ولا لأحد من خلقه الحق في مشاركة الله في الألوهية والربوبية، ولا ينبغي لأحد أن يعتقد بانقطاع العلاقة مع الله لموت أحد من خلقه، ونبَّه على ذلك بقوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، وهذا ما فهمه أصحابه الذين عرفوا التوحيد الخالص وصدقوا المرسلين، فقد روى البخاري (1242، 3670، 4454) في صحيحه من طريق أبي سلمة، أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات، وفي الحديث... فقال أبو بكر: أما بعد: ألا من كان يَعْبُدُ محمداً صلى الله عليه وسلم؛ فإن محمداً قد مات، ومن كان يَعبُدُ الله؛ فإن الله حي لا يموت، وقال: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}، وقال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}[آل عمران: 144]، فبينت الآيات أن التوحيد والعبودية الخالصة لا تتوقف لموت أحد، وليس لمحمد صلى الله عليه وسلم حقٌ فيها، كما لم تكن حق للأنبياء قبله، بل هي لله الواحد القهار الحي الذي لا يموت، ولذا قال تعالى: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ}[الزمر: 30-31]، فكل المخلوقات تنتهي، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام؛ فهو المستحق وحده، والمتفرد بخصائص الألوهية والربوبية، تجتمع المخلوقات لديه يوم القيامة؛ فدعاة التوحيد وأهل الحق يخبرون ربهم أنَّهم بلَّغوا التوحيد، وحذروا من الشرك و وسائله المفضية إليه، ويحتج المكذبون ويعتذر المعرضون؛ باتباع الآباء والمراجع والأولياء والاغواء. والحمد لله رب العالمين.


الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي





تاريخ النشر 03/08/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:57 PM
مقـالاتُ غُنْثَر والغُلُوُّ في الجهـل




قال شيخ الاسلام ابن تيمية: »وأما السيئات فمنشأها من الظلم والجهل.. وفي الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل«



الدكتـور/ عبد العزيز بن ندَى العتيبي


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين؛ أما بعد:

أخي القارئ لك أن تتصور معي عندما تجد أن الجهل قد فُرِضَ في حياة فرد، وضربت له أطنابٌ في عقله، حتى أصبح الجهل متمثلا في شخصه، وجزءا من السلوك والأقوال والأفعال في عالَمِهِ الخاص، ومع ذلك يجرؤ هذا الصنف من الناس؛ فتجده يخادع نفسه، ويخدع الآخرين؛ متظاهراً بثقة مزيفة؛ ويقدم على الخوض في الأمور العامة وشؤون الخاصة، على الرغم من شلل عقله، ومعاناته من عجز الإصابة بالجهل، قال تعالى: - *وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ* [الأنعام: 43].

* أتعلمون تفسيرا لِهذا؟ إنه الغلو في الجهل، أين التَّبَيُّن والتَّثَبُّت؟ إِنَّ التَّبَيُّنَ يدفع الجهل ويقصيه، قال تعالى: *يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ*، وفي قراءةٍ مشهورة؛قال: *فَتَثَبَّتُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ*، [الحجرات: 6].


*إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ*

إن الغلو في الجهل يدفع الجاهل لنسيان نفسه، ولذا تراه قد يصاب بِمرحلة فقدانٍ للذاكرة، قال الله تعالى: *وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ* [الحشر: 19]، وعند نسيان النفس، وجهل توجيهها؛ فلا تسأل بعد عن عواقب الأمور؛ سيكون ذلك سبباً في صنع شخصية، تثير الشغب في أوساط الناس هنا وهناك، وتباشر حشر نفسها في كل ميدان؛ متكلما في شؤون الحياة، ومُمارساً للكتابة في كل الفنون، ويشارك أرباب العلم في ميدان العلم والثقافة، غير عابئ بِما يقوله الآخرون من نقدٍ لعقله، وبيان جسامة عيوبه، وإعلان شناعة جهله.

الجهل سببٌ للنقيضين التفريط والإفراط


قال تعالى: *وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا*-[الأحزاب: 72]، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (14/224): وأما السيئات فمنشأها من الظلم والجهل، وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تَمَّ العلم بِها لَم يفعلها، فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة والغفلة، والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: *وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ* [الكهف: 28] الآية.


لمن تفتح الأبواب في زمن التراجع؟!


أيُّها القارئ! حذار أن تصعق عندما تواجهك المأساة بِمشاهدةِ هذا وأمثاله، وهو يعيش حالة من الوهم، عندما تفتح له أبواب ونوافذ زمن التراجع؛ معتقداً أن ظلام الجهل غير مطبق على عقله.


لمصلحة من لا يفرقون بين الجهل والعلم؟


وأين العدالة في عدم التسوية بين الجهال والعلماء؟ ولمصلحة من لا يفرقون بين الجهل والعلم؟ وأقول: إنها لمصلحة الدخلاء، وفتحُ بابٍ للكسالى والعاجزين عن نيل العلوم، ليعبثوا جهلا بِمصالح الدنيا، ومنافع الدين، قال تعالى: *وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً* [النحل: 56]؛أي: جعلوا للجاهل الذي لا علم له نصيبا مفروضا.

* أتدركون تفسيراً لِهذه الفوضى إنه الغلو في الجهل، ولِتَقْوِيْمِ هذا الانحراف؛ فصل الله تعالى بين الفريقين: فأعلى شأن العقلاء والحكماء والعلماء، وبين حال الذين لا يعلمون، قال تعالى: *ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ* [الجاثية: 18]، وقال تعالى: *قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ* [الزمر: 9].

قال الشاعر:

إن الجهالة شر من وطئ الحصى

من كل أنس ناطق أو جان


إن الغلو في الجهل؛ دعوة صريحة لطمس الحقائق، وتزوير المسلمات؛ حتى صار الاستخفاف بالعلم مذهباً، وتشويه المعرفة منهجاً ومطلباً، ولا يرون قيمة أو حاجة مرجوة للتوثيق والتثبت والضبط لِما ينقل بالقول والكتابة؛ من الأخبار والمعارف والمعلومات،

* أتعلمون لِماذا؟ إنه قبول الجهل والغرق في ظلماته.وليعلموا أن النار موعدٌ لكثير من الجهال، فقد روى أبو داود (3573)، والترمذي (1322) وابن ماجه (2315) في السنن ما ثبت وصح من حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: »القضاة ثلاثة؛ واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة؛ فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق فجار في الحكم؛ فهو في النار، ورجل قضى للناس على جهل؛ فهو في النار«.


الإشفاق على المصاب بالجهل أفرادا وطوائف


وكذلك الحال عندما يصبح الجهل وصفاً ملازماً لمجموعة معينة، وشعارا لفرقة، وعلما تعرف به طائفة من الناس، وما هي الكيفية للتعامل مع هذا الوضع؟ حيث تجد النفس مجبرة للإشفاق على هؤلاء، ومحاولة انتشالهم من بيئة الجهل، وعلاج هذا الداء؛ خاصة أن المصاب بداء الجهل غالباً لا يراه، أو أن أصحابه ومن حوله لا يرون ما يعانيه، ولا يجدون فيه نقصاً، ولَم يكتشفوا أن مكانهم الحقيقي قد أصيح في آخر الصفوف، ولا يحق لأحد منهم أن ينطق بكلمة إلا عندما ينتهي الآخرون، وهذا المكان والموقع المؤلم فرضته الحالة العلمية والمعرفية؛ لِمن لَم يكتشفوا مرض الجهل؛ حتى وجدوا أنفسهم في المؤخرة.


مقالاتُ غُنْثَر والكتابة على سطح الماء


غُنْثَرُ: لقب لمن اتصف بالجهل وشيء من الحماقة، فعندما يُمارس غُنْثَر مشروع كتابةِ مقالٍ بقلمه المحروس على سطح الماء أو نقش أفكاره في الْهواء، دون الاستغناء عن مشاركة الذبابة الزرقاء، التي تلازمه، وتكاد لا تفارق مداعبته، فتحوم حول رأسه، مستمتعة بِما يدون في أوراق الماء، وصفحات الهواء، ثُمَّ إن ما نقف عليه من مشكلةِ عدمِ تَماسكِ الكلام، وضحالة الأفكار، ومعاناة القلم من حامله لما يجد من ضعف العلاقة بين العقل والقلم في تمويله للمداد، فإن الذي نراه من كتابة لِهذا الكاتب أو ذاك الصحافي هو بِمنزلة الكتابة على الماء، والرقم في الْهواءِ لضعفه الشديد، وقيام مبناه على أعمدة الجهل، قال تعالى: *كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ* [العنكبوت: 41]. وبعد هذا ماذا تريد من الاستدراك على مقالة غُنْثَر؟

-1 الكاتب هو غُنْثَرُ جامع بين الجهل والسفه والحماقة.

-2 الكتابة على صفحات الماء، وجريد الهواء لن تجد شيئاً يذكر، ولن تقف لَها على أثر.

-3 فأين الكاتب وأين المكتوب؟! حتى نعرف الصادق من الكذوب.

فاعلم أنه لا إله إلا الله

قال تعالى: *فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ* [محمد-19]، والعلم ضد الجهل وهذه دعوة إلى توحيد الله وإفراده بالعبودية، غير قابلة للتحديث والتجديد والعودة إلى عبادة غير الله كعبادة النار والاحتفال بأعياد النيروز، وغير ذلك من التراث المجوسي، ونذكر هنا فائدة: أن النيروز: كلمة فارسية مركبة من: نَوْ، بِمعنى: جديد، وروز بِمعنى: يوم، ويوم النوروز عند الفرس هو أول يوم من أيام السنة الشمسية الفارسية حيث يفرح الناس به ستة أيام، وتوقد فيه النيران، ويوافق يوم الحادي والعشرين من شهر مارس من السنة الإفرنجية، وعيد النوروز أو النيروز أكبر أعياد الفرس على الإطلاق.

قال البحتري الطائي:

إن يوم النيروز عاد إلى العهـ ـد

الذي كان سَنّه أردشـير


لا تتعقب جهالات غُنْثَر ولا ترد عليه


أيها القراء! هل في استطاعتكم أن تقرأوا ما يكتب على ماء الخليج العربي؟! وحتى محترفي القراءة على سطح الماء لن يبقى في عقولهم اثر من ذلك، أم هل تشاهدون مقالة نشرها في صفحات الهواء؟! إن ما خطه صاحب القلم الجهول، لن يدفعنا لتعقبه، فلا أثر لشيء حتى يستدرك عليه، فإن غنثر لا يدع هواية الكتابة على الماء، وفي حالات كسله؛ يستعين بصفحات هواء لوثته البيئة، والغازات المنبعثة من المناطق المحيطة.


الإعراض من سبل الدعوة إلى الله


يقتضي الأمر ممن أقبل على الله، وانصرف للعلم والعمل والدعوة إلى الله، عدم التشاغل بالمعوقات، قال الله تعالى:*قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ* [المؤمنون 1-3]، فالفلاح كل الفلاح بالإعراض عن جهالات المغرضين، وتجاهل كل صارف عن طريق الخير، وذلك هو المطلوب شرعاً، قال تعالى: *خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ* [الأعراف: 199]، وعدم الاكتراث لتصرفات المخالفين، وكيد الجهلة، وحقد الحاسدين، قال تعالى: *وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ* [القصص: 55]، وقال تعالى: *وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً* [الفرقان: 63].

وقال الشاعر:

وَلَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللَّئِيمِ يَسُبُّنِي

فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ: لاَ يَعْنِينِي


وقال تعالى: *وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ* [القصص: 55]، معرضين عنه غير ملتفتين إليه واللغو: هو الساقط من قول أو فعل وما لا يترتب عليه فائدة ولا نفع.


إكرام النفس بالترفع عن الجاهلين


قال الله تعالى: *وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا* [الفرقان : 72]، إن من الحكمة والعقل السديد النأي بالنفس، ورفعها عن مواطن الخلل، ومواقع الزلل وإكرامها بالتغافل عن جهل الجاهلين، وعدم الالتفات إلى الجهالات والمقالات التي تصدر من أولئك، والإعراض عن خوض الخائضين قال تعالى: *وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* [الأنعام: 68].

وقال ابن العجاج :

وَرَبِّ أَسْرَابِ حَجيـجٍ كُظَّمِ

عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَـلُّمِ


وكُظًّم جمع كاظم: وهو الساكت الذي أمسك لسانه، وأصله من الكَظَمِ، وقوله: *مَرُّوا كِرَامًا*؛ أي: فإذا سمعوا كلامَ الجهول ورأوا قبيح أفعاله؛ أكرموا أنفسهم، وسَموا بِها عن الدخول فيه، ومخالطة بيئته أو مجاراة أهله. وأختم بالصلاة على سيد الأولين والآخرين، والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر 01/09/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 07:59 PM
مَكَانَـةُ الصَّحيحَيْن عند الأُمَّـة [1]





الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

اعلم أخي القارئ أن مُحَمّداً بن إسماعيل البخاري، ومسلمَ بن الحجاج النيسابوري، من أعلام السنة المشهود لهم بالفضل والتقدم، ومن علماء الحديث، وأئمة الدين، الذين أطبق المتقدمون والمتأخر ون على أن لَهما، دراية واسعة في نقد الروايات والأحاديث، وعلى معرفة تامة بعلل الحديث وأحوال الرجال.

ومَنْ هُمَا البخاري ومسلم؟ إًنَّهما من حفاظ الدنيا.

قال ذلك مُحَمّد بن بشار شيخ البخاري ومسلم: قال أبو قريش 1: مُحَمّد بن جمعه بن خلف: سمعت بندارًا، مُحَمّد بن بشار يقول: حفاظ الدين أربعةي: أبو زرعة بالري، والدارمي بسمرقند، ومُحَمّد بن إسماعيل ببخارى، ومسلم بنيسابور.ا هـ وكلي من الحَافًظَيْنً أخذ جملة من الأحاديث الصحيحة، وأفرد لها مصنفًا خاصاً بالصحيح المسند من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقم أحد منهما بحصر الصحيح في كتابه، ولم يقل أحد منهما، أن الصحيح وحده ما كان في كتابه، بل تركا الشيء الكثير من الحديث الذي صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا يعني أن الحديث الذي ليس في الصَّحيحَيْن لا يحكم بضعفه بل يخضع لقواعد النقد عند المحدثين، فما توافرت فيه شروط الصحة، حكم عليه بالصحة، وما تخلف عنه شرط من شروط الصحة، حكم عليه بالضعف، وعدم العمل، والله الموفق.

مكانـة (الصَّحيحَيْن) عند الأمة ومراحل نقـد (الصحيح) لقد مرّ هذان الكتابان بمراحل عدة من مراحل النقد والتَّتَبُع منها:


مرحلة نقد الكتاب أثناء التصنيف:


لقد كانت هناك عناية تامة من البخاري ومسلم، في انتقاء الأحاديث التي أودعت في الكتابين، وفي وضع شروط خاصة وعالية في ضبط المتون والأسانيد، حتى لا يدون في الكتابين إلا ما كان صحيحاً، ولهذا انتشر الكتابان باسم الصحيح، (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، واشتهرا بالصَّحيحَيْن


مرحلة نقد الكتاب ما بعد التصنيف:


لقد كان نقد الكتابين ابتداء من المشايخ المعاصرين للإمامين، وما تلا ذلك من القرون مرورًا بأبي الحسن الدارقطْنًي، وأبي علي الغساني، وأبي مسعود الدمشقي، ومن بعدهم من أرباب وأئًمة هذا الشأن.

ومثاله عرض أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري كتابه (الصحيح) على سَيًّدً الحفاظ إمام الجرح والتعديل أبي زُرعة الرازي.

قال مكي بن عبدان (1): سمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا (المسند) على أبي زرعة، فكل ما أشار علي في هذا الكتاب أن له علة وسببا تركته، وكل ما قال: أنه صحيح ليس له علة، فهو الذي أخرجت .اهـ

فاستقر الأمر على قبول الكتابيْن، عدا أحرف يسيرة بيَّنَها العلماءُ، وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول، وحصل لهما من الإجماع ما لَم يحصل لغيرهما من كتب الحديث.

وكانت لًهذين الكتابيْن مكانة عظيمة عند أهل السنة، فمن أتى بعد ذلك ناقدًا أو مستدركًا، فهو لا ينقد (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، بل ينقد ويستدرك على جموع العلماء، ويتَّهم مجموع الأمة بالخطأ.

لذا ينبغي أن تكون (للصَحيحَيْن) هيبة عند أهل السنة والجماعة، حتى لا يجرؤ غًمْري يُصَحًّحُ ويُضَعًّفُ أحاديثَ في صحيحي البخاري ومسلم، فيفتح باباً لأهل الأهواء والبدع، للنيل من دين هذه الأمة، فأهل البدع يستدلون بًغَمْزً جُهَّالً أهل السنة في كتب وعلماء السنة، وربما فُتًحَ بابُ شَرّي لكل من أراد أن يتكلم في رواية تخالف ما عليه المذهب والمشرب، فيعظم قول إمامه، ويطرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم، بًحُجَّةً النقد الحديثي.

