{منتديات كل السلفيين}

{منتديات كل السلفيين} (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/index.php)
-   منبر الرد على أهل الأهواء و الشيعة الشنعاء (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/forumdisplay.php?f=18)
-   -   شبهة مجافاة منهج السلف لتحفيظ القرآن والرد عليها (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=73032)

ابوعبد المليك 04-02-2019 07:51 PM

شبهة مجافاة منهج السلف لتحفيظ القرآن والرد عليها
 


لما كان منهج السلف قائمًا على القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة؛ كان أتباع هذا المنهج أشدَّ الناس حرصًا على حفظ القرآن الكريم، يؤثرونه على كل شيء، ولا يقدِّمون عليه شيئًا؛ رغبةً في تزكية نفوسهم، وتحقيقًا لقوله سبحانه: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} [العنكبوت: 49]، يقول الحسن البصري في تفسيرها: “القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم، يعني: المؤمنين”([1])، وتحصيلًا للدرجات العلا من الجنة، والتي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن تحصيلها بحفظ القرآن الكريم وتدبرُّه والعمل به فقال: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا»([2]).

يقول التوربشتي: “وصاحب القرآن: هو الملازم له بالهمة والعناية، ويكون ذلك تارة بالحفظ والتلاوة، وتارة بالتدبر له والعمل به”([3]).

وقوله: «اقرأ وارتق» أي: اقرأ ما كنت تحسنه من القرآن، وارتق بقدره في درجات الجنان؛ قيل: درج الجنة بعدد أي القرآن، والقراء يتصاعدون بقدرها، فمن قرأ مئة آية مثلًا كان منزله عند آخر آية يقرؤها، وهي المئة من الدرجات، ومن حفظ جميع القرآن كان منزله الدرجة الأقصى من درجات الجنان، وهذا للقارئ الذي يقرؤه حقَّ قراءته، وهو أن يتدبَّر معناه، ويأتي بما هو مقتضاه، لا الذي يقرأ والقرآن يلعنه([4]).

وقد امتثل الصحابة الكرام -رضي الله عنهم- ذلك؛ فكانوا لا يجاوزون عشر آيات من القرآن حفظًا حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل؛ يقول أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا من كان يُقرئنا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يقترئون من رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل، قالوا: فعلِمنا العلم والعمل([5]).

ومع وضوح منهج السلف في هذا الأمر، وشيوعه في كل عصر ومصر؛ فقد نشأ في زماننا -ممن تأثر بالدعوات الاستشراقية الغربية- من يزعم مجافاة منهج السلف لتحفيظ القرآن الكريم.

وفي هذه المقالة دحض لتلك الشبهة، وبيان قوَّة ارتباط منهج السلف بالقرآن الكريم والاعتناء بتحفيظه، والتحذير من التهاون فيه والتشاغل عنه، ولو بالحديث النبوي الشريف، أو بعلوم الشريعة الأخرى.

القرآن الكريم سبيل تأديب الصغار:

لقد عدَّ السلفُ -رضي الله عنهم- تحفيظَ القرآن الكريم وتعليمَه سبيلًا لإصلاح الصغار وتأديبهم، يقرِّبونه إليهم، ويروِّضونهم عليه، فلا يكرهونهم على تعلُّمه فيصيبهم الملل والضَّجَر، ولا يتركونهم فيهجُروا القرآن ويجفوه، وبهذا جاءت وصايا الأئمة لمؤدِّبي الأطفال.

فهذا الإمام الشافعي يوصِي مؤدِّب أولادِ هارون الرشيد بتعليمهم القرآن الكريم؛ فيروي نهشل بن كثير عن أبيه كثير قال: أُدخل الشافعيّ يومًا إلى بعض حُجَر هارون الرشيد ليستأذن على أمير المؤمنين، ومعه سراج الخادم، فأقعده عند أبي عبد الصمد مؤدِّب أولاد الرشيد، فقال سراج للشافعي: يا أبا عبد الله، هؤلاء أولاد أمير المؤمنين، وهو مؤدبهم، فلو أوصيته بهم. فأقبل الشافعيُّ على أبي عبد الصمد فقال له: ليكن أوّل ما تبدأ به من إصلاح أولاد أمير المؤمنين إصلاح نفسك؛ فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما تستحسنه، والقبيح عندهم ما تركته، علِّمهم كتاب الله، ولا تكرههم عليه فيمَلُّوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روِّهم من الشعر أعفَّه، ومن الحديث أشرفَه، ولا تخرجنَّهم مِن علم إلى غيره حتى يُحكموه، فإنَّ ازدحام الكلام في السمع مضَلَّة للفهم([6]).

