{منتديات كل السلفيين}

{منتديات كل السلفيين} (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/index.php)
-   منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/forumdisplay.php?f=52)
-   -   [ تفريغ ] حلقات برنامج فقه الصيام (على قناة الأثر) - علي الحلبي (http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/showthread.php?t=19317)

أم زيد 07-27-2010 05:08 PM

[ تفريغ ] حلقات برنامج فقه الصيام (على قناة الأثر) - علي الحلبي
 
بسم الله الرحمن الرحيم

«فِقْـه الصِّيـامِ»
-مِن برامِجِ قَناةِ الأثرِ الفَضائِيَّةِ(رمضان1430هـ)-

للشَّيخ علي بن حسن الحلبيِّ
-حفظهُ اللهُ-
[الحلقة الأولى]
تفريغ: أم زيد

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فهذا لقاء يتجدَّد بالخيرِ -إن شاءَ اللهُ- في هذا الشَّهر المبارَك، في هذا الشَّهر العَظيم؛ شهر رَمضان المبارَك، نتناولُ في هذا البرنامج فقهَ وأحكامَ وفضائلَ الصِّيام، وما تمسُّ الحاجةُ إليه مِن أمورٍ يَنتفعُ بها المُسلِم -عامَّة-، والصَّائمُ -خاصَّة-.

فأسأل اللهَ -عزَّ وجلَّ- أن ينفعَ بِنا، وأن ينفعَ بما نُقدِّم؛ إنه -سُبحانَهُ- وليُّ ذلِك، والقادِر عَليهِ.

وأول ما نبتدئ به: نذكر معلوماتٍ عامَّة مهمَّة عن شهرِ رَمضان وعن الصِّيام.
فأول ذلِك:

معنى كلمةِ «الصِّيام»:

يُقال: الصِّيام، ويُقال الصَّوم، والمَقصُود مِن الصِّيام -مِن النَّاحية اللُّغَوية- هو: الامتِناع؛ يُقَالَ: صام فُلان عن الكَلام؛ يعني: امتَنع عن الكَلام؛ كما في قَولِهِ -تَعالَى-فيما وَرد في كتابِه-عزَّ وجلَّ-: {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا} [مريم: 26] ما علاقَة الصَّوم بعدم الكَلام؟ هو الامتِناع؛ فالصَّوم -ها هُنا- المَقصُود به الصَّوم في اللُّغة، وليس المَقصُود به الصَّوم القائم في الأذهَان بالمعنى الشَّرعي.

أما الصَّوم أو الصِّيام بالمعنى الشَّرعي: فهو الإِمسَاك والامتِناع عن المُفَطِّرات الَّتِي نهانا الله -تَعالى- عنهَا وبيَّن لها في كتابه أو على لِسَان رسوله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أنها تنقض الصَّوم وتُبطله وتُفسده، وهذا الامتِناع له أوقات، له بداية، وله نهاية، أما بِدايته: فمِن طلوع الفَجر إلى غروب الشَّمس.

وسيأتينا -في ذلِك- مزيد بيانٍ -إن شاءَ اللهُ-تَعالَى-.

نقطة أخرى: أن الصِّيام -أعني صِيام رَمضان- ركنٌ مِن أركان الإسلام، كما قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «بُني الإسلامُ على خمسٍ: شهادةِ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وأن محمدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة، وصومِ رَمضان، وحجِّ البيتِ مَن استطاعَ إليه سبيلًا»، وهنالك رِواية فيها تقديمُ الحج على الصَّوم؛ فهذه إشارة أن الصَّوم ركن مِن أركان الإسلام، ومبنًى من مَبانيه العظام.

اتَّفق أهل السِّيَر والتَّاريخ أن الصِّيام فُرض على أمَّة الإسلام في السَّنة الثَّانية للهجرة.
وقَالَ الإِمام ابن القيم -رَحِمهُ اللهُ-: «توفي رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- وقد صام تسعةَ رَمضانات».

وبمناسبة الجمع -جمع رَمضان؛ رَمضانات-: ذكر أئمة اللُّغة عدَّة جُموع لكلمة رَمضان؛ فقَالَوا: رَمضان، وقَالَوا: رَمضانات، وقَالَوا: رَمَضانُون، وقَالَوا: أرمُض، وقَالَوا: أرمِضَة، وقَالَوا: أرمِضَاء.

هذه بعضُ الجموع نذكُرها للفائدة لجَمع كلمة رَمضان -أو اسم (رمضان)- كما ذكر أهلُ اللُّغة في كتبهم وفي معاجمهم.

نقطة أخرى: أن الصِّيام -أعني: صيام الفَريضَة- مرَّ بمَراحل:

المرحلةُ الأولى: كان المفروضُ -فقط- صيامَ عاشُوراء، وهو اليَوم العاشر من شهر المحرَّم.

فوَرد في «صحيح البخاري»: عن عائِشَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهَا- قَالَت: كان رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أمر بصِيام عاشُوراءَ، فلما فُرض رَمضان؛ كان مَن شاء صام، ومَن شاءَ أفطَر.

إذن قوله بالتَّخيير -في آخره-؛ دلَّ على أنه ليس على التَّخيير في أوله.

فأول ما فُرض عاشُوراء لم يكن فيه خيار، وكان مفروضًا، وكان هو اليَومَ الواجبَ صَومُه مِن أيَّام العام، فلما فُرض رَمضان؛ جاء بديلًا لذلِك اليَوم، وبقي عاشُوراء مستحبًّا؛ بل عملًا فاضلًا؛ لكنه متعلِّق بالخيار: «مَن شاء صام، ومَن شاء أفطر».

أما الأمر الثَّاني -وهو المتعلِّق بالمرحلة الثَّانية مِن مراحل وجوبِ الصِّيام-؛ فهو: التَّخيير بين الصِّيام والفِدية.

أُمر بالصِّيام؛ لكن: لم يكنْ أمرًا حتمًا، كان مِن قدر على الصِّيام صام، ومَن لم يقدر؛ حينئذٍ يستطيع أن يفديَ؛ بأن يُقدم طعامًا للفقراء، أو المساكين؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] في هذا إشارة إلى أن الأمر متعلِّق بالخيريَّة {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} يعني: إذا فَدَيتم؛ فهذا خير، لكن: إذا صُمتُم؛ فهذا خير لكم وأفضل.

وذهب بعضُ أهل العِلم إلى أنَّ في الأمر ناسخًا ومنسوخًا ومُتعلَّقات حُكميَّة، لا نريد أن نُطوِّل القولَ فيها، وأن نفصِّل الكَلام بِشأنها؛ فنحن خطَّتنا في هذا البرنامج الاختِصار، وإعطاء الإخوة المشاهدين والأخوات المُشاهِدات زُبَد مواضيعِ هذا الشَّهر الكريم؛ حتى يتواصَلوا فيها، ويتواصلوا معنا بشأنها؛ تفقُّهًا في دين الله، وتسهيلًا لأحكام الله -تَبارَك وتَعالَى-.

ثم جاء الحُكم الحازم بفرض شهر رَمضان على الإلزَّام وعلى التَّعيين، على كل قادِر؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {فَمَنْ شَهِدَ منكُم الشَّهر فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185] {فَلْيَصُمْهُ}: فِعل أمر، والأصْل في فعل الأمر أنه واجب.

أيضًا: لا بُد أن نذكرَ شيئًا حول كلمة (شهر رَمضان): ما معنى (شهر)؟ وما معنى (رمضان)؟

ذكرنا ما معنى الصَّوم والصِّيام، ما معنى (شهر رمضان)؟

نحن -كما في كتاب الله- نقول: {شَهْرُ رَمضان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرآن} [البقرة: 185] ونقول: (دخل شهر رَمضان).

ما معنى كلمة (شهر)؟ وما معنى كلمة (رَمضان)؟

(الشَّهر): من الشُّهرة والاشتِهار، وسمَّى العربُ الشَّهر شَهرًا لاشتهارِه، ولوقوف كثير من حاجاتهم ومعاملاتِهم وسُلوكهم عَليهِ -سواء البيع والشِّراء، ومواعيد ذلِك، ومواعيد الأداء والوفاء والسَّداد، مواعيد الحج، مواعيد الصِّيام.. إلى آخر هذه الأمور-؛ فسُمِّي الشَّهر شَهرًا مِن هذا الباب.

أما (رَمضان) فشهر رَمضان سمي بـ(رَمضان) لعدة وجوه أو لواحدٍ مِن الوجوه الَّتِي ذَكرها بعض أهل العِلم:

أولًا: يُقال: رَمَضَ؛ يعني: اشتدت حرارة الشَّمس فأثَّرت على الرَّمل أو على الحصـى؛ لذلِك يُقال: (حر الرَّمضاء)؛ فالرَّمضاء هي الحرارة الشَّديدة الَّتِي تُصيب الأرض وما عَليهِا من حجارةٍ ومِن حصى ومِن رمل ومِن تراب وغير ذلِك.

ثم نقول: هذا أصل المعنى اللُّغَوي.

أمَّا السَّبب: فذَكَر فيه أهل اللُّغة وجهَين:

أما الوجه الأول: فذكروا أنه سُمي رَمضان؛ لأن الذُّنوب تُرمَض فيه رَمْضًا، ومِن معاني الرَّمَض أو الرَّمضاء: هو الاحتراق؛ أي: تُحرق الذُّنوب احتراقًا، ولا يَبقى منها شيء -لا في قليل، ولا في كثير-بإذن الله-تباركَ وتَعالى-، كما قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «رَمضان إلى رَمضان كفَّارة لما بينهما».

وأيضًا: قيل قول آخر: وهو أن أوَّل فرضِ رَمضان وافق زمَنَ حرٍّ.

معروف أن الشُّهور تتبدَّل بحسب العوامِل الجويَّة؛ يعني: رَمضان -في هذا العام- يأتينا -إذا أحيانا المولى -عزَّ وجلَّ- في موسِم حرارة، قبل بضع سَنوات كان يأتينا في موسِم بُرودة، وفي مَوسِم رِقَّة ولُطف، ونحن نَستعين بالله -عزَّ وجلَّ- على القِيام بهذا الواجِب الذي أمرنا الله -تَعالَى- به، وأمرنا به رسولهُ الكريم -صلى الله عَليهِ، وعلى آلِه، وصحبِه-أجمعين-.

فوافق -في الزَّمان الأوَّل- فرضُ هذا الشَّهر زمن حرٍّ؛ فسُمي رَمضان؛ لموافقتِه هذا الأمر.

هذان وجهان يَذكُرهما أهلُ العِلم في باب تسمية رَمضان.

من باب الفائدة الزَّائدة؛ أقول:

روى البيهقي وغيره أن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قَالَ: «لا تَقولوا رَمضان؛ فإن رَمضان اسمٌ مِن أسماء الله، ولكن قُولوا: شهر رَمضان» وهذا حديثٌ ضعيف جدًّا؛ بل (موضوع)، حكم عَليهِ الإِمام ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات»؛ بأنه حديث موضوع؛ أي: مكذوب.

فعندما نقول: (هذا حديث موضوع)؛ أي: مكذوب، أي كذِب وافتراء على النَّبي -صلى الله-تعالى-عَليهِ وآله وسلم-؛ فحينئذٍ نقول: هذا حَديثِ لا يَجوز أن يُذكر وأن يُستدل به.

وقد ذكرنا الحَديثَ الضَّعيف والحَديثِ الموضوع؛ فنقول:

الأصْل أن لا يُستدَل بالحَديثِ الذي لا يَصِح، أو أن يُسنَد إلى رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-؛ فالرَّسُول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «إيَّاكم وكَثرةَ الحَديثِ عنِّي؛ إلا مَا عَلِمْتُموه صِدقًا وحقًّا، ومَن كَذَب عليَّ مُتعمِّدًا؛ فلْيَتبوَّأ مَقعدَهُ مِن النَّار».

إذن: شرطُنا؛ بل الشَّرط اللازم على كل مسلم، على كل طالِب علم، على كل عالِم: أن لا يَستدل عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- بحديث؛ إلا إذا كان الحَديثُ صَحيحًا ثابتًا، صحَّحه أئمةُ العِلم عبر القواعد الدَّقيقة، وعبر الأصولِ المُحكَمة الَّتِي خلَّفها لهم أئمةُ العِلم -قديمًا وحديثًا-.

أمَّا ما يُقال: بأنه يَجوز أن نَستدلَّ بالحَديثِ الضَّعيف في فضائلِ الأعمال، أو في التَّرغيب والتَّرهيب؛ فهذا قولٌ مَرجوح.

والصَّواب أن نقول: بأنه لا يُستدل بالحَديثِ الضَّعيف في شيءٍ -البتَّة-، لا في فضائل الأعمال، ولا في التَّرغيب والتَّرهيب، ولا في شيءٍ من ذلِك، والأمرُ كما قَالَ الإِمام عبدُ الله بن المبارَك: (في الحَديثِِ الصَّحيح غُنية عن الحَديثِ الضَّعيف).

نقطة أخرى -في هذا الباب-، وهي: مسألة التَّهنئة بشهر رَمضان:

إذا دخل رَمضان: ذكر بعض أهل العِلم؛ كالعلامة السُّيوطي في كتابه: «وصول الأماني في أصولِ التَّهاني» نقلًا عن الحافظ ابنِ رجب الحنبلي في كتابه «لطائِف المعارِف» قَالَ: (وقَد استدل العِلماء على جوازِ التَّهنئة بدخول رَمضان بقول النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-فيما صحَّ عنهُ-: «أتَاكُمْ شَهرٌ مُبارَك»؛ فقَالَوا: هذا لفظ يُفيد التَّهنئة والمبارَكة في هذا الشَّهر الكريم).

ونحن أدركنا مشايخَنا وعلماءنا وكُبراءنا إذا دخل رَمضان يقولُ أحدهم -باللَّهجة اليَسيرة الطبيعيَّة الفِطريَّة-: (بارك اللهُ لكم في هذا الشَّهر)! هو نفسُ التَّعبير النَّبوي؛ لكن بعبارةٍ ألطف، وبعبارةٍ -يعني- أكثر قبولًا لعامَّة النَّاس؛ وإلا فلفظُ رسولِ الله -عَليهِ أفضل الصَّلاة، وأتمُّ التَّسليم-: «أتاكُم شهرٌ مُبارَك».

وكما قلتُ وأكرِّر: استدل بعضُ أهل العِلم -كالسُّيوطي- نقلًا عن الحافظ ابن رجب الحنبلي -رَحِمهُ اللهُ- أن ذلِك مُتعلِّق بالمبارَكة وجَوازِها واستِنانِها -في هذا الأمر-.

وإذ الأمر كذلِك؛ فنقول لإخوانِنا المشاهِدين، وأخواتِنا المُشاهِدات -في كل مكان مِن هذا العالَم-العالم العربي، والعالَم الإسلامي، والعالم أجمع- نقول لهم -كما علَّمنا رسولنا الكريم -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «أتاكُم شَهرٌ مُبارَك»!

فبارك الله لنا ولكم -أجمعين- بهذا الشَّهر الكريم، وأعاننا الله -جميعًا- على صيامه وقيامه، والالتزام بهديه وفضائله وأحكامِه؛ إنه -سُبحانَهُ- ولي ذلِك والقادر عَليهِ.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعَلى آلِه، وصحبِه -أجمَعِين-، وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين، سائلًا ربي -سُبحانَهُ- أن يعيننا على الاستمرار في هذه الحلقاتِ النَّافعة -إن شاءَ اللهُ-.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة الأولى

أم زيد 07-28-2010 07:56 PM

[الحَلْقة الثَّانية]

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فهذه حلقةٌ أخرى -أيُّها الإخوة المُشاهِدون! وأيتُها الأخَوات المُشاهِدات- مِن برنامجِنا في (فِقه الصِّيام وأحكامِه).

وكانت الحَلْقة الماضية عبارة عن مداخل تعريفيَّة للصِّيام، ولشهر رَمضان، وبيان شيء من تاريخ الصِّيام -في هذا الشَّهر المبارَك-.

واليَوم سنذكر -بإذن الله وتوفيقِه- بعضًا من فضائل الصِّيام.

ولا نستطيعُ استقصاءَ فضائلِ الصِّيام في مجلسٍ واحد، وشرطُنا -كما ذكرتُ مِن قبل-: الاختصار والتَّيسِير، ولا نُريد التوسُّع؛ حتى تبقى المعلومةَ مُيسَّرةً مُسهَّلة لسائر طبقاتِ المشاهِدين -نسأل الله أن يبارِك فيهم، وأن ينفعَهم، وأن يُسدِّدَهم على درب الهدى والخير والقَبول للأعمال الصَّالحة-في هذا الشَّهر الكريم، وفي كل شهورِ حياتِهم وأيَّامِها وساعاتِها ولحظاتها-.

أما بالنِّسبَة للفضائل بالنِّسبَة لهذا الشَّهر؛ فقد جاءَتْ فضائل مُتعلقة بعموم الصِّيام، وجاءَتْ فضائل خاصَّة بشهر رَمضان.

فإذن: هُنالِك فضائل عامَّة وردت في فضلِ الصَّوم، وهُنالِك فضائل خاصَّة وردت في فضل شهر الصَّوم المفروض -وهو شهر رَمضان المبارَك-.

ماذا يقول الله -تَبارَك وتَعالَى- في كتابِه العزيز: {إِنَّ المُسلِمينَ وَالمُسلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لهُم مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35].

فذكر الله -تَعالَى- الصَّائمين والصَّائمات ضِمن الفئة المؤمِنة الطَّيِّبة المبارَكة القائمة بأعظمِ أفعالِ الإسلام، وأفعال أهلِ الإيمان الَّتِي أمرهم الله -تَبارَك وتَعالَى- بها؛ ابتداءً مِن كونهم مُسلِمين، ومُرورًا باعتبارهم مُؤمنين، ثم انتهاءً إلى ذِكر هذه الواجِبات الَّتِي أوجبها اللهُ عَليهِم، وأوجبها عَليهِم رسولهُ الكريم -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- الذي لا يَنطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يُوحَى.

أيضًا: يقول الله -تَبارَك وتَعالَى- في كتابه العزيز: {يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183] الآيات الَّتِي فيها الخطابُ والنِّداء الربَّاني للمُؤمنين بـ {يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا} لها في القُرآن وقعٌ خاص، ومعنًى خاص، وأثرٌ خاص؛ حتى صحَّ عن الصَّحابي الجليل عبد الله بن مسعود أبي عبد الرَّحمَن -رضيَ اللهُ عنهُ-وهو مِن أجلاء الصَّحابَة الكرام -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُم-وأرضاهم-أجمعين-؛ أنه كان يقول: (إذا سمعتَ الله َيقولُ في كتابِه: {يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا} فأرعِهِ -أو فأوعِه- سَمعَك)؛ (فأرعِه): مِن الرِّعاية، (فأوعِهِ): مِن الوعي، (سمَعك؛ فإنما هو أمرٌ يأمرُك الله به، أو نهيٌ ينهاك الله عنهُ).

أنا رأيتُ ثلاثة كتبٍ لبعضِ العلماء المعاصِرين ألَّفوا كتبًا خاصَّة في الآيات الَّتِي تَبتدئ بهذا النِّداء الإلهي: {يَا أيُّها الَّذِينَ آَمَنُوا}.

أيضًا: قول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} [البقرة: 184] وإن كان لهذه الآية سبب خاص؛ لكن عُموم اللَّفظ يُدلِّل على أن الصِّيام هو الخير، والصِّيام هو الفَضل، ومِن نصوص أخرى عرفنا أن البُعد عن الصِّيام، والترك للصِّيام بمخالفة الشَّرع ومِن غير عُذر شرعي؛ يكون -لا شكَّ، ولا رَيْب- فيه إثم عظيم جدًّا -نسأل الله العافية-تَبارَك وتَعالَى-.

