عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 10-22-2017, 10:51 PM
أم عبدالله نجلاء الصالح أم عبدالله نجلاء الصالح غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: عمّـــان الأردن
المشاركات: 2,568
افتراضي استنكار العبد للوساوس في ذات الله - تعالى - هو صريح الإيمان.

استنكار العبد للوساوس في ذات الله - تعالى - هو صريح الإيمان.

من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم ع. ن. ع . زاده الله من العلم والإيـمان وجعله مباركا أينما كان آمين.

سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد :

فقد وصلني كتابك الكريم المؤرخ 27 /1/ 1395هـ. وصلك الله بحبل الهدى والتوفيق، وما تضمنه من السؤال عما ألقاهُ إليك بعض الزملاء بقوله :

إنه يعترف أن الله - سبحانه - هو خالق السماوات والأرض والعرش والكرسي وكل شيء، ولكنه يسأل قائلا : الله ممن تَكَوَّنْ ؟ فأجبته بقولك كلامك الأول صحيح لا تعليق عليه، أما قولك الثاني وهو قولكَ : ممن تَكَوَّن الله ؟ فلا يقوله مُسلم، وينبغي أن يَسَعَكَ ما وَسِعَ الصحابة - رضي الله عنهم - فإنهم لم يسألوا مثل هذا السؤال وهم الفطاحل في العلم، وقلت له أيضاً : إن الله – سبحانه - قال عن نفسه : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [1].

وقوله : ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [2] إلى آخر ما ذكرت رغبتك في الإجابة عن هذه الشبهة كان معلوما.

والجواب : اعلم وفقني الله وإياك وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه أن شياطين الإنس والجن لم يزالوا ولن يزالوا يوردون الكثير من الشبه على أهل الإسلام وغيرهم للتشكيك في الحق وإخراج المسلم من النور إلى الظلمات وتثبيت الكافر على عقيدته الباطلة، وما ذاك إلا لما سبق في علم الله وقدره السابق من جعل هذه الدار ابتلاء وامتحان وصراع بين الحق والباطل حتى يتبين طالب الهدى من غيره وحتى يتبين الصادق من الكاذب والمؤمن من المنافق؛ كما قال - سبحانه: - ﴿الم ۞ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ۞ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [3]. وقال - سبحانه : - ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [4].

وقال - تعالى - : ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ [5].

وقال - سبحانه : - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ۞ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ [6].

فأوضح سبحانه في الآيات الأولى والثانية والثالثة أنه يبتلي مدعي الإيمان بشيء من الفتن ليتبين صدقه في إيـمانه وعدمه كما أخبر سبحانه أنه فعل ذلك بمن مضى ليعلم سبحانه الصادقين من الكاذبين وهذه الفتنة تشمل فتنة المال والفقر والمرض والصحة والعدو وما يلقي الشياطين من الإنس والجن من أنواع الشبه وغير ذلك من أنواع الفتن فيتبين بعد ذلك الصادق في إيـمانه من الكاذب ويعلم الله ذلك علماً ظاهراً موجوداً في الخارج بعد علمه السابق لأنه سبحانه قد سبق في علمه كل شيء كما قال عز وجل: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [7].

وقال النبي - صلى الله عليه وسلم : - (إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة قال وعرشه على الماء). [8]. [أخرجه مسلم في صحيحه].

ولكنه - عز وجل - لا يؤاخذ العباد بمقتضى علمه السابق وإنما يؤاخذهم ويثيبهم على ما يعلمه منهم بعد عملهم إياه ووجوده منهم في الخارج، وذكر في الآيات الرابعة والخامسة والسادسة أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من أنواع الشبه وزخرف القول ما يغرونهم به ليجادلوا به أهل الحق ويشبهوا به على أهل الإيـمان ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة ويرضوا به فيصولوا ويجولوا ويلبسوا الحق بالباطل ليشككوا الناس في الحق ويصدوهم عن الهدى وما الله بغافل عما يعملون.

لكن من رحمته عز وجل أن قيض لهؤلاء الشياطين وأوليائهم من يكشف باطلهم ويزيح شبهتهم بالحجج الدامغة والبراهين القاطعة فيقيموا بذلك الحجة ويقطعوا المعذرة وأنزل كتابه سبحانه تبيانًا لكل شيء كما قال عز وجل : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [9].

وقال سبحانه : ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا [10].

قال بعض السلف هذه الآية عامة لكل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.

وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن بعض الصحابة - رضي الله عنهم - قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم : - "يا رسول الله ! إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به"، قال : (وقد وجدتموه؟) قالوا : نعم، قال : ذاك صريح الإيـمان) [11].

قال بعض أهل العلم في تفسير ذلك إن الإنسان قد يوقع الشيطان في نفسه من الشكوك والوساوس ما يصعب عليه أن ينطق به لعظم بشاعته ونكارته حتى أن خُرورَهُ من السماء أهْوَنُ عليه من أن ينطق به، فاستنكار العبد لهذه الوساوس واستفظاعه إياها ومحاربته لها هو صريح الإيـمان؛ لأن إيمانه الصادق بالله - عز وجل - وبكمال أسمائه وصفاته وأنه لا شبيه له ولا ند له وأنه الخلاق العليم الحكيم الخبير يقتضي منه إنكار هذه الشكوك والوساوس ومحاربتها واعتقاد بطلانها.

ولا شك أن ما ذكره لك هذا الزميل من جملة الوساوس وقد أحسنتَ في جوابه ووفقت للصواب فيما رددتَ به عليه زادك الله علماً وتوفيقا، وأنا أذكر لك إن شاء الله في هذا الجواب بعض ما ورد في هذه المسألة من الأحاديث وبعض كلام أهل العلم عليها لعله يتضح لك من ذلك وللزميل المُبتلى بالشبهة التي ذكرتَ ما يكشف الشبهةَ ويبطِلها، ويوضِّح الحق ويبيِّن ما يجب على المؤمن أن يقوله ويعتمدَهُ عند ورودِ مثل هذه الشبهة، ثم أختم ذلك بما يفتح الله عليَّ في هذا المقام العظيم، وهو - سبحانه - ولي التوفيق والهادي إلى سواء السبيل.


يُتبَع إن شاء الله - تعالى -.

http://www.binbaz.org.sa/fatawa/4221
____________
[1]. [سورة الشورى الآية 11]
[2]. [سورة الحديد الآية 3]
[3]. [سورة العنكبوت الآيات 1- 3].
[4]. [سورة محمد الآية 31].
[5]. [سورة الأنعام الآية 121].
[6]. [سورة الأنعام الآيات 112- 113].
[7]. [سورة الطلاق الآية 12].
[8]. [أخرجه مسلم في كتاب القدر، باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام، برقم 2653].
[9]. [سورة النحل الآية 89].
[10]. [سورة الفرقان الآية 33].
[11]. [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم 132].
__________________
يقول الله - تعالى - : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون} [سورة الأعراف :96].

قال العلامة السعدي - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية الكريمة : [... {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} بقلوبهم إيمانًاً صادقاً صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله - تعالى - ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات من السماء والارض، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيشٍ وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نصب ... ] اهـ.
رد مع اقتباس