عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 10-22-2017, 11:04 PM
أم عبدالله نجلاء الصالح أم عبدالله نجلاء الصالح غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: عمّـــان الأردن
المشاركات: 2,576
افتراضي استنكار العبد للوساوس في ذات الله - تعالى - هو صريح الإيمان. - تتمــــَّـــة.

قال الإمام البخاري رحمه الله في كتابه الجامع الصحيح ص 336 من المجلد السادس من فتح الباري طبعة المطبعة السلفية في باب صفة إبليس وجنوده : حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، قال : أخبرني عُرْوَة بن الزبير قال أبو هريرة - رضي الله عنه - : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (يأتي الشيطان أحدكم فيقول : من خلق كذا، من خلق كذا، حتى يقول : من خلق ربك ؟ فإذا بلغَهُ فليستعذ باللهِ ولينته). [12]. رواه في كتاب الاعتصام ص 264 المجلد الثالث عشر من فتح الباري عن أنس - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : - (لن يبرح الناس يتساءلون : حتى يقولوا : هذا الله، خلق كل شيء فمن خلق الله ؟ ) [13].

وأخرج مسلم في صحيحه اللفظ الأول من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - ص 154 من الجزء الثاني من المجلد الأول من شرح مسلم للنووي، وأخرجه مسلم أيضاً بلفظ آخر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله فمن وجد شيئاً فليقل : آمنت بالله ورسله) [14]. ثم ساقه بألفاظ أخر ثم رواه من حديث أنس - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: قال الله - عز وجل - : (إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا ؟ما كذا حتى يقولوا هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله) [15].

أخرج مسلم أيضًا رحمه الله عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : (جاء ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال : وقد وجدتموه؟ قالوا : نعم، قال: ذاك صريح الإيـمان) [16]. ثم رواه من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: سئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوسوسة قال : (تلك محض الإيـمان) [17].
- رضي الله عنه -
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم لما ذكر هذه الأحاديث ما نصه : [أما معاني الأحاديث وفقهها : فقوله - صلى الله عليه وسلم - : (ذلك صريح الإيـمان)، و (محض الإيـمان) معناه استعظامكم الكلام به هو صريح الإيـمان، فإن استعظام هذا وشدة الخوف منه ومن النطق به، فضلاً عن اعتقاده، إنما يكون لمن استكمل الإيـمان استكمالاً محققاً، وانتفت عنه الريبة والشكوك، واعلم أن الرواية الثانية وإن لم يكن فيها ذكر الاستعظام فهو مراد، وهي مختصرة من الرواية الأولى، ولهذا قدم مسلم رحمه الله الرواية الأولى وقيل معناه إن الشيطان إنما يوسوس لمن أيس من إغوائه فينكد عليه بالوسوسة لعجزه عن إغوائه.

وأما الكافر فإنه يأتيه من حيث شاء ولا يقتصر في حقه على الوسوسة بل يتلاعب به كيف أراد، فعلى هذا معنى الحديث سبب الوسوسة محض الإيـمان أو الوسوسة علامة محض الإيـمان وهذا القول اختيار القاضي عياض، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : (فمن وجد ذلك فليقل : آمنت بالله). وفي الرواية الأخرى: (فليستعذ بالله ولينته). فمعناه الإعراض عن هذا الخاطر الباطل والالتجاء إلى الله - تعالى - في إذهابه].
قال الإمام المازري رحمه الله : [ظاهر الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن يدفعوا الخواطر بالإعراض عنها، والرد لها من غير استدلال ولا نظر في إبطالها قال : والذي يقال في هذا المعنى إن الخواطر على قسمين فأما التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها شبهة طرأت فهي التي تدفع بالإعراض عنها وعلى هذا يحمل الحديث وعلى مثلها ينطلق اسم الوسوسة، فكأنه لما كان أمرًا طارئًا بغير أصل دفع بغير نظر في دليل إذ لا أصلَ له ينظر فيه، وأما الخواطر المستقرة التي أوجبتها الشبهة، فإنها لا تدفع إلا بالاستدلال والنظر في إبطالها، والله أعلم.

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - : (فليستعذ بالله ولينته) فمعناه إذا عرض له هذا الوسواس فليلجأ إلى الله – تعالى - في دفع شره عنه، وليعرض عن الفكر في ذلك، وليعلم أن هذا الخاطر من وسوسة الشيطان، وهو إنما يسعى بالفساد والإغواء، فليعرض عن الإصغاء إلى وسوسته، وليبادر إلى قطعها بالاشتغال بغيرها، والله أعلم].

وقال الحافظ في الفتح في الكلام على حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - المذكور في أول هذا الجواب ما نصه : قوله : (من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته) أي : عن الاسترسال معه في ذلك، بل يلجأ إلى الله في دفعه، ويعلم أنه يريد إفساد دينه وعقله بهذه الوسوسة، فينبغي أن يجتهد في دفعها بالاشتغال بغيرها.

قال الخطابي : [وجه هذا الحديث أن الشيطان إذا وسوس بذلك فاستعاذ الشخص بالله منه وكف عن مطاولته في ذلك اندفع، قال : وهذا بخلاف ما لو تعرَّض أحد من البشر بذلك، فإنه يمكن قطعه بالحجة والبرهان، قال : والفرق بينهما : أن الآدمي يقع منه الكلام بالسؤال والجواب والحال معه محصور، فإذا راعى الطريقة وأصاب الحجة انقطع، وأما الشيطان فليس لوسوسته انتهاء، بل كلما ألزم حجةً زاغ إلى غيرها إلى أن يفضي بالمرء إلى الحيرة، نعوذ بالله من ذلك. على أن قوله : من خلق ربك ؟ كلامٌ متهافتٌ ينقُضُ آخِرَهُ أوله، لأن الخالق يستحيل أن يكون مخلوقاً، ثم لو كان السؤال متجهاً لاستلزم التسلسل وهو محال، وقد أثبت العقل أن المحدثات مفتقرة إلى محدث. فلو كان هو مفتقراً إلى محدث لكان من المحدثات، انتهى. والذي نحا إليه من التفرقة بين وسوسة الشيطان ومخاطبة البشر فيه نظر، لأنه ثبت في مسلم من طريق هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث : (لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال هذا الله خلق الخلق فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئاً فليقل آمنت بالله فسوى في الكف عن الخوض في ذلك بين كل سائل عن ذلك من بشر وغيره.

وفي رواية لمسلم عن أبي هريرة قال : سألني عنها اثنان، وكان السؤال عن ذلك