أيضًا مِن فضائل الصِّيام الواردة في سُنَّة النَّبي الكريم -صلى الله عَليهِ، وعلى آله، وصحبِه- أجمعين-: ورد في «سُنَن النَّسائي» عن أبي هُرَيرَة -وورد عن غير أبي هُرَيرَة في غير «سُنَن النَّسائي»-: (أن النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- سمى شهر رَمضان شهر الصَّبر)؛ فهذا الشَّهر الكريم شهرُ الصَّبر، والله -تَعالَى- يقول: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]، ويقول الله -تَبارَك وتَعالَى-: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155]، ويقول اللهُ -تَبارَك وتَعالَى-: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]؛ فالصَّبر في الإسلام له مكانة عظيمة؛ فكيف إذا كان هذا الصَّبر مِن الصَّبر المفروض على الإنسَان؛ فلا شكَّ أن في هذا مضاعفة لأجره.

وقد ذكر أهل العِلم أن صيام شهر الصَّبر -وهو شهر رَمضان- يتضمن ثلاثة أنواع من الصَّبر:

أولها: الصَّبر على طاعة الله.
الصَّبر على الطَّاعة بالقِيام بها، والالتزام بأمرها، والحُب لها، والقُدرة عَليهِا.

وأما الشيء الثَّاني: فهو الصَّبر على معصية الله؛ بالمجانبة لما نَهاك الله -تَعالَى- عنهُ؛ مِن أمور مُفطِّرة للصائم ومُفسدة لصَومه، أو مِن أمور محرَّمة -لكن يزداد إثمُها في شهر الصِّيام، وفي أثناء رَمضان-.

وسيأتينا ذلِك؛ سواء مُفسِدات الصَّوم ومُبطِلاته، أو الأشياء المحرَّمة الَّتِي نص النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- على أنها ممنوعة في هذا الشَّهر، وفي أثناء الصِّيام، هي ممنوعة -دائمًا-؛ لكن يتأكد منعُها أثناء الصِّيام، وأثناء هذه العبادة العظيمة الَّتِي كما ذكرتُ -وأكرِّر- هي ركن مِن أركان الإسلام.

والثَّالث: الصَّبر على أقدار الله.

الإنسَان إذا رضي بالقَضاء واطمأنَّ به قلبه، وانشرح به صدرُه؛ كان ذلِك عنوانًا مِن أعظم عناوين العبودية لله -تَبارَك وتَعالَى-؛ لذلِك قَالَ بعضُ أئمة السلف: (القَدَر نِظامُ التَّوحيد)؛ فمَن عظَّم قضاء الله وقدَرَه في نفسه، و استسلَم له، وأذعنَ لِحُكمه؛ فإنه -لا شكَّ ولا رَيْب-؛ يكون في أرقى مقامات العبوديَّة، وفي أعظم أماكن التَّوحيد الَّتِي أمره الله -تَبارَك وتَعالَى- بها.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أمر بالصِّيام عامَّة النَّاس وخاصَّتهم؛ فقَالَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «يا معشر الشَّبَاب» يخصِّص الشَّبَاب «مَن استطاع منكُم الباءةَ فليَتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفَرج» الباءة: هي المقدرة على الزَّواج -سواء هي المقدرة البدنيَّة، أو المقدرة الماديَّة، أو غير ذلِك- «مَن استطاع منكُم الباءة فليتزوَّج؛ فإنه أغضُّ للبصَـرِ، وأحصن للفَرج» البَصر يكون مُنكسرًا عن المحرمات، يكون مُبتعدًا به صاحبُه عن التَّعدي على الحُرُمات، «وأحصنُ للفرج»، فإذا استرسل البصـرُ بالنَّظر إلى المحرَّمات؛ لا شكَّ ولا رَيْب أن الشَّهوة تنتشـر على صاحبها، وتَحرفه عن طاعةِ المولى -سُبحانَهُ وتَعالَى-، وعن الالتزام بأن يكون عبدًا ربانيًّا -كما أمر الله-تَبارَك وتَعالَى-.

قَالَ: «ومَن لم يَسْتَطِعْ؛ فعَليهِ بالصَّومِ؛ فإنَّه لَهُ وِجاء»، «إنَّه لَهُ وِجاء» أي: حماية ووقاية، هذا إذا كان في الصَّوم النَّافلة؛ فمِن باب أولى أن يكونَ في صَوم الفَريضَة -مِن باب أولى-؛ فصيام الفَريضَة فيه التزامٌ بأصلِ الصَّوم، وفيه التزام بفَرضِ الصَّوم؛ مما يجعل الأجرَ مُضاعفًا ومعظَّمًا عند الله -تَبارَك وتَعالَى-.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «حُفَّت الجنَّةُ بالمكارِهِ، وحُفَّت النَّارُ بالشَّهَوات» -كما في الحَديثِ المتَّفق على صحَّته عن أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ-؛ وفي هذا إشارة إلى أن الصَّومَ الذي قد تكرهُه النَّفس هو مِن أسباب دخولِ الجنَّة.

كثيرٌ من النَّاس يتأذَّى؛ وبخاصَّة -نسألُ الله أن يعافيَنا وإيَّاكم- الذين ابتُلوا بالتَّدخين، والتَّدخين -لا شكَّ ولا رَيْب- محرَّم، وهذا قول جماهير أهل العِلم والدِّين-على كافَّة عصور المسلمين-منذ اكتُشف إلى هذه اللحظة-؛ فكثير مِن النَّاس تراهُ إذا خَتم صَومَه وابتدأَ بِفِطرِه؛ فإنه يُفطر على الدُّخان -قبل أن يفطِرَ على التَّمر-! وهذا لا يجوز؛ قبل أن يُفطر على الماءِ العذب الذي أحلَّه الله -سُبحانَهُ وتَعالَى-! فإذن: النَّفس قد تستصعبُ هذا الأمر.

نعم، نحن نقول كما قَالَ اللهُ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69]؛ لكن بالمقابل -وقد جاءَتْك هذه الفرصة العظيمة في أن تُصابر نفسَك-ثنتي عشرةَ ساعة، أو ثلاث عشـرة ساعة-؛ مِن باب أَولى أن يكون شهر رَمضان بدايةً مُباركة لكَ أن تُقلع عن التَّدخين، هذه العادة السيئة الَّتِي تعصي فيها ربَّك، وتُؤذي فيها أقربَ النَّاس إليك -مِن زوجة، وولد، ووالِد، وابن، وجارٍ، وصَدِيق-؛ بل تؤذي فيه المَلائِكة؛ فالنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «إنَّ المَلائِكة تَتَأذَّى مما يَتَأذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ» وهذا لا يَجوز -بالاتفاق-.

ونحن لا نريد أن ندخل في موضوع التَّدخين؛ لكن نَذْكُر أن الأمرَ مُناسبة طيِّبة لأن تدفعَ عن نفسِك هذه المحبوبات الَّتِي تحبُّها النَّفس وتُسخط فيها الرَّب، وشهر رَمضان، والصَّوم في رَمضان مُناسَبة مُناسِبَة، مُناسَبة عظيمة؛ لتكون فيها مُوَفيًّا لربِّك -عزَّ وجلَّ- شيئًا من الأمور الَّتِي أوجبها الله -تَبارَك وتَعالَى- عليك.

لذلِك فالنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- ماذا يقول؟ -والحَديثُ في «البخاري» و«مسلم»-: «ما مِنْ عَبدٍ يَصومُ يومًا في سَبيلِ الله؛ إلا باعَدَ اللهُ بذلك عن وجهِهِ النَّارَ سَبعين خريفًا وكلمة «في سَبيلِ الله» -هنا- إشارة إلى الإخلاص، بعضُ أهل العِلم يقول: هذه إذا كانت في الجهاد. الصَّواب: أن؛ لا؛ الصَّواب: العموم؛ «في سبييل الله»؛ أي: مخلصًا لله -تَبارَك وتَعالَى- في صيامِه، ولا شكَّ ولا رَيْب أن الصِّيام هو مِن أعظم أنواع الإخلاص.

لذلِك يقول النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فيما يَرويهِ عن ربِّه قَالَ -سُبحانَهُ وتَعالى-في هذا الحديثِ القدسي-: «كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصَّوم؛ فإنَّه لي وأنا أَجْزِي بِه»؛ لماذا -وكُل عمل ابن آدم له، والصَّوم له-؟ لأن الصِّيام فيه جانب سِرٍّ؛ من الممكن أن يُظهر الإنسَان -أو إنسان ما- الصِّيامَ للنَّاس، ولكن في حقيقةِ أمرِه يكون مُفطِرًا! هذا لا يَجوز، وهذا -يعني- فيه نِفاق، وفيه رئاء النَّاس، وفيه كَذِب؛ لكن هذا الإنسَان الذي أخلصَ، وجعل صيامَه بينه وبين نفسِه، لا يعلمُه إلا ربُّه؛ هذا -لا شكَّ ولا رَيْب- مِن أعلى المقامات وأرفعها؛ لذلِك جعله الله -عزَّ وجلَّ-كما في الحَديثِ القدسي- خاصًّا له -سُبحانَهُ وتَعالَى-.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «الصِّيام جُنَّة»؛ «جُنَّة» أي: وِقاية، «يَستجِنُّ بها العبدُ من النَّار» أي: يتقي بها نفسَه مِن النَّار، مِن أن يصيبَه شرَرُها، وأن يصيبَه ضرَرُها، وأن يُصيبَه نارُها؛ فلا مَفرَّ له من هذه النَّار إلا بالعمل الصَّالح الذي يُقربُّه إلى الله، والذي يَدنو به من رحمةِ الله، والذي يبتعد -مِن خلاله- عن سخط الله وعما يقربُّه إلى هذه النَّار -والعياذ بالله-تَبارَك وتَعالَى-.

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-أيضًا- في رواية أخرى للحَديثِ قبل الأخير-كما في «سُنَن التِّرمذِي»- قَالَ: «مَن صَامَ يومًا في سَبيلِ الله؛ جعلَ اللهُ بينَه وبينَ النَّار خندقًا كما بين السَّماء والأرض» فما قلناه في الحَديثِ الأول؛ نقولُه في الحَديثِ الثَّاني: أن كلمة «في سبيلِ الله» -هنا- المَقصُود بها: الإخلاص لله في هذه العِبادة، وفي القِيام بها، وفي الالتزام بِهَديِها؛ ليس المَقصُود بها -فقط-: المُجاهد؛ نعم: إذا كان المجاهد مجاهدًا لأعداء الله-سُبحانَهُ وتَعالَى-، ثم هو -مع جهادِه- مُتلبِّس بعبادة الصِّيام؛ فهذا -لا شكَّ- أجره أعظم؛ لمُكابَدَتِه، ومجاهدتِه، وبلائِه الذي هو فيه، ثم هو يُصبِّر نفسَه، ويُصابرها على طاعة الله في الالتزام بهذا الصِّيام.

وفي هذا القَدْر كفاية.

وصلَّى اللهُ، وسلَّم، وبارَك على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعين-.
وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة الثانية


أم زيد 07-29-2010 04:26 PM

[الحَلْقة الثَّالثة]

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فهذا لقاءٌ ثالثٌ -يتجدَّد بالخيرِ والبركةِ-إن شاءَ اللهُ- نُقدِّم فيه شيئًا من فِقه الصِّيام وأحكامِه فيه تَنبيهاتٌ مهمَّة يستفيدُ منها عُموم الأمَّة -إن شاءَ اللهُ-تَبارَك وتَعالَى-.

أيضًا: مِن النُّصوص الَّتِي وَردت عن النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في

فضل الصِّيام:

حديثُ أبي أُمامَة الباهلِي -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قلتُ يا رسولَ اللهِ! دُلَّني على عَمَلٍ أدخُلُ به الجنَّة، فقَالَ له -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «عَليكَ بالصِّيامِ؛ لا مِثْلَ لَهُ»، وفي رِواية: «لا عَدْلَ لَهُ» أي: لا يُماثِلُه شيءٌ، والحَديث رواهُ النَّسائي وابنُ حبَّان وغيرُهما بالسَّند الصَّحيح.

هذا الحَديثُ يبيِّن -أيضًا- تِلكُمُ المكانة، وتِلكُم المنزلة الكَبيرة الَّتِي للصِّيام في الإسلامِ، وفي سُنَّةِ رسول الإسلام -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

وهُنالِك حديثٌ جمَعَ عِدةً مِن الفضائل، وهو في «الصَّحيحَيْن» -«البُخاري» و«مسلم»-: عن أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ عنهُ- . .

ودائمًا نحنُ نُكرِّر: عندما نَذكُر أبا هُرَيرَة؛ نَذكُر مكانتَه، ونَذكُر منزلتَه، ونَذكُر عِظَم قدرِه في العِلم والرِّوايَة عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- مما غاظَ الكثيرين -مِن المستَشرِقين، ومِن المستغرِبين، ومِن الحاقِدين- الذين ألَّفوا كتبًا خاصَّة في نَقد أبي هُرَيرَة، وفي الرَّد عَليهِ -رضيَ اللهُ عنهُ-، وتصدَّى لهم أهل العِلم -عبرَ تاريخ الإسلام-؛ ليُبيِّنوا مكانة أبي هُرَيرَة، ومنزلةَ أبي هُرَيرَة، وأنه مِن أعظم ساداتِ الصَّحابَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ-.

قَالَ أبو هُرَيرَة: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ؛ إلا الصِّيام؛ فإنَّه لي وأنَا أَجْزِي بِه».

بعضُ أهل العِلم قَالَ -إشارة إلى نوع آخر مِن فَهمِ الحديث، وفِقه الحديث- قَالَ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ» أي: له أجرٌ محدود؛ «إلا الصِّيام» فإنه ليس له أجر محدود؛ كما ذكرنا في الآية الكريمة؛ قَالَ: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]، والصَّوم شهر الصَّبر؛ إذن: الذي يَصبر على الصَّوم في شهر الصَّبر؛ أجرُه بغير حساب.

هذا وجه آخَر ذكره العِلماء في تفسير هذا الحَديثِ: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ؛ إلا الصَّوم؛ فإنَّه لي وأنَا أَجْزِي بِه، والصِّيام جُنَّة» «جُنة»: يعني وقاية يتَّقي بها الإنسَان سَخَطَ الله، ويجتنب فيها العبدُ ما يُغضب ربه -عزَّ وجلَّ-؛ فبالصِّيام يَشعر العبدُ بالعُبودية لله -كما يُريد الله-، يَشعر العبدُ بانكسار النَّفس وذُلِّها وبُعدِها عن الشَّهوات والشُّبهات؛ فهو مُتلبِّس بعبادة تَستغرق عقلَه وقلبَه وجوارحَه، لا يَنحرف ذاتَ الشِّمال، ولا يَنصرفُ ذات اليمين؛ وإنما يُريد بها رِضا الله، والمتابعةَ لسُنَّةِ رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

قَالَ: «وإذا كانَ يَوْمُ صَومِ أحدِكم؛ فلا يَرفُثْ، ولا يَسخط» «لا يَرفثْ»: يعني أن يقع بالأمور -يعني- الَّتِي تخالف الشَّرع؛ مِن الكَلام السَّيِّئ، ومما يُسخط الله، ومن الإيذاء للمُسلِمين، ومن الإساءة لعامَّة النَّاس؛ فالصَّائم -كما قلتُ- مُنكسـر بِعبادته؛ فلا يُناسب هذا الانكسارَ رَفَثٌ أو صَخب -أعاذنا اللهُ وإيَّاكم-.

قَالَ: «فَإِنْ سَابَّهُ أحَدٌ، أو قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إنِّي امرؤٌ صائِم» يعني: حتى لو وَصل أن آذاهُ النَّاس بالسَّبِّ، أو الشَّتم؛ فلا يقابل هذا السَّبَّ بسَبٍّ آخر، ولا يقابل هذا الشَّتم بِمثلِه؛ وإنما عَليهِ أن يُقابلَه بالرَّحمَة وبالصَّبر، وبأن يُشعرَه أنه صائِم، ولطالما أنَّه صائم؛ إذن هو صابِر على جُوعِه، صابر على عطَشِه، صابرٌ على شَهواتِه، صابر على شُبهاتِه، صابرٌ على مَن يُؤذيه، والله -تَبارَك وتَعالَى- يقول: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14]، ويقول اللهُ -تَبارَك وتَعالَى-: {إِنَّ اللهَ يُدافِعُ عنِ الذينَ آمَنُوا} [الحج: 38]؛ فلَئن صبرتَ على هذا الأذى؛ فاللهُ يُدافع عنك.

بعض النَّاس يَظن أنه إذا صَبر، أو قَالَ لهذا المؤذِي له: «إنِّي امرؤٌ صائِم» أنَّ في هذا ذُلًّا له، وانكسارًا له؛ لا؛ بل هذا قوَّة؛ كما قَالَ النَّبي -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّـرَعَة؛ ولكنَّ الشَّدِيد الَّذِي يَملِكُ نَفْسَه عند الغَضَبِ».

قَالَ: «وَالذِي نَفْسُ مُحمدٍ بِيَدِه؛ لخلُوفُ فَمِ الصَّائم أَطيبُ عِندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسْكِ» «خُلُوفُ فَمِ الصَّائم»: هو الرَّائحة الَّتِي قد تُكرَه؛ نتيجة امتِناعه عن الطَّعام والشَّـراب، فتَخرج -في طبيعة الخِلقة الإنسَانيَّة- رائحة قد تُكرَه مِن الفم؛ فهذه الرَّائحة الَّتِي قد تُكره بِسبب الصِّيام؛ هي عند الله -ثوابًا، وتعظيمًا، وأجرًا- أعظمُ مِن طِيب المسكِ ورائحة المسك؛ وهذا مِن فضائل الصِّيام، ومن فضائل الصَّبر على هذه العبادة العظيمة.

قَالَ: «للصَّائِم فَرحَتانِ يَفْرَحُهُما: إذا أَفَطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّه فَرِحَ بِصَومِهِ» إذا لقيَ ربَّه عند الجزاء والحِساب؛ فهو قدَّم رُكنًا مِن أركان الإسلام مُخلصًا فيه، مُتَّبِعًا فيه لسُنَّةِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، مُلتزمًا بأمرِه، قائمًا بِحُكمِه؛ فَلَهُ فرحةٌ عظمى.

«وإذا أفْطَرَ فَرِح» وفي رواية: «عِند فِطْرِه» فكلمة (الفِطْرِ) -هنا- تحتمل شَيئين: أمَّا الشيء الأوَّل: فهو يفرح بِفِطره اليَومي الذي يَنتهي عند غُروب الشَّمس، ولا شكَّ ولا رَيْب أنها فَرحة؛ أنكَ أدَّيتَ واجبًا عليك أوجَبَه الله عليك، وانتهى عليك هذا الواجب بِغُروب الشَّمس؛ فهذه فَرحة.

أو أن يُقال: فَرْحته عند فِطرِه إذا انتهى الشَّهرُ، وجاء عيدُ الإسلام الأوَّل؛ وهو عيد الفطر؛ فهذه -أيضًا- فرحة؛ لذلِك يفرح المُسلِمون، ويُجدِّدون ثيابهم، ويُصلُّون صلاة العيد، ويعظِّمون الله، ويَحمدونه، ويَشكرونه، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7] فشُكر العبدِ ربَّه على ما قام به مِن عبادات -عامَّة-، ومن عبادة الصَّوم -خاصَّة-؛ فيها أجر عظيم لا يَعلمُه إلا ربُّ العالمين -سُبحانَهُ وتَعالَى-.