إًنَّ الواجب على المسلمين في عصرنا، وفي كل عصر، الوقوف بقوة أمام أي محاولة للنيل من كتب السنة عامة، والصَّحيحَيْن خاصة؟

وإن كان ثمة تساهل أمام أيّ تطاول على (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، فلن يبقى لأهل السنة كتاب خاص بالحديث الصحيح يرجعون إليه، ولأصبح الناس في شك وتردد أمام مرويات السنة، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها فلا تسأل إن ظهرت وعلت رايات أهل الأهواء، ولا تعجب عندما ترى لدعاةً الرأي والفكرً شوكة.

إنه من المعلوم أن الله عز وجل حفظ لهذه الأمة دينها قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) [الحجر:9].

وفي الأثر الْمشهور ( يحمـل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ). وصحح نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم العلامـة الألبانيـ رحمه اللهـ في مشكاة المصـابيح (53/1)، وقد رُوًيَ عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد مرسلة ومتصلة، وفي النفس من صحته شيء، لذلك يحتاج إلى مزيد بحث ليس هنا محل بيانه، ولم أهمل تصحيح الألبانيـ رحمه اللهـ فهو من جهابذة هذا العلم وفرسانه ولكنه كان ينهانا عن تقليده مشافهةً وكتابةً في غَيْرً ما مَوْضًعي من كُتُبًهً.

وقد هيأ الله سبحانه وتعالى أعلامًا، وضعوا ضوابط وقواعــد تضبط الراوي والمروي، فجعلوا الأمر وكأنه أسوار حديدية، لا يتجاوزها إلا ما كان مسنداً صحيحاً غير معل، ولا شاذ، ثابت النسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ ولا أذكر ذلك مبالغة بل هي عين الحقيقة جزاهم الله عنا خير الجزاء ـ حتى بلغت بهم القوة والمنعة في الذب عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنهم رصدوا ما يَهًمُ فيه الحافظ أو يُخطئ فيه الثقة، مع القبولً المطلقً لروايته.

وبلغ بهم الأمرُ أن من أراد أن يكون من حملة الآثار ويلج باب الرواية قد جعل من نفسه عُرضة للسؤال، عن حاله، ومولده، ووفاته، ومعرفة أخباره، ورفقته، وأصحابه، حتى خاصة أمره، وأصبح يدون عنه كل صغير وكبير في حياته، ليكون ضابطاً ومعياراً للحكم عليه، هل هو مأمون الجانب في حمل شرع الله؟ وأهل لنقل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ونذكر لك مثالا يُرًيكَ حياة القوم واهتمامهم بأمرً الحديث ورجاله:

ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (152/1) فًي ترجمة إبراهيم بن مُحَمّد بن الحارث بن أسماء بن خارجة بن حصن بن بدر الفزاري، أبو إسحاق الكوفي: (قال إسحاق بن إبراهيم: أخذ الرشيد زنديقاً فأراد قتله، فقال: أين أنت من ألف حديث وضعتها؟ فقال له: أين أنت يا عدو الله من أبًي إسحاق الفزاري وابن المبارك ينخلانها حرفاً حرفاً؟!) اهـ .

وانتشرت عمليات التفتيش والتنقيب عن أحوال الرجال من حيث الاعتقاد، والديانة، والورع، والصدق، والضبط، والحفظ، والإتقان، وإن الكلام في منهج النقد عند المحدثين وبيانه، باب واسع ليس هنا موضع البسط فيه.

وفي العدد القادم سنتناول بإذن الله «تلقي الأمة لصحيحي البخاري ومسلم بالقبول والصحة».


والحمد لله رب العالمين


د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 6/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:01 PM
مَكَانَـةُ الصَّحيحَيْن عند الأُمَّـة [2]

تلقي الأمـة لصحيحي ( البخاري ومسلم ) بالقبول والصـحة


قول الحميدي في الصَّحيحَيْن

ـ قال أبو عبد الله مُحَمّد بن أبًي نصر فتوح الحميدي في كتابه الجمع بين الصَّحيحَيْن (74/1): وحين استقر ذلك وانتشر، وسار مسير الشمس والقمر، أردت تعجيل الفائدة لنفسي، وتسهيل سرعة المطلوب ذخيرة لًمطالعتي وحفظًي، والأخذ بًحظ من التقريب في التبليغ، ينتفع به من سواي، وأحظَى به عند مولاي، فاستخرته تعالَى وجل، وسألته العون والتأييد على تَجريد ما فًي هذين الكتابين من متون الأخبار، ونصوص الآثار، إذ قد صح الانقياد للإسناد من جُمهور الأئمة النقاد، وتلخيص ذلك في كتاب واحد.ا هـ

قول ابن الصلاح في الصَّحيحَيْن

ـ قال ابنُ الصلاح : في (علوم الحديث: مقدمة ابن الصلاح) (ص/100) في أقسام الصحيح :....وأعلاها الأولُ، وهو الذي يقول فيه أهل الحديث كثيراً: (صحيح متفق عليه) يطلقون ذلك ويعنون به: اتفاق البخاري ومسلم، لا اتفاق الأمة عليه، لكن اتفاق الأمة عليه لازمي من ذلك وحاصل معه، باتفاق الأمة على تلقي ما اتفقا عليه بالقبول، وهذا القسم جميعه مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقعي به.اهـ

وقال فًي (ص/101): القول: بأن ما انفرد به ( البخاري أو مسلم ) مندرج في قبيل ما يقطع بصحته، لتلقي الأمة كل واحد من كتابيهما بالقبول، على الوجه الذي فصلناه من حالهما فيما سبق، سوى أحرفي يسيرةي تكلَّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ كـ (الدارقطني) وغيره، وهي معروفة عند أهل هذا الشأن.اهـ

قول ابن كثير في الصَّحيحَيْن

ـ وقال الحافظ ابن كثيْر فًي اختصار علوم الحديث (ص/35): ثم حكى أن الأمة تَلَقَّتْ هذين الكتابين بالقبول سوى أحرف يسيرة، انتقدها بعض الحفاظ كـ ( الدارقطني )، وغيره، ثم استنبط من ذلك القطع بصحة ما فيهما من الأحاديث لأن الأمة معصومة من الخطأ، فما ظنت صحته، و وجب عليها العمل به لا بد وأن يكون صحيحًا في نفس الأمر وهذا جيد.

وقد خالف في هذه المسألة الشيخ (محيي الدين النووي)، وقال: لا يستفاد القطع بالصحة من ذلك.

(قلت): وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه والله أعلم. اهـ

قال أبو عمر: إن النووي رحمة الله، يرى صحة ما في الصَّحيحَيْن، ويذهب إلى أن أحاديث البخاري ومسلم» صحيحة، والخلاف الذي ذكره ابن كثير، رحمه الله، خلاف ليس في أصل صحة ما في البخاري ومسلم، بل هو خـلاف تفرع عن مسألة لقول بالصحة، هل هي صحة قطعية أم صحة ظنية.

قول النووي في الصَّحيحَيْن

ـ وفي فتاوى النووي المسماة (المنثورات وعيون المسائل المهمات) (ص/285).

سُئل: هل في صحيح البخاري ومسلم وأبي داو ود والترمذي والنسائي والمسانيد المشهورة» حديث غير صحيح وأحاديث باطلة، أو فًي بعضها دون بعض ؟

أجاب رضى الله عنه: أما البخاري ومسلم، فأحاديثهما صحيحة، وأما باقي السنن، وأكثر المسانيد، ففيها الصحيح، والحسن، والضعيف، والمنكر، والباطل، والله أعلم.اهـ

وقال النووي رحمه الله، في مقدمة الشرح على صحيح مسلم (30/1) : فإن أخبار الآحاد التي في غيرهما يجب العمل بها إذا صحت أسانيدها، ولا تفيد إلا الظن، فكذا الصحيحان، وإنما يفترق الصحيحان وغيرهما من الكتب في كون ما فيهما صحيحًا لا يحتاج إلى النظر فيه، بل يجب العمل به مطلقًا، وما كان في غيرهما لا يعمل به، حتى ينظر، وتوجد فيه شروط الصحيح. اهـ

قول ابن دقيق العيد في الصَّحيحَيْن

ـ قال ابنُ دقيق العيد في الاقتراح في بيان الاصطلاح (ص/325) : ولمعرفة كون الراوي ثقة طرق منها : إيراد أصحاب التواريخ ألفاظ المزكين في الكتب التي صنفت على أسماء الرجال، ككتاب تاريخ البخاري، وابن أبي حاتًم وغيرهما.

ومنها : تخريج الشيخين أو أحدهما في الصحيح للراوي محتجين به وهذه درجة عالية لما فيها من الزيادة على الأول، وهو إطباق جمهور الأمة أو كلهم على تسمية الكتابين بالصَّحيحَيْن، والرجوع إلى حكم الشيخيْن بالصحة.

وهذا معنَى لَم يَحصل لغيْر من خُرًّجَ عنه فًي الصحيح، فهو بًمثابة إطباق الأمة أو أكثرهم على تعديل من ذكر فيهما.

وقد وجد في هؤلاء الرجال المخرَّجً عنهم في الصحيح من تكلم فيه بعضهم.

وكان شيخ شيوخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي، يقول فًي الرجل يَخرج عنه في الصحيح: هذا جاز القنطرة.

يعني بذلك: أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه، وهكذا يعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا ببيان شافي وحجة ظاهرة، تزيد فًي غلبة الظَّن على المعنى الذي قدمناه، من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصَّحيحَيْن، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.

نعم: يُمكن أن يكون للترجيح مدخل عند تعارض الروايات، فيكون من لم يُتَكَلَّمْ فيه أصلا راجحًا على من قد تُكُلًّمَ فيه، وإن كانا جميعًا من رجال الصحيح، وهذا عند وقوع التعارض.اهـ

قول الذهبي في الصَّحيحَيْن

ـ وقال الحافظ الذهبي في الموقظة (ص/79) : من أخرج له الشيخان على قسميْن:

أحدهما: ما احتجا به في الأصول.

وثانيهما: من خرجا له متابعة وشهادة واعتبارا.

فمن احتجابه أو أحدهما، ولم يُوَثَّقْ، ولا غُمًزَ، فهو ثقة حديثة قوي.

ومن أحتجا به أو أحدهما، وتُكُلًّمَ فيه:

فتارة يكون الكلام فيه تعنت، والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوي أيضا.

وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبارا، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة الحسن، التي قد نسميها من أدنى درجات الصحيح.

فما في ( الكتابين ) بحمد الله رجل احتج به البخاري أو مسلم في الأصول، ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة.

وقال : فكل من خرج له في الصَّحيحَيْن فقد قفز القنطرة (1) فلا معدل عنه إلا ببرهان بَيًّن.ا هـ

قلت : قال الذهبي في تنقيح التحقيق ( 435/5 ) : عَنْ سَعْد بن سعيدي : (واحتج به مسلم).

1ـ رواية أحد الشيخين له في الأصول

قال الذهبي في السير (339/7) في ترجمة مُحَمّد بن طلحة:

ويَجيء حديثه من أدانًي مراتب الصحيح، ومن أجود الحسن وبًهذا يظهر لك أن (الصَّحيحَيْن) فيهما الصحيح، وما هو أصح منه، وإن شئت قلت: فيهما الصحيح الذي لا نزاع فيه، والصحيح الذي هو حسن، وبًهذا يظهر لك أن الحسن قسم داخل في الصحيح، وأن الحديث النبوي قسمان، ليس إلا صحيح، وهو على مراتب، وضعيف وهو على مراتب. والله أعلم.اهـ

قول العلائي في الصَّحيحَيْن

ـ قال الحافظ صلاح الدين خليل العلائي فًي (النقد الصحيح لما اعترض عليه من أحاديث المصابيح) (ص/22):

وقبل الكلام على هذه الأحاديث نقدم مقدمات تَمهيداً لما يأتًي من البيان بًحالها:ـ

الأولى: أن الحديث المحتج به ينقسم إلى صحيح وحسن، وذلك بحسب تفاوت رجال إسناده فًي الْحفظ والإتقان، وأداء ما تَحملوه، كما أن الحديث الذي لا يُحتج به ينقسم إلَى ضعيف ومنكر وموضوع، بًحسب تفاوت رواته في الوهم والغلط والتساهل وتعمد الكذب.

ـ فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ كان ما تفرد به صحيحاً مركونا إليه.

ـ ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة،

ـ وما تابعه غيْره فيه صحيحًا.

ـ ومن نزل عن ذلك يكون ما رواه منكرًا أو شاذًا.

ـ ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفا.

والمرجع في ذلك كله إلى ما حرره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبينوا من صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه مع النقد الصحيح والتصرف الجاري على قواعدهم.

الثانية: إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما الصَّحيحَيْن فهو صحيح لا ينظر فيه.

وإنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل هذه الكتب مشتملة على الصحيح والحسن والضعيف، وفي يسير منها أحاديث واهية جداً.ا هـ

قول ابن حجر في الصَّحيحَيْن

ـ قال الحافظ ابن حجر في مقدمة الفتح (هدي الساري) (ص/ 384) جوابا على من انتقد بعض الروايات في الصحيح: وقبل الخوض فيه، ينبغي لكل منصف أن يعلم أن تخريج صاحب الصحيح لأي راو كان مقتض لعدالته عنده، وصحة ضبطه، وعدم غفلته ـ ولا سيما ما انضاف إلَى ذلك من إطباق جمهور الأمة على تسمية الكتابين (بالصَّحيحَيْن)، وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، هذا إذا خرج له في الأصول.

فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق، فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط وغيره، مع حصول اسم الصدق لهم، وحينئذ إذا وجدنا لغيره في أحد منهم طعنا فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل إلا مبين السبب، مفسرا بقادح يقدح في عدالة هذا الراوي وفي ضبطه مطلقا، أو في ضبطه لخبر بعينه، لأن الأسباب الْحاملة للأئمة على الْجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح، وقد كان الشيخ أبو الْحسن الْمقدسي يقول فًي الرجل الذي يخرج عنه فًي (الصحيح): (هذا جاز القنطرة).

يعني بذلك أنه لا يلتفت إلَى ما قيل فيه، قال الشيخ أبو الفتح القشـيري فًي مختصره: (وهكذا نعتقد وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف، يزيد فًي غلبة الظن على المعنَى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصَّحيحَيْن، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما).

قلت: وقع في المطبوع من مقدمة الفتح (هدي الساري) ـ ولا سيما ما انضاف إلَى ذلك من إطباق جمهور الأئمة والأقرب أن هذا تصحيف، والصواب الأمـة كما أثبتناه.اهـ

وقال الحافظ في شرح نخبة الفكر (ص/89ـ 90): ثم يقدم في الأرجحية من حيث الأصحية ما وافقه شرطهما، لأن المراد به رواتهما مع باقي شروط الصحيح، ورواتهما قد حصل الاتفاق على القول بتعديلهم بطريق اللزوم، فهم مقدمون على غيرهم فًي رواياتًهم، وهذا أصل لا يخرج عنه إلا بدليل.أهـ.

قول الشوكاني في الصَّحيحَيْن

ـ قال الإمام الشوكاني في (قطر الولي على حديث الولي) (ص / 230): ولا حاجة لنا في الكلام على رجال إسناده، فقد أجمع أهل هذا الشأن أن أحاديث الصَّحيحَيْن أو أحدهما، كلها من المعلوم صدقه بالمقبول المجمع على ثبوته. وعند هذه الإجماعات تندفع كل شبهة، ويزول كل تشكيك.

وقد دفع أكابر الأئمة من تعرض للكلام على شيء مما فيهما، وردوه أبلغ رد، وبينوا صحته أكمل بيان. فالكلام على إسناده بعد هذا، لا يأتي بفائدة يعتد بًها.

فكل رواته قد جازوا القنطرة، وارتفع عنهم القيل والقال، وصاروا أكبر من أن يتكلم فيهم بكلام، أو يتناولهم طعن طاعن، أو توهين موهن. اهـ

وقال الشوكاني أيضًا في (تحفة الذاكرين) (ص3) :

وأعلم أن ما كان من أحاديث هذا الكتاب في أحد الصَّحيحَيْن، فقد أسفر فيه صبح الصحة لكل ذي عينيْن، لأنه قد قطع عرق النزاع ما صح من الإجماع، على تلقي جميع الطوائف الإسلامية لما فيهما بالقبول، وهذه رتبة فوق رتبة التصحيح عند جميع أهل المعقول والمنقول على أنهما قد جمعا في كتابيهما من أعلى أنواع الصحيح ما اقتدى به وبرجاله من تصدى بعدهما للتصحيح. ا هـ

قول الألباني في الصَّحيحَيْن

ـ وقال المحدث العلامة أسـد السنة ناصر الدين الألباني رحمه الله في مقدمة شرح العقيدة الطحاوية ( ص22) في رده على متعصبة الحنفية وغيرهم من أعداء السنة قال : يلاحظ القارئ الكريم أن كثيرا من الأحاديث التي جاءت في الكتاب معزوَّةً إلى

(الصَّحيحَيْن) أو أحدهما، قد علقنا عليه بقولنا: (صحيح). وتارة نقول: (صحيح، متفق عليه)، أو (صحيح، رواه البخاري) أو (صحيح، رواه مسلم) وذلك حين يكون الحديث غير مخرَّخ في الكتاب.