أولوية حفظ القرآن قبل الحديث النبوي:

لقد كان السلف يبدؤون تعليم الصغار بتحفيظهم القرآنَ الكريم قبل الحديث النبوي، ويتدرجون في تحفيظه وتلقينه؛ مراعاةً لقدرات الصغار وتوافقًا مع استطاعتهم؛ فيبادرون بتعليمهم القرآن الكريم كلّه إلا أن يشقَّ عليهم؛ يقول الميموني: سألت أبا عبد الله [يعني: الإمام أحمد بن حنبل]: أيهما أحبّ إليك: أبدأ ابني بالقرآن أو بالحديث؟ قال: لا، بالقرآن، قلت: أعلمه كلّه، قال: إلا أن يعسَّر فتعلِّمه منه. ثم قال لي: إذا قرأ أولًا تعوَّد القراءة، ثم لزمها([7]).

وفي استثناء الإمام أحمد بقوله: “إلا أن يعسر فتعلمه منه” بيان أن الأصل هو تعليم الصغار القرآن الكريم كله، إلا أن يشقَّ عليهم ذلك، فيقتصر على ما يلائم قدراتهم ويناسب أسنانهم.

وقد استمرَّ فعل السلف على هذا النحو إلى وقت الناس هذا؛ يقول الإمام ابن مفلح (ت 763هـ): “وعلى هذا أتباع الإمام أحمد إلى زمننا هذا”([8])، ولم تنقطع عادة العلماء والمؤدبين والمصلحين في ذلك إلى وقت الناس هذا.

ولعلَّ انتشار مدارس تحفيظ القرآن الكريم في ربوع العالم كله خيرُ شاهد على تحقيق موعود الله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9].

تقديم حفظ القرآن على سماع العلم:

القرآن الكريم هو بوَّابة العلم؛ لذا كان السلف يقدِّمون تحفيظه للطالب على سماع الحديث والفقه، فإذا أتمَّ الطالب حِفظ كتاب الله فإنه يُعطى من الحديث والفقه وغيرهما من العلوم النافعة، مع توخِّي الحذَر أن يطغَى الاشتغال بذلك على حفظِ كتاب الله تعالى، فيعرِّضه للنسيان.

ولهذا يقول الإمام النووي: “وأوَّلُ ما يبتدئ به حفظُ القرآن العزيز؛ فهو أهمُّ العلوم، وكان السلف لا يعلِّمون الحديث والفقه إلا لمن حفِظ القرآن، وإذا حفظه فليحذَر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالًا يؤدِّي إلى نسيان شيءٍ منه، أو تعريضه للنسيان”([9]).

ويقول ابن جماعة في بيان آداب طالب العلم: “أن يبتدئ بكتاب الله العزيز، فيتقنه حفظًا، ويجتهد على إتقان تفسيره، وسائر علومِه؛ فإنه أصلُ العلوم وأمُّها وأهمها”([10]).

وقد بلغ من شدة حرص السلف -رضي الله عنهم- على تحفيظ القرآن الكريم أنهم كانوا يمنعون الصغارَ من حضور مجالس العلم قبل أن يتمُّوا حفظ كتاب الله تعالى؛ ويختبروا إتقانهم له؛ يقول الوليد بن مسلم: كنا إذا جالسنا الأوزاعي فرأى فينا حدَثًا، قال: يا غلام، قرأت القرآن؟ فإن قال: نعم، قال: اقرأ: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11]، وإن قال: لا، قال: اذهب؛ تعلم القرآن قبل أن تطلب العلم“([11]).

وبعضهم كان يستقرئ الغلمان بعضَ القرآن قبل إلقاء الحديث عليه؛ يقول أبو هشام الرفاعي: كان يحيى بن يمان إذا جاءه غلام أمرد استقرأه رأس سبعين من الأعراف، ورأس سبعين من يوسف، وأوَّل الحديد، فإن قرأه حدَّثه، وإلا لم يحدثه”([12]).

ومنهم من يمنعه وليُّه من الرحلة والسَّفر في طلب الحديث والعلم حتى يتمَّ حفظ كتاب الله تعالى كاملًا ويقرأه عن ظهر قلب؛ فهذا محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة (ت 311هـ) يرغب في السفر لطلب الحديث من قتيبة بن سعيد، فلا يأذن له أبوه حتى يتم حفظ كتاب الله تعالى؛ يقول محمد بن الفضل بن محمد بن إسحاق بن خزيمة: سمعت جدي يقول: استأذنت أبي في الخروج إلى قتيبة، فقال: اقرأ القرآن أولًا حتى آذن لك؛ فاستظهرتُ القرآن، فقال لي: امكث حتى تصلِّي بالختمة؛ ففعلت، فلما عيَّدنا أذن لي فخرجتُ إلى مرو، وسمعت بمرو الروذ من محمَّد بن هشام -يعني: صاحب هشيم- فنعي إلينا قتيبة”([13]).