وفي روايةٍ أخرى عند «البخاري» -والحَديثِ في «الصَّحيحَيْن»؛ لكن في رواية عند «البخاري»-: قَالَ: «يَترُكُ طعامَه وشَرابَه وشَهْوتَه مِن أَجْلِي» «يتركُ طعَامَهُ»: مِن أعظم المُفسِدات، «وشرابَه»: من أعظم المُفسِدات، «وشَهوَتَه» -أيضًا-: المَقصُود بها الجِماع؛ هذا -أيضًا- من أعظم المُفسِدات، ومن أعظم المبطِلات للصَّوم.

«الصِّيام لي وأَنَا أَجْزِي به، والحَسَنَة بِعَشْرِ أمثالِها» فوق كلِّ هذا الأجر، وفوق كلِّ هذه الحسَنات؛ فالله -تَبارَك وتَعالَى- يُضاعفُها لأصحابها، ويجعل لهم أَجرَها مُضاعَفًا؛ مِنَّةً مِن الله -تَبارَك وتَعالَى-، وكرمًا منهُ على عِباده -أجمعين-.

وفي رواية عند»مسلم»: يقول النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضاعَفُ الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أمثالِها إِلى سَبْعِمئةِ ضِعفٍ» إذن: ليس فقط عشرة أضعاف؛ بل إلى سبعمئة ضِعف! قَالَ اللهُ -تَعالَى-: «إلا الصَّوم؛ فإنَّهُ لي، وأنَا أَجزِي بِه» كأنَّه يقول -وهذا يُؤكِّد الوجهَ الآخَر الذي شرَحَهُ أهلُ العِلم لهذه الرِّوايَة؛ فهذه الرِّوايَة فيها زِيادة بَيان، وزيادة تَفصيل-؛ فإن الصَّائم له أجرٌ أكثرَ مِن السَّبعمئة ضِعفٍ مِن الحسنات، مِن الثَّواب؛ لأنه عَمَلٌ اختصَّه الله لنفسِه؛ أن يَأجرَ به صاحبَه على ما يريد -سُبحانَهُ وتَعالَى-.

قَالَ: «يَدَعُ شَهْوتَهُ، وطَعامَهُ مِن أَجْلِي، ولِلصَّائِمِ فَرْحَتانِ: فَرْحَةٌ عِند فِطْرِه، وفَرحةٌ عِند لِقاءِ ربِّه، وَلخلُوفُ فَمِ الصَّائم أطيبُ عندَ اللهِ مِن رِيحِ المِسكِ».

أيضًا: قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-كما في «مُسنَد الإِمام أحمد»-: عن عبد الله بن عمرو -رضيَ اللهُ عنهُما- قَالَ: قال رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «الصِّيامُ والقُرآنُ يَشفَعانِ للعَبدِ يومَ القِيامَة؛ يَقولُ الصِّيامُ: أيْ رَبِّ! مَنَعْتُه الطَّعامَ والشَّهْوَةَ؛ فشَفِّعْنِي فِيهِ، ويَقولُ القُرآنُ: مَنَعْتُه النَّومَ باللَّيلِ؛ فَشَفِّعْنِي فِيهِ؛ قَالَ: فيُشَفَّعَانِ».

إذن: العمل الصَّالح؛ وبخاصَّة: الصِّيام، ومعه قراءة القُرآن، والتَّعبد للهِ بِتِلاوَة كلامِه؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]؛ كل ذلِك من عوامل الشفاعة؛ بل من أسباب الشفاعة الَّتِي تشفعُ لصاحبِها بمزيدٍ من الخير، ومزيدٍ من الرَّحمَة، ومزيدٍ مِن الدَّرجات العُلى عند الله -تَبارَك وتَعالَى-.

وقد يَسأل سائل، أو يقول سائل: ما مَعنى قوله: «ويَقولُ القُرآن» ؟

المَقصُود هنا: الثَّواب؛ ثواب القُرآن، لأنَّ القُرآن كلام الله، وكلام الله لا يَقولُ؛ فالمَقصُود ما يتعلَّق بالعبد منه، وهو الذِي قام به؛ وهو تِلاوته، والعبدُ إنَّما يُؤجَر على التِّلاوَة؛ فبيَّن ذلك أنَّ المَقصُود هو العمَل والأجرُ المَبنيُّ على العَمل الذي قام به هذا العَبد أو ذاك؛ تقربًا إلى الله -عزَّ وجلَّ- بتِلاوَة كلامِه، وتَرتيل تنزيلِه.

أيضًا من النُّصوص الواردة عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في فضل الصِّيام:

أنَّ الصِّيام يَسُدُّ جانبا مهمًّا؛ وهو جانب الكفَّارَات.

والكفَّارَات: هي حقوق تكونُ في رِقاب العِباد؛ مُقابل آثامٍ، أو مفاسِدَ، أو سيِّئات ارتكَبوها، وتلبَّسوا بها -عِياذًا بالله-تَبارَك وتَعالَى-.

فلنسمع ماذا يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَـرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ منكُم مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} [البقرة: 196] إذن: هذا الصِّيام جاء فدية في شيء مِن أحكام الحج الَّتِي قد يُقصِّر، أو يضطر إليها بعضُ النَّاس.

ثم قَالَ: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ} فمن لم يجد الهدْي {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيَّام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَـرَةٌ كَامِلَةٌ} هذا بيانٌ في آيةٍ واحدة، وفي سياقٍ واحد للصَّوم ومكانَتِه ومَوضعه مِن الكفَّارَات الَّتِي يقوم بها العبدُ، أو يخالف العبد بها ربَّه، أو يَضطر إلى شيء أمَرَه الله -تَعالَى- بالسَّداد له بهذا الصِّيام.

ومن ذلِك -أيضًا-: قوله -تَبارَك وتَعالَى- في باب الدِّيَات: {وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} [البقرة: 92].

وهُنالِك كفارة أخرى وردت في كتابِ اللهِ، وفي سُنَّة رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- منها: قوله-عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في حديث حُذَيفة بن اليمان الذي رَواهُ الشيخان -«البُخاري» و«مُسلم»- قَالَ: «فِتنةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومَالِهِ وجارِه؛ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصِّيامُ والصَّدقَة»؛ فما قد يُبتَلى به الإنسَان مِن جارٍ، أو ما قد يَبتَلِي هو غيرَه به؛ فبِصِيامه، وبِصَلاته، وبِصَدَقتِه، وأعمالِه الصَّالحة؛ يُكفِّر الله عنهُ هذه الآثام.

أسأل الله تَعالَى لي ولكم التَّوفيق والسَّداد، والهُدى والرَّشاد.

وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة -إن شاءَ اللهُ-.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه

من هنا لسماع الحلقة الثالثة

أم زيد 07-31-2010 01:17 AM

[الحَلْقة الرَّابعة]

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

أيُّها الإخوة المُشاهِدون! أيتُها الأخَوات المُشاهِدات! السَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

فهذا لقاء -يتجدَّد بالخير- نتذاكرُ فيه شيئًا مِن فضائل شهر الصِّيام، شهر رَمضان، شهر القُرآن، شهرِ البِرِّ والإحسان، وما يتضمَّنه مِن أحكامٍ فقهيَّةٍ يجبُ فهمُها، والتَّفقهُ فيها، والنَّظر بِشأنِها؛ حتى تَصحَّ عبادتُنا، راجِين من الله -تَبارَك وتَعالَى- أن يتقبَّلها -منا ومنكُم وسائرِ المُسلِمين-.

مِن فضائل الصِّيام -أيضًا-:

ما ذكره النَّبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مِن قوله: «إنَّ في الجنَّة بابًا يُقالُ له الرَّيَّان لا يَدخُلُه إلا الصَّائِمُون»؛ فهذه مَزيَّة عُظمى، وفضيلةٌ كُبرى اختصَّ الله -تَعالَى- بها الصَّائمين الذين جاهَدوا أنفسَهم، وصَبَروا على هذا الصِّيام؛ فكان لهم ذلِك الأجرُ العَظيم.

وهُنالِك -أيضًا- فضائل خاصَّة متعلِّقة بشهر رَمضان، شيءٌ منها مُتعلِّق بالصِّيام، وأشياء أخرى متعلِّقة بأحكامٍ أخرى.

مِن أعظم ذلِك: أنَّ شهر رَمضان هو شهرُ القُرآن؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ} [البقرة: 185] فهذا نصٌّ قُرآني يُبيِّن أن هذا الشَّهر تنزَّلَ فيه القُرآن الكريم على قلبِ رسولِنا الأمين -صلَّى اللهُ عَليهِ، وعلى آلِه، وصَحبِه أجمعين-.

أيضًا من فضائل الشَّهر الكريم -شهر رَمضان-: أنَّ فيه خصوصيَّةَ تصفيدِ الشَّياطين، وفتح بابِ الجِنان، وغَلقِ باب النِّيران؛ كما قَالَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إذا جَاءَ رَمضان؛ فُتِحَت أَبوابُ الجَنَّة، وغُلِّقَتْ أَبْوابُ النَّار، وصُفِّدَت الشَّياطِين».

لكن -هنا- قد يقول قائل، أو يسأل سائلٌ، يقول:

نعم؛ نحن نَرى -في شهر رَمضان- إقبالًا من النَّاس على الصَّلاة، وعلى الصِّيام، وعلى المساجد، ونرى قِلةً في المعاصي؛ لكن: نرى أنَّ هُنالِك معاصي، ونرى أن هُنالِك آثامًا؛ بل في رَمضان تقع جَرائم؛ فكيف نفهم هذا مع تَصفِيد الشَّياطين؟

أقول: جاءَتْ الرِّوايَة الأخرى لِتُبيِّن أنَّ الشَّياطين المَقصُودين في هذا الحَديثِ هُم (مَرَدةُ الشَّياطِين)؛ لذلِك هذا لا يَنفي وقوعَ المعاصي -بل بعض الكبائر-؛ لكنَّ تصفيدَ المَرَدَة له أثر كبير في تقليل هذا الشَّر، وفي تخفيفِ كَيد الشَّيطان في بني آدم-أجمعين-.

والرِّوايَة الأخرى: قوله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إذا كانَ أوَّلُ ليلةٍ مِن شهرِ رَمضان؛ صُفِّدَت الشَّياطينُ ومَرَدَةُ الجِنِّ»، والمارِد: هو العظيم الكبير منهم؛ فهذا مِن مِنَّة الله -تعالى- وتَوفيقه -سُبحانَهُ وتَعالَى-.

أيضًا مِن ضمن الأشياء المهمَّة، والخصائص العظيمة بهذا الشَّهر الكريم -مِن فضائل ومكارم-:

أنه فيه لَيلة القَدْر؛ فالقُرآن أُنزل في رَمضان، ولَيلة القَدْر في رَمضان؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ - وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ - لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [القدر: 1-3]؛ فلَيلة القَدْر لها فضلُها، وسنذكر ذلِك على التَّفصيل بشيءٍ مِن أحكامها -فيما نستقبل مِن الدُّروس-إن شاءَ اللهُ-؛ لكنَّنا -هنا- نَذكُرُ ما يتعلَّق بكونِ وُجودِها في رَمضان؛ أنه فَضيلةٌ مِن فضائل هذا الشَّهر العظيم.

لذلِك: هذه المكارم، وهذه الفضائل، وهذه المَحاسن، وهذه المزايا -كلُّها-الواردة في كتابِ اللهِ، وفي سُنَّة رسول الله-صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-في هذا الشَّهر الكريم، وفي مكانته عند ربِّ العالمين-؛ تستوجب منَّا -إذا قُمنا بهذا الواجبِ- أن نشكر اللهَ -عزَّ وجلَّ-، كما قَالَ -سُبحانَهُ-: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، وكما قَالَ -تَعالَى-: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].

فشُكر الله -عزَّ وجلَّ- على إتمام النِّعمة، وإكمال المنَّة بالانتِهاء مِن صيام رَمضان، وما يتعلَّق به مِن أحكامٍ؛ كان ذلِك دليلًا على أن العبادَ قائِمون بهذا الشُّكر، وأنهم مُطالَبون بالمزيد منه -كما في الآية المذكورة: {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ}-.

ما يتعلَّق بأحكام الصِّيام: أحكام الصِّيام هي فِقهُه، والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «مَن يُرِدِ اللهُ به خيرًا يُفَقِّههُ في الدِّينِ»، ومَن يقوم بالصِّيام مِن غيرِ فِقهٍ له، ومعرفةٍ بأحكامِه؛ قد يَفعلُ المبطِلات لهذا الصِّيام، وما يُفسِد هذا الصِّيامَ قد يقع فيه؛ وهو يَحسب أنَّه يُحسن صنعًا؛ وهذا لا يَنبغي!
فالمُسلِم الحق الذي يعبد ربَّه، والذي يرجو ثوابَه، والذي يتَّبع نبيَّه -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ يجب عَليهِ أن يتفقَّه في الدِّين؛ فإنَّ التَّفقُّه في الدِّين نعمةٌ عُظمى، ومِنَّة كبرى -كما في نصوصٍ كثيرةٍ من كتاب الله -تَعالَى-، ومِن سُنَّة رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

الصِّيام في هذا الشَّهر الكريم مُطالَبٌ فيه العبدُ بأوَّلٍ وآخِر؛ لكن قبلَ ذلِك: نذكرُ شيئًا آخرَ -ينبغي أن نذكرَه قبلَ ذلِك- وهو ما يتعلَّق ببداية الصَّوم.
بداية الصَّوم كان على التَّخييرِ -وقد ذكرنا ذلِك في بعضِ المجالس السَّابقة؛ لكننا نَذكُره -على وجهِ الاختِصار والتَّيسِير-:

فكان الأمر في البداية مُخيَّرًا صاحبُه بين أن يصَومَ وبين أن يَفدِي؛ كما قَالَ -تَعالَى-: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 184]؛ فهذا كان فيه ترغيبٌ بالصَّوم، ليس فيه إلزَّام بالصَّوم، وليس فيه فَرض للصَّوم؛ حتى نزلت الآيةُ الأخرى: {شَهْرُ رَمضان الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ منكُم الشَّهر فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]؛ فهذا فِعل أمرٍ، والأصْل في فِعل الأمر أنه للوُجوب -كما قَالَ -تَعالَى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]-، ثم قَالَ -تَعالَى-: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّام أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185].
فمَن كان معذورًا؛ فأجرُه واقع، ومَن كان قادرًا فحُكمه قائمٌ، والمعذورُ له أحكام، فإذا كان مريضًا مِن الأمراض الَّتِي يُرجَى برؤُها -نسأل الله الشِّفاء لنا ولكم ولجميع المُسلِمين-؛ فهذا يَقضـي بعد شِفائِه، ومَن كان مريضًا مِن الأمراض الَّتِي لا يُرجَى برؤُها وشِفاؤها -كبعض الأمراضِ المستعصِية الَّتِي إذا لم يَتناول المريض دواءَه، أو كان الصِّيامُ مُؤثرًا به-في إحدى هاتين الحالَتين، وما يتعلَّق بهما-؛ حينئذ: يجب أن يُفطِر، وطالما أنه مَرَض مُستَعصٍ ولا شفاءَ منه؛ فحينئذٍ نقول له: عليكَ أن تُطعِم مكانَ كلِّ يوم مِسكينًا؛ فشَهرٌ فيه ثلاثون يومًا تُطعم ثلاثين مسكينًا، شهرٌ فيه تَسعة وعشرون يومًا تطعِم تسعةً وعشرينَ مِسكينًا؛ وبطبيعةِ الحال: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} [المائدة: 89] يعني: من أوسطِ ما تأكل أنتَ وأهلُك وولدُك في بيتِك، وبعض أهل العِلم قَالَ: «الأوسطُ» هو الأفضل، وبعضهم قال: «الأوسط» هو الوَسط؛ يعني: لا أن يكون أفخرَ الطَّعام، ولا أقلَّه؛ وإنما كما يُقال -وليس بحديث-: (خَير الأمورِ أوساطُها).
وهُنالِك رواية تُبيِّن هذا البيان:

فعن ابنِ أبي ليلى، كما عند «البُخاري» مُعلَّقًا، ووَصَلَه الإِمام البيهقي وغيرُه -وهو تابعي- قَالَ: حدثنا أصحابُ محمَّد -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: (نزل رَمضان فشقَّ عَليهِم، فكان مَن أطعمَ كلَّ يومٍ مِسكينًا؛ ترك الصِّيام -ممن يُطيقُه-) أي: ممن يَقدِر عَليهِ بمشقَّة (ورُخِّص لَهُم في ذلِك) أي: في الإطعام (فنَسخَتْها {وَأَنْ تَصُومُوا خَيرٌ لَكُمْ}؛ فَأُمِروا بالصِّيام: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ})؛ حينئذٍ: أصبح رَمضان رُكنًا مِن أركان الإسلام، ومبنًى مِن مَبانيه العظام، وركيزةً عُظمى مِن ركائز هذا الدِّين؛ كما قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-وقد ذكرنا الحَديثِ-: «بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وأن محمَّدًا رسولُ الله، وإقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزَّكاة، وصومِ رَمضان، وحجِّ البَيت مَن استطاع إليه سبيلًا».

أما الرِّواية الأخرى -والتي فيها بيانٌ لشيءٍ آخر مِن أحكامِ هذا الصِّيام وما يتعلَّق به-؛ فعندنا حديثٌ في «صَحيح البُخاري» وهو حديث البراء -رضي اللهُ عنهُ- قَالَ: (كان أصحابُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- إذا كان الرَّجل صائمًا، فحضَر الإفطارُ [فنامَ] قبل أن يُفطِر؛ لم يأكُل ليلتَه ولا يَومَه حتى يُمسِي).

إذًا: إذا جاء وقت الإفطار [فنامَ] قبل أن يُفطر؛ مُنع مِن أن يأكُل، أو أن يَشرَب طيلةَ ليلِه، وطيلةَ يومِه؛ حتى يُمسي من اليَوم الآخَر.

قَالَ: (وإن قَيس بن صِرمَة الأنصاري كان صائمًا، فلما حَضر الإفطارُ أتى امرأتَه وطلب منها قَالَ لها: أعندكِ طعام؟ قَالَت: لا؛ ولكن أنطَلِقُ فأطلُب لك، وكان -يومَه- يعمل) يعني: تعبًا وصاحب مجهود (فغلَبَتْه عيناه، فجاءَتْه امرأتُه، فلما رأتْهُ قَالَت: خيبةً لك!) أجهده التَّعب، أجهده مشَقَّة الصَّوم، جاء وقت الإفطار فنَام؛ فلم يأكُل؛ وبالتَّالي: مُنع مِن أن يأكُل وأن يشـرَب إلى اليَوم الثَّاني؛ هذا كان مرحلة -أيضًا- مِن مراحل فرض الصِّيام.