فالذي نريد بيانـه حول ذلك، أنه قد يقول قائل: إن الجمع بين (صحيح) و(متفق عليه) ونحوه، اصطلاح غير معروف، وقد يتوهم فيه البعض أن أحاديث (الصَّحيحَيْن)

كأحاديث (السنن) وغيرها من الكتب التي تجمع الصحيح والضعيف من الحديث، ولم يفرد للصحيح فقط.

وجواباً على ذلك نقول: إن الذي دعانا إلى هذا الاصطلاح، إنما هو شيء واحد، ألا وهو رغبتنا في إيقاف القارئ بأقرب طريق على درجة الحديث بعبارة قصيرة صريحة، مثل قولنا: (صحيح)، جرينا على هذا في كل حديث صحيح، ولو كان من المتفق عليه، لًمَا ذَكَرْنَا، ولسنا نعني بذلك ما أشرنا إليه مما قد يتوهمه البعض.

كيف؟! والصحيحان هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى باتفاق علماء المسلمين من المحدثين وغيرهم، فقد امتازا على غيرهما من كتب السنة بتفردهما بجمع أصح الأحاديث الصحيحة، وطرح الأحاديث الضعيفة والمتون المنكرة، على قواعد متينة، وشروط دقيقة وقد وُفًّقوا في ذلك توفيقًا بالغًا» لَم يوفق إليه مَن بعدهم مًمَّن نَحا نحوهم في جمع الصحيح كـ (ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم)، وغيرهم حتى صار عرفاً عاماً أن الحديث إذا أخرجه الشيـخان أو أحدهما، فقد جاوز القنطرة، ودخل في طريق الصحة والسلامة.

ولا ريب في ذلك وأنه الأصل عندنا، وليس معنى ذلك أن كل حرف أو لفظة أو كلمة في (الصَّحيحَيْن) هو بمنزلة ما في (القرآن) لا يمكن أن يكون فيه وهمي أو خطأ في شيء من ذلك من بعض الرواة، كلا فلسنا نعتقد العصمة لكتاب بعد كتاب الله تعالى أصلا.اهـ

قول مقبل الوادعي في الصَّحيحَيْن

ـ وسئل محدث الديار اليمنية الشيخ مقبل بن هادي الوادعي ـ رحمه اللهـ في (المقترح في أجوبه بعض أسئلة المصطلح) (ص / 29) السؤال ـ وهو لأبي الحسن المأربًي ـ :

قول ابن الصلاح أن الأمة تلقت الصَّحيحَيْن بالقبول هل هذا عليه العمل ؟

وإذا كان هذا عليه العمل، فهل لي أنا أو لغيري من طلبة العلم إذا اتضح له حديث فيه علة ولم يتكلم عليه الأئمة الأولون ؟

وهل لي أن أتكلم فيه ؟ لأني سمعت أن بعض الأخوة يضعف حديثًا في البخاري ما ذكره الدارقطني ولا غيره من الأئمة، فهل هذا الأخ، أو الذي يقول هذه المقالة، يدفع بأن الأمة تلقت هذين الصَّحيحَيْن بالقبول إلا الأحرف اليسيرة ؟

أم يقول : الأمر أمر اجتهاد وأسير كما سار الدارقطني، وأنا صاحب شوكة وصاحب أهلية...إلخ ؟

الجواب: الذي يظهر أن الصَّحيحَيْن قد تلقتهما الأمة بالقبول ـ كما يقول ابن الصلاح ـ إلا أحاديث يسيرة أنتقدها الحفاظ، كـ (الدارقطني) وغيره، وأنه لا ينبغي أن يفتح الباب لزعزعة الثقة بًما في الصَّحيحَيْن.... إلى أن قال رحمة الله: فينبغي أن يعلم أنهم حفاظ ونحن لسنا بحفاظ، وربما نغتر بظاهر السند هو كالشمس في نظرنا وهو معل عندهم وربما يكون في السند، ابن لهيعة، وهم يعلمون أن الحديث من صحيح حديث ابن لهيعة، فإذا صححه الحافظ الكبير ولم يقدح فيه حافظ معتبر مثله، فهو مقبول، لأنهم قد نخلوا سنة رسول اللهـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ نخلا، ولو كان ضعيفًا لصاحوا به. وهم يعلمون أن هذا الحديث من صحيح حديث ابن لهيعة، فإذا صححه الحافظ الكبير ولم يقدح فيه حافظ معتبر مثله، فهو مقبول، لأنهم قد نخلوا سنة رسول اللهـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ نخلا، ولو كان ضعيفًا لصاحوا به.

قول أحمد شاكر في الصَّحيحَيْن

ـ وقال أحمد شاكر رحمة الله، في تعليقه على (اختصار علوم الحديث) للحافظ ابن كثير ( ص/35): الحق الذي لا مرية فيه عند أهل العلم بالحديث من المحققين وممن اهتدى بهديهم، وتبعهم على بصيرة من الأمر، أن أحادث الصَّحيحَيْن، صحيحة كلها، ليس في واحد منها مطعن أو ضعف، وإنما أنتقد الدارقطني وغيره من الحفاظ بعض الأحاديث، على معنى أن ما انتقدوه لم يبلغ في الصحة الدرجة العليا، التي التزمها كل واحد منهما في كتابه، وأما صحة الحديث في نفسه فلم يخالف أحد فيها.

فلا يهولنَّك إرجاف المرجفين، وزعم الزاعمين أن في الصَّحيحَيْن أحاديث غير صحيحة.

وتتبع الأحاديث التي تكلموا فيها، وانقدها على القواعد الدقيقة التي سار عليها أئمة أهل العلم، واحكم عن بينة، والله الهادي إلى سواء السبيل.ا.هـ

والبحث في هذا واسع، ولكن اختصارا أوردنا بعضا من كلام أهل العلم، والحمد لله رب العالمين.

د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

تاريخ النشر: الاثنين 13/11/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:02 PM
من الأحاديث الضعيفة والموضوعة في رمضان وليلة القدر





يتداول البعض عدداً من الأحاديث الضعيفة، وهذا تنبيه عليها

روى البيهقي في شعب الإيمان(5/291): أخبرنا أبو سعد عبد الملك بن أبي عثمان الزاهد، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن رجاء، حدثنا عبد الله بن سليمان بن الأشعث، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا أصرم بن حوشب، حدثنا محمد بن يونس الحارثي، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إذا كان ليلة القدر نزل جبريل عليه السلام في كبكبة من الملائكة يصلون على كل عبد قائم أو قاعد يذكر الله عز و جل» فإذا كان يوم عيدهم يعني: يوم فطرهم باهى بهم ملائكته فقال: يا ملائكتي! ما جزاء أجير وَفَّى عمله؟ قالوا: ربنا جزاؤه أن يؤتى أجره، قال: يا ملائكتي! عبيدي و إمائي قضوا فريضتي عليهم، ثم خرجوا يَعُجُّون إًلَّي بالدعاء، وعزتي و جلالي و كرمي و علوي وارتفاع مكاني لأجيبنهم، فيقول ارجعوا فقد غفرت لكم، وبدلت سيئاتكم حسنات، قال: فيرجعون مغفورا لَهم».قلت: ضعيف جداً.

وفي إسناده أصرم بن حوشب ومحمد بن يونس الحارثي وكلاهما متروك

1- أصرم بن حوشب قال البخاري في التاريخ الكبير(2/56): متروك الحديث، وفي الجرح والتعديل (2/336) قال أبو حاتم: هو متروك الحديث، وذكر عن يحيى بن معين أنه قال: كذاب خبيث، وقال النسائي في كتابه الضعفاء: أصرم بن حوشب متروك الحديث، وقال ابن عدي في الكامل: وأصرم بن حوشب عامة رواياته غير محفوظة وهو بَيًّنُ الضَّعْفً وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: هالك.

2- ومحمد بن يونس الحارثي قال الذهبي في الميزان: ومحمد بن يونس الحارثي عن قتادة قال الأزدي: متروك.

ورواه العقيلي في الضعفاء الكبير(3/138)، وابن الجوزي في العلل المتناهية(2/533) من طريق أبومعمر عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك، وفي سنده أبومعمر عباد بن عبد الصمد قال ابن حبان في المجروحين: عباد بن عبد الصمد كنيته أبو معمر يروي عن أنس بن مالك عداده في أهل البصرة روى عنه أهلها منكر الحديث جدا يروي عن أنس ما ليس من حديثه وما أراه سمع منه شيئا فلا يجوز الاحتجاج به فيما وافق الثقات فكيف إذا انفرد بأوابد.

قلت: الحديث لا يثبت عن أنس بن مالك

روى البيهقي في شعب الإيمان(5/279): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عقبة الشيباني بالكوفة، حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر محمد بن عبيد بن إسحاق العطار، حدثني أبي، حدثني سيف بن عمر، حدثنا سعد بن طريف الأسكاف، عن الأصبغ بن نباتة قال: قال علي بن أبي طالب : أنا والله حرضت عمر على القيام شهر رمضان فقيل و الله يا أمير المؤمنين وكيف ذلك؟

قال: أخبرته أن في السماء السابعة حظيرة يقال لَها حظيرة القدس وفيها ملائكة يقال لَهم الروحانيون فإذا كان ليلة القدر استأذنوا الرب عز وجل للنزول إلى الدنيا فيأذن لَهم فلا يَمرون بًمسجد يصلى فيه، ولا يستقبلون أحدا في طريق» إلا دعوا له، فأصابه منهم خير. قال عمر: أفلا نعرف الناس بالخير فأمرهم بالقيام

وفي إسناده: الأصبغ بن نباتة، وسعد بن طريف وسيف بن عمر.

1- الأصبغ بن نباتة قال النسائي في كتاب الضعفاء الأصبغ بن نباتة متروك الحديث.

2- سعد بن طريف الإسكاف الحنظلي الكوفي قال ابن حجر في التقريب: متروك ورماه بن حبان بالوضع.

3- وسيف بن عمر الضبي الكوفي قال الذهبي في المغني في الضعفاء: متروك باتفاق وفيه عبيد بن إسحاق العطار قال الذهبي في المغني في الضعفاء: ضعفوه. ورضيه أبو حاتم.

¼ قلت هذا الإسناد مظلم وحديث علي رضي الله عنه ضعيف جدا، ولا يصلح شاهدا لنا قبله ولا الذي بعده. ورواه البيهقي في الشعب(5/277) عن ابن عباس وفي إسناده نظر ليس هذا أوان البسط فيه.

د. عبد العزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 8/10/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:04 PM
من السلفيون؟... ولًماذا يَخافون السلفية؟! (1)




د. عبد العزيز بن ندى العتيبي




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده» أما بعد:

كان الدافع للكتابة عن هذا الموضوع ما نشاهده مًن كتابة أو قول عن طريقة السلفيين، أو عبارات تصدر وتلحق بالسلفية زورا وبُهتانا، ولذا رأيت من الواجب بيان مفهوم السلفية، ومن هم السلفيون؟ ولًماذا تَخافها الأحزاب؟!


تذكيري قبل الدخول فًي الْمقصود


ولأن الذين لا يعرفونها أو لا يفهمون الْمقاصد الشريفة لًهذه الدعوة المباركة كثر» أحببت قبل الدخول فًي المقصود» أن أبدأ بالتذكير بًما حدث فًي العقدين الأخيرين، من تعرض الدعوة السلفية لًمعاداة وحرب قادها بعض الناس هنا وهناك، ومن هذه الأماكن والْجهات مُحاولة القضاء على المنهج السلفي فًي الْجزيرة العربية بيضة الإسلام، وزاد ظهور العداوة بعد فتوى علماء الدعوة السلفية المشهورة فًي (جواز الاستعانة بالنصارى وبأي قوة لردع الظالًمين ونصرة الكويتيين واستعادة الحقوق المغصوبة)، فكانت ردة الفعل أولئك النفر خوف انتشار الفتوى، فاضطروا إلَى الخروج من الكهوف، وإزالة اللثام عن وجوههم» بإصدار فتوى مضادة ليظل الشباب بًنَفْسي مُتَوَتًّرة صاغوها فًي غفلة المسؤولين من الأهل وولًيًّ الأمر على مراحل في سنين مبكرة» حتى أصبحوا فًي هَيَجَان دائم» ينتظر الانفجار.


دعاة فقه الواقع راهنوا على انتصارهم وفشل العلماء


وكان دافع مُخالًف السلفية أَنَّهم راهنوا على فشل فتوى العلماء، وأن الْجزيرة العربية لا مَحالة ستؤول إلَى مستعمرة لًجيوش الدول النصرانية إذا عُمًلَ بفتوى العلماء، وذلك بوحيّ جاءت أنباؤه من (كوكب فقه الواقع)، وكان النصر للعلم وأهله، نصري لورثة الأنبياء، قال الله تعالَى: (إًنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذًينَ آَمَنُوا فًي الْحَيَاةً الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ) (غافر: 51)، وهًي نتيجة يعرفها العقلاء الذين اتخذوا سفينة السلفية وسيلة للنجاة، وعادت الجيوش من حيث أتت!!


كانت الفتوى درسا لاتًّبَاعً العُلماء وترك الحركيين


وكان الغريب استمرارهم فًي حربًهم على العلم ومشايخ الدعوة السلفية، ولَم يدركوا خطورة الْمنهج الذي احتكر عقولَهم، ورسم أفكارهم، وجعلهم متفجرات زرعت فًي أرض بلدانهم، فهم تربية لًبعض الْجماعاتً التًي آوتها الدولة السعودية إشفاقا عليهم مًمّا لاقوه وذاقوه من تعذيب فًي بلدانهم، وبًما أن الغدر شيمة الأحزاب غدروا بالدولة الآوية والْمُضيفة، فأفسدوا عقولَ شباب كانوا فًي حًلَقً العُلماءً، فزَيَّنوا لًهم الطموح السياسي، والْمشاركة الشعبية، والبحث عن الحريات» وأَنَّهم شباب مضطهد» لا يشارك فًي صنع القرار، وداعب الْحركيون العقول بالدندنة علَى الفروق بين الخلافة الراشدة والأوضاع الحالية» استدرارا للعاطفة وصرفا عن الحق، والْحقيقةُ الْمُرة أن الجزيرة العربية لَم تصبح مستعمرة نصرانية» بل أصبحت مستعمرة لأفكارهم الْمنحرفة، وزاد شرهم بعد وفاة الشيخين الكبيرين الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله، والشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله.


السلفية والسلفيون


إن لكل طريقة أطناباً، ولكل بناء عماد، ولكل دعوة جذور هي سبب الوجود، والأصل فًي الظهور، والدعوة السلفية تَميَّزت عن غيرها مًنَ الدعواتً» بًأَنَّها قائمة على أَصليْنً لا ثالث لُهما، كتاب الله وسنة النَّبًي صلى الله عليه وسلم، فمن عرف كتاب الله وسنة نبيه وقدم فهم الصحابة علَى فهمه وسار على نَهج سلف هذه الأمة الأخيار» عرف السلفيين وعرفوه، وألفهم وألفوه، ووصل إلَى قلوبًهم، ووجد لذةً فًي العيش معهم وفًي مَجالسهم، فأحبهم وأحبوه، بلا هُوية حزبية، أو بطاقة مذهبية، فالكتاب والسنة هُما الوحيان والأصلان اللذان يجمعان كل مريد للحق، وهُما الأصلان اللذان لا تعرف الشريعة إلا من قبلهما ولا يعبد الله تعالًى إلا بعلمهما.


المرجع والأصل الأول كتاب الله تعالَى


الأصل الأول كلام الله تعالَى: نَملك فيه إسنادا مسلسلا بالسماع المنقول لنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآن نقرأه، ونسمعه، ونفهمه، ونستدل به، ونتحاكم إليه حيث تلقاه الْجمعُ فًي زماننا سَماعا عنً الْجمعً قبلهم، عن مثلهم إلَى منتهاه، حيث سَمعه الصحابة وحفظوه فًي الصدور منذ قرأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان سَماعه وحفظه من جبريل الروح الأمين، حمل كلام رب العالمين، فعَلَّمه سيد الْمرسلين، فالقرآن منقول إلينا بالسند المتصل المتواتر، فًي ثبوت» قوته تفوق ثبوت الْجبال الراسيات.


المرجع والأصل الثانًي السنة (الحديث)


والأصل الثانًي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وتقريرا ووصفا، ومنذ عهد الصحابة العدول كان الْحذر والْحيطة والدقة فًي نقل كل ما ينسب إلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول إلَى عصر تدوين السنة فًي كتب ومصنفاتي فحسب» بل إلَى عصرنا هذا، وكل من تصدّى لرواية شيء من السنة كان عُرْضَةً لوضعه فًي ميدان النقد والبحث، فيطلبه النقاد ويفتشوا عنه حتى يقفوا على حاله» من حيث العدالة والضبط، ولَم يستطع أحد تعرض للرواية أو نسبة شيء إلَى الدين أن يفلت من يد نقاد الحديث. وإليكم ما رواه مسلم فًي مقدمة كتابه الصحيح بسند صحيح عن محمد بن سيرين قال: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم)، وروى أيضا بسند حسن فًي الْمُقدمة عن محمد بن سيرين القاعدة الذهبية: (سَمُّوا لنا رجالكم).