وقد أبرز شيخ الإسلام ابن تيمية منزلةَ حفظ القرآن الكريم ومكانته في جوابه عن مسألة رفِعت له: أيما طلب القرآن أو العلم أفضل؟ فأجاب بقوله: “أما العلم الذي يجب على الإنسان عينًا كعلم ما أمر الله به وما نهى الله عنه فهو مقدم على حفظ ما لا يجِب من القرآن، فإن طلب العلم الأول واجب، وطلب الثاني مستحبّ، والواجب مقدَّم على المستحب.

وأما طلب حفظ القرآن فهو مقدَّم على كثير مما تسميه الناس علمًا وهو إما باطل، أو قليل النفع.

وهو [أي: القرآن] أيضًا مقدَّم في التعلُّم في حقّ من يريد أن يتعلَّم علم الدين من الأصول والفروع؛ فإن المشروع في حقِّ مثل هذا في هذه الأوقات أن يبدأ بحفظ القرآن، فإنه أصل علوم الدين، بخلاف ما يفعله كثير من أهل البدع من الأعاجم وغيرهم، حيث يشتغل أحدهم بشيء من فضول العلم، من الكلام، أو الجدال والخلاف، أو الفروع النادرة، والتقليد الذي لا يحتاج إليه، أو غرائب الحديث التي لا تثبت، ولا ينتفع بها، وكثير من الرياضيات التي لا تقوم عليها حجة، ويترك حفظ القرآن الذي هو أهم من ذلك كله”([14]).

الأمر بتعهُّد القرآن والتحذير من نسيانه:

لقد حضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على درس القرآن الكريم وتعاهده، والمواظبة على تلاوته، والتحذير من تعريضه للنسيان؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «تَعَاهَدُوا القُرْآنَ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا»([15])، والمعنى: تفقَّدوا القرآن بالذكر، واستحضاره في القلب، وحفظه عن النسيان بالتلاوة([16]).

ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يراجعون القرآن ويتذاكرونه خشيةَ نسيانه؛ فعن خيثمة قال: انتهيت إلى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو ينظر في المصحف، قال: قلت: أي شيء تقرأ في المصحف؟ قال: حزبي الذي أقوم به الليلة([17]).

يقول الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: “فإذا رزقه الله تعالى حفظَ كتابه، فليحذر أن يشتغل عنه بالحديث، أو غيره من العلوم اشتغالًا يؤدي إلى نسيانه”([18]).

فمن فرَّط في حفظ القرآن الكريم وتشاغل عنه، فإنهم كانوا يحذِّرون منه ويتركونه؛ ألا ترى إلى موقف الإمام الذهبي وتحذيره من ابنه أبي هريرة عبد الرحمن؛ معللًا ذلك بأنه حفظ القرآن ثم تشاغل عنه حتى نسيَه([19]).

وفي جميع ما تقدَّم أبلغُ الردِّ على من زعم مجافاةَ منهج السلف لتحفيظ القرآن الكريم، ولله الحمد على نعمه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه، وسلم تسليمًا كثيرًا
.

https://salafcenter.org/3719/
ـــــــــــــــــــــ
(المراجع)

([1]) أخرجه الطبري في تفسيره (20/ 52).
([2]) أخرجه أبو داود (1464)، والترمذي (2914)، والنسائي في السنن الكبرى (8002)، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- وقال الترمذي: “حسن صحيح”، وصححه الألباني في “الصحيحة” (2240).
([3]) الميسر في شرح مصابيح السنة (2/ 499).
([4]) تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للبيضاوي (1/ 532-533).
([5]) أخرجه أحمد (38/ 466)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (1451)، وحسنه الشيخ شعيب في تحقيق المسند.
([6]) ينظر: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم (9/ 147).
([7]) ينظر: طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (1/ 214)، والآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (2/ 33).
([8]) الآداب الشرعية والمنح المرعية (2/ 33).
([9]) المجموع شرح المهذب (1/ 38).
([10]) تذكر السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم (ص: 166-167).
([11]) ينظر: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي (1/ 108).
([12]) ينظر: المرجع السابق.
([13]) ينظر: طبقات علماء الحديث لابن عبد الهادي (2/ 443)، وتذكرة الحفاظ للذهبي (2/ 209).

([14]) الفتاوى الكبرى لابن تيمية (2/ 234-235).
([15]) أخرجه البخاري (5033)، ومسلم (791)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.
([16]) ينظر: الميسر في شرح مصابيح السنة للتوربشتي (2/ 507).
([17]) أخرجه ابن أبي شيبة (6/ 143).
([18]) الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (1/ 108).
([19]) ينظر: الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ للسخاوي (ص: 488).


الساعة الآن 03:02 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.