(لما رأتهُ نائمًا، قَالَت: خيبةً لك! فلما انتصفَ النَّهار -من اليوم الثاني-؛ غُشـي عَليهِ) أصابه الإغماء (فذُكر ذلِك للنَّبي -صلى الله عَليهِ وسلم-) رسولنا الكريم بالمؤمنين رؤوفٌ رَحِيم -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، وربُّ العالمين -كما قال عن نفسِه-: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]؛ لمَّا علم النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بذلِك؛ نَزلت آيةٌ كريمة تُخفِّف على النَّاس، وتُبيِّن شيئًا من الأحكام الأُخرى، وهي قولُه -تَعالَى-: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] يعني: أن يأتي الرَّجل أهلَه، وأن يشرَب، وأن يأكُل إلى أن يكونَ الفَجر القادم، وليس أن يكون إلى النَّهار مُنتظرًا الإفطارَ القادم؛ هذا كان -كما قلتُ- مرحلة، ثم نُسخت بهذه الآيةِ الكريمة؛ ففرحوا بها؛ يقول البَراء -في الحَديثِ نفسِه-: (ففرِحُوا بها فرحًا شديدًا، ونزلتْ -أيضًا- آيةٌ أخرى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187]).

هذا بيانٌ لمراحلَ مِن مَراحل الصِّيام فيها رحمةٌ بالأنام، فيها عزٌّ لأهل الإسلام، نسألُ الله أن يَمنَّ علينا، وعليكم، وعلى سائر المُسلِمين بالقبول والإكرام؛ إنه ولي ذلِك والقادر عَليهِ.

وصلَّى اللهُ، وسلَّم، وبارَك على رسولِ اللهِ، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعين-.
وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.


من هنا لسماع الحلقة الرابعة

أم زيد 07-31-2010 02:57 PM

[الحَلْقة الخامسة]



إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فهذا لقاء يتجدَّد بالخير والبَركة -إن شاءَ اللهُ-؛ لا زلنا -ولا نَزال- نتناول فيه شيئًا من فَضائِل وأحكامِ هذه الشَّهر الكريم؛ شهر رَمضان الذي نَسأل الله -تَبارَك وتَعالَى- أن يتقبَّل فيه -منَّا ومنكُم- الصِّيام والقِيام.

وقد ذكرْنا شيئًا من فَضائِل الصِّيام -بعامَّة-، وذكرنا شيئًا من فَضائِل شهر رَمضان -بخاصَّة-؛ فإننا نذكر أشياءَ متعلِّقة بفَضائِل الصَّوم في رَمضان.

فعن أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «مَن صامَ رَمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ»؛ «إيمانًا» أي: إيمانًا به وتصديقًا وإذعانًا لحُكمِه، «واحتِسابًا» أي: رجاء ثواب الله؛ لا يُريد العَبد -بِصيامه- إلا وجهَ الله -سُبحانَهُ في عُلاهُ-.

وعن أبي هُرَيرَة -أيضًا-رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ- قَالَ: قَالَ قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «الصَّلواتُ الخَمسُ، والجُمُعة إلى الجُمعة، ورَمَضان إلى رَمضان مُكَفِّراتٌ لِما بَينهُنَّ مَا اجتُنِبَتِ الكَبائر».

فكلُّ مَن أدرك رَمضان الفائت ورَمضان هذا؛ فأجرُه كَبير، وثوابُه جَزيل، وله عندَ اللهِ -عزَّ وجلَّ- منزلةٌ كُبرى، وليس ذلِك فقط؛ بل إنَّ ما ارتكبَه مِن مَعاصٍ وآثامٍ -سِوى الكبائر-؛ فإن ذلِك -كلَّه- مَغفورٌ له فيه.

ولنتأملْ هذه المغفرةَ المضاعَفة: مغفرة يوميَّة، مغفرة أسبوعيَّة، ومغفرة سنويَّة؛ والشَّهر يتضمن ذلِك -كلَّه-.

الصَّلوات الخمس كفَّارة لما بينهن، والجُمُعة إلى الجُمعة كفَّارة لما بينهنَّ، ورَمضان إلى رَمضَان كفَّارة لما بينهنَّ؛ فانظروا -أيُّها الإخوة! وأيتها الأخوات!- هذا الفَضل العظيم مِن هذا الإلهِ الكريم -سُبحانَهُ وتَعالَى-.
وعن أبي هُرَيرَةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- أن النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- صعد المِنبَر فقَالَ: «آمِين، آمين، آمِين»؛ قيل: يا رسولَ اللهِ! إنَّك صعدت المِنبَر، فقُلتَ: «آمين، آمين، آمين»؛ فقَالَ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إنَّ جبرائيلَ -عَليهِ السَّلام- قَالَ: مَن أدرَكَ شَهرَ رَمضان فَلم يُغفَر لَه فَدَخَلَ النَّارَ؛ فَأبعَدَهُ اللهُ» أي: هو مُستحقٌّ -طالما قصَّر بِصيام هذا الشَّهر، وتهاوَن بِأداء فَرْضِه فَدخَل النَّارَ؛ فهو يَستحقُّ «فَأبعَدَه الله» قَالَ: «قُلْ: آمين»؛ جبريل يقولُ لمحمَّدٍ -عَليهِ الصَّـلاةُ والسَّلامُ-: «قُل: آمين، فقُلتُ: آمين، آمين، آمين».

أيُّ مغفرةٍ هذه! وأي فضلٍ هذا! وأي كَرَم هذا! مِن الله -سُبحانَهُ وتَعالَى- وعلى لِسَان رسوله الكريم -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-!

هذه إحدى فَضائِل هذا الشَّهر؛ وهي: مَغفرةُ الذُّنوب.

ومن فَضائِله -أيضًا-:

استجابة الدُّعَاء، والعِتق مِن النَّار؛ كما قَالَ النَّبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إنَّ للهِ في كلِّ يومٍ وَليلَةٍ مِن رَمَضان عُتَقاءَ مِن النَّارِ»؛ في كلِّ ليلةٍ عُتقاء مِن النَّار «وإنَّ لكلِّ مُسلمٍ دَعوةً يَدعُو بِها؛ فَيُستَجابُ لَهُ».

إذًا في هذا الحَديثِ فَضيلتان:

الفَضيلَة الأولى: فَضيلَة العِتق مِن النَّار -يوميًّا-.

والفَضيلَة الثَّانية: فَضيلَة الاستِجابة للدُّعاء، استجابة الدُّعَاء، وبعضُ أهل العِلم يقول: هذه استجابة يوميَّة، وبعضُهم يقول: هذه استِجابة في آخِر الشَّهر؛ والأمر واسع؛ هي استِجابة، هي رَحمة، هي خَير، هي بِرٌّ، هي عَطاء مِن ربِّ العالمين -سُبحانَهُ وتَعالَى-.

وفي هذه الفائِدة نُنبِّه إلى حديثٍ مَشهورٍ؛ لكنَّه لا يَصِح -على شُهرتِه-:
وهو ما يُذكَر أن نبيَّ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قَالَ: «رَمضان أوَّلُه رَحمة، وأوسَطُه مَغفرة، وآخِرُه عِتقٌ مِن النَّار» حديثٌ ضعيف بإجماعِ المحدِّثين، وفيه العِتقُ مِن النَّار -فقط- في الثُّلثِ الأخير؛ بينما عندنا هذا الحَديث المروِي في «المُسنَد»-وغيرِه-: أن النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «في كلِّ ليلةٍ مِن رَمَضان عُتَقاء».

فأيُّهما أفضل: الحَديثُ الصَّحيح الذي فيه فَضيلَةُ العِتق اليَوميِّ مِن النَّار لأهلِ رَمضان للصَّائمين للمُخلِصين الصَّادقين المؤمِنين المحتسِبين؟ أم أن يكونَ العِتق -فقط- في آخِرِ الشَّهر، والحَديثِ ضعيف؟!

لا شكَّ ولا رَيْب: أن الحَديثِ الصَّحيح، ولو كان فيه مِن الفَضل أقلُّ مِن ذاك؛ فالواجب العَمل به؛ فكيف إذا كان الحَديثُ صحيحًا وفضلُه أكثرُ مِن ذلِك الحَديثِ الضَّعيف، والحَديثُ الضَّعيف -في أرجح الأقوال- أنه لا يَجوز الاستِدلال به -لا في ترغيب ولا ترهِيب، لا في فَضائِل الأعمال-فضلًا عن الأحكامِ والعقائد-.

نعم؛ ذهب بعضُ أهلِ العِلم إلى أنَّه يَجوزُ الاستِدلال به لكن بِشُـروط؛ وحقيقةً هذه الشُّـروط -الَّتِي ذكرها الحافِظ ابن حَجرٍ العَسقلاني في كتابِه «تَبيِين العَجَب فيما وَرَد في فَضلِ رَجَب»- أقول: لا يُستطاعُ تَطبيقُها إلا في أضيَقِ نطاقٍ، ومِن خاصَّة طلبةِ عِلمِ الحَديثِ، أو أهل الحَديثِ، أو علماء الحَديثِ؛ أما عامَّة المتفقِّهة، أو عامَّة أهل العِلم -فضلًا عن عامَّة النَّاس-؛ فإنهم لا يستطيعُون ذلِك، ولا يقدرون عَليهِ -لا في كَثِير ولا في قليل، لا في كَبير ولا في صَغير-.

أيضًا: الصَّائمُ رَمضان وَصَفَه النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنه مِن الصِّديقين ومِن الشُّهداء:

فعن عَمْرو بن مُرَّة الجُهَني -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: جاء رجل إلى النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- فقَالَ: يا رسولَ اللهِ! أرأيتَ إن شَهدتُ أنْ لا إِلَه إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وصلَّيتُ الخمسَ، وأدَّيتُ الزَّكاة، وصُمتُ رَمضان وقُمتُه؛ فمِمَّن أنا؟ قَالَ: «مِن الصِّدِّيقين والشُّهداء»؛ أيضًا: فضل كَبير!
أنتَ بِقيامك القَدْر الواجب: شهادة أن لا إِلَه إلا اللهُ وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكاة، وصوم رَمضان، وبعض المستحبَّات -كالقِيام-؛ تكون من الصِّدِّيقين؟! تكون كمثل ما كان عَليهِ أبو بكر الصديق -وإن كان أفضل الأمَّة بعد رسول الله-عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؟! لكن المرتبة قد تَتساوَى، وإن كانت المنزلة تَتفاوت.

فمنزلةُ الصَّحابَة أعظم مَنزلة، وأكرَمُ مَنزلة، وأجلُّ مَنزِلة، وأرفَعُ مَنزِلَة.
ويا ويلَ مَن انتقصَهم! ويا ويل مَن تَحامَل عَليهِم! ويا ويل مَن أبغَضهُم! ويا ويل مَن انتقصهم!

والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فوالذِّي نفسِي بِيدِه؛ لو أنَّ أحَدَكم أَنفَقَ مِثلَ جَبَلِ أحُدٍ ذَهبًا ما بَلغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلا نَصيفَهُ»، والمدُّ: هو ما تجتمع به اليدان مما يُحمَل فيهما؛ فكيف إذا عرَفنا أن إنفاقَ جَبلِ أحُد ذهبًا -بطولِه الكَبير، وعرضِه العظِيم، وارتفاعِه الجَليل- أن يكون ذلِك-كلُّه-ذهبًا- لا يستطيع أن يصِلَ إلى جزءٍ يسيرٍ مِن الصَّحابَة، وفي الحقيقة: هذا مُستحيل! لأنه لا يوجَد من الذَّهب في الكَون -كلِّه- ما قد -أو أقول قد- ما يمكن أن يصلَ إلى جبَلِ أحُد الذي هو -لا أبالغ إذا قُلت- آلاف الأطنان.

فالأمر ليس بالسَّهل ولا باليَسير؛ مكانة الصَّحابَة عُظمى، منزلتهم كُبرى، يجب أن تكونَ قلوبُ المُسلِمين -كلِّهم- عَليهِم بالإحسان، والبِرِّ، والدُّعَاء، والتَّعظيم، والإجلال، والإكرام، وأن أيَّ انتقاصٍ منهم -سواء أكان ذلِك بالعبارة، أو بالإشارة-في قليلٍ، أو في كَثِير-؛ فإن ذلِك باب شَرٍّ، وإنَّ ذلِك طريق ضَلال يُشابه فيه الواقعُ بذلِك أهلَ الشَّر الذين محَّضُوا أنفسَهم -فقط -والعياذُ باللهِ- لسَبِّ الصَّحابَة، وهم يَحسَبون أنهم مُسلِمون!

أيضًا: كما جاءنا التَّرغيب؛ جاءنا التَّرهيب، كما جاءنا التَّرغيب في صيام رَمضان؛ جاءنا التَّرهيب من فِطْرِه:

كما قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فيما يَرويهِ أبو أمامةَ الباهِلي -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: سمعتُ رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يقول: «بينما أنا نائمٌ أتاني رَجلان، فأَخَذَا بِضَبُعي» يعني: بِعَضُدي، الضَّبُع: هو العَضُد «فأتَيَا بي جَبَلًا وعِرًا» هذا -كلُّه- في الرُّؤيا، ورؤيا الأنبياء حقٌّ «فقَالَا: اصعدْ! فقلتُ: إني لا أطيقُه» لا أقدر عَليهِ «فقَالَا: سنسهِّلُه لك، فصعدتُ» تسهَّل، وكل ذلِك رؤيا «حتى إذا كنتُ في [سَواءِ] الجَبل» يعني: في وسطِه «إذا بأصواتٍ شديدة» أصوات عظيمة «قُلت: ما هذه الأصوات؟ قَالَا: هذا عواءُ أهلِ النَّار، ثم انطُلِق بي» أكمَلوا المسير «فإذا أنا بقومٍ مُعلَّقِين بِعراقِيبِهم» والعَراقيب في الأرجُل «مُشقَّقة أشداقُهم» الأشدَاق: هي جانبا الفَم «تَسِيل أشداقُهُم دَمًا، فقُلتُ: مَن هؤلاء؟ قَالَ: الذين يُفطِرُون قَبلَ تَحِلَّةَ صِيامِهم» يعني: يأكُلون وقد حُرِّم عَليهِم الطَّعام أثناء يوم الصِّيام؛ هذا عذابهم، ورؤيا الأنبياء حق، هذا مَصيرُهم: أن يكونوا على هذا الحال -وبئسَ الحال!-والعياذ بالله-تَبارَك وتَعالَى-.

نعم؛ هُنالِك أحاديث مشهورة تُذكَر ويَكثر ذِكرها عن التَّرهيب مِن الفِطر؛ لكن كما قَالَ ابن المبارَك: (في الحَديثِ الصَّحيحِ غُنية عن الحَديثِ الضعيف).

فما يُروَى أن النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- قَالَ: «مَن أفطَرَ يومًا من رَمضان مُتعمِّدًا؛ لا يُجزِئُه صيامُ الدَّهر وإن صَامَهُ» هذا الحَديثُ ضعيفٌ، ضعَّفه الحافِظ ابن حجر في «فتحِ الباري»، وضعَّفه غيرُ واحد مِن أهل العِلم.

وللأسف الشَّديد! أن كَثِيرًا من النَّاس -لا أقول: عامَّة النَّاس؛ بل خاصَّة النَّاس- مِن الخطباء، و الوعاظ، والكُتَّاب إذا ذكروا الصِّيام والتَّرهيب مِن الفطر في رَمضان؛ فإنهم يَذكُرون هذا الحَديث، ويذكُرون أمثالَه مِن الأحاديث الضَّعيفة الواهية.

فهذه دعوة نُطلِقها من هذه القناة المبارَكة -إن شاءَ اللهُ- بأن نُنبِّهَ إخوانَنا -طلبةَ العِلم- وإخوانَنا الخطباء، وإخوانَنا الدُّعاة والكُتَّاب وسائرَ المهتمِّين:

أن يَحذَرُوا من أن يَذكُرُوا حديثًا لا يَصِح عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-؛ فالرَّسُول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «إنَّ كَذِبًا عليَّ ليسَ كَكَذِبٍ على أحَد، ومَن كَذَبَ عليَّ مُتعمِّدًا؛ فَلْيتَبوَّأ مَقعدَه مِن النَّار»، ويقول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «مَن حدَّث عَنِّي بِحديثٍ يُرَى» أي: يُظَنُّ «يُرى أنه كَذِب؛ فهو أَحَد الكاذِبَين» يُرى: يُظن، يعني: إذا كنتَ غير متأكِّد من هذا الحَديثِ واستدللتَ به؛ قد تدخُل تحت هذا الوعيد.

فاحذرْ! أيُّها الأخ المؤمن! احذر أيُّها الطالب للعلم! احذر أيُّها الشَّيخ الفاضل! احذروا يا عامَّة المُسلِمين! وعليكم بالسُّؤال -سؤال أهل الاختِصاص-، والاستفسار منهم.

إذا كان الحَديثِ رواه الإِمامان -«البُخاري» أو «مُسلم»-، أو رواهُ كلا الشَّيخيْن الإمامَين هذين؛ فاستَدِلَّ به مُباشرةً؛ لأن هذَيْن الكِتابين حوَيا الأحاديث الصَّحيحة المحضَة، انتُقدت بعض الأشياء عَليهِما؛ باعتبارهما بَشَرًا؛ لكن الكِتابان كلُّ ما فيهما -بجُملتِه- صحيح ثابتٌ عن رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

أما أن نأتيَ إلى نُصوص أُخرى . . أحيانًا إنسَان يقرأ الحَديث على ظهر ورَقة مِن وَرقاتِ النَّتيجة، أو المفكِّرة، أو ما نُسميها الرُّوزنامة؛ وهو قد يكون حديثًا مكذوبًا مُفترًى! قد يكون مُلفَّقًا! أو أن يقرأهُ في جريدة، أو أن يَسمعَه مِن شيخٍ واعظ؛ لا يَجوز أن تَنقُل إلا بالثَّبات والتَّثبُّت، والبيان والبرهان.
أسأل الله -لي ولكم- التَّوفيق والسَّداد، والهدى والرَّشاد؛ إنه -سبحانَه- ولي ذلِك والقادر عَليهِ.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة الخامسة

أم زيد 08-02-2010 04:42 PM

[الحَلْقة السَّادسة]



إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فأيُّها الإخوة المُشاهِدون! وأيتُها الأخَوات المُشاهِدات! السَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه:

هذا لقاء آخر -مِن لقاءاتِ الخير والعِلم والتَّفقُّه في الدِّين-، وهو لقاءٌ نتواصَلُ فيه مع ذِكرِ أحكام هذا الشَّهر المبارَك -شهر رَمضان الكريم-.
ذكرنا فَضائِل الصِّيام -عامَّة-، وفَضائِل شهر رَمضان -خاصَّة-، وذكرنا فَضائِل صيام رَمضان بشكل عام.

ونذكُر -اليَومَ- ما يتعلَّق بابتداءِ أحكام هذا الشَّهر، وأوَّل حُكمٍ يُطالِعنا:
هو حُكم مُراقبة هِلال رَمضان، وذلِك لا يكون إلا بأحدِ شيئَين: رؤية الهلال، أو إكمال عدَّة شعبان ثلاثين يومًا.

فعن أبي هُرَيرَة -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وآلهِ وسلَّم-: «صُومُوا لِرُؤيَتِهِ» لرؤيةِ الهلال -وهو هلال رَمضان- «وأفْطِرُوا لرُؤيَتِه» وهو هلال شَوَّال، بعد رَمضان يأتي شوال، واليَوم الأوَّل مِن شوال: هو عيد الفِطر، «فإن غُمَّ عليكم» يعني: إذا لم يتَّضح الهلالُ ولم تَرَوه، ولم يَظهر للرَّائي؛ «فأكمِلوا شعبانَ ثلاثين».

تبدأ المراقبة في اليَوم التَّاسع والعشرين الذي تكون صبيحتُه (ثلاثين)، فإما أن يكون هذا اليَوم (التَّاسع والعشرين) هو آخر يوم، وإما أن يكونَ آخرُ يومٍ هو المتمِّم للثَّلاثين، فإذا رُؤي -في تِلكُم اللَّيلة-؛ فحِينئذٍ يكون اليَوم التَّالي -بعد اليَوم التَّاسع والعشرين- هو الأول مِن [رمضان].