لًماذا يخافون السلفية؟!


وًبًما أَنّها قائمة علَى الكتاب والسنة والأصولُ ظاهرة، فالضرورة تجعل من يعمل بًها ظاهرُ الْهوية مُعلن الطريقة ولذا الدعوة السلفية والسلفيون يعملون على ظاهر الأرض لا في بطنها.


أولا: السلفية جماعة معلنة وطريقة ظاهرة


أولا: إًنَّهم يخافون السلفية لأَنَّها جماعة ظاهرة وروى مسلم فًي صحيحه (1920) من حديث ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أُمَّتًي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلَهم حتى يأتًي أمر الله وهم كذلك». قال البخاري: هم أهل العلم، وقال أحمد بن حنبل: إن لَم يكونوا أهل الحديث فلا أدري، نؤمن بالعمل المعلن، ولا نبطن مذهبا» دعوة شعارها الظهور، لا نكتم دينا، ولا نضمر شرا» فلا تؤمن السلفية بعملي سريّي يعتزل جماعة الْمسلمين، ويتحين الفرص للنيل من الآخرين، روى البخاري (6016)، ومسلم (46) فًي صحيحيهما من حديث أَبًي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن»، قيل: ومن يا رسول الله؟! قال: «الذي لا يأمن جاره بوائقه». والبوائق: الشر والظلم والهلكة، وينظر السلفيون إلَى الْمسلمين جماعة واحدة، لا نُحزًّبَهم ولا نفرقهم، نَجمع الناس علَى ما جمعهم الله عليه ونفرقهم علَى ما فرقهم الله عليه.




ثانيا: السلفية منهج قائم على النقد والتوثيق


ثانيا: إًنَّهم يخافون السلفية لأن بنائها قائم علَى اليقين والتوثيق فلا مجال للخيالات والخرافات والخزعبلات، ومحاولة اصطياد الناس بعيدا عن الدين الصحيح، ومن ثَمَّ يَسهلُ التحكم بالعقائد والأفهام وتحريفها.


ثالثا: السلفية فاضحة العقائد والأفكار الْمُنحرفة


ثالثا: يَخافون السلفية لأنَّها تفضح الانحرافات وتكشف الزيف، فلا يكاد يظهر انْحرافي فًي الأفق إلا وقد وقف له السلفيون بالْمرصاد» وكشفوا زيفه، ولا يُحْدًثُ بعض الناس بدعة ضلالة» إلا حُدّدت معالًمها بًميزان الشرع، فهذا الذي أثارَ ذعرا وخوفا فًي أوساط الجماعات والأحزاب والتكتلات من طريقة السلفيين أصحاب الحديث والأثر، فلا يَملك هذه الآلة والأدوات إلا السلفيون، فهم أصحاب العلم وطلاب الْمعارف، أفنوا الأعمار فًي الدفاع عن حياض الإسلام، والذب عن السنة.

ولنا تكلمة للحديث في العدد المقبل بإذن الله، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 17/3/2008


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:06 PM
من السلفيون؟... ولًماذا يَخافون السلفية؟! (2)




د/ عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

لا يَخفى على كثير من الْمُطَّلعين أن كلَّ خَلَف لَهم سلف، وكل قوم لَهم قدوة وإمام هو الْمُطاع وهو الأحقُّ بالاتباع، ولكن السَلف الذي نعنيه نوع مُختلف يفوق كُلَّ سلفي فضلا وعصمة، ويكفي المسلمون فخراً أَنَّ على رأس هذا السَّلفً النَّبًي صلى الله عليه وسلم القائل لفاطمة: ( (فَإًنًّي نًعمَ السَّلَفُ أَنَا لَكً))، وسلفُ فاطمةَ سلف للصحابة أَجْمعين والرسول صلى الله عليه وسلم وآله وأصحابه هُم سلفنا وقدوتنا، ولاشك فًي أَهَميةً إيضاح وتعريف التالًي:


من هم السلف، وما هي السلفية، ومن هو السلفيُّ؟


أولاً: السلف: هم القرون الفاضلة التي وصفها النَّبًي صلى الله عليه وسلم بالْخَيْرً وهو على رأسهم» فًيما رواه البخاري (2652)، ومسلم (2533) فًي صحيحيهما من حديث ابنً مسعود رضي الله عنه، عنً النَّبًيًّ صلى الله عليه وسلم قال: ( (خَيْرُ النَّاسً قَرْنًي، ثُمَّ الَّذًينَ يَلُونَهُمْ، ثُم الذين يلونَهم، ثُمَّ يَجًيءُ أَقْوَام» تَسْبًقُ شَهَادَةُ أَحَدًهًمْ يَمًينَهُ وَيَمًينُهُ شَهَادَتَهُ))، وروى البخاري (3650)، ومسلم (2535) فًي صحيحيهما من حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( (خَيْرُ أُمَّتًي قرنًي، ثُمَّ الَّذًينَ يَلُونَهُمْ، ثُم الذين يلونَهم))،... ( (ثُم إًن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون، ويَخونون ولا يؤتَمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن))، والعهد الأول متحقق فًي القرون الثلاثةُ: وهم الصحابة، والتابعون، وتابعو التابعين، ومن تبعهم بإحسان، فجمعوا بين الفضل والتقدم» والفضل ظاهري فًي قوله: ( (خَيْرُ النَّاسً))، و ( (خَيْرُ أُمَّتًي)).


قال النَّبًيُّ صلى الله عليه وسلم عن نفسه: ( (فَإًنَّه نًعْمَ السَّلَفُ أَنَا))


والتقدم ظاهر فًي قوله: ( (قرنًي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم))، وقد جاء فًي الأثر أن التَّقَدُّمَ بًمَعْنَى السلف» كما روى البخاري (6285)، ومسلم (2450) فًي صحيحيها من حديثً عائشة رضي الله عنها فًي قصةً فاطمة مع أبيها النَّبًي صلى الله عليه وسلم عندما سَارَّها قبل موته: ( (ولا أرى الأجل إلا قد اقترب فاتقي الله واصبري فَإًنًّي نًعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكً)).


ثانياً:السلفية:


هًيَ الكتاب والسنَّةً بًفَهمً السلفً الصَّالًحً، والسلفية هَي النهج والطريق الأمثل لتمسكها وثباتًها علَى الأمرً الأول، ولاعتمادها على النص والأثـر، والإحاطة بًمقَاصًدً التَّشريعً والأخذ به، وطرح أراء الرجال (الرأيً)، وما تستحسنه عقول البشر ولا يوجد له دليل من الكتاب والسنة، ودليل الأمر الأول: حديث عبدً اللَّهً بن مسعود و عمران بن حصين فًي الصحيحين.


ثالثاً:السلفًيُّ:


مَن جعل مًنْ رسولً اللهً صلَّى الله عليهً وسلم» قُدْوَتَهُ، وَفَهًمَ الإًسلامَ عن طريق صحابَتًهً الكرام، وأهل الفضل من قرون الْخَيْرً، واكتفَى بًما عليه الأوائلُ عقيدةً وعملاً. لذلك نَجدُ أَهْل السنَّةً وَأصحاب الْحديث لا عصمة لأحدي عندهم، إلا فًي كتاب الله، وسنة رسول الله صلَّى الله علَيهً وسلَّم، والعمل علَى تعظيم كلام الله، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وَإًدراكها وًفْقَ القَوَاعًدَ الصحيحةً، وَتقدًيْمُ فَهْمً الصحابةً وَالتَّابًعيْنَ، والاعتناءُ بشروحً أَئًمَّةً أَهلً السنةً.


رابعا: السلفية تَمسك بالألفاظ والمصطلحات الشرعية


رابعا: إنهم يخافون السلفية لأنها دعوة للتمسك بالألفاظ والمصطلحات الشرعية، فتأتًي بالإلغاء والمصادرة على كل المصطلحات الْمُحدثة والطارئة والْمُبهمة والْمُجملة، وهذا يفسر خوفا يعيشه القوم عبروا عنه بالتحذير من السلفية، ولَمْزًها بالألقابً الْمُخترعة» كـ (الوهابية والْجامية)، وإعلان الْحرب علَيها، وكيف لا تُحارب؟! والْمخالفون قد أكثروا الْحشو فًي الدين، واستعملوا مُفردات وعبارات، وأسسوا عقائدَ ومذاهبَ باسم مصطلحات لا دليل لَها ولا برهان، جعلت من الإسلام طلاسم لا تُفَك إلا فًي مجمع حزبً أو برعاية شيخ طُرُقً، وعلماء السلفية ينقبون عن الأدلة والبراهين، فإذا عرضت الأقوال والأفعال على الأصلين الكتاب والسنة كُشفَتْ العورات، وبانت السوءات، وأصبح البنيانُ فًي طريق الانهيار قال تعالَى:(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مًنَ اللَّهً وَرًضْوَان خَيْر أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُف هَار فَانْهَارَ بًهً فًي نَارً جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لاَ يَهْدًي الْقَوْمَ الظَّالًمًينَ)[التوبة:109].


خامسا: السلفية دعوة غايتها توحيد الله


خامسا: يَخافون السلفية لأنَّ من أسرار قُوَّتًها وضوح الغاية وتحديد الْهدف» والغاية توحيد الله وإفراده بالعبودية، قال تعالَى:(وَمَا خَلَقْتُ الْجًنَّ وَالإًنْسَ إًلا لًيَعْبُدُونً)[الذاريات:56]، وهذا يفسر الزهد فًي السياسة، فلا يطلبون مناصب، ولا يرون اعتلاءَ الكراسًيًّ طريقا للإصلاح، يعتقدون أن صلاح الأمم بصلاح أهلها، ويرون مناصحة ولًي الأمر، وأن التوجيه والْمناصحة لًمن وُلًّي هذه الْمناصب هو السبيل إلَى الإصلاح، لا بضرورة الْمرور بًهم، وهو مذهب لبعض الأحزاب، والتاريخ كتب سًيْرَةً عطرةً بًماءً الذهب للإمام أحمد بن حنبل ولَم يكن صاحب منصب وقد أعرض عن ما يَملكه أهل الدنيا، وملأها بًما ملك هو من دعوة الحق، وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية لَم يتولَّى شيئا من ذلك ولَم يطلبه» ليصل إلَى قلوب الناس، وذهبت دعوته فًي كل اتْجاه.


سادسا: السلفية حزب واحد، وبلد واحد، وأمير واحد


سادسا: يَخافون السلفية لأَنَّها لا ترى تأسيس الأحزاب وإيجادها، فالكل حزب واحد، فًي بلد واحد خوفا على الْمجتمعات من التفكك، وتقطيع أوصال الدولة، فنقول: لا لأحزاب يسمع ويطاع لأمرائها والولاء لرؤسائها يريدون تَمزيق الدولة، فالولاء لولًيّ أمر وأمير وسلطان واحد هو رأس الدولة، فلا تعدد للأمـراء والرؤساء، والواحد من السلفيين جزء من جسد جماعة المسلمين، وعضو صالح وفعَّال تبعيته لمجتمع الدولة والولاء لًمصلحة الْمسلمين كافة لا لًمصلحةً حزب أو مذهب أو فرد.


سابعا: السلفية تُحارب التكفير والتفجير، وسفك الدماء واستباحة الأموال


سابعا: يَخافون السلفية لأنها تُحارب التكفير، وتُحارب سفك الدماء، وتُحارب استباحة الأموال، وتُحارب الغدر والخيانة ونقض العهود، ويعيش فًي مُجتمعنا الْمسلم كَثًيْر من الفرق والطوائف والديانات كالْهندوسية والبوذية والنصرانية وغيرها، فلَم يَمسُّوا أمن الْمجتمع بسوء، ولَم يُثيروا فًتناً فًي البلاد، ولَم يؤذوا العباد، كما أننا لَم نؤذ أحدا منهم مواطنين كانوا أو مقيمين ولَم نغدر بًهم، فلا نستبيح لَهم مالا، ولا نسفك لَهم دما، فلم نقتل هندوسيا، أو نفجر بوذيا، أو ننحر نصرانيا على أرض البلاد، وهم أهل عهد وميثاق» ونَحن لا نرتضي الغدر شيمة ودينا، لًما روى البخاري (6178)، ومسلم (1735) فًي صحيحيهما من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( (إًنَّ الغادرَ يُنصبُ له لواء يوم القيامة فيقال: هذه غَدْرَةُ فلانً بْنً فلان)).


ثامنا: لا يسمع السلفيون إلا للعلماء ورثة الأنبياء


ثامنا: يخافون السلفية لأنها لا ترى أحدا مؤهلا لإرث الأنبياء إلا العلماء لًما رواه أبو داود (3641)، والترمذي (2683) فًي السنن وهو حسن من حديث أَبًي الدَّرْداء رضي الله عنه قال: سَمًعْتُ رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم يقول: »إنَّ العلماءَ ورثة الأنبياء«، فهي دعوة تصرف الأنظار عن كل شعار، وعن الأسْماء والألقاب كـ (الْمُفكر والْحركي والْمُنظر وغيرها) التي يتزيَّنُ بًها أصحابُها لًجذب الناس إليهم، وصرفهم عن العلماء الربانيين» الذين ورثوا العلم الحقيقي، وإذا أُبعد أهل العلم سَهُلَ على العابثين تشويه الإسلام والعبث به.


تاسعا: السلفية وجه واحد لا تعرف النفاق


تاسعا: إنهم يخافون السلفية لأنها لا تعرف النفاق، ولا تستبيح المحرمات والكذب من أجل مصلحة الدعوة التي يزعمون، طريقتهم وجها واحدا لا تنافق فًي دين الله، وتعمل بوجه واحد فًي كل الأمور، الظاهر يعكس الباطن، والباطن كاشف عن الظاهر، وروى البخاري (7179)، ومسلم (2526) فًي صحيحيهما من حديث أَبًي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( (إن من شَرًّ الناس ذا الوجهين الذي يأتًي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه)) ، وصح عنه فًي رواية لأحمد فًي الْمُسند (2/365): ( (ما ينبغي لذي الوجهين أن يكون أمينا)).

والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 24/3/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:07 PM
مَنْ السلفيون؟... ولًماذا يَخافون السلفية؟! (3)





الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

نكمل ما بدأناه فًي العددين السابقين

عاشرا: السلفيون يراعون هيبة الدولة ومصالح الأمة


يَخافون السلفية لأنها ترى وجوب هيبة الدولة والنظام» للحفاظ على مصالح الأنام، فقد روى الترمذي (2224) من حديث أَبًي بكْرةَ رضي الله عنه قال: سَمًعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: »من أَهانَ سُلْطَانَ اللَّهً فًي الأرضً أهانَهُ الله«. وحسنه الترمذي» وهو كما قال فله شاهد رواه البزار في مسنده (266/7) من حديث حذيفة.


الحادي عشر: السلفيون لا يرون الانقلابات والثورات والخروج على الولاة


السلفيون لا يرون الخروج على الولاة والحكام، ويقولون بالطاعة في المعروف والصبر عليهم فيقدمون الحقوق العامة على الحقوق الخاصة، لًما روى الْبخاري (3603)، ومسلم (1843) فًي صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إًنًها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونَها«، قالوا: يا رسول الله! كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: »تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم«. فتماسك المجتمع حول أميره حق عام، وما يفقده بعض الناس من حقوق، هي في حكم الحق الخاص، وبحفظ الحقوق العامة تستقيم مصالح الْمُجتمعات، فما علينا إلا الصبر لًما روى البخاري (7053)، ومسلم (1849) فًي صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: »من كره من أميره شيئا فليصبر«.


الثانًي عشر: السلفيون يرون المظاهرات مقدمة للخروج على الحكام


فالسلفيون لا يرون الْمظاهرات ولا يؤيدون التجمعات والاعتصامات التي هي مظهر من مظاهر الخوارج، ومعلوم أَنَّ جَمعَ الناس وإًثارَتَهم من مقدمات الْخروج على وَلًيًّ الأمر ونزعي لًهيبة النظام» فتصبح الدولة عرضة وشهوة للطامعين، ولذا المعارضة مرفوضة، ولا خير فًي قسمةً المجتمع إلَى قسمين أو جناحين» جناح الْمؤيدين وجناح الْمُعارضين، فلا نؤمن بالْمخالفة، ولا يُعرف فًي السياسة الشرعية اصطلاح الْمُعارضة، وما نرى هذا السلوك إلا بدعة ونزعة خارجية، وظاهرة غربية تقصم ظهر الْمجتمع، والحق أن الكل مع الأمير مطيع له بالمعروف، وصابر علَى ما يصيبه من أذى أو غيره» حتى يأتًي فرج الله.


الثالث عشر: السلفية ليست دعوة عاطفية


يخافون السلفية لأنَّها ليست دعوة عاطفية، فلا يُسْتَدْرَج أتباعها بالعواطف، بل يَمتثلون لكل من يعرض الحق بالأدلة والبراهين الواضحة، وسكب الدموع على الْخدين وشق الجيوب ليس برهانا على الْحق فقد بكت أم سعد بن أَبًي وقاص وقاطعت الطعام» فلم يره سعد حجة ودليلا يثنيه عن عقيدته وطريقته، ويرده إلَى دين أُمًّهً، ولَم يجعل من مَحبةً الْمُحبين دليلا علَى صحة الدعوى، لًما رواه مسلم (1748) فًي صحيحه من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه نزلت فيه آيات من القرآن قال: حلفت أم سعد أن لا تكلمه أبدا حَتّى يكفر بدينه، ولا تأكل ولا تشرب، قالت: زَعَمْتَ أَنَّ اللهَ وَصَّاكَ بًوالديك! وأنا أمك، وأنا آمرك بًهذا، قال: مَكَثَتْ ثلاثا» حتَى غُشي عليها من الْجهدً، فقام ابْني لَها يقال له: عمارة فسقاها، فجعلت تدعو على سعد فأنزل الله عز وجل فًي القرآن هذه الآية: وَوَصَّيْنَا الإًنْسَانَ بًوَالًدَيْهً حُسْنًا(العنكبوت: 8)، وَإًنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرًكَ بًي، وفيها: وَصَاحًبْهُمَا فًي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا(لقمان: 15)، وفًيه دليل عام علَى الإحسان والبر والمصاحبة بالْمعروف للوالدين مع اختلاف العقيدة، وهذا أمر لا يكون إلا للوالدين، ولا ينبغي لغيرهم فلا يُهجران بًحال.


الرابع عشر: السلفية ليست ملكا لأحد


يَخافون السلفية لأنَّها ليست ملكا لفرد أو طريقة أو حزب، فمن فهم الكتاب والسنة فهما صحيحا وعمل بًهما» فهو سلفي ولو كان فًي أقصى الدنيا، لا ينتظر موافقة بشري أو رضى أحد منتظر» مبتغاه رضى الله على نَهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والسلفيون يَتَبَنَّونَ إنكار الذات والإخلاص لله» فالدعوة عرض وبيان لعقيدة ومنهج وشريعة، وليس الْهدف ربط الناس بالأسْماءً والشخصيات أو تعريف بأحد من الدعاة، ولذا كان الْهدف إلى سعي إلَى نشر ونقل مفهوم الإسلام الصحيح فًي المجتمعات، يريدون الخير لكافة الخلق» وروى البخاري في الصحيح (4557) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرًجَتْ لًلنَّاسً

(آل عمران: 110)، قال: (خير الناس للناس تأتون بًهم فًي السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام)، وكما يريد السلفيون النجاة للخلق» فهم أَحوج لَها» لأن الفتنة لا يأمنها مؤمن عاقل.


الخامس عشر: السلفيون يرون الجهاد مع الأمراء ماضي البر والفاجر


يَخافون السلفية لأنَّها دعوة تقر كل شرائع الإسلام كُلي فًي مكانه الْمطلوب، وفًي زمن الوجوب» فالْجهاد من شرائع الدين ماضي إلَى قيام الساعة، مع من ولَيَ أمر الْمسلمين برا كان أم فاجرا» جهاد طلب وجهاد دفع، بالسنان واللسان، بالضوابط الشرعية، والشروط المرعية» يعرف من يقاتل؟ ولَم قاتله؟ ولًمن يقاتل؟ ومتى يقاتل؟ وتحت أي راية قاتل؟ فالْجهاد لَم يشرع لإيًجاد الفوضى فًي سفك دماء، كالعمليات الانتحارية وغيرها والتي تسفك فيها دماء معصومة، ومُباشرة قتل النفس، وما يطلق عليه بالعمليات الاستشهادية» هو محض انتحار وعمل انتحاري لا يدخل فًي باب الْجهاد، وقد روى مسلم فًي صحيحه (1848) من حديث أبًي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبًي صلى الله عليه وسلم أنه قال: »من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات» مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تَحت راية عًمًّيَّةي» يغضب لًعَصَبَةي أو يدعو إًلَى عَصَبَةي أو ينصر عَصَبَةً، فقتل» فَقًتْلَةي جاهلية، ومن خرج على أُمَّتًي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده» فليس مًنًّي ولست منه«، وفًي هذا دلالة بينة على:

(1) الفرق بين رايتين» رايةي عًمًّيَّة وراية غير عًمًّيَّة،

(2) والفرق بين ميتة جاهلية وَقًتْلَة جاهلية، وميتة غير جاهلية وَقًتْلَة غير جاهلية، وكذلك يعتقدون أن الجهاد وسيلة وليس غاية، وسيلة لإعلاء الغاية» (كلمة لا إله إلا الله).

وفًي الختام: طموح السلفيين وغايتهم توحيد الله، وعبادة» مبناها على السنة والإتباع لا على الْهوى والابتداع، ويبتغون صلاح الراعًي والرعية، فًي مُجتمع ينعم بأمن وأمان يَحفظ الدين والأموال والأعراض والعقول ويعصم الدماء (النفس)، لا مطمع لَهم فًي منصب أو رياسة، والْحمد لله علَى توفيقه ومنًّه وإحسانه.


د/ عبدالعزيز بن ندى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 31/3/2008

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:09 PM
موسى خرج من أرضه، وحافظ على دينه وشعبه



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

إن حياة الناس من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، قائمة على ترحال الأفراد، والقبائل والشعوب، من الأماكن التي لا تجد الأمن والحرية في ممارسة ما يريدون من شعائر الدين وحقوق النفس فيها، واللجوء إلى الأماكن التي تجمع نعمة الأمان، ولقمة العيش الطيبة، والمحافظة على الدين والنفس، وجلب المنافع التي تكفل لَها حياة كريمة، قال تعالى: *وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ* [الإسراء:70]، وقد كان على رأس هؤلاء الذين خرجوا من مكان إلى غيره، وهاجروا من موقع إلى آخر، الأنبياء وأتباعهم.

الأذى والتعذيب الذي تعرض له شعب بني إسرائيل

حكم مصر ملك ظالم كافر ( فرعون ) سُلط على بني إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن نبي الله إسحاق بن نبي الله إبراهيم خليل الله، وكانوا في ذلك الزمن خيار أهل الأرض، وتعرضوا للأذى والدليل قال تعالى: *فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ* [غافر: 25]، وقوله تعالى: *قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا* [الأعراف: 129]، وهذه الشكوى لموسى من قومه تفسر المعاناة، وما واجه بنو إسرائيل وذاقوه في بلدهم، وأرضهم، وفي مقامهم، ووطنهم؛ من أنواع التعذيب والبطش والتنكيل ما تَهول العقول لوصفه، وذلك قبل ولادة موسى وتكليفه بالنبوة وحمل الرسالة، وزاد العذاب والأذى بِموسى ومن آمن معه من بني إسرائيل وغيرهم كالقبط، وما كان ارسال موسى إلا سنة الله الجارية على إبلاغ الأمم وإقامة الحجج بالأنبياء والرسل، قال تعالى: *وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ* [النحل : 36]، فكان إرسال موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل قال تعالى: *ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ*[ الأعراف: 103-104].

خروج موسى عليه السلام من مصر

وحفاظا على موسى وقومه من بطش الظلمة؛ أمر الله موسى أن يخرج بأتباعه من بني إسرائيل ومن آمن معه، قال تعالى:*وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى*[طه: 77]. وقال تعالى: *وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* [الشعراء: 52]. قال محمد بن جرير الطبري في جامع البيان: وقوله: *وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* يقول: وأوحينا إلى موسى إذ تمادى فرعون في غيه، وأبى إلا الثبات على طغيانه بعدما أريناه آياتنا؛ أن أسر بعبادي: يقول أن سِر ببني إسرائيل ليلاً من أرض مصر *إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ* إن فرعون وجنده متبعوك وقومك من بني إسرائيل، ليحولوا بينكم وبين الخروج من أرضهم أرض مصر.اهـ

الأمر بالخروج سنته تعالى في إنجاء عباده المؤمنين

أمر الله موسى بالخروج بقومه وأتباعه من مصر وترك الدور والديار والأطان، ومغادرة مرابع الصبا والأرض التي ألفتها الأنفس والقلوب، وجبلت على محبتها، وذلك لأجل توحيد الله ودينه وهي الغاية الأسمى من الخلق والإيجاد على الأرض، ومحافظة على الموحدين، وتقديماً لها على غيرها من الأهداف والغايات الأخرى قال تعالى:*وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ*[الذاريات: 56]. وقال القرطبي في تفسيره: لَمَّا كان من سُنَّته تعالى في عباده إنجاءُ المؤمنين المصدقين من أوليائه، المعترفين برسالة رسله وأنبيائه، وإهلاك الكافرين المكذبين لَهم من أعدائه، أمر موسى أن يخرج بِبَني إسرائيل ليلاً وسَمَّاهم عباده، لأنَّهم آمنوا بِموسى.اهـ

وخرج موسى بقومه، وكان طريق المغادرة صعباً، فقد أمرو بالمغادرة والهرب عبر البحر، قال تعالى:*وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَ تَخَافُ دَرَكًا وَلاَ تَخْشَى* [طه: 77]، وكتب الله لهم النجاة من بطش فرعون وجنوده، قال تعالى:*يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ* [طه : 80]، وكانت العقبى لمن آمن وعمل وفق أمر الله، قال تعالى:*وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * [الأعراف : 137]، وقال تعالى: *كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ* [الشعراء: 59 ].

فرح النبي صلى الله عليه وسلم بإنجاء موسى

وخروجه من أرضه ونجاته من الظلمة

روى البخاري (2004)، ومسلم (1130) في صحيحيهما من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: «ما هذا ؟». قالوا: هذا يوم صالح، هذا يوم نجى الله نبي إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: «فأنا أحق بموسى منكم». فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية في الصحيحين: فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن أولى بموسى منكم». ثم أمر بصومه.

لا يوجد إجماع من بني إسرائيل على موسى وآرائه

يعتقد بعض الناس أن كل أمر ولو كان من المسلمات، ومما يعرف ضرورة، سوف يسلم له الخلق ويعترفوا به ويقروه أو ينصروه، ولذا خرج على طريقة موسى ودعوته وآرائه وأفكاره المؤيدة بالوحي بعض قومه، وعارضوه ولم يتابعوه في الدعوة والإيمان بما دعا إليه من توحيد الله عز وجل، وعبادته وحده لا شريك له، أو في أمر مغادرة الموطن والتراب، والبحث عن الحياة الكريمة في أرض الله الواسعة، فلم يكن هناك إجماع على موسى من قومه، ولم يؤمن بعض بني إسرائيل بِما دعا إليه موسى عليه السلام، ومن الأمثلة التي ذكرت في كتاب الله قصة معارضة قارون لدعوة موسى قال تعالى: *إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ* [القصص: 76]، وانتهى المآل بهذا المعارض كما في قوله تعالى *فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ* [القصص: 81]، فهل من متعظ؟

(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ)

تاريخ النشر 12/01/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:11 PM
نصرة منهج النبي صلى الله عليه وسلم بلا إفراط ولا تفريط


هذه المحبة يجب أن تكون محبة على الوجه الشرعي




الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

قال الله تعالى:(فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين)[الأعراف: 6] وقال تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون) [الحجر:92-93 ]، يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين ويسأل المرسلين عما بلغوا، ونحن مسؤولون عن ماذا فعلنا بعده، وماذا قدمنا لنصرة هذا الدين، ولما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأولين والآخرين، هل نصرناه؟ بنصر سنته وإظهار طريقته؟ قال تعالى: (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام:153]، وقال: (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) [الجاثية:18]، وهذا خطاب لرسوله ولمن تبعه من أمته إلى يوم القيامة، وروى أحمد في مسنده (1/435) من حديث عَبْدً اللهً بْنً مَسْعُود قَالَ: «خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهً - خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: ((هَذَا سَبًيلُ اللهً))، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمًينًهً وَعَنْ شًمَالًهً، ثُمَّ قَالَ: ((هَذًهً سُبُلي عَلَى كُلًّ سَبًيل مًنْهَا شَيْطَان يَدْعُو إًلَيْهً ثُمَّ قَرَأَ: (وَأَنَّ هَذَا صًرَاطًي مُسْتَقًيمًا فَاتَّبًعُوهُ وَلاَ تَتَّبًعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بًكُمْ عَنْ سَبًيلًهً)» . قال أبو عبد الله الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي وهو كما قالا.

وروى مسلم في مقدمة صحيحة بسند صحيح من حديث أَبًي هريرة رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون فًي آخر الزمان دجالون كذابون، يأتونكم من الأحاديث بًما لَم تسمعوا» أَنْتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يضلونكم ولا يفتنونكم». وفي رواية أحمد فًي مسنده (2/349): «سيكون في أمتي دجالون كذابون يحدثونكم ببدع من الحديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم، لا يفتنونكم».

وكان من الأكابر الذي ساروا على نَهجه ونصروه في حياته ومن بعده: أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، لذلك أوصى باتباع طريقتهما، فروى الترمذي في سننه (3663) وغيره ما صح من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إًنًّي لا أدري ما بَقَائًي فيكم فاقتدوا باللَّذَيْنً من بعدي وأشار إًلَى أَبًي بَكْر وَعُمَرَ».


نصر السـنة (الطريقة)


النصر والنصرة: العون.والسنة لُغَةً: الطريقة، واصطلاحاً: ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال وما قرره وكذلك ما كان من وصفه وطريقته ما لم يكن أمرا جبليا.ً

- قال تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) [الأحزاب: 21] . قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله ولهذا أمر تبارك وتعالى الناس بالتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب في صبره ومصابرته ومرابطته ومجاهدته وانتظاره الفرج من ربه عز وجل صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين .اهـ

ولهذا يجب أن ننصر سنته وطريقته ونصبر على الأذى والمخالفة وعدم الامتثال والاستجابة، وألا نستعجل النصر وقطف الثمر .


كيف تكون النصرة ؟


أولا: محبته:

والدليل: رواه البخاري(15)، ومسلم(44) في صحيحيهما من حديث أَنَسي رَضًيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «لا يُؤْمًنُ أَحَدُكُمْ» حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إًلَيْهً مًنْ وَالًدًهً وَوَلَدًهً وَالنَّاسً أَجْمَعًينَ».وروى البخاري(16)، ومسلم(43) في صحيحيهما عَنْ أَنَسً بْنً مَالًكي رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلاثي مَنْ كُنَّ فًيهً وَجَدَ حَلاوَةَ الإًيمَانً» أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إًلَيْهً مًمَّا سًوَاهُمَا، وَأَنْ يُحًبَّ الْمَرْءَ لا يُحًبُّهُ إًلا لًلَّهً، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فًي الْكُفْرً كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فًي النَّارً».


هذه المحبة يجب أن تكون مَحبةً على الوجه الشرعي


وما يحب من المخلوقات لًكُلي من الأحباء حداً معيناً، وغاية مرادةً، وَنًهايةً مُحددةً، لذا ينبغي عدم مُجاوزةً الحدودً والغاياتً في هذه المحبة، ومن انْحَرَفَ عما رَسَمَهُ الشَّرْعُ وَقَعَ فًي الانْحرافً، وَضَلَّ سواءَ السَّبيلً، لذلك نَهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الغلو فيه، وأن يوضع في منزلة الألوهية وهذا غير مستبعد فقد فعله بعض المنحرفين بل ادعوا الألوهية لمن هو دون النبي صلى الله عليه وسلم.

قال البوصيري في البردة مدحا وحبا:


يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به

سواك عند حدوث الحادث العمم

إن لم تكن آخذا يوم المعاد يدي

صفحـا وإلا فقل يـا زلة القدم

فإن من جودك الدنيا وَضَرَّتًهـا

ومن علومـك علم اللوح والقلم


نقول عن نبينا صلى الله عليه وسلم: (فإن من جودك الدنيا وضرتها) ومن للتبعيض والدنيا هي الدنيا، وضرتها هي الآخرة، فإذا كانت الدنيا والآخرة من بعض جود الرسول صلى الله عليه وسلم، وليس كل جوده» فما الذي بقي لله عز وجل، لَم يبق له شيء من الممكن لا في الدنيا ولا في الآخرة، وكذلك قوله: (ومن علومك علم اللوح والقلم) ومن هذه للتبعيض فماذا يبقى لله تعالى من العلم إذا خاطبنا الرسول صلى الله عليه وسلم بًهذا الخطاب. وهذا هو الغلو بل هو عين الشرك فإن لَم يكن كفرا صريحا أن من بعض جوده الدنيا وضرتها وهي الآخرة فماذا أبقى لله الواحد القهار؟

قال تعالى: (قُل لا أقول لكم عندي خزائنُ اللهً ولا أعلمُ الغيبَ ولا أقول لكم إًنًّي مَلَكي إًنْ أَتَّبًعُ إًلاَّ مَا يوحَى إًلَيَّ)[الأنعام:50].

روى البخاري(3445) في صحيحه عَنْ ابْنً عَبَّاس سَمًعَ عُمَرَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ عَلَى الْمًنْبَرً سَمًعْتُ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تُطْرُونًي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ فَإًنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهً وَرَسُولُهُ». وروى البخاري(1330)، ومسلم(529) في صحيحيهما عَنْ عَائًشَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ فًي مَرَضًهً الَّذًي مَاتَ فًيهً: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبًيَائًهًمْ مَساجًد».

ومن الحقوق المترتبة على نصرة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ:

ثانياً: الاتباع: أُمرنا بطاعته، وفي كتاب الله العزيز عطف طاعة رسوله على طاعته:

1- قال تعالى: (قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين) [آل عمران: 32]، (فإن تولوا) أي خالفوا عن أمره.

2- قال تعالى: (وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون)[آل عمران: 132]

3- وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون (20) ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون(21) إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (22) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون(23) يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون(24)) [الأنفال 20-24]،

ـ4 قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونًي يحببكم الله) [آل عمران:31].

ـ5 قال تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب)[الحشر:7] .

ثالثاً: الإعراض عن أقوال البشر والرد عند الخلاف بالإقبال على قوله ومنهجه:

ـ1 قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا)[النساء: 59 ].

ـ2 قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مًمَّا قضيت ويسلموا تسليماً) [النساء: 65].

ـ3 قال تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون) [النور: 51-52].


أحدثك عن رسول الله


صلى الله عليه وسلم وتحدثني من كتبك


روى البخاري(6117)، ومسلم(37) في صحيحيهما عن أبي السوار العدوي قال سمعت عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير». فقال بشير بن كعب مكتوب فًي: الحكمة: إًنَّ من الْحياءً وقاراً وإن من الحياءً سكينةً. فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم» وتحدثني عن صحيفتك.

وروى مسلم في صحيحه (50) من حديث عبد اللَّهً بن مَسْعُود رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قال: «ما من نَبًيّي بَعَثَهُ الله في أُمَّة قَبْلًي إلا كان له من أُمَّتًهً حَوَارًيُّونَ وَأَصْحَاب يَأْخُذُونَ بًسُنَّتًهً وَيَقْتَدُونَ بًأَمْرًهً ثُمَّ إًنَّهَا تَخْلُفُ من بَعْدًهًمْ خُلُوف يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بيده فَهُوَ مُؤْمًن وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بًلًسَانًهً فَهُوَ مُؤْمًن وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بًقَلْبًهً فَهُوَ مُؤْمًن وَلَيْسَ وَرَاءَ ذلك من الْإًيمَانً حَبَّةُ خَرْدَل».

وروى البخاري(5063)، ومسلم(1401) في صحيحيهما مًنْ حَديثً أنس رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني».

وروى أحمد في مسنده (4/126) وأصحاب السنن ما صح عن العرباض بن سارية رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول الله! إن هذه لموعظة مودع» فماذا تعهد إلينا؟ قال: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بًما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين الْمَهْدًيًّينَ، وعليكم بالطاعة» وإن عبداً حبشياً، عَضوا عليها بالنواجذ».

وَفًي رًوَايَةي لأحمد (4/126): «فإنه من يعش منكم» يرى بعدي اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة».

والحديث رواه ابن حبان في صحيحه وقال بعده (1/178):

قال: أبو حاتًم فًي قوله صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي» عند ذكره الاختلاف الذي يكون فًي أمته» بيان واضح، أن من واظب على السنن» قال بًها، وَلَم يُعرًّجْ على غيرها من الآراءً، من الفرق الناجية في القيامة، جعلنا الله منهم بًمَنًّهً .

- قال تعالى: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) [النور:54].

- قال تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: 63].

- قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا)[الأحزاب: 36] .

وهذه الأدلة من الكثرة فيها الكفاية ما يغني عن ذًكر المزيد.


وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلَى دليل


التمسك بطريقته وسنته على قدر الاستطاعة


قال الله عز وجل: (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن: 16 ]، وقال تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: 286]، وروى البخاري(7288)، ومسلم (1337) في صحيحيهما مًنْ حَديثً أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ النَّبًيًّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «دَعُونًي مَا تَرَكْتُكُمْ، إًنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بًسُؤَالًهًمْ وَاخْتًلافًهًمْ عَلَى أَنْبًيَائًهًمْ، فَإًذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْء فَاجْتَنًبُوهُ، وَإًذَا أَمَرْتُكُمْ بًأَمْر فَأْتُوا مًنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ».


رابعا: الصلاة عليه:

قال الله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الأحزاب: 56]. وروى الترمذي في سننه (484) وابن حبان في صحيحه (3/192) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أَولَى الناس بًي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة».


في هذا الحديث منقبة

لأهل الحديث وأنهم الطائفة المنصورة


وبعدما رواه ابن حبان في صحيحه (3/192) قال: قال أبو حاتًم رضي الله عنه: في هذا الخبر دليل على أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم في القيامة يكون أصحاب الحديث إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه صلى الله عليه وسلم منهم.

روى مسلم في صحيحه (384) عَنْ عَبْدً اللَّهً بْنً عَمْرًو بْنً الْعَاصً أَنَّهُ سَمًعَ النَّبًيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إًذَا سَمًعْتُمْ الْمُؤَذًّنَ» فَقُولُوا مًثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإًنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً» صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً بًهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لًي الْوَسًيلَةَ، فَإًنَّهَا مَنْزًلَة فًي الْجَنَّةً لا تَنْبَغًي إًلاَّ لًعَبْد مًنْ عًبَادً اللَّهً، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لًي الْوَسًيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».

والشاهد من الحديث الأمر بالصلاة عليه، وذكر ثوابها، وطلب أن نسأل الله منزلة الوسيلة في الجنة للنبي عليه الصلاة والسلام، وذكر ثواب ذلك بأن يشفع له، ونختم بالصلاة والسلام على سيد الأبرار ونبينا المختار محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي


تاريخ النشر: الاثنين 4/12/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:12 PM
نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (1)



الدكتـور/عبد العزيز بن ندَى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:


أيها المسلمون! إن الانفعالات والعواطف لا تصنع أمجاداً، ولا تدرأ فساداً، والقول المزخرف لا يرفع شأن أمة مريضة، وسبك العبارات ليس علاجاًً ولا نرى له أثراً ونتاجاً، وانظروا إلى تأثير كلام النساء على عقلاء الرجال من شدة التمويه والتلاعب بالألفاظ المغلفة بالعواطف، لِما روى البخاري (304)، ومسلم (80) في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قال: »ما رأيت من ناقصات عقل ودين؛ أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن«. وما ذلكم السحر والأثر لزخرف القول إلا كذلك، قال تعالى:*يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا* (الأنعام :112)، سُمِّي القول زخرفاً لِما فيه من التَّزْيِّين والتَّمويه وسراب الجمال، والحقيقة أنه لا علاقة له بأصل الكتاب والسنة، ومنه قول الله تعالى:*فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ* (الأعراف: 22).


*أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا*


أيها المسلمون! إن المحافظة على الدين والتشريع وحياة المسلمين، والاهتمام بِمصالح الأمة، والبعد عن الفساد والكوارث التي قد تحل بالمسلمين، هو بتدبر كتاب الله والتأسي برسوله، قال تعالى: *أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا* (النساء: 82- 83).


الرفعة والعز والمهابة لهذه الأمة بالكتاب والسنة


أيها المسلمون! إن الرفعة والعز والمهابة لِهذه الأمة؛ لا تكون إلا بالعودة إلى الكتاب والسنة، والأخذ منهما، قال تعالى: *مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ* (الأنعام : 38)؛ أي: ما تركنا شيئاً من أمر الدين؛ إلا وقد دللنا عليه في القرآن، إما دلالة مبينة مشروحة، وإما مجملة يُتَلقَّى بيانها من الرسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: *وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ* *النحل: 89*، وقال تعالى: *لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا* (الأحزاب: 21). قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فِي أقواله، وأفعاله، وأحواله. وروى مسلم في صحيحه (1844) من حديث عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فقال: »إنه لَم يكن نبيٌّ قبلي؛ إلا كان حقًّا عليه أن يدُلَّ أمَّته على خير ما يعلمُه لَهم، ويُنذرهم شرَّ ما يعلمه لَهم«.

كيف تحسم نظرية الصياح والعويل وقلب الحقائق؟


أيها المسلمون! إن رد الأمور إلى كتاب الله وسنة نبيه كافٍ لحسم مادة الخلاف وقطع دابر الشر، وبيان الحق للناس وإعلانه على رؤوس الأشهاد، قال تعالى: *وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ* (الشورى: 10)، وقال تعالى: *فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا* (النساء:59)، فالأخذ بيد العقل لينظر في النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، والخروج منه بالحلول والنتائج التي فيها أفضل علاج لِهذه الأمة التي أُرهقت بنظريات الزعيق والصياح وقلب الحقائق.


العلاج في وداع العواطف والقصص والصياح


أيها المسلمون! لقد جاء في الكتاب والسنة أن النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قد صبر وهاجر وقاتل وصالح، فالصبر تشريع، والهجرة تشريع، والجهاد تشريع، والصلح تشريع؛ وكل ما تقدم ذكره من الشريعة، وكلٌ يُنَزَّل على الحالة التي بِها حفاظ على دين الأمة ومصالح المسلمين.

وللحديث بقية. والحمد لله رب العالمين.





تاريخ النشر 26/01/2009


الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:16 PM
نعم لمشروعية الصلح والهدنة مع المخالف (2)



الدكتـور عبد العزيز بن ندَى العتيبيي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده؛ أما بعد:

نكمل ما بدأناه في العدد السابق من تشريع الله عز وجل للصبر وتشريعه للهجرة، فنقول:

الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة

وروى البخاري في صحيحه (5807) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: هاجر ناس إلى الحبشة من المسلمين، وتجهز أبو بكر مهاجراً، فقال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: »على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي«، فقال أبو بكر: أو ترجوه بأبي أنت؟ قال: »نعم«. فحبس أبو بكر نفسه على النبي صلى الله عليه وسلم لصحبته، وعلف راحلتين كانتا عنده ورق السمر أربعة أشهر، قال عروة: قالت عائشة: فبينا نحن يوما جلوس في بيتنا في نحر الظهيرة، فقال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقبلا، متقنعا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، قال أبو بكر فدى له: بأبي وأمي والله إن جاء به في هذه الساعة لأمر، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأذن، فأذن له، فدخل فقال حين دخل لأبي بكر: »أَخْرِج من عندك«، قال إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: »فإني قد أذن لي في الخروج«، قال: فالصحبة بأبي أنت وأمي يا رسول الله ؟ قال: »نعم«.

وذكر البخاري في صحيحه: باب هجرة الحبشة، وقالت عائشة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: »أريت دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين«. فهاجر من هاجر قبل المدينة، ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة.

(شرع الله الجهاد حماية للدين ونشرة)

قامت قريش بمعارضة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وبغى المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه رضي الله عنهم، فواجهوهم بأنواع الأذى، حتى أخرجوهم من ديارهم وأرضهم ووطنهم؛ مكة، فكان الأذن من الله لَهم بالخروج من دورهم، وكان لِهذا الامتثال بالصبر على الأذى، والخروج فراراً بالدين والعرض والنفس، أن يسر الله لَهم التمكين في الأرض ونصرهم على من بغى عليهم، قال تعالى: { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا } [الطلاق: 3-2]، وأُذن لهم في البداية برد العدوان، قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [الحج :39]، ثم بعد ذلك شُرع جهادُ الطلب نشراً للتوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، قال تعالى: { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ } [التوبة: 36].

(شرع الله الصلح مع المخالف مصلحة للأمة)

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصالح إذا رأى أن في ذلك مصلحة للإسلام والمسلمين، حيث إن الصلح يكون منهياً عنه في بعض الأحوال، قال تعالى: { فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ } [محمد: 35]، وأما ما كان من فعله وجنوحه للمصالحة؛ فذلك تشريع لأمته، لتسلك السبيل نفسه، عندما يرى ولاة الأمر وأهل الحل والعقد أن المصير في حفظ الدين هو الصلح ومصالحة المخالف ومهادنته، ومثاله ما حصل في صلح الحديبية، قال تعالى: { وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } [الأنفال:62-61]، وهذه الآية ليست منسوخة بآية السيف في براءة: { قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } [التوبة:29]، فقد قال ابن كثير في تفسيره: وفيه نظر أيضا لأن آية براءة فيها الأمر بقتالهم إذا أمكن ذلك، فأما إن كان العدو كثيفاً؛ فإنه يجوز مهادنتهم، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وكما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فلا منافاة ولا نسخ ولا تخصيص والله أعلم، وقوله: { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ } ؛ أي: صالحهم وتوكل على الله، فإن الله كافيك، وناصرك، ولو كانوا يريدون بالصلح خديعة ليتقووا ويستعدوا، { فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ } ؛ أي: كافيك وحده.اهـ

شروط الصلح قُبِلت للمصلحة

روى أحمد في المسند (302/4)، وأبوعوانة في مسنده (90/8)، والبيهقي في السنن الكبرى (226/9) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال: صالح النبي صلى الله عليه وسلم المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء؛ على من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لَم يردوه، وعلى أن يدخلها من قابل، ويقيم يها ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجلبَّان السلاح السيف والقوس ونحوه. فجاء أبو جندل يحجل في قيوده فرده إليهم. ورواه البخاري في الصحيح تعليقاً والحديث صحيح؛ وله شاهد من حديث مسور بن مخرمة في صحيح البخاري (2734)، وحديث أنس في صحيح مسلم (1784).

طلب الكفار خروجه فخرج التزاماً بالمواثيق

وروى البخاري في صحيحه (2701، 4252) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه وحلق رأسه بالحديبية، وقاضاهم على أن يعتمر العام المقبل، ولا يحمل سلاحا عليهم إلا سيوفا، ولا يقيم بِها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، فدخلها كما كان صالحهم، فلما أقام بِها ثلاثا أمروه أن يخرج، فخرج.

للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين

قال النووي في شرح صحيح مسلم عند حديث البراء (1783): وفيه أن للإمام أن يعقد الصلح على ما رآه مصلحة للمسلمين، وإن كان لا يظهر ذلك لبعض الناس في بادئ الرأي، وفيه احتمال المفسدة اليسيرة لدفع أعظم منها أو لتحصيل مصلحة أعظم منها إذا لَم يمكن ذلك إلا بذلك.اهـ

والحمد لله على منه وكرمه وتوفيقه وإحسانه.



تاريخ النشر 16/02/2009

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:17 PM
هل الأمر إلا إسلام وكفر وتوحيد وشرك؟!

ما الإسلام؟




كتب:د. عبد العزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

نقف اليوم أمام طرائق شتى تعرض الإسلام وتبينه بصورة مظلمة، لا تُرى عليها أنوار الكتاب والسنة، وجعلوا منه دينا صعب الفهم والمنال، فلا تفهم دينك إلا عن طريق المُنظرين والمُفكرين وأمثالهم، ولا بد من وكيل يتولى التفكير نيابة عن الناس ليعرفوا دين الإسلام.

وهذه الطرق والسبل التي سلكوها ليست بجديدة على الأمة، ولكنها ظهرت بعد قرون الخير التي جاء في فضلها ما رواه البخاري [2652]، ومسلم [2533] في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعودـ رضي الله عنهـ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام، تسبق شهادة أحدهم يمينهُ ويمينهُ شهادته».

ظهرت هذه الطرق وتلونت وأخذت تضرب في كل سبيل غير سبيل الله، واجتالوا الناس من إسلام سهل يخاطب الفطرة السليمة، إلى إسلام الفلاسفة، وإسلام أهل الكلام، وإسلام الظاهر والباطن، وإسلام بعض المعاصرين الذين يجلس أحدهم محاضرا في الناس، يتكلم عن الحراك السياسي، وتهميش الشعوب، وفقه الواقع، وفقه الحركة، يسبك عباراته بمصطلحات محدثة لم تكن في كلام الله ولا في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُحدثها أصحابه من بعده، ولا من سار على طريقتهم، يتكلم باسم الإسلام ولا يأتي بآية أو حديث، وهي مادة الإسلام، وإن ذكر شيئا من ذلك فكلامه العمدة، وتُذكرُ الآية تبركا.

وهل الأمر إلا إسلام وكفر، وتوحيد وشرك، وطاعة ومعصية، وسنة وبدعة، ومن أخذ بالتوحيد وعمل بالطاعات، وتمسك بالسنة، وابتعد عن الشرك والمعاصي والبدع، فقد وُفّق إلى الخير كله، وعرف الإسلام حق المعرفة، ونال السلامة ودخل الجنة.

أين نحن من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم؟

عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل عن الإسلام فكيف كان يجيب؟ هذا ما يجب أن نتعلمه، ونوجه به الدعوات الأخرى، وكل من نذر نفسه للدعوة إلى الإسلام.

وإليك ما أخرجه البخاري [46] ومسلم [11] في صحيحيهما من حديث طلحة بن عبيد اللهـ رضي الله عنهـ يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أهل نجد ثائر الرأس يسمع دوي صوته ولا يفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خمس صلوات في اليوم والليلة»، فقال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وصيام رمضان»، قال: هل علي غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال: وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم «الزكاة»، قال: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع»، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفلح إن صدق».

وكذلك أخرج البخاري [1397]، ومسلم [14] في صحيحيهما من حديث أبي هريرةـ رضي الله عنهـ أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة؟ قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»، قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا».

وكذلك انظر إلى جبريل وهو على هيئة رجل عندما أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف كان يعلم الناس الدين؟

روى البخاري [50] ومسلم [9] في صحيحيهما من حديث أبي هريرةـ رضي الله عنهـ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس فأتاه جبريل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث»، قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به وتقيم الصلاة وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان»، قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك»، قال: متى الساعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السائل وسأخبرك عن أشراطها، إذا ولدت الأمة ربتها وإذا تطاول رعاة الإبل البُهم في البنيان في حَمْسي لا يعلمهن إلا الله»، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم «(إن الله عنده علم الساعة)ـ الآية»، ثم أدبر فقال:«ردوه»، فلم يروا شيئا، فقال: «هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم».

لا يجوز لمسلم أن يسلك غير السبيل الذي جاء به الوحي هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرح الإسلام ويبين أسباب دخول الجنة في موقف واحد، وبأوجز عبارة، واليوم نرى البعض يؤلف الكتب ويسود الصفحات ويقيم المحاضرات ليبين للناس أسباب النجاة، والأمر يا عباد الله أيسر من ذلك بكثير، كما بيّنا من طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في دعوته إلى الإسلام.

كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتعاهد أصحابه بالتيسير وعدم التعسير، وأوصى معاذ وأبا موسى الأشعري بذلك عندما أرسلهما إلى اليمن فيما رواه البخاري [3038] ومسلم [1733] في صحيحيهما من حديث أبي موسى الأشعريـ رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذ إلى اليمن فقال: «يسّرا ولا تُعسّرا، وبشّرا ولا تُنفّرا، وتطاوعا ولا تختلفا».

وأخيرا في حجة الوداع يخطب الرسول صلى الله عليه وسلم في جموع الناس مبينا لهم ومذكرا ما يكون به دخول الجنة بكلمة جامعة واضحة، وبعبارة لطيفة، كما رواه الترمذي في سننه [616] من حديث أبي أُمامةـ رضي الله عنهـ يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فقال: «اتقوا الله ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم».. ثم قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال.

وأخيرا نسأل الله التوفيق والحمد لله رب العالمين.




تاريخ النشر: الاثنين 4/9/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:20 PM
هل الشرع مبناه على «الظن» أو«العلم واليقين»؟



الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:

إن دين الإسلام جاء سهلاً مُيسراً ليفهمه الناس كافّة، قال الله تعالى: ?يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ?[البقرة: 185]، وقال تعالى: ?وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى?[الأعلى: 7-8]، قال ابن كثير في تفسيره: ?وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى?؛ أي: نسهل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعاً سهلاً، سمحاً مستقيماً، عدلاً لا اعوجاج فيه، ولا حرج ولا عُسر. اهـ فلا يوجد في الإسلام دين للعامة ودين للخاصة، ولا نقول إن للدين ظاهراً وباطناً كما في بعض الديانات التي وُجِدَ فيها ما يسَمّى بـ «علم الباطن»، وخُصَّ به أناساً دون بقية الخلق كما ذهبوا، فإن ذلك ليس من دين الإسلام في شيء، ولم يخص الإسلام بعض الناس بمعتقدات باطنية وعبادات خاصة دون غيرهم.

الفلسفة والمنطق وأثرهما في العلوم الشرعية

لقد ابْتُلِيت هذه الأمة عبر قرونٍ سلفت؛ باتصالها بتراث الفلاسفة، فذهب بعض من أُعجب بفلسفة الروم، وبهره منطق اليونان؛ إلى ترجمة هذه الفنون الدخيلة، وقام بإدخالها على العلوم الشرعية، معتقدين أن الاستعانة بالمنطق وغيره نفع للأمة، وتسهيل لفهم علوم الكتاب والسنة، والواقع الذي مارسوه؛ أورث تشويهاً بالغاً، والأمر الذي جاؤوا به؛ أوجد فساداً وخروجاً على علوم المسلمين.

فقد جلبوا كثيراً من القواعد والمفردات التي أتت على دين المسلمين بالخلل والانحراف، فذهب كثيرٌ من العلماء إلى التجديد، وبذل الجهد في علاج ذلك وبيانه، وقاموا على تنقية العلوم الشرعية؛ علم الكتاب والسنة من الشوائب والغرائب التي نُسِبت له ظلما وزورا.

-1 فأدخلوا القطعيات العقلية؛ ولَبَّسوا على بعض المسلمين؛ حتى قالوا بتقديم العقل على النقل في الدين، وجاؤوا بأشياء كثيرة خالطت علوم الشريعة، ليس هذا محل بيانها وبسط القول فيها.

-2 وجاؤوا بالتقاسيم الخمسة: العلم والظن والشك والوهم والجهل، وربما زادوها، وأدخلوها على الشرع فحملوا الظن في الكتاب والسنة على مراد الفلاسفة وأهل المنطق، وهو خلاف ما جاء في الشرع؛ فالظن في الشرع إما شك أو يقين، فلا مرتبة ظن بين الشك والعلم، فمن خرج من دائرة الشك دخل في أول مراتب العلم، فالعلم مراتب واليقين درجات، فلا يدخل في الظن أو الظن الراجح، أوما يسمونه بغلبة الظن كما يقول الفلاسفة.

ما آثار الفلسفة على علوم الحديث؟

ولماذا تقسم الأخبار الصحيحة إلى آحاد ومتواتر؟!

إننا لا ننكر التواتر لغة، ولا ننكر وجوده واستعمالاته، لكن ما ننكره؛ ونراه أمراً مُحْدثاً؛ هو هذه القسمة التي أُدخلت على السنة؛ وعلى أخبار النبي صلى الله عليه وسلم:

-1 جُعلت الأخبار على قسمين: أخبار آحاد، وأخبار متواترة.

-2 إدخال الشبهة على الأخبار: فآحاد تفيد الظن، ومتواتر يفيد العلم واليقين.

ومرادهم بالظن: أن في ثبوته شبهة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وعلى ذلك عدة اعتراضات:

فالاعتراض الأول: إن هذه القسمة لم تكن معلومة في عهد الصحابة والتابعين.

والاعتراض الثاني: إن أول قائل بهذه القسمة واحد، فلا يتصور أن أول من نطق بها جمع غفير في زمن واحد محدد. وعلى قاعدتهم في أن خبر الواحد ظني؛ (أي: إن في ثبوته شبهة)، فكيف نبني على خبر الواحد قسمة أحد أفرادها - المتواتر - قطعي الثبوت (ليس في ثبوته شبهة)؟!

الاعتراض الثالث: على التسليم بانتقاض ما تقدم من اعتراض - وهذا أمر متعذر - فإن القائلين بالمتواتر مختلفون غير متفقين على حد المتوتر وضبطه بعدد معين، فإن القائل بأن حد التواتر خمسون؛ يرى أن ما دونه من الأعداد كالأربعين والثلاثين والعشرين والعشرة أخبار آحاد (في صحتها شبهة). فوجدنا أن ضابط العشرة متواتر عند قوم؛ آحاد عند آخرين، وضابط العشرين متواتر عند قوم؛ آحاد عند آخرين، أي: أن ما كان قطعياً عند قوم؛ ظنياً عند غيرهم، وهكذا لايزال الضابط والحد مضطربا.

الاعتراض الرابع: على فرض الاتفاق بين المختلفين على عدد محدد للمتواتر، فهل يستطيعون أن يأتوا بهذا العدد في كل طبقة من طبقات السند؟ وهذا متعذر جداً.

الاعتراض الخامس: إن المتواتر أمر نظري، لا يمكن تصور وقوعه، ومن أدعى ثبوته؛ فعليه أن يأتي بمثال واحد، بالحد والضوابط والشروط التي وضعوها، وهذا ضرب صعب المنال، يستحيل الإتيان به، ونحن بانتظار تحصيل مثال واحد؛ دليلاً على ما قالوا به.

قال ابن حبان في صحيحه (1/156): فأما الأخبار؛ فإنها كلها أخبار آحاد، لأنه ليس يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين، روى أحدهما عن عدلين، وكل واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، [فلما استحال هذا وبطل؛ ثبت أن الأخبار كلها أخبار الآحاد، وأن من تنكب عن قبول أخبار الآحاد؛ فقد عمد إلى ترك السنن كلها، لعدم وجود السنن إلا من رواية الآحاد]. اهـ

المتواتر ودعوى الترجيح

إن ادعاء أهمية وجود المتواتر في السنة، وضرورة إدراجه في علوم الحديث؛ لعلة الترجيح أمر مردود، فالاعتراض على المتواتر ليس لإلغاء الترجيح، فإن الترجيح معمول به بين خبر وخبر، وخبر من طريق وخبر من طريقين، وخبر من طريقين وخبر من عدة طرق، فلا تُهمل وسائل الترجيح المختلفة أبداً.

الاعتراض على التعسف الذي جاء به المتواتر

إنا نتساءل: كيف دخل المتواتر علوم أهل السنة وأصحاب الحديث؟ ومن أدخله على علوم الحديث؟ ومن أين جاء به، وممن أخذه؟! لقد جاؤوا بالمتواتر وجعلوه علامة إفادة العلم واليقين، وما سواه (المتواتر) فلا يفيد علماً، وهكذا يريدون وأد سنة المعصوم بالمتواتر الذي صنعوه. والمعلوم أن كل أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار آحاد، وما دعا وبلغ وتكلم إلا ليبلغ علماً؛ لا ظناً كما زعموا، فقد روى مسلم (2699) في «صحيحه» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علماً؛ سَهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة». قلت: لقد سمَّى طلب العلم وأخذه من آحاد العلماء والمشايخ علماً، ولم يقل ظناً؛ رغم أن العلم لا يؤخذ إلا من العالم منفرداً، فالاستماع يكون لشيخ واحد وليس متعدداً، ولا يتصور سماع العلم من أكثر من واحدٍ في وقت محدد.

وكذلك الأمر من بعده؛ فإن هذا المذهب لم يؤثر عن الصحابة، والتابعين لهم، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

البخاري على الأصل؛ فإن الحديث الصحيح يفيد العلم

قال البخاري في كتابه «الجامع المسند الصحيح المختصر»: كتاب العلم، وذكر فيه جملة من الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم وكلها أخبار آحاد، وقال: باب فضل العلم- وقول الله تعالى: ?يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ?[ المجادلة: 11]. وقوله عز وجل: ?وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا? [طه: 114]. قلت: وهذا العلم في قوله: ?أُوتُوا الْعِلْمَ?، و?زِدْنِي عِلْمًا?، لا شك أن من العلم المراد في الآيات؛ السنة القولية والفعلية، فالأخذ بالأخبار والأحاديث الصحيحة المروية عن الثقات علم. وقد روى في البخاري (105)، ومسلم (1679) في «صحيحيهما» من طريق محمد بن سيرين، عن ابن أبي بكرة، عن أبي بكرة ذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإن دماءكم وأموالكم - قال محمد: وأحسبه قال: - وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب»، وكان محمد يقول: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك «ألا هل بلغت»؛ مرتين.

قال البخاري في كتاب العلم: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب.

قلت: فسمّاه البخاري علماً وهو خبر آحاد: «ليبلغ الشاهد منكم الغائب»؛ أي: ليبلغ من حضر منكم وسمع منا؛ الغائب الذي لم يحضر سماع الخطبة. والحمد لله على توفيقه وإحسانه.

د. عبد العزيز بن ندَى العتيبي



تاريخ النشر 15/02/2010

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:21 PM
هَلْ نَعًيشُ أَزْمَةً أَخْلاقًيَّة ؟!





الْحَمدُ لله وحده، والصلاة والسلام علَى من لا نبًي بعده» أما بعد:

إن من ينظر فًي حال الأمم» وما تعيشه من تعاسة وانتكاسة، فًي كثير مًنْ مَجالاتً الْحياةً، يقطع بأن أسباب هذا التردي والانحطاط، هو بفقد معظم الأخلاق، سواء كان ذلك علَى مستوى الدول والبلدان، أو بين الْمُجتمعات، أو بين الأفرادً» أقارب كانوا أو أجانب.

وقيل شعرا:

إنَّما الأممُ الأخلاقُ ما بقيت

فإنْ همو ذهبتْ أخلاقهم ذَهبوا


فبعث الله لًهذه الْخلائقَ نَموذجا بشرياً، هدى للناس وبشيراً، وإنقاذاً للشعوب والْمُجتمعات والأفراد، قال تعالَى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين بأن لَهم من الله فضلا كبيرا) (لقمان: 47ـ45)، وقال تعالَى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء: 107)، وقال تعالَى عن أخلاقه: (وإنك لعلى خلق عظيم) (القلم: 4).


(وَإًنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظًيم)


(1) (بيان الله لًخُلُقًهً): فوصفه سبحانه بالإمامة، والكمال فًي الْخُلُقً، وأنه الْهادي إًلَى كُلًّ خُلُق ووصف تكون به الرفعةُ للأمم، والسُمو بالْميجتمعات والأفراد، إلَى مستوى عالي يَجمع الشمائل والخصال الفاضلة، وهذا الوصف والْمدح من الله» هو أَشْملُ وَأَعَمُّ ما امتدح الله به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فًي كتابه العزيز، ولذا كان معروفاً أمره، بإعلان الدعوة إلَى مكارم الأخلاق، فقد روى البُخاريُّ (3861)، وَمُسْلمي(2474) فًي صَحيحيهما مًنْ حديث أَبًي ذَرّ فًي قًصَّةً إًسلامه: (رأيته يأمر بًمكارمً الأخلاق).

(2) (إخباره عن نفسه): وكان يعلن ويفاخر مُخْبًراً عن نفسه، أنه جاء ليتمم مكارم الأخلاق، التًي فُقدت فًي الْمُجتمعاتً، وأصبحت نسيا منسيا فًي أوساط الناس، كما أخرج ذلك أحمد فًي مسنده (2/381)، والبخاري فًي الأدب الْمُفرد(1/104)، والْحاكم في مستدركه (2/670) بسند صحيح مًنْ حديث أَبًي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ: «إًنَّمَا بُعًثْتُ لأُتَمًّمَ صَالًحَ الأَخْلاقً». وَفًي روايةً الْحاكم: «لأُتَمًّمَ مكارم الأخلاق». فدعا إًلَى الفضائل ومكارم الأخلاق، وتعوذ من منكرات الأخلاق، فًيما رواه الترمذي فًي سننه (3591)، وَالْحاكم فًي مستدركه (1/714) بسند صحيح من طريق زًيَادً بْنً عًلاقَةَ عَنْ عَمًّهً ـ قُطْبَةُ بْنُ مَالًك ـ رَضًيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ! إًنًّي أَعُوذُ بًكَ مًنْ مُنْكَرَاتً الأَخْلاقً، وَالأَعْمَالً، وَالأَهْوَاءً». (3) (وصف الصحابة لأخلاقه): وكان الصحابة والتابعون يسألون عن أخلاقه ؟ فيأتيهم الْخَبَرُ أَنَّ خُلُقَهُ القرآن، لًما رواه مسلم فًي صحيحه(746) مًنْ حَدًيثً عَائًشَةَ رَضًيَ اللهُ عنها، قيل لَها: يَا أُمَّ الْمُؤْمًنًينَ! أَنْبًئًينًي عَنْ خُلُقً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإًنَّ خُلُقَ نَبًيًّ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ» كَانَ الْقُرْآن، وهذا الْمعْنَى رواه أحمد فًي مسنده (4/278): عن سَعْدً بن هًشَام قال: سَأَلَتُ عَائًشَةَ فقلت: أخبرينًي عن خُلُقً رسول اللَّهً رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ؟ فقالت: كان خُلُقُهُ الْقُرْآنُ. هكذا كان وصف الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذه أخلاق حامل رسالة الإسلام! فأين الْمُسلمون من ذلك الْخُلُقً.


الإًسْلامُ يدعو إلَى التَّحَلًّي بالأَخْلاقً


إن الإسلامَ دينُ العفو، والصفح، والرفق، والْمروءة، والوفاء، والعز والشهامة، إًنَّهُ دين الكرم والإباء، و لقد حَمَلَتْ رًسَالَةُ الإسلام ما يكفل لكل مُجتمعات الأرض أن تَحْيَى حياةً سعيدةً، وجاء هذا الدين بقيم وأخلاق، لَم يعرف التاريخ مثيلا لَها، لقد نادى بًخصال لَم تسمع بًها الدنيا، فأتَى الإسلام بكل الأخلاق الحميدة التًى هي ضرورة» ومطلب حتمي للتعايش الإنسانًي، وعالَج قضايا لَم تُعالَج من قبل بعثةً حامل لواء الدعوةً إلَى الإسلام، وكل الْمَخلوقات فًي هذا الكون بًحاجة ماسة إلَى القيم والأخلاق، حتَّى تنعم بًحياة طيبة علَى وجه الأرض، وما من شيء بَيْنَ السماءً والأرضً، أو يدب على الأرض، حتَّى الطائر الذي يقلب جناحيه فًي السماء، إلا في حاجة إلَى الأخلاق، وما فيها من خصالً الرحمة والرفق وغيره.


الطَّيْر والنَّمْلُ تَنَعمَ بًأَخْلاقً الإًسلامً


الطيور لامست أخلاق النبوةً، والإسلام عالَج مشكلة نَملة بالأخلاق، فانظر إلَى ما رواه أبو داود في سننه (2675، 5286) بسند صحيح من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ فًي سَفَر فَانْطَلَقَ لًحَاجَتًهً، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانً، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ» فَجَعَلَتْ تَفْرًشُ، فَجَاءَ النَّبًيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذًهً بًوَلَدًهَا ؟»، رُدُّوا وَلَدَهَا إًلَيْهَا، وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلي قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذًهً؟»، قُلْنَا: نَحْنُ، قَالَ: «إًنَّهُ لا يَنْبَغًي أَنْ يُعَذًّبَ بًالنَّارً إًلا رَبُّ النَّارً». هذه هي الأخلاق مع الطير، وهكذا تكون الأخلاق مع هذه النملة، فكيف تكون الأخلاق مع الناس عامة، وما هي الأخلاق التي نعامل بًها المسلمين خاصة.


مُتَابعةُ النَّبًيًّ صلى اللهُ عليه وسلم فًي أَخلاقًهً


متابعة صاحب الْخُلُقً العظيمً هًي الطريق الأوحد، والسبيلُ إلَى التَّحَلًّي بالأخلاق، قال تعالَى: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نَهاكم عنه فانتهوا) (الحشر: 7)، وقال تعالَى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لًمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب: 21). قال ابن كثير: هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم فًي أقواله، وأفعاله، وأحواله. لقد كان حكيماً في دعوته قال تعالَى: (ادْعُ إًلًى سَبًيلً رَبًّكَ بًالْحًكْمَةً وَالْمَوْعًظَةً الْحَسَنَةً وَجَادًلْهُم بًالَّتًي هًيَ أَحْسَنُ ) (النحل: 125)، ورحيما بأمته كما قال تعالَى: (لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولي مًّنْ أَنفُسًكُمْ عَزًيز عَلَيْهً مَا عَنًتُّمْ حَرًيص عَلَيْكُمْ بًالْمُؤْمًنًينَ رَؤُوف رَّحًيم) (التوبة: 128)، ليناً فًي تعامله مع الْمُؤمنين، ليس بالفظ ولا بالغليظ الذي يُنَفًّرُ الناسَ عن دين الله، قال تعالَى فًي وصف رفقه وتعامله: (فَبًمَا رَحْمَةي مًّنَ اللَّهً لًنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلًيظَ الْقَلْبً لاَنْفَضُّواْ مًنْ حَوْلًكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ) (آل عمران: 159).


أَخْلاقُ القَوالًبً وَالأَحْزابً


إخواني إن الأمر عظيم، وإن الْخطب جسيم، لًما نراه من أنواع السلوك الذي ينسب إلَى الإسلام زوراً وَبُهتانا، والأخلاق الْمذمومة التًي اتخذت دينا، فتهاجر المسلمون وتحاسدوا، وتباغضوا، واختلفت القلوب، وهم في ذلك على صنفين، الصنف الأول: وقع فيه من أجل الدنيا، وهذا حال بعض عوام المسلمين، والصنف الثانَي: نسب تلك الأخلاق الْمذمومة إلَي الدين، وافترى كذباً عندما جعلها خُلُقاً لسيد الْمُرسلين، فاتخذها ديانة، وأسوته فًي ذلك الشيطان، قال تعالَى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) (النور: 21).


إن الكـريْمَ إذا تَمكن من أذى

جاءته أخلاق الكـرام فَأَقْلَعَا

وترى اللَّئيم إذا تَمكن من أذى

يَطْغَى فلا يبقى لصلح مَوْضًعَا


وذهب يخاصم ويهجر كيفما شاء علَى منهج خطه من ذهنه، ووضع نفسه فًي قالب، يريد من عباد الله أن يعيشوا وًفْقَ هَواهُ، ويُحْشروا فًي قالبه الضيق، وحياته التحذير من طلبة العلم، والقدح بأهل العلم عندما يخالف الأمر هواه، ويطالب السُذَّجَ مًمَّنْ يَسْمَعُ لَهُ ويتبع علَى غير هدى من الله، بًهجر حلق العلم ـ علم الكتاب والسنةـ، حتى لا تُسرق الأضواءُ مًنهُ، وقيل فًي الأمثال: (ومن ساءت أخلاقه» طاب فراقه)، فيبقى وحيداً طريداً، وهذا اتباعي للهوى عافانا الله وإياكم من الضلال وسوء الْخصال.


الْخَيْرُ فًي إًسْلام نَقيّ بًلا قَوالب


قال تعالَى: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم) (الحجرات:12)، وروى البُخاريُّ (6066)، وَمُسْلم (2563) فًي صَحيحيهما مًنْ حديثً أَبًي هُرَيْرَةَ رَضًيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «إًيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإًنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدًيثً، وَلا تَحَسَّسُوا، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عًبَادَ اللَّهً إًخْوَانًا». وَفًي رواية فًي الصحيح: «لا تَقَاطَعُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا إًخْوَانًا كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ». والتجسس: هو البحث عن عيوب الناس، وقد نَهى الله تعالَى عن البحثً عن الْمستورً من أمور الناس، وتتبع عوراتًهم، حتى لا يظهر على ما ستره الله منها، وقال تعالَى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون) (الحجرات: 10)، وهي أخوة الدين لا أخوة النسب والوطن كـ (العائلة أو العشيرة أو القبيلة،) أو أخوة الْمُواطنة كـ (الحي أو القرية أو البلد)، فإن أخوة الدين هي الأخوة الْحقيقيةً، ولذا هًي أعظم وأمكن من أخوة الوطن والنسب، فإن أخوة الوطن والنسب عرضة للانقطاع بًمخالفة الدين وأخوة الدين لا تنقطع بًمخالفة الْمَوطن والنسب. ولنا أيضاً ما رواه البُخاريُّ (6076)، وَمُسْلمي (2559) فًي صَحيحيهما مًنْ حديث أَنَسً بْنً مَالًك، أَنَّ رَسُولَ اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ قَالَ: «لا تَبَاغَضُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عًبَادَ اللَّهً إًخْوَانًا، وَلا يَحًلُّ لًمُسْلًم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاث». وَفًي رواية لًمسلم: «ولا تقاطعوا». وأختم بدعاء رواه مسلم فًي صحيحه (771) عند الاستفتاح في الصلاة، عَنْ عَلًيًّ بْنً أَبًي طَالًب رَضًيَ اللهُ عنه، فًي الحَدًيثً الطَّويل عَنْ رَسُولً اللَّهً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهً وَسَلَّمَ، أَنَّهُ كَانَ إًذَا قَامَ إًلَى الصَّلاةً قَالَ: الحديث وفيه «وَاهْدًنًي لأَحْسَنً الأَخْلاقً» لا يَهْدًي لأَحْسَنًهَا إًلا أَنتَ، وَاصْرًفْ عَنًّي سَيًّئَهَا» لا يَصْرًفُ عَنًّي سَيًّئَهَا إًلا أَنْتَ».


د. عبد العزيز بن ندَى العتيـبي


تاريخ النشر: الاثنين 28/5/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:23 PM
النصيحة

هي عماد الإسلام وقوامه





كتب:د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

سأذكر حديثا ذهب بعض اهل العلم الى انه احد الاحاديث الاربعة التي عليها مدار الاسلام فيكون هذا ربع الاسلام، وذهب اخرون الى ان فيه الدين كله، وما من حكم الا وهو داخل فيه، روى مسلم في صحيحه (55) من حديث تميم الداري رضي الله عنه، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الدين النصيحة» قلنا: لمن؟ قال: «لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم»، وبه ختم البخاري رحمه الله تعالى كتاب الايمان في صحيحه بقوله: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ان الدين النصيحة لله ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم»، لانه حديث عظيم جليل، عليه مدار الاسلام، وذكره معلقا لان سهيلا بن ابي صالح ـ ذكوان السلمان ـ احد الرواة ليس على شطره. ولاهميته كما ذكرنا جعل البخاري موضعه ومكانه في كتابه الصحيح في كتاب الايمان.

ومعنى الحديث: قوله: «الدين النصيحة»: اي عماد الدين وقوامه، وقوله: «لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم».

أولا النصحية لله تعالى: هي الايمان بالله والعمل بالتوحيد ونفي الشرك، على الوجه الذي ارسل به الرسل، وبالنصيحة لله جاءت المرسلون، قال نوح عليه السلام في دعوته: (أبلغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون) (الاعراف: 62) وقال هود عليه السلام: (أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين) (الاعراف:68)، وقال صالح عليه السلام: (لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين) (الاعراف: 79).

ثانيا والنصيحة لكتابه: باب واسع منها الإيمان بانه كلام الله والعمل بما حواه

ثالثا والنصيحة لرسوله صلى الله عليه وسلم: منها الايمان انه امين على الوحي، ومحبته واتباعه وطاعته واحياء سنته ونشر دعوته.

المناصحة لأئمة المسلمين


رابعا والنصيحة لائمة المسلمين: النصيحة لأئمة المسلمين مفهومة بالمناصحة في الدين والدنيا واعانتهم على مصالح المسلمين، وهي معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه وامرهم به، وتنبيههم وتذكريهم برفق ولطف واعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم وتآلف قلوب الناس لطاعتهم. قال ابن منده في كتاب الايمان (423/1): واما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم ورشدهم وعدلهم، واجتماع الامة عليهم، وكراهية افتراق الائمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله والبغض لمن اراد الخروج عليهم. وروى احمد في مسنده (183/5)، وابن حبان في صحيحه (270/1) من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاث خصال لا يغل عليهن قلب مسلم ابدا، اخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الامر، ولزوم الجماعة، فان دعوتهم تحيط من ورائهم»، وهو صحيح، وقال الخطابي رحمه الله: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات اليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم، اذا ظهر منهم حيف، او سوء عشرة، وان يدعى لهم بالصلاح، وروى مسلم في صحيحه (1715) من حديث ابي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ان الله يرضى لكم ثلاثا، ويكره لكم ثلاثا، فيرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، واضاعة المال»، ورواه احمد في المسند (367/2) بلفظ: «ان الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا من ولاة امركم» الحديث، وقال شيخ الاسلام في مجموع الفتاوى (18/1): فقد جمع في هذه الاحاديث بين الخصال الثلاث اخلاص العمل لله، ومناصحة اولي الامر، ولزوم جماعة المسلمين، وهذه الثلاث تجمع اصول الدين وقواعده، وتجمع الحقوق التي لله ولعباده، وتنتظم مصالح الدنيا والاخرة. أ. هـ.


المناصحة لعامة المسلمين


خامسا والنصحية لعامة المسلمين: قال ابن منده: وأما النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويفرح بفرحهم ويحزن بحزنهم، ويحب صلاحهم، وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، أهـ والادلة في ذلك أشهر من ان تذكر ومنها: قوله تعالى:(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض) (التوبة: 71)، وقوله: (إنما المؤمنون إخوة) (الحجرات: 10) وقوله (وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) (العصر: 3) ومن الاحاديث ما رواه البخاري (13) ومسلم (45) في صحيحيهما من حديث انس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخيه ما يحب لنفسه»، وروى البخاري (6011) ومسلم (2586) في صحيحيهما من حديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد اذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» والاحاديث في مثل هذا كثيرة جدا، ولعلنا نتعرض لمعاني الحديث في موضع آخر، ولكن بما انه من المعلوم ان حق المسلمين علينا بالاجتماع، ومناصحة من ولاه الله امرنا، فلاتنال مصالح العباد الا بالاجتماع والائتلاف ذكرنا بعض الفوائد في هذا الباب، والحمد لله رب العالمين.


تاريخ النشر: الاثنين 3/7/2006

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية

عماد عبد القادر
11-09-2010, 08:25 PM
وضوح الهوية والطريقة حتّى لا تضيع الحقيقة




د. عبدالعزيز بن ندى العتيبي


الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعدُ:

نرى دعوات وتجمعات هنا وهناك، بعضها يعلن الباطل عيانا، وبعضها يذهب إلَى عدم الوضوح فًي دعواه، يُغَيّر الطريقة والمنهاج بتغير الزمان والمكان، لا تَسير علَى ما رَسَمه الأنبياء من جعل توحيد الله هو الغاية، وحتى لا تضيع الحقيقة ونضل الطريق المستقيم، وكي لا تُنسى دعوة الأنبياء والمرسلين» لا بد من وضوح الْهَوية، وبيان الحق فًي عالَمي رفع كل الشعارات، فالدعوة إلَى توحيد الله، ونبذ الشرك بأنواعه» هو ديننا، وهويتنا، وشعارنا، ورمزنا، قال تعالَى:(قُلْ هَذًهً سَبًيلًي أَدْعُو إًلَى اللَّهً عَلَى بَصًيرَة أَنَا وَمَنً اتَّبَعَنًي وَسُبْحَانَ اللَّهً وَمَا أَنَا مًنَ الْمُشْرًكًينَ )[يوسف:108]، وقال تعالَى:( وَمَنْ أَحْسَنُ دًينًا مًمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لًلَّهً وَهُوَ مُحْسًن وَاتَّبَعَ مًلَّةَ إًبْرَاهًيمَ حَنًيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إًبْرَاهًيمَ خَلًيلا )[النساء: 125].

الزيادة والتحريف سبب للانحراف


أنعم الله علينا بًمعرفة أركان الإيمان، وحدود الإسلام ومعالًمه، فقد روى البخاري(50)، ومسلم(9) في صحيحيهما من حديث أبًي هريرة رضيَ الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس، فأتاه رجل، فقال: يا رسول الله! ما الإيمان؟ قال: »أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ولقائه، ورسله، وتؤمن بالبعث، وتؤمن بالقدر كله«، قال: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: »الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان«، قال: يا رسول الله! ما الإحسان؟ قال: »أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك فإن لَم تكن تراه فإنه يراك«، قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: »ما المسؤول عنها بأعلم من السائل» ولكن سأحدثك عن أشراطها، إذا ولدت الأَمَة رَبتها» فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس، فذاك من أشراطها، وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان فذاك من أشراطها، في خمس لا يعلمهن إلا الله«، ثُمَّ تلا صلى الله عليه وسلم: (إًنَّ اللَّهَ عًنْدَهُ عًلْمُ السَّاعَةً وَيُنَزًّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فًي الأَرْحَامً وَمَا تَدْرًي نَفْس مَاذَا تَكْسًبُ غَدًا وَمَا تَدْرًي نَفْس بًأَيًّ أَرْض تَمُوتُ إًنَّ اللَّهَ عَلًيم خَبًير )[لقمان :34]، قال ثم أدبر الرجل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »ردوا على الرجل«، فأخذوا ليردوه، فلم يروا شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم».


لًماذا لا نجد الحقيقة فًي حروف الْمُوجهين؟!


وجاء البيان الوافًي فًي كتاب اللهً عز وجل، وعلَى لسان نبيه أن الإحداث في الدين باب شر على هذه الأمة، وخلط للحق بالباطل، وفيه ضياع لكل حقيقة، فقال تعالَى فًي ذم الزيادة والتحريف:( فَبًمَا نَقْضًهًمْ مًيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسًيَةً يُحَرًّفُونَ الْكَلًمَ عَنْ مَوَاضًعًهً)[المائدة: 12]، وقال تعالَى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مًنَ الدًّينً مَا لَمْ يَأْذَن بًهً اللَّهُ )[الشورى:21]، وروى البخاري (2697)، ومسلم (1718) في صحيحيها من حديث عائشة رَضًيَ اللهُ عنها قالت: قال رسولُ اللَّهً صلى الله عليه وسلم: »مَنْ أَحْدَثَ فًي أَمرًنا هذا ما ليس فيهً فهو رَدّ«، وفًي رًواية لًمسلم فًي صحيحه (1718): »مَنْ عمًلَ عملاً ليسَ عَلَيهً أَمْرُنَا فهوَ رَدّ«، وروى أحمد في المسند(4/126)، وأبو داود في سننه (4607) ما صح من حديث العرباض بن سارية، عن رسولً اللَّهً صلى الله عليه وسلم قال: »فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وَعَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كُلَّ مُحدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة».

فكل دعوة أتت بزيادة أو نقصان أو جنحت إلَى تحريف البيان فًي دين الإسلام، علَى علم منها أو بدافع الجهل» لأهداف رهبانية، أو سياسة، أو لعداوات موروثة، فقد حرفت الحقائق التي جاء بًها الوحي من السماء، وكل فرقة لَم تجعل التوحيد غايتها وأصل دعوتًها» فقد أتت علَى دعوة الأنبياء بالتحريف والتبديل.


تاريخ النشر: الاثنين 3/12/2007

الإبانة - جريدة الوطن الكويتية