فإذا لم نرَ -سواء كانت هذه الرُّؤيَة لعائق بصَري، أو لغُبار، أو لِغُيوم-؛ فإننا نتمِّم شعبانَ ثلاثين؛ ليكون اليَوم التَّالي مباشرة هو الأوَّل من شَهر رَمضان.

وما قلناه في شعبان ورَمضان هو نفسُه الذي نقولُه في رَمضان وشوَّال -سواءً بِسواء-.

ننظر في يوم التَّاسع [والعِشرين] في اللَّيل، اليَوم التَّالي: إمَّا أن يكون المتمِّم للثَّلاثين -إذا حيل بيننا وبين رؤية الهلال-، أو أن يكونَ هو أول أيَّام العِيد -كما كان ذاك أوَّل أيَّام الصِّيام-.

وهذا يُبيِّنه حديث عبد الله بن عمر -رضيَ اللهُ عنهُما- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «لا تصُومُوا حتَّى تَرَوا الهلالَ» الرِّوايَة الأولى: «صُومُوا لرُؤيةِ الهِلال»، هذه الرِّوايَة: «لا تصُومُوا حتى تَرَوا الهلال، ولا تُفطِروا حتى تَرَوهُ، فإن غُمَّ عليكم؛ فاقدُرُوا له» «فإن غُمَّ عليكم»: لم يظهر، مُنعت الرُّؤيَة لسبب أو آخَر؛ فحينئذٍ نقول: «فاقدُرُوا له»؛ يعني: تتمِّمون، ثم تصومون؛ ليكون شهرُكم ثلاثين يومًا، ويكون اليَوم التَّالي هو أوَّل أيَّام الشَّهر الجديد.

وعن عَدي بن حاتِم -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِه وسلَّم-: «إذا جاء رَمضان فصُومُوا ثلاثِين؛ إلا أن تَرَوا الهلالَ قبلَ ذلِك» إذا رأيتم الهلال قبلَ ذلِك كم يكون الصِّيام؟ تسعًا وعِشرين.
إذًا: الشَّهر كما قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «الشَّهر هكذا» ورفع يَديه ثلاثَ مرَّات، أو «هكذا» مرَّة، اثنتين، ثلاث؛ لكن قبَضَ أحدَ أصابعه.
فشُهور السَّنةِ القَمريَّة: إمَّا أن تكون تسعةً وعشـرين يومًا، أو أن تكونَ ثلاثين يومًا؛ وإلا حينئذٍ: لا يوجد ثمانية وعشرون يومًا، أو واحد وثلاثون يومًا، هذا قد يوجد في السَّنة الشَّمسيَّة، أما في السَّنة القَمريَّة؛ فهذا لا يكون.
هُنالِك بعض النَّاس؛ ماذا يفعلون؟ يصومون اليَوم الأخير يوم التَّاسع والعشـرين؛ بزعم الاحتياط!! يقولون: هذا يوم قد يوجد غلط في الرُّؤيَة . . قد يوجد غلط في الحساب! فنحن نصوم هذا اليَوم؛ حتى -يعني- نحتاط! وحتى نرتاح!

اسمعوا ماذا روى الصَّحابَة عن رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-في ذلِك-: عن صِلةَ بن زُفَر: عن عمَّار بن ياسر -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: «مَن صامَ اليَوم الذي يُشَكُّ فيه؛ فقد عَصَى أبا القاسِم» (يومُ الشَّك): هو اليَوم السَّابق لأوَّل أيَّام رَمضان، يصَومه الصَّائم؛ زعمًا أنه يحتاط لدِينه! وهذا مَنهي عنهُ صراحةً -كما تقدَّم في الحَديثِ-.

النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- عندما قَالَ: «صُومُوا لِرُؤيَتِه، وأفْطِرُوا لرُؤيَتِه، وانسُكُوا لها» أي: يكون يوم عيدِ الأضحى كذلِك -سواء بسَواء-في شهر ذي الحجة-، قَالَ: «فَإِن غُمَّ عَليكُم؛ فأكمِلوا ثلاثين، فإن شَهدَ شاهِدانِ؛ فصُومُوا وأفْطِرُوا».

إذًا: الشَّهادَة تكون بشَاهِدَين، هذا هو الأصْل؛ لكن: ورَدَ عن ابنِ عُمَر -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُما- أنه قَالَ: (تَراءَى النَّاسُ الهلالَ) يعني: راقَبوه وترصَّدوه، (فأخبرتُ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أني رأيتُه؛ فصامَهُ وأمَرَ النَّاسَ بِصِيامِه).

بعضُ أهل العِلم يقولُ: هلال رَمضان يثبُت بالواحِد، وهِلالُ شوَّال لا يثبُت إلا باثنين.

شاهد واحِد يَصوم به المُسلِمون؛ أما الإفطار؛ فلا بُدَّ أن يكون -هُنالِك- اثنان مِن الشُّهود.

بعض أهلِ العِلمِ قال: حتى لا يتوهَّم الواحِد. يعني: الإنسَان المتلهِّف للفِطر، المتلهِّف للعِيد قد يُخيَّل إليه بعض الأمر، قد يَتوهَّم بعض الأمر، لكن إذا وُجد آخر؛ فإن هذا التَّوهُّم يندَفِع؛ فهذا شكٌّ؛ مع ذلِك: يندفع هذا الشَّك، ويثبُت الحكم الشَّرعي باليَقين -إن شاءَ اللهُ-، أو بما هو في درجة اليَقين؛ فالظن الرَّاجح -لا شكَّ، ولا رَيْب- أنه مِن درجات اليَقين.
هذا حُكم آخَر متَعلِّق بأول أيَّام الشَّهر وصِيامه-، يقول [النَّبيُّ] -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «مَن لم يُبيِّت الصِّيامَ مِن اللَّيل؛ فلا صِيام له»، وفي رواية: «مَن لم يُجمِع الصِّيامَ من اللَّيل؛ فلا صِيامَ له» يُجمِع ويبيِّت: أي النِّيَّة.

هنا اختلف الفُقهَاء قَالَوا: هل لا بُدَّ أن تكون النِّيَّة يوميَّة؟ أم تكفي النِّيَّة في أول الشَّهر؟

أنا أقولُ: ما دمتَ -أيُّها المُسلِم- عارفًا بحُكم هذا الشَّهر ودخوله، وقادرًا على الصِّيام، ومُلزِمًا نفسَك به، لم يَحُل بينك وبين ذلِك سَفرٌ أو مرض؛ فأنتَ مجدِّد لهذه النِّيَّة -كما يُقال- تلقائيًّا؛ بل إن عدم نيتِك الفِطر هي صَوم؛ بل إن قيامَك للسحور -ولو على جرعة ماء- هذا نيَّة، وهذا عَزم.
وهنا أنبِّه إلى تنبيه: أن النِّيَّة عزم القَلب على فِعل الشيء، وليس للِّسَان علاقَة بالنِّيَّة -لا نيَّة الصَّلاة، ولانيَّة الصِّيام، ولا أي نيَّة من النَّوايا-؛ إنما الواجب أن تكون النِّيَّة في موطِنها الأصْلي وهو القَلب.

فالنِّيَّة في اللُّغة: هي العزم والقَصد، وفي الشِّرع: هي العزمُ والقصدُ لِفعلٍ مُعيَّن وحُكم مُعيَّن لهذا الفِعل.

بعض الفُقهَاء ماذا يقولون؟ يقولون: النِّيَّة في القَلب إلا نيَّة الحج والعُمرة؛ وهذا غلط؛ بل نيَّة الحج والعُمرة -أيضًا- في القَلب؛ ولكن: أين موضع الغَلط؛ بل أين مَوضع الالتباس المُوقِع بهذا الغَلط؟

أنا أقول: لم يُفرِّقوا بين النِّيَّة وبين الإهلال بالعُمرة أو الحج، أو التَّلبية بالعُمرة والحج؛ وإلا منذ خرجتَ مِن بلدك قاصدًا مكة المكرمة؛ فأنت ناوٍ ومُتلبس بالنِّيَّة -سواء في عُمرة، أو حج-، ولكن: لا يَجوز أن تُهِلَّ بالعُمرة أو بالحج، وأن تُلبيَ بهما، أو أن تُحرِم بهما إلا في مقامات معيَّنة، ومواضع مَعروفة هي الَّتِي بيَّنها رسول الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ وهي مواقيت الحج المكانيَّة.

مواقيت الحج المكانيَّة معروفة: أشهرها -الآن-لأن أكثر النَّاس يذهبون إلى المدينة النبوية، ويَمرُّون منها إلى مكة- أشهرها: (ذو الحُلَيفة) -الذي يُسمَّى (آبار علي)-.

وبالمناسبة: ذكر شَيخ الإسلام ابن تيميَّة: أن تسمية هذا المكان وهذه المنطقة بـ «آبار علي» تسميَة لا أصلَ لها في السُّنة، ولا في التَّاريخ: فقد ذُكر أنَّ عليًّا -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ- قاتل بعضَ الجِن وحبَسهم في آبار في هذه المنطقة -ذي الحليفة-؛ فسُمِّيت هذه المنطقة (آبار علي)، وهذا لا أصل له في السُّنَّة.

نَرجع إلى ما ذكرناه -ابتداءً- وهو أن نقول: إنَّ النِّيَّة هي عَزم قلبيٌّ محض ولا مَوضع للِّسَان فيه؛ تجديدك النِّيَّة، وعزمك على الصَّوم، ومجانبتك للفِطر، وقدرتك على الصَّوم بدون مرض، وبدون سفَر؛ فأنت مجدِّد لهذه النِّيَّة بِعزمك المتجدِّد -إن شاءَ اللهُ- الذي تريد فيه مرضاة الله -تَبارَك وتَعالَى-.

لكن هُنا استِثناء آخر: وهو أن هذه النِّيَّة مفروضة ومشـروطةٌ لصِيام الفَريضَة، أما صِيام النَّافلة؛ فقد صحَّ وَوَرد في «صَحيح الإِمام مُسلم»: عن عائِشَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهَا-: أن النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- كان يأتِيها -في غير رَمضان-، ويقولُ لها: «هل عِندكم مِن غَداء؟» يعني: طعام، قَالَ: «وإلا فإنِّي صَائِم»؛ بمعنى: إذا وُجد طعام يأكُل، وإذا لم يوجد قَالَ: «إنِّي صائِم»، وهذا يقوله في أول النَّهار، لم يَقُلهُ في اللَّيل؛ حتى نقول: مَن لم يُجمع أو مَن لم يُبيِّت الصِّيام فلا صِيام له؛ لا. هذا حكم، وهذا أرجح الأقوال -وإن كان في المسألة خلاف-.

إذًا: النِّيَّة في صِيام رَمضان مطلوبة في اللَّيل، وفي غير رَمضان لا يُشترط لها ذلِك.

وقد ورد مثل هذا الحكم -في صِيام النَّافلة والتَّطوع في النَّهار دون تَبييت النِّيَّة كصيام رَمضان- عن عدد مِن الصَّحابَة -عن أبي الدَّرداء، وأبي طلحة-رضيَ اللهُ عنهُم-، وأبي هُرَيرَة، وابن عبَّاس، وحُذَيفة بن اليمان، وغيرهم -رضيَ الله-تَعالَى-عنهُم-أجمعيَّن-.

هذا ما أعاننا الله -تعالى- عَليهِ في هذا اللِّقاء المبارَك، سائلين الله -تباركَ وتَعالى- أن يفقِّهنا في دينِنا، وأن يرزقنا القَول الحسن، والخُلُق الحسَن، والفِعل الحسَن، وأن يتقبَّل منا الصِّيام والقِيام؛ إنه ولي ذلِك والقادر عَليهِ.

وصلَّى اللهُ، وسلَّم، وبارَك على نبينا محمَّد، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعيَّن-.
وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين. وصلَّى اللهُ، وسلَّم، وبارَك على نبيِّنا محمد، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعيَّن-.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة السادسة

أم زيد 08-04-2010 08:27 PM

[الحَلْقة السَّابعة]


إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهَدْي هديُ محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمور محدثاتُها، وكلَّ محدَثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار، أما بعدُ:

فهذا لقاءٌ آخَر -مِن لقاءات العِلم والمعرفة والثَّقافة، والفَهم والفِقه في دين الله-، نتكامل فيه معكم -أيُّها الإخوةُ المُشاهِدون! وأيتُها الأخَوات المُشاهِدات!- في فِقهِ الصِّيام، وفِقهِ شَهر رَمضان، وما يتعلَّق به مِن أحكام -كالقِيام، وغير القِيام-.

مما يجبُ ذِكرُه والتَّنبيه عَليهِ:

أن بعض النَّاس قد لا يُدرِك أن اليَوم رَمضان إلا في وقتٍ مُتأخِّر -هذا في إثبات الشَّهر-؛ يعني: يكون أمسِ -مثلًا- آخر أيَّام شهرِ شَعبان، فيُصبح النَّاس صائِمين، بعضُ النَّاس قد يكون غاب عنهُ أنه يوجَد رَمضان؛ لم يَصله أن هذا اليَوم أُعلِن أنه رَمضان؛ فتَراهُ يأكُل. . في الطَّريق: يُنبِّهه بعض النَّاس . . في العمل: يَتناول ماء فيُنبِّهه زملاؤُه، أو أصدقاؤُه؛ يقولون له: (اليَوم رَمضان)! فيقول: (لا أعلم)!

فإذا أكلَ أو شَرِب وهو لا يعلم؛ فماذا يفعل؟ هل يَكون مُفطِرًا؟ هل يُتمِّم يومَه -بإفطارِه-، ثم يَقضي؟ هل يُمسك ثم يَقضي؟ هل يُمسِك ثم لا يقضي؟

المسألة خلافيَّة بين أهل العِلم.

لكن يَبدو أن أرجحَ الأقوال: هو أنه يُمسِكُ ويُتمُّ، ولا يَقضي.

فإن مِن المعروف أن يوم عاشُوراء كان فَرضًا على المُسلِمين، فلما فُرض رَمضان؛ تُرك عاشُوراء؛ كما قَالَ ابن مسعود، وكما قَالَت عائِشَة -في «صَحِيح مُسلِم»-؛ فالمَقصُود بـ «تُرِكَ عاشُوراء» أي: تُرك فَرضُه؛ وإلا فصيام عاشُوراء سُنَّة ثابِتة بإجماع الأمَّة -كما قَالَ الإمامُ ابنُ عبد البَر، وغيرهُ مِن أئمة العِلم-.

أما أن يُقال: أُمِروا بالقَضاء في ذلِك اليَوم الذي أخبرهم النَّبي -عَليهِ الصَّلاة والسَّلام- فيه أنه فُرض رمضان «فَمَن كان صائمًا فَليُتِم، ومَن كان مُفطِرًا فَليُمْسِك»؛ فليس -ثمَّةَ- دليل على ذلِك.

ويدل على هذا بعض الأحاديث عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-:
فعن عائِشَة -رضيَ اللهُ -تَعالَى-عنهَا- قالتْ: «كان رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أمرَ بِصِيامِ عاشُوراء» أي: أَمْرَ فَرضٍ «فلما فُرضَ رَمضان؛ كان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر» قوله: «كان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر» دليلٌ على أنه كان قبلَ ذلِك مَفروضًا؛ ليس داخلًا صِيامُه في المشيئة، وإلا لو كان ما بعد ذلِك مُساويًا لما قبلَه؛ لما كان فائدة مِن قولِه: «فلما فُرِضَ رَمضان، كان مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفطَر»؛ فدلَّت هذه العبارة -كما ذكرتُ، وأؤكِّد- على أنَّه كان -قبلَ فَرضِ رَمضان- فَرضًا مُستقِلًّا بِذاتِه. وهذا الحَديثُ في «الصَّحيحَيْن».

وثمةَ حديثٌ آخر -أيضًا في «الصَّحيحَيْن»-:

وهو حديث سلمة بن الأكوع -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- قَالَ: «أمر النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- رجلًا مِن (أسْلَم)» أي: مِن قبيلة (أسْلَم) «أنْ أذِّنْ في النَّاس» أي: أخبِرهم وأعلِمْهُم «أنَّ مَن أَكَلَ؛ فَلْيَصُمْ بَقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يَكُنْ أَكَل؛ فَلْيَصُمْ؛ فإنَّ اليَوم عاشُوراء» إذًا: هذا في أول فَرض عاشُوراء.
لكن هُنالِك حديث رواه الإمامُ أبو داود في «السُنَن»:

عن عبد الرَّحمَن بن سَلَمة: عن عمِّه: «أنَّ (أسلَم)» يعني: بعض أفراد قبيلة (أسْلَم) «أتت النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- فقَالَ: «صُمتُم يَومَكُمْ هذا؟» قَالَوا: لا، قَالَ: «فأَتِمُّوا بَقيَّة يَومِكُمْ هَذا، وَاقْضُوهُ»، زيادة «وَاقْضُوهُ» لا تُوجد في رِواية «الصَّحيحَيْن»؛ بينما هي مَرويَّة في «سُنَن أبي داود»، لو كانت ثابتَة؛ فنحنُ مع القولِ بأنَّ زيادةَ الثِّقة مقبولة، أو -بِصورةٍ أدقَّ- أن الأصْل في زيادةِ الثِّقة مَقبولة، ولا أقولُ -كما يقول بعضُ النَّاس-اليَوم- أنَّ زيادة الثِّقة لا تُقبَل ولا تُرد إلا بِحَسب القَرائن، ولا نقولُ -كما يقول بعضُ النَّاس-: أنها مَقبولة بكلِّ حالٍ؛ ولكن نقول: الأصْل في زيادةِ الثِّقة في الرِّوايات الحَديثِية القَبول، وقد يتخلَّف هذا الأصْل؛ لِوُجودِ قرائن، وهذا ما ذكره عددٌ مِن أهل العِلم.

لكن: هذا الحَديث -بهذه الزِّيادَة- لا يَثبُت؛ فعبد الرَّحمَن بن سَلمة -الرَّاوي عن عمِّه- مَجهول، كما قَالَ الإِمام الذَّهبِي في «الميزان»، ونقل ذلِك عن الإِمام ابن أبي حاتم في كتابِه «الجرح والتَّعديل»، وأيضًا: قَتادة -وهو الإِمام المشهور- مُدلِّس، وقد عنعنهُ.

وبعضُ النَّاس قد يستغربُ ويقول: كيف يكونُ هذا إمامًا ويُدلِّس؟!
(التَّدلِيس) -في الحقيقة- طَعنٌ في الرِّوايَة وليس طعنًا في الرَّاوي؛ لأن الرَّاوي الذي يُدلِّس يَقصد -مِن تَدليسِه- إِخفاءَ بعضِ العُيوب؛ لأن تشتَهِرَ وأن تُنقَل روايتُه، وهذا نَقدٌ له فيما يَروي -ليس في نفسِه-.

إذا كان المدلِّس ثِقةً؛ فحديثُه مَقبولٌ إذا صرَّح بالتَّحديث؛ قَالَ: (حدَّثَني شَيخِي، أو أخبَرنِي شَيخِي)؛ أما إذا قَالَ: (عن الشَّيخ فُلان)، أو (قَالَ الشَّيخ فُلان)؛ فهذا لا يكونُ مَقبولًا.

إذًا: القُدرة -كما هو معلومٌ عند أهل العِلم- أن القُدرة مَناطُ التَّكليف، ولا تكونُ القُدرةُ مُطبَّقةً واقعيًّا إلا بالعِلم؛ لذلِك يقولُ أهل العِلم: (شَرطا التَّكليف: القُدرةُ والعِلم)، كما قَالَ -تَعالَى-: {لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ ومَن بَلَغَ} [الأنعام: 19] أي: مَن بلغه العِلم به. فمَن كان قادرًا ولم يَعلَم؛ لا يجب عَليهِ، مَن كان يَعلم وغير قادر؛ لا يَجب عَليهِ؛ فإذا وُجد هذان الشَّرطان؛ فإنَّه يَجبُ الحُكم.

ونقولُ: لو كان -ثمَّة- قَضاءٌ لمثل هذا اليَوم؛ لكانَ أَولى النَّاس بِذِكْرِه رسولُ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في حديثِ فَرضِ عاشُوراء -كما ذَكَرنا- ولم يَذكُر النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- هذا؛ ومِن قواعد العُلمَاء المشهورة: (أن تأخيرَ البيان عن وقتِ الحاجة؛ لا يَجوز).

فإذا دخل رَمضان كان -هُنالِك- بداية لليَوم ونِهايَة.

وكما ذكرنا -في حلقة سابِقَة-: أنَّ مِن صُوَر فَرضِ رَمضان -في بدايةِ الأمر-: أنه كان إذا غَربت الشَّمسُ، وإذا جاء وقتُ الإفطار ولم يُفطِر؛ كان ممنوعًا مِن أن يأكُل، أو أن يشـرَب، أو أن يَقرَب أهلَه إلا في وقتِ الإفطار الثَّاني.

ذكَرْنا الحَديثَ، ونُكرِّره؛ لما فيه مِن إفادة: والحَديثِ في «صحيح البخاري»: عن البراء بن عازب -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: «كان أصحاب النَّبي -صلى الله عَليهِ وسلم- إذا كان الرَّجُلُ صائمًا فحَضَرَ الإفطارُ فَقامَ قَبلَ أن يُفطِرَ» يعني: وَقتَ الإفطار «لم يَأكُلْ -لَيلَتَه ولا يَومَه- حتى يُمسِي» يعني: حتى يُمسي في اليَوم التَّالي، وقوله: «لم يأكُل» طبعًا يتضمَّن ما يُجيزُ الأكلَ مِن شَرابٍ أو طَعام أو قُربٍ مِن الأهل والزَّوجة .. وما أشبهَ ذلِك.
قال: «وإنَّ قَيس بن صِرمة الأنصَاري كان صائمًا» -رضيَ اللهُ عنهُ-أحد الصَّحابَة كان هو السَّبب فيما سَنذكرُه-بعدُ-مِن رحمة المُسلِمين بِنَسخِ هذا الحُكم-، «فلما حَضَر الإفطارُ أَتَى امرَأَتَه، فقَالَ لها: أعندكَ طَعام؟ قَالَت: لا. ولكن؛ أَنطَلِقُ فَأطلُب لك».

هذا يُدلِّلُ كيف كانت حياةُ الصَّحابَة -رضيَ اللهُ عنهُم- مما فيها -مِن فَقر وعِوَز وحاجة-؛ ومع ذلِك؛ كانوا أعظمَ النَّاس قلوبًا، وأكثرهم علمًا، وأشدَّهم تقوًى في دين الله -تَبارَك وتَعالَى-رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُم، وأرضاهم-.

قَالَ: «وكان -يومَه- يعمل» اليَوم هو يوم عمل -بالنِّسبَة له-، وجاء وقتُ الإفطار حتَّى يرتَاح ويأكُل ويَطعَم «فغلَبْتُه عيناهُ» مِن شِدَّة تَعَبِه غلبتْه عيناهُ ونام «فجاءَتْ امرأتُه، فلما رأَتْهُ قَالَت: خيبةً لك!» يعني: الخَيبة مِن الحرمان؛ يعني: كأنَّك حرمتَ نفسَك بأن لم تَنَلْ طلَبَك، «فلما انتصفَ النَّهار» طبعًا: طالما أنَّه نام؛ فسيَسْتَمِرُّ صائمًا إلى اليَوم التَّالي، إلى الوقت الآخَر الآتي من الإفطار وهو اليَوم التَّالي.

«فلما انتصفَ النَّهار؛ غُشِي عَليهِ» أغمي عَليهِ -رضيَ اللهُ عنهُ-؛ لأنه لم يأكُل، ولم يشـرَب، وظلَّ صائمًا من اليَوم السَّابق، «فذُكر ذلِك للنَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-»، ذُكر له أن -هنالك- صحابيًّا حصَل معهُ كذا وكذا، وفي وقت الإفطار نام فَلم يأكُل، وفي اليَوم التَّالي غُشي عَليهِ في وسط النَّهار! «فذُكِر ذلِك للنبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-؛ فنَزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187]». وهنا ذِكرُ (الرَّفَث) -وهو إتيان الزَّوجة-؛ كَذِكرِ الأكل -هناك-؛ هو إشارة إلى ما في معناه؛ ذكر الأكل: إشارة إلى الشُّرب وإشارة إلى إتيانِ الأهل، وذكر الرَّفَث إلى النِّساء -هنا-: إشارة إل الأكل وإشارة إلى الشُّرب، فما جاز مِن المُفَطِّرات في بعضه يَجوز كلُّه -كما في الموضع الأول، وكما في الموضع الثَّاني-.

«ففرِحُوا بذلِك فرحًا شديدًا» فرِحُوا أنَّ اللهَ -تَعالَى- هوَّن عَليهِم، والله -تَعالَى- يقول: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]؛ فالله -تباركَ وتعالَى- (لطيفٌ) بخَلْقِه، (خبيرٌ) بما يُصلِحُهم، وبما يَنفعهم.
فنَزلت هذه الآية: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} ففرِحُوا بذلِك فرحًا شديدًا، ونزلت -زيادةً في الخير، وزيادةً في التَّوسعة على المُسلِمين-: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] نزلت هذه الآية؛ توسعةً للأمَّة؛ أن الصَّائم إذا أفطر يَجوز له فِعل المُفَطِّرات -جميعًا-؛ مِن أكل وشُرب وإتيان زوجةٍ إلى الفَجر: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}.

لكن هنا طُرفة لَطيفة وقعت مِن بعض صحابةِ رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: لما نزلتْ هذه الآيةُ؛ كما في صَحيحَي «البُخاري» و«مُسلم»: عن عدي بن حاتم -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ- قال: «لما نزلَ قولُه -تَعالَى-: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}»؛ قَالَ: «عمدتُ إلى عِقَالَ أَسود، وإلى عِقَالَ أبيَض» يعني: خَيط غليظ، أو فَتلَة حِبال «فجعلتُهُما تحت وِسادتي، فجَعلتُ أنظر في اللَّيل؛ فلا يَستَبينُ لي!» يَضعُ الخَيط الأبيض والخَيط الأسود ليميِّزهما؛ توهَّمَ أن قوله -تَعالَى-: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} أن ذلِك متَعلِّق بخُيوط وحِبال، وما أشبه!

قَالَ: «فجَلعتُ أنظر في اللَّيل» يعني: في الخَيطين، أو في الحَبلَين؛ «فلا يَستَبين لي؛ فغدوتُ على رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-» منذُ الصَّباح ذهبتُ -مباشرةً- إلى النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، فذكرتُ له ذلِك؛ فقَالَ: «إنما ذلِك سوادُ اللَّيل وبَياضُ النَّهار» كيف فهمتَ (الخَيط) -هنا- بمعنى: الخيوط الحقيقية، أو الحبال، وما أشبه ذلِك؟!

وثمَّةَ حديثٌ آخَر -أيضًا-: عن سهل بن سعد -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ-وهو في «الصَّحيحَيْن»- قَالَ: «لما نزَلتْ هذه الآيةُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ}» قَالَ: «فكان الرَّجلُ إذا أراد الصَّوم؛ رَبَط أحدُهم في رِجلَيه الخَيطَ الأبيض والخَيطَ الأسود»!

انظُروا حِرصَ الصَّحابَة -رضيَ اللهُ عنهم- على معرفةِ الحق، وعلى تطلُّبِه، وعلى الوُقوف عنده وعدم تَجاوُزِه.

قال: «فكان الرَّجلُ إذا أراد الصَّوم؛ رَبَط أحدُهم في رِجلَيه الخَيطَ الأبيض والخَيطَ الأسود؛ فلا يَزالُ يأكُل ويشرَب حتى يتبيَّن له رُؤيَتُهما» حتى يميِّز الخيطَين -بعضَهما مِن بعض- «فأنزَل اللهُ -بعد ذلِك-: {مِنَ الْفَجْرِ}».
{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} هكذا نَزَل النَّصُّ -في البِداية-، فلما حَصلت هذه الوَقائع مِن بعضِ الصَّحابة؛ وضَّح النصُّ القُرآني -مِن جديد- المَقصُود؛ فقَالَ: {مِنَ الْفَجْرِ}؛ فعلِمُوا أنما يعني -بذلِك- اللَّيلَ والنَّهار.

ولكنْ: هذا الفَجرُ فَجران: فَجرٌ كاذب، وفَجر صادِق.

هذا ما سَنعلَمُه، وسنُبيِّنُه، ونَذكُر التَّفصيلَ فيه في المجلسِ القادم -إن شاءَ اللهُ-.

وصلَّى اللهُ، وسلَّم، وبارَك على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعيَّن-.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة السابعة

أم زيد 08-06-2010 01:54 AM

[الحَلْقة الثَّامنة]


إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحَديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، أمَّا بعدُ:

فهذا -إخواني المشاهدين! وأخواتي المُشاهِدات!- لقاؤنا العِلميُّ -المتجدِّد- في التَّفقُّه في دِين الله، والنَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يقول: «مَن يُرِدِ اللهُ به خَيرًا؛ يُفَقِّههُ في الدِّينِ»، وعندما دعا النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- للصَّحابي الجليل أبي العبَّاس عبدِ الله بن عبَّاس -وهو ابن عمِّه-صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- ماذا قَالَ؟ قَالَ له، ودعا له؛ قال «اللَّهمَّ! فَقِّههُ في الدِّين، وعلِّمْهُ التَّاويل».

ونحن على هذا الشَّرط ماشُون، ومِن هذا الأساس مُنطَلِقون، سائِلين الله -تَبارَك وتَعالَى- التَّوفيق والسَّداد.

وصَلْنا -في المجلس الماضي- إلى أن الفَجر فَجران، وفي هذا حديثٌ صَحيحٌ صَريحٌ بالنَّصِّ عن الصَّحابي الجليل الذي دَعا له النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- بالفِقهِ في الدِّين؛ وهو ابن عبَّاس -والحَديث في «صحيح ابن خُزيمَة» وغيره- قَالَ ابن عبَّاس: قَالَ رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «الفَجْرُ فَجرانِ» يَعني: الفَجر له صُورَتان؛ صورةٌ غير حقيقيَّة؛ بل ورد وصفُها -في بعض الرِّوايات -كما سَيأتي- بأنها فجرٌ كاذب؛ أي: ليس هو الصَّحيح، وليس هو الصَّادِق الذي تُبنَى عَليهِ الأحكام.

قَالَ: «الفَجر فَجرانِ: فأمَّا الأوَّل» وهو السَّابق للثَّاني؛ وهو الكاذب السَّابِق للصَّادِق «فأمَّا الأوَّل؛ فإنَّه لا يُحرِّم الطَّعامَ ولا يُحلُّ الصَّلاة» بالنِّسبَة للصَّائم إذا حلَّت صلاتُه؛ حَرُم طعامُه؛ يعني: يبدأُ صِيامُه منذ ظُهور الفَجر الصَّادق، فإذا ظهرَ الفَجر الصَّادق؛ حلَّ وقتُ الصَّلاة؛ فالله -تَعالَى- يقولُ: {إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى المُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء: 103] لا يَجوز أداء الصَّلاة قبل وقتها، كما لا يَجوز أن نتجاوزَ في السَّحور بعد وقتِه {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187] -كما شرحنا في الحَلْقة السَّابقة-.

قَالَ: «فأمَّا الأوَّل؛ فإنَّه لا يُحرِّم الطَّعامَ ولا يُحلُّ الصَّلاة، وأمَّا الثَّاني: فإنه يُحرِّم الطَّعامَ ويُحلُّ الصَّلاة» (يحرِّم الطَّعام): أي على الصَّائم، مَن يجب عَليهِ الصِّيام، أما مَن كان مُفطِرًا لعُذرٍ شرعي؛ فيَجوز له أن يُفطر في نهار رَمضان؛ بسبب عُذرِه. وسيأتينا بيانٌ مُفصَّل للأعذارِ المُبيحةِ للفِطر في نَهار رَمضان.

وجاء في النصِّ الآخَر عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- بيانٌ لصِفة الفَجر الكاذب وصِفةِ الفَجر الصَّادق:

ففي «صَحِيح مُسلِم»: عن سَمُرة بن جندب -رضيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «لا يَغُرَّنَّكُمْ أَذانُ بِلال» وهو الأذان الأوَّل الذي يكون عند الفَجرِ الكاذب، أو قبل الفَجر الكاذب -أحيانًا- «ولا هذا البَياضُ» هذه إشارة إلى أنه قبل الفَجر الكاذِب -وهو الذي نحن الآن في صدد بيانُه- «لا يَغُرَّنَّكُمْ أَذانُ بِلال، ولا هذا البياضُ لِعَمودِ الصُّبحِ حتى يَستَطِير» هذه إشارة إلى أن الفَجر الكاذب يَخرج عمودِيًّا، قَالَ: «حتى يَستَطير» يَخرُج أُفقيًّا؛ فالفَجر الكاذب: صِفتُه أنه عَمودي دون انتشارٍ، ثم يَذهب، ويكون فيه شيءٌ مِن البياض، يَذهب البَياض، ثم يَنتشر بلَوْنٍ أحمر يَبدأ بالانتِشار، فإذا بَدأ بالانتشار في اللونِ الأحمر؛ فإنه -حينئذٍ- يكون هو الفَجر الصَّادق.

وفي «سُنَن التِّرمذِي»: عن طَلْق بن علي -رضيَ اللهُ عنهُ-: أن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قَالَ: «كُلُوا واشْرَبُوا، ولا يَغُرَّنَّكُمْ السَّاطِعُ المُصَعَّدُ» (المصعَّد): أي الصَّاعد إلى الأفق -كما ذكرنا- عموديًّا «وَكُلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَعتَرِضَ لَكُمُ الأَحْمَرُ» (الأَحْمَر): هو الفَجر الصَّادق الذي يَنتشر في الأُفق انتشارًا.

وينبغي أن نُنبِّه -ها هُنا- إلى شيء: وهو أن تمييزَ هذا الأمر لا يَستطيعُه أيُّ أحد؛ وبالتَّالي: لا نكلِّف النَّاسَ ما لا يُطيقون، وما لا يَقدِرون؛ مَن كان عنده قُدرة على التَّمييزِ؛ فهذه سُنَّة مَهجورة وهي مُطابَقة الحُكم الشَّرعي للواقِع الفِعلي؛ بأن تنظر بنَفسِك هذا.

لكن ظُروف النَّاس تغيَّرت، وأوضاعُهم تغيَّرت، والآن يوجد بُنْيان، وتوجَد أضويَة في الشَّوارع، وتوجَد مَصابيح كهربائيَّة، وما أشبه؛ فذلِك -في الحقيقةِ- قد يَحجُب عن إدراكِ الفَجر الصَّادق مِن الفَجر الكاذب؛ هذا فيه شيءٌ مِن العُسر، وفيه شيءٌ مِن الصُّعوبة.

نعم؛ لو خرجتَ إلى جوانبِ البَلد وطرف الصَّحراء في منطقة ليست فيها أنوارٌ كهربائيَّة، ولا أضوية، ولا ما يُشبه ذاك؛ فهذا ممكن لمن -أيضًا- أقولُ: لمن يُدرِك ويُميِّز.

وهنا تنبيهٌ على سُنَّة عزيزة ورَدت عن أبي هُرَيرَة -مِن طريقَيْن-: عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أنه قَالَ -وهذا مِن تمام رحمةِ اللهِ بنا مما جاء على لِسَان رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- الذي لا ينطقُ عن الهوى، والذي وصَفَه ربُّه -تَبارَك وتَعالَى- بأنه {بِالمؤمِنينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}-؛ ماذا قَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-؟ والحَديثِ في «سُنَن أبي داود»، و«مُسنَد أحمد» وغيرها-مِن طريقين- عن أبي هُرَيرَة؛ وهذا مما يُثبِّت صحة الحَديثِ وقوَّة إسنادِه، وليس كما فعل البعض مِن غمزِه به والتَّشكيك به؛ فهذا لا يستقيم؛ قَالَ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إِذا سَمِعَ أحَدُكُمُ النِّداءَ وَالإِنَاءُ في يَدِهِ؛ فَلا يَضَعهُ حتَّى يَقْضَيَ حاجَتَهُ مِنْهُ».

في هذا الحَديثِ تنبيهان: أما التَّنبيه الأوَّل: أن هُنالِك زيادة جاءَتْ تبيِّن وتَكشف أن النِّداءَ المَقصُود -ها هُنا- هو النِّداء المتَعلِّق بالفَجر الصَّادق؛ فعند الإِمام أحمد -في الحَديثِ نفسه- قَالَ: قَالَ الرَّاوي: «وكان المؤذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بَزَغَ الفَجر» إذن النِّداء المَقصُود: هو أذان الفَجر الصَّادق الذي يُحرِّم الطَّعام ويُحلُّ الصَّلاة.

الشيء الثَّاني: «فَلا يَضَعهُ حتَّى يَقْضَيَ حاجَتَهُ مِنْهُ» ليس المَقصُود بقَضاء الحاجة هو إذا كان بين يَديْه أصنافُ الطَّعام وألوان الشَّراب والحلويات، وما أشبه ذلِك؛ أنه -يعني- يأكُل ما يريد؛ بِدَعوى وزَعْم أنَّه يَقضي حاجتَه! هذا غير صحيح! المَقصُود: إذَا كان بِيدِه لُقمة -مثلًا-، إذا كان بِيدِه كأسُ الماء؛ فيَقضي حاجتَه؛ أي: ما تعلَّقت به نفسُه منهُ، يُتمِّمُ الشَّراب، يُتمِّم لقمةَ الطَّعام.

بعض النَّاس سمعتُه يقول: إذا كانت لُقمة الطَّعام في الفَم، أو الشُّربة من الماء في الفَم، وأذَّن المؤذِّن؛ فيَجبُ أن ينزعَها! هذا فيه تشديدٌ على المُسلِمين -فضلًا عن أن يكونَ خِلافَ النَّص-.

بعض النَّاس لو قلتَ له هذا؛ مِن الممكن أن يكونَ ذلِك سببًا في هلاكِه! تخيَّل: اللُّقمة في الجَوف، أو في طَرف الجوف، وسمِع الأذان، وسمِع مَن يُفتي يقول له: انزِع هذا! ماذا سيفعل؟! وهو الحريص على صَومِه وعلى يومه؛ قد يموتُ، وقد يهلك، أو -على الأقل- قد يَمرض ويتضرَّر! والشَّرع الحكيم يقول؛ كما قَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «لا تُشَدِّدُوا على أنفُسِكُم فَيُشَدِّد اللهُ عَلَيْكُم»، ويقول -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ».

وأنا أنبِّه -ها هُنا- تنبيهًا يسيرًا على قولِه -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «لا تُشَدِّدُوا على أنفُسِكُم فَيُشَدِّد اللهُ عَلَيْكُم»:

«لا تُشَدِّدُوا على أنفُسِكُم»: أي بِغيرِ ما فيه نصٌّ مِن القُرآن والسُّنة، أو شيءٌ مِن الأحكام الشَّرعيَّة الثَّابتة؛ أمَّا بعض النَّاس تأمرُه بأمرٍ شرعيٍّ؛ يقولُ لك: (لا تُشدِّد)! تَنهاه عن شيءٍ تلبَّس به مخالفًا فيه الكتابَ والسُّنَّة؛ يقول لك: (لا تشدِّد)!! هذا غير صحيح، هذا ليس بتَشدِيد!

(التَّشدِيد): أن تأتي بِنفسِكَ شيئًا لم يأمُر الله به؛ هذا هو التَّشدِيد، هذا هو المَنهي عنهُ.

أمَّا أن آمرَك بأمرٍ شرعي؛ وتقول لي: (لا تُشدِّد)! هذا غير صحيح . .
أن أنهاك عن مخالفةٍ -أنتَ ارتكبتَها-، أو عن بِدعةٍ -أنت تلبَّستَ بها-؛ ثم تقول لي: (لا تشدِّد)! أيضًا؛ هذا كلامٌ لا يليق ولا يَنبغي أن يَصدرَ من أيِّ أحدٍ مِن أهل العِلم؛ بل مِن عامَّة المُسلِمين.

وهنا تَنبيهٌ على شيءٍ يتوهَّمُه النَّاس: ذكَرنا أذانَ بِلال -كما في الحَديثِ-، وذكرنا الفَجر الكاذب وأنه لا يَغُر المُسلِمين لا أذان بِلال ولا الفَجر الكاذب.

المُسلِمون -اليَوم- في سائر بلادِ الإسلام يجعلون أذانَيْن: أذانًا أولًا، ثم أذانًا ثانيًا.

الأذانُ الأوَّل يُسمُّونه (أذان الإِمسَاك)! وهذه تسميَة خطأ! لأنَّ الأذان الأوَّل ليس فيه إِمسَاك عن الطَّعام، وليس فيه ما يُوجب على المُسلِم أن يقفَ عن الطَّعام؛ وإنما فيه التَّنبيه.

لذلِك -الحقيقة-: كان أرجحَ القَولَين أن الأذان الأول هو الذي فيه (الصَّلاة خير مِن النَّوم)، وإن كانت المسألة الخلافيَّة؛ لكن هذا الذي كان يُرجِّحه بعضُ أهلِ العِلمِ-مِن أهل التَّحقيق-: أن الأذانَ الأوَّل هو الذي فيه (الصَّلاةُ خيرٌ من النوم)؛ لأن فيه تنبيهًا للنَّائم حتى يستيقظَ، لكنْ؛ أن تجعلَ (الصَّلاة خيرٌ مِن النَّوم) في الأذان الثَّاني؛ هو -أصلًا- مُستيقظ، استيقظَ من الأذانِ الأول؛ فكيف تقول له: (الصَّلاة خيرٌ مِن النَّوم) وهو مُستيقظ؟! هذا يدلُّ على أن الأذانَ الأوَّل ليس ذا صِلةٍ لا بِصلاةٍ تُصلِّيها، ولا بِطعامٍ تَمتنع منه إذا كنتُ صائمًا؛ مع التَّنبيه: أن الأذانَين ليسَا خاصَّينِ بِشهر رَمضان!

بعضُ البلاد الإسلاميَّة تُخصِّص الأذانَين في شهر رَمضان! هذا غير صَحيح؛ هذا في العام كلِّه.

وهنا فائدة ذكرها الحافِظ ابن حجر -رَحِمهُ اللهُ- في كتابه «فَتح الباري» وتُشير هذه الفائدةُ إلى أن الخطأ في تحديدِ أذان الإِمسَاك خطأٌ قديمٌ قبل قُرون، قبل مِئات السِّنين، والحافِظ ابن حَجر العَسقلاني -رحمهُ الله- مِن علماء القرن التَّاسع؛ يعني: قبل هذا القَرن بحوالي ستَّة قرون؛ فينبِّه الحافِظُ ابن حجر في كتابِه العُجاب «فتحِ البارِي في شَرح صحيحِ البُخاري»، والذي قَالَ فيه الإِمام الشَّوكاني: (لا هجرةَ بعد الفتحِ)؛ هذا نصُّ حديث؛ لكن المَقصُود بالفَتح فتح مكَّة؛ فاستعار الإِمام الشَّوكاني هذا النصَّ؛ ليُشير بالفتح المذكور في الحَديثِ إلى «فتح الباري»؛ يعني كأنه يقول: لا شَرح لصحيح الإمام البُخاري مثل شرحِ الحافِظ ابن حجر العَسقلاني -رَحِمهُ اللهُ-.

ماذا قَالَ مُنبِّهًا على هذه البدعة وعلى هذا الخطأ الشَّائع، قال: (مِن البِدع المنكرةِ ما حدَث -في هذا الزَّمان- مِن إيقاع الأذان الثَّاني قبل الفَجر بنَحوِ ثُلث ساعَة)؛ يقصد بالأذان الثَّاني أي: الآخَر، وهو الأذان الأوَّل الذي نُسمِّيه نحو اليَوم؛ بدليل أنه قَالَ: (قبل الفَجر بنحو ثُلُث ساعة في رَمضان، وإطفاء المصابيح الَّتِي جُعلتْ علامةً لتحريم الأكل والشُّرب على مَن يريد الصِّيام)!

هذه بِدعة؛ أن يكون ذلِك قبل الوقت بثلث ساعة!

وسُبحان اللهِ! إذا تلاحظون -أيُّها الإخوة! وأيتها الأخوات!- أن هذا الوقت يكاد يكونُ هو نفسُه الوقت الذي يكونُ فيه الأذان الأوَّل قبل الأذان الثَّاني.

قَالَ: (زعمًا ممن أحدَثَهُ) يعني الذي أحدثه يَزعم ويدَّعي أن إحداثَه له (للاحتياطِ في العبادة)!!

الاحتياط في العبادة قضيَّة دقيقة؛ لكن لها ضوابط، بعض النَّاس يُخرجه الاحتياطُ إلى حدِّ الوسوسة، وإلى حدِّ الغلو والتنطُّع، وهذا لا يَجوز! الاحتياطُ في العبادة؛ لحفظِها وصيانتها؛ أمَّا أن نحتاطَ لنقعَ في الوَسوَسة؛ هذا لا يجوز.

قَالَ: (زعمًا ممن أحدثَه أنَّه للاحتياط في العبادة، ولا يَعلمُ بذلِك إلا آحادُ النَّاس) يعني: آحادُ النَّاس، والقليلُ من النَّاس مَن يقول: هذا للاحتياطِ، وكلهم يَظنُّون أن ذلِك بسبب ماذا؟ بسببِ الإِمسَاك، وهذا خطأ، والأصْل: النَّظر في أحكام عامَّة المُسلِمين.

قَالَ: (وقد جرَّهُم ذلِك إلى أنَّهم صارُوا لا يُؤذِّنون إلا بعد الغُروب بدرَجة؛ لتَمكين الوقت -زعموا-؛ فأخَّروا الفِطرَ، وعجَّلوا السُّحُور! وخالَفُوا السُّنة؛ فلذلِك قلَّ عنهُم الخير، وكَثُر فيهم الشَّرَّ، والله المُستَعان) هذا كلام الإِمامِ الحافِظ ابنِ حجر في «فتح الباري» -قبل بضعةِ قُرون-.

كيف يكونُ إتمامُ الصِّيام إلى اللَّيل؟

هذا ما سَنعرِفُه في المجلسِ القادم -إن شاءَ اللهُ-.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه -أجمعيَّن-. وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه

من هنا لسماع الحلقة الثامنة

أم زيد 08-06-2010 02:16 PM

[الحَلْقة التَّاسعة]


إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحَديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، وبعدُ:

فلقاؤنا متجدِّد بالخير والعِلم النَّافع والعمل الصَّالح -إن شاءَ اللهُ-، نتواصى فيه بالحق والصَّبر ممتَثِلين ومُتمثِّلين بما أرشدنا إليه قولُ ربِّ العالمين: {وَالْعَصْرِ - إِنَّ الإنسَان لَفِي خُسْرٍ - إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبر} [العصر]؛ فانطلاقًا مِن هذا الأساس، وصُدورًا عن هذا النَّهج؛ ننطلقُ -بمنَّة الله وعَونه- في إتمام أحكام الصِّيام في شهر رَمضان الذي نسألُ الله -عزَّ وجلَّ- أن يتقبلَ -منَّا ومنكُم- صِيامَه وقيامه -بمَنِّه وكرمه-جلَّ في علاه، وعَظم في عالي سَماه-.
بعد قوله -تبارك وتَعالَى-: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة:187] ماذا قَالَ؟ قَالَ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (إلى اللَّيل): أول اللَّيل، نصف اللَّيل، وسط اللَّيل؛ هذا ما جاءَتْ السُّنَّة المشرَّفة ببيانه.

وفي هذا دليل عمليٌّ تطبيقي: أن السُّنَّة النبويَّة مُبيِّنة لِمُجمَل القُرآن، ومُخصِّصة لعامِّه، ومُفصِّلة لما يحتاج التَّفصيل، ومُقيِّدة لما فيه إطلاق؛ لذلِك النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «ألا إني أوتيتُ القُرآنَ ومِثلَه مَعَهُ»؛ بل النَّص القُرآني يؤكِّد على هذا المعنى -في بَيان منزلةِ السُّنَّة مِن القُرآن-: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].

فعندنا تنزيلان: تنزيل القُرآن؛ وهو الأصْل، ثم تَنزيل السُّنَّة؛ وهو البيان، وكلمة (البيان) تشمل ما ذكرت؛ مِن تقييد، أو تخصيص، أو تفصيل، حتى بعض أهلِ العِلمِ -وهم جمهور العُلمَاء- يقولون: (أو نسخ)؛ فالسُّنة قد تنسخ القُرآن، ثم اختلفوا: هل السُّنة المتواترة -فقط-؟ أم السُّنَّة حتى الآحاديَّة -أي: ما وردت عن آحادِ الصَّحابَة-؟

القولُ الأرجح هو الذي انتصَر إليه الإِمامُ العلامة محمد الأمين الشَّنقيطي -وهو مِن أجلِّ أئمة علم أصول الفِقه في هذا الزَّمان- في كتابه «أضواء البيان»؛ حيث بيَّن أنه إذا صحَّ الحَديثُ عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-سواء أكان هذا الحَديث مُتواترًا، أو آحاديًّا-؛ فنحنُ نقولُ بأنه يَنسخ القُرآن.

ومِن باب الفائدة الزَّائدة أقولُ:

توهُّم بعضِ النَّاس، وزعمهم أن الحَديث الآحاديَّ لا يُقبَل في العقيدة -وهذه مَسألة أخرى-، وأن الحَديثَ المتواترَ هو الذي يُقبَل في العقيدة -فقط-؛ هذا زَعمٌ فاسِدٌ ردَّه الإِمامُ ابن القيِّم -رَحِمهُ اللهُ- في كتابه «الصَّواعق المرسَلة» ردًّا قويًّا عظيمًا جدًّا مِن عشرات الوجوه، وبيَّن أنه إذا صح الحَديثُ؛ فهو حُجة في باب العقيدة -كما هو حُجَّة في باب الأحكام-، والمفرِّق لم يَأتِ إلا بالظُّنون والأوهام -كائنًا مَن كان-.

فقوله -تَعالَى-: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيلِ}: جاء البيان النَّبوي لِكشف حقيقتِه، وإظهار وجهِه، وبيان عُمومِه.

ففي «الصَّحيحَيْن» -البخاري ومُسلم-: عن عمر -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «إذا أقبلَ اللَّيل مِن هَا هُنا» وأشار إلى جهةِ إقبال اللَّيل؛ إلى جهة المشرِق «وأدبَرَ النَّهار مِن هَا هُنَا» إلى جهة المَغرِب، «وغربتِ الشَّمسُ؛ فقد أفطرَ الصَّائمُ».

إذًا: هذه ثلاثُ علاماتٍ؛ بعضُها مَوصول ببعضٍ.

أمَّا أن تكون جالسَّا فيغيب قُرص الشَّمس عنك وراء عمارة، أو وراء جبلٍ شاهِق، والشَّمس لا تزال ساطعة ليس فيها علاماتُ الغُروب -مِن إقبال اللَّيل، وإدبار النَّهار-، فقط غابَ عن عينِك قرصُ الشَّمس، ثم تظن وتتوهَّم أنه قد حلَّ لك الفِطر؛ فهذا غلط!

إذا غابت الشَّمس؛ لا بُدَّ أن يكونَ معها وصفانِ آخَران:

الوصفُ الأوَّل: إقبال اللَّيل.

والوصف الثَّاني: إدبارُ النَّهار.

وهذا يُكشَف بأقل نظرةٍ إلى جهة الشَّرق المقابلة لجهةِ الغَرب؛ الشَّمس تغرب في الغَرب، لكن الشَّرق -بالجهة الأخرى- يأتينا فيه ظلام -أيضًا-، وحتى يكاد في وسط [السَّماء] يَبدأ النَّهار بالخُفوت والتَّضاؤل والانحسار؛ فلا يَجوز أن ننظرَ -فقط- إلى الشَّمس دون النَّظر إلى الوصفَين الآخَرَين اللَّذَين علَّق الشارعُ الحكيم الفِطرَ بِوُجودهما مع غروب الشَّمس -سواءً بسواء-.

وهُنالِك حديث جليل يُبيِّن لزوم عدمِ التَّكلُّف في ذلِك.

يعني الآن يقول بعض النَّاس: الشَّمس وراء هذا الجبل، وممكن أن يكونَ وراء الجبل جبلٌ آخَر. .! وما أشبه . . !

هذا تكلُّف!!

إذا غابت الشَّمس عن ناظرِك وراءَ جبل -أكرِّر- مع وجودِ الوَصفَين الآخَرَين اللَّذَين تعلَّق بهما الحُكم -من إقبال اللَّيل، وإدبار النَّهار-؛ فقد وجب الفطرُ، أو جاز الفِطر.

وهُنالِك حديث في «الصَّحيحَيْن» وفيه بعض الزِّيادات من «مُسنَد الإِمام أحمد»، و«سُنَن أبي داود»، و«مصنف عبد الرزاق»، جمعها شيخنا الإِمام الألباني -رَحِمهُ اللهُ- جمعًا لطيفًا، وعنهُ ننقل:

عن عبد الله بن أبي أوفى -رضيَ اللهُ-تعالى-عنهُ- قَالَ: «كُنا مع رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في سَفرٍ وهو صائمٌ [في شهر رَمضان]» زيادة: «في شهر رَمضان» في روايات يَزيدُ بعضُها على بعض، ولو لم تكن هذه الرِّوايَة موجودة؛ ففي ذلِك إشارة إلى أنَّ الصِّيام في السَّفر جائزٌ ومشروع، ولا نقول الصِّيام في السَّفر لا يَجوز .

كان الصَّحابَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُم- يُسافرون في غير رَمضان -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- فكان منهم الصَّائم ومنهُم المفطِر، قَالَ الصَّحابي: «فلا يُنكِر صائمُنا على مُفطِرِنا، ولا يُنكِر مُفطِرُنا على صائمِنا» هذا هدي الصَّحابَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُم-أجمعيَّن-.

بينما هذا الحَديث جاءَتْ هذه الرِّوايَة وهي الزِّيادَة في «صَحِيح مُسلِم» على «البخاري»، وهذه إشارة على أهمية قَبول زيادةِ الثِّقة -أيضًا- الَّتِي ذكرناها -في المجلس الماضي-، مسلم يزيد على البُخاري -هنا- زيادة مهمَّة، وقَبِلَها أهل العِلم، وقبِلَها أصحاب الصَّحيح، وقبِلها نُقَّاد الحَديثِ وجهابذَتُه -المتقدِّمون والمتأخِّرون -منهم-على حد سواء-.

قَالَ: «فلما غربت الشَّمس، قَالَ لبعض القومِ» من الصَّحابَة الذين كانوا معه في سَفرِه -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «يا فلان!» وفي رواية عند «أبي داود»: «يا بلال!» كان فُلانٌ هذا بلالًا -رضيَ اللهُ عنهُ-: «قُمْ فَاجْدَحْ لنا» (فاجْدَح لنا): أي هيِّئْ لنا الطَّعام والشَّرابَ الذي نُفطِر عَليهِ، «فقَالَ: يا رسولَ اللهِ! لو أمسيتَ!» وفي رواية «للبُخاري»: (لو انتظرتَ حتى تُمسي)، وفي رواية ثالِثة: (الشَّمس!)، قَالَ: «انزِل فَاجْدَحْ لَنا» . .

ويجب أن نتنبَّه -هُنا- إلى أنَّ قولَه: «انزِلْ فَاجْدَحْ لَنا»؛ لا يلزمُ منه أنه يأكُل؛ قَالَ له: هيِّئْ لنا الطَّعام، وهيِّئْ لنا الشَّراب، وإلا فالرَّسُول -عَليهِ الصَّلاة والسَّلام- يرى الشَّمس كما يَراها بقيةُ الصَّحابَة؛ هو لا يُريد أن يأكُل قبلَ المساء، لا يُريد أن يأكُل قبلَ الشَّمس، يُريدُ أن يُهيِّئ؛ لكن الصَّحابَة -من باب الحرص والتحوُّط المشروع- قَالَوا: (يا رسولَ اللهِ! لو أمسيتَ!، يا رسول الله! الشَّمس!)، وفي رواية أنه قال: (إنَّ عليكَ نَهارًا) أي كأنه يقول: لم يُدبرِ النَّهار؛ وهذا فيه إشارةٌ إلى ما ذكرناهُ مِن الصِّفات الثَّلاث الواجب وجودُها حتى يقعَ جَوازُ الإفطارِ للصَّائم، فقَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- : «انزِلْ فاجْدَح لنَا» فنزل فجَدح لهم .

تهيئةُ الطَّعام والشَّراب -في الماضي- حيث كان المُسافِرون معهم مَزاداتُ الشَّراب والطَّعام القليل يأخذ شيئًا من الوقت، فما أن هيأ الطَّعام حتى سقطت الشَّمس، وأنا لا أتصوَّر أن لا يكونَ ذلِك أكثر مِن دقيقتين أو ثلاث دقائق . . قال: (فشرب النَّبي -صلى الله عَليهِ وسلم-)، وهذه الرِّوايَة في «مصنف عبد الرزاق»، قال الرَّاوي: (لو تراءاهَا) يعني: الشَّمس (أحدٌ على بَعيرِه؛ لرَآها).

هذا فيه إشارة إلى شيئَين اثنَين:

الشَّيء الأولَّ: أنه لم يكن -هُنالِك- مدة طويلة بين تَهيئة الطَّعام الَّتِي أمرهم بها النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- بقوله: «اجْدَحْ لنَا» وبين شُربه وتَناوله الطَّعام -صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِه وسلَّم-.

أما الشيء الثَّاني: فهو عدم التَّكلُّف.

وينبغي أن نفهمَ شيئًا مُهمًّا: وهو أن عدمَ التَّكلُّف لا يُنافي الاحتياط؛ لأن الاحتياطَ فيه غُلو -قد يكون مِن حيث التَّطبيق-، الاحتياط مطلوب؛ لكن دون الغُلو -كما ذكرنا- المُفضِي إلى الوَسوَسة.

فنحن نحتاط . . قد نحتاطُ دقيقة، قد نحتاطُ دقيقتين؛ لكن: أن نحتاطَ خمس دقائق، أو سبع دقائق، أو عَشر دقائق -كما يفعل بعضُ النَّاس! وأشار إلى ذلِك الحافِظ ابن حجر في «فتح الباري»-كما ذكرنا-؛ حينئذٍ نقول: هذه وسوسة، وهذا غُلو، والنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «إيَّاكُمْ والغُلُوَّ في الدِّينِ»، والرَّسُول -عَليهِ الصَّلاة و السَّلام- يقولُ: «لا تُشَدِّدُوا على أنفسِكُم».

بماذا نُشدِّدُ على أنفسِنا؟ بأن نفعلَ في دينِنا ما لم يأمُرنا اللهُ به، وما لم يَأمُرنا به رسولُه الكريم -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، أمَّا ما أمرنا الله به؛ فليس تَشَدُّدًا، وأمَّا ما نهانا اللهُ عنهُ؛ فليس تَشَدُّدًا.

فما يتوهَّمهُ البعضُ -كما ذكَرنا- مِن أنَّ أوامِر الله، أو أن بعضَ أوامرِ الله، وبعضَ أوامرِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- فيها تَشديد؛ فهذا جهلٌ أكِيد.

التَّشدِيد: هو تَجاوُز النَّص الشَّرعي مِن كتاب الله، أو مِن سُنَّة رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

وحينئذٍ: يجب أن نتنبَّه أن بعض التَّقاويم الموجودة عند كَثِير من النَّاس -والتي بلغت أعمارُها خمسين سَنَة، وأكثر من ذلِك، وأقل مِن ذلِك-؛ هذه لا يَجوز أن نَتخاذل في مُراجعتِها، وفي التَّثبُّت منها، وفي توكيدِها، وفي التَّحقُّق منها .

وهذا -وللهِ الحمدُ- تقومُ به بعضُ الجِهات الرَّسميَّة في عدد من البلادِ الإسلاميَّة -في هذه الأيَّام- بأن يُراجِعوا هذه التَّقاويم . . وفعلًا أنا أعلم يقينًا، وبشكل مُباشر: أنه قد ظَهر شيءٌ مِن التَّفاوت بين هذه التَّقاويم التي -إن جاز التَّعبير- أكلَ عليها الدَّهرُ وشَرِب، وبين الواقع المحسُوس الملمُوس مِن الغُروب ومن الشُّروق، وهما أهم الأشياءِ في شهر رَمضان، وإن كانت مواقيتُ الصَّلاة كلُّها -أيضًا- مُهمَّة جدًّا، ويجب النَّظر فيها، والتَّامل لها.

إذًا: الاعتمادُ على التَّقاويم دون مُراجعة؛ هذا فيه ما فيه.

إضافة إلى شيء آخر: أن هُنالِك تقاويم متعدِّدة؛ هُنالِك تقويم في بلادِ الحرَمَين الشَّريفين (تقويم أمُّ القُرى)، هُنالِك تقويم في مالِيزيا، هُنالِك تقويمٌ قامتْ به بعضُ اللِّجان الإسلاميَّة في الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، ونرى بين هذه التَّقاويم -بعضِها ببعض- شيئًا مِن التَّجاوز، وشيئًا من الفُروق، وهي تَقاويم لا أقولُ تشمَل -فقط- أمريكا أو السُّعودية أو ماليزيا أو الأُردن، أو مِصر، أو أي بلد إسلامِي، أو أي بلدٍ في العالَم فيه مُسلمون؛ ولكنَّها تشملُ كلَّ بلادِ الدُّنيا.

تستطيع -الآن- في بعضِ المواقع المختصَّة في هذا الموضوع بضَغطة زِرٍّ على الإنترنت (الشَّبكة العنكبوتيَّة العالميَّة) أن تعرفَ المواقيت، ثم تَرى أن بينَها اختلافًا.

الآن -وللهِ الحمدُ- نَهَد ونهضَ بعضُ طلبةِ العِلم -على اختلاف تخصُّصاتِهم-فلكيًّا، وشرعيًّا، ولُغويًّا- ليتدارَسوا هذا الأمرَ، ولِيَفهموهُ حقَّ فهمِه؛ حتى نقطعَ الخطأ، ونتجاوزَ ما قد يكونُ فيه زَللٌ يؤثِّر على عباداتِنا، ويؤثِّر على طاعاتِنا، ويؤثِّر على صلواتِنا، ويؤثِّر على صِيامِنا.
وكما قَالَ بعض السَّلف -ناصحًا بَنِيهِ-: (دِينَكَ ديِنَكَ!) أي: الزَم دِينَك، وحافِظ عَليهِ (دينَك دينَك؛ فإنه لحمُك ودمُك).

إذا لم يكن عندنا اهتمامٌ بدِينِنا؛ فهل يكونُ اهتمامنا مقصورًا -فقط- على دنيانا؟! خِبنا وخَسِرنا إذا لم يكن اهتمامُنا في دينِنا أعظمَ مِن اهتمامنِا في دنيانا.

أسأل الله العظيم ربَّ العرشِ العَظيم أن يوفقَنا وإيَّاكم لما فيه الخير.
وفي المجلس القادم -إن شاءَ اللهُ- يكون الكَلامُ عن أحكامِ السُّحور، وما يتعلَّق بها، سائلًا ربي عزَّ وجلَّ- أن يوفَقنا وإيَّاكم للعلمِ النَّافع والعمل الصَّالح، ولصيامِ هذا الشَّهر وقيامه؛ إنه -سُبحانَهُ- سميع مجيب.

وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه

من هنا لسماع الحلقة التاسعة

أم زيد 08-06-2010 03:19 PM

[الحلقة العاشرة]

إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالنَّا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إِلَه إلا اللهُ، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أما بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحَديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، أمَّا بعدُ:

فهذا -أيُّها الإخوة المُشاهِدون! وأيتُها الأخَوات المُشاهِدات!- لقاء يتجدَّد بالخير نتذاكر فيه شيئا من أحكام شهر رَمضان، وما يتصل به من فقه الصِّيام والقِيام، وغير ذلِك من أحكام.

السُّحور:

السُّحور سُنَّة نبويَّة منقولة عن رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، ومنقول عنهُ الحث عَليهِا والتوكيد عَليهِا، وقبل أن نذكر ما ورد في ذلِك؛ نذكر أنه تُضبطُ كلمة (السَّحور)؛ بضبطَين، يُقال: (السَّحور)، ويُقال: (السُّحور).

(السَّحور): هو المواد الَّتِي يتسحَّر بها الصَّائم؛ كأن يأكُل تمرًا، أو خبزًا، أو جُبنًا، أو غير ذلِك، أو ماءً . . المواد الَّتِي يَتسحَّر بها؛ هي (السَّحور)، و(السُّحور): هي عملية التسحُّر، يُقال لها السُّحور، و(الطُّهور): عملية التَّطهُّر، و(الطَّهور): ما يُتطهَّر به . . وهكذا.

وكنا قد ذكرنا في مجلسٍ سابق أنه: كان الفِطر والصِّيام في أول الإسلام مرتبطًا بأن لا يأكُل ولا يشرَب إذا نام وقت الإفطار، وذكرنا الحَديثَ الواردَ في ذلِك؛ بحيث إذا نام الواحِد ولم يَطعَم في وقت إفطاره؛ فإنه يظل ممنوعًا من الطَّعام، ومُتلبسًا بالصِّيام إلى اليَوم التَّالي، حتى نُسخ ذلِك، وجاءَتْ أوامر الله -عزَّ وجلَّ- بالتَّيسِير على المُسلِمين.

لذلِك -يعني- بعض أهلِ العِلمِ فَهِم من ذلِك أن هذا كان مما يُشبه صِيام أهل الكِتابِ، كما قَالَ -تَعالَى-: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [البقرة: 183]، فهذا الصِّيام كان قريبًا من ذاك الصِّيام؛ لكن: لما جاءَتْ الأوامر الإلهيةُ مِن الله -عزَّ وجلَّ- بالنَّسخ؛ جاء -هنالك- ما يُميِّز صِيامَ المُسلِمين عن صِيام غيرِهم ممن قبلهم ممن أوتي الكتاب.

فالنَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول كما في «صَحِيح مُسلِم»: عن عمرو بن العاص -ُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «فَصْلة ما بَين صِيامِنا وصِيامِ أهلِ الكِتابِ: أكلة السَّحَر»؛ أي: السُّحور. فالسُّحور: هو نوعٌ؛ بل هو النَّوع الأكبر مما يُفرَّق به وفيه بين صِيامنا -نحن أهلَ الإسلام- وبين صِيام غيرنا مِن الأمم السَّابقة.

وقبل أن نذكُر بقية فَضائِل السُّحور وأحكامِه: نذكر شيئًا مهمًّا:

وهو أن كَثِيرًا من النَّاس يتساهلون في السُّحور، ويتهاونون فيه؛ بل بعضهم يقضي أكثرَ ليلِه في السَّهر ويَنسى أكلة السَّحر! وهذا -لا شكَّ، ولا رَيْب- داخلٌ في عُمومِ قوله -تَعالَى-: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} [البقرة: 61] هذا لا يَجوز؛ وبخاصَّة إذا كان هذا السَّهر سهرًا على الملاهي، وسهرًا في الاختِلاط، وسهرًا على البرامج التلفزيونيَّة المخالفة للشَّريعَةِ الَّتِي فيها ما يُخالِف أمر الله، وما يُخالِف أمرَ رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

وأيضًا: ثبت أن السُّحور بركة -كما قَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- في الحَديثِ الذي رواه الإِمام الطبراني وغيرُه: عن سلمان -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ- قَالَ: قَالَ رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «البَركةُ في ثلاثة: في الجماعةِ، وفي الثَّريدِ، وفي السُّحُورِ» والثَّريد: هو الطَّعام الذي يكون فيه خبز أو أرز أو ما أشبه، ويوضع فيه اللَّبن ونحوه، هذا هو الثَّريد، وهو طعام بركة -كما أخبر النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.

وأيضًا: ثبت عن بعض أصحاب رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-، ويَرويه عنهُ عبد الله بن الحارث عن هذا الصَّحابي، وهو مُبهم -أي: لم يُذكر اسمُه- قَالَ: دخلتُ على النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- وهو يتسحَّر، فقَالَ: «إنَّها بركةٌ أعطاكُمُ اللهُ إيَّاها؛ فلا تَدَعُوهُ» أي: لا تتركوه.

والسُّحور هو بَركة؛ لأنه فيه اتِّباع للسُّنَّة، ولا شكَّ ولا رَيْب أن اتِّباع السُّنة فيه أعظم بركة، وفيه أعظم خَير، وفيه أعظم تزكية للنفوس.

وفي حديث العرباض بن سارية وأبي الدرداء -رضيَ اللهُ عنهُما- أن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قَالَ: «هَلُمَّ إلى الغداءِ المبارَك» قَالَ الرَّاوي: (يعني السُّحور)، والحَديثِ مرويٌّ في «مُسنَد الإِمام أحمد» من حديث العرباض، ومَرويٌّ في «صحيح ابن حبان» من حديث أبي الدَّرداء -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ-.

والنَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- يقول -كما روى أبو سعيدٍ الخُدرِي عنهُ-صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قَالَ: «السَّحورُ أَكلةُ بَركة؛ فَلا تَدَعُوه ولَو أن يَجرَعَ أحدُكُمْ جَرعةً مِن ماء؛ فإن اللهَ وملائكتَه يُصلُّون على المُتسحِّرين».

أي أجرٍ أعظم! وأي فضلٍ أكبر وأكثر مِن أن تكون مِن الله -عزَّ وجلَّ- صلاة على المتسحِّرين؟!

الله -عزَّ وجلَّ- يُصلي على المتسحِّرين، والصَّلاة من الله -عزَّ وجلَّ- ثَناءٌ، كما ذكر الإِمام البخاري في «صحيحه» عن أبي العالية -رحمهُ الله-أحد أئمة التَّفسير الكِبار- قَالَ: (صلاةُ اللهِ على رسوله: ثناؤه عَليهِ عند المَلائِكة)؛ فالصَّلاة: هي الثناء، وأما صلاة المَلائِكة: فهي الدُّعَاء. مِن الله الصَّلاة: هي الثناء، ومن المَلائِكة: هي الدُّعَاء، في الوقت المبارَك، وقت الرَّحمَة، ووقت النُّزول الإلهي، ووقت الثَّناء الربَّاني على أناس يتسحَّرون. وفي الوقت -نفسِه- أناس يَعصون الله، أو تراهم نائمين غافلين! فلينظر العاقل فَرْق ما بين الصُّورتين، وفرق ما بين الأمرَين.

أما على ماذا يتسحَّر المؤمن:

له أن يتسحَّر على ما يريد مما أباح الله -عزَّ وجلَّ- له؛ لكن جاء عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قولُه -كما في «سُنَن أبي داود» وغيره-: «نِعْمَ سَحورِ المؤمِنِ التَّمرُ»، ومن لم يجد تمرًا؛ فليتسحَّر على الماء، كما قَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «تَسحَّرُوا وَلو بِجَرعةِ ماءٍ».

في هذه الأحاديثِ فائدتان:

- الفائدة الأولى: بيانُ الأفضل فيما يُتسحَّر به.

- والفائدة الثَّانية: أنك لو لم تُرِدْ التسحُّر والطَّعام والشَّراب -كما يَفعلُ أكثر النَّاس-اليَوم-؛ فلا تُفوِّت السَّحور ولو بِجرعة ماء؛ أن تستيقظ بِنِيَّة طيبة مبارَكة، وأن تشربَ جَرعة ماء، أو أن تأكلَ ثلاثَ حبَّات من التَّمر حتى تُوافِق سُنَّة النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، والرَّسُول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «إنَّ اللهَ وِترٌ يُحبُّ الوِترَ» ؛ فهذا -لا شكَّ ولا رَيْب- فيه خير كَثِير وعظيم.
وكما ذكَرنا -في دَرسٍ مَضى- استحبابَ تَعجيل الفِطر؛ فها هُنا أوانُ ذِكر استحبابِ تَأخير السُّحور.

قَالَ أنس -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُ-: عن زيد بن ثابت أنه قَالَ: (تسحَّرنا مع النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- ثم قام إلى الصَّلاة، قلتُ: كم كان بين الأذان والسحور؟ قَالَ: قَدر خمسين آيةٍ) يعني: لا يتجاوز ربع ساعة، أو ثلث ساعة، وما أشبه ذلِك. وهذا الحَديثِ في «الصَّحيحَيْن» -في «البخاري» و«مسلم»-.

وعن ابن عبَّاس: أن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قَالَ: «إنَّا مَعشـر الأنبياءِ أُمِرنا بتَعجيلِ فِطرِنا، وتأخيرِ سُحورِنا، وأن نَضَعَ أيمانَنا على شمائِلِنا في الصَّلاة» رواهُ الإِمام ابنُ حِبَّان في «صحيحِه»، وصحَّحه الحافِظ ضياء الدِّين المقدِسي -رَحِمهُ اللهُ-.

بل قَالَ الحافِظ ابنُ حجر العَسقلاني في «فتحِ البارِي» ناقلًا عن الإِمام ابن عبدِ البَرِّ النَّمِري الأندلسي -رحمهُ اللهُ- قولَه، قَالَ: (أحاديثُ تعجيلِ الإفطارِ، وتأخير السُّحور؛ صِحاح مُتواتِرة) يعني: جاءَتْ مِن نصوص، ومِن روايات، ومِن طُرُق عدة متعدِّدة عن الصَّحابَة -رضيَ اللهُ-تَعالَى-عنهُم-أجمعيَّن-.
وروى الإِمام عبد الرزاق الصَّنعاني في «مُصنَّفه»: عن عمرو بن ميمون الأودي-وهو تابعي-بالسَّند الصَّحيح-قَالَ: (كان أصحاب النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- أسرعَ النَّاس إفطارًا، وأبطأهم سُحورًا)؛ يُعجِّلون بالفِطر، ويُؤخِّرون في السُّحور.

لكن هنا نقطة وهي مُهمَّة:

وهي أن لا يتهاون النَّاس في التَّعجيل؛ فإذا بهم يُفطِرون قبل الغُروب، وأن لا يَتهاونوا ويَتساهلوا في تأخير السُّحور؛ فإذا بهم قد يأكُلون، أو يَشرَبون والفَجر قد بَزَغ! كما أن هذا لا يَجوز؛ ذاك لا يَجوز، كما أن الفَضل في الاستعجال وفي التَّأخير؛ فإن هذا الفَضل مَنوطٌ ومُرتبِط بالوقت الشَّرعي.
وفي «معجم الطَّبراني الكَبير»: عن أم حَكيم: عن النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم- قال: «عجِّلُوا بالإفطارِ»، وفي رواية: «بكِّرُوا بالإفطار، وأخِّرُوا السُّحورَ»؛ كل ذلِك في فَضائِل تأخير السُّحور.

هُنا نُنبِّه إلى أمر؛ وهو ما يتعلَّق بمسألة أذان الإِمسَاك:

كَثِير من النَّاس يظن أذان الإِمسَاك هو الأذان الشَّرعي؛ وبالتَّالي: يُمسكون قبل أذان الفَجر، وهذا غير صحيح! ينبغي أن يُقال: هذا هو الأذان الأول، ثم الأذان الثَّاني يكون موافقًا لطلوع الفَجر، كما قَالَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-: «إنَّ بلالًا يُؤذِّن بِلَيلٍ» وهو الأذان الأول -وهو الذي يُسمُّونه بغير حق (أذان إِمسَاك)- «فكُلُوا واشرَبُوا حتى يؤذِّنَ ابنُ أمِّ مَكتومٍ».

أما حُكمُه:

فالحقيقة أنه جاءَتْ نُصوص -كما ذكرنا-: «. . بَركة؛ فَلا تَدَعُوهُ»، «فصل ما بَين صِيامنا وصيام أهل الكِتابِ»، «مَن أرادَ أن يَتَسحَّر؛ فَلْيتسَحَّر بِشيءٍ». . أحاديث أخرى: «تَسحَّرُوا» فعل أمر «فإنَّ في السُّحورِ بَركة»؛ كل هذه النُّصوص تُشعِر أنَّ الأمر أكثر مِن أن يَكونَ سُنَّة، وأن الأمر قد يَصلُ إلى درجةِ الوُجوب، وهو ما أشار إليه التُّركماني في «الجوهر النَّقي»، وهو ما صرَّح به العلامةُ صدِّيق حسَن خان في «السِّراج الوهَّاج بمَطالب صَحِيح مُسلِم بن الحجَّاج».

ومع ذلِك: فقد نقل الحافِظُ ابنُ حجر إجماعَ الأمَّة على استحبابِه دون وُجوبه، وكلام هَذيْن العالميْن -اللَّذَين أشرتُ إليهما- صريحٌ، أو قريب -جدًّا- من القول بالوجوب، وهذا لا يُستبعَد -مع وُجود هذه الأدلة القويَّة الظاهرة المتينة-.

وعلى أقل الأحوال: المُسلِم يَحتاطُ بأن لا يَدعَ هذا الطَّعام في هذا الوقت المبارَك -كما أمر النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «تَسحَّرُوا»، وكما نهى: «فَلا تَدَعُوهُ».

وآخِرُ دَعوانا أنِ الحَمدُ للهِ ربِّ العالَمِين.

والسَّلامُ عَليكم ورَحمةُ اللهِ وبَركاتُه.

من هنا لسماع الحلقة العاشرة


الساعة الآن 04:53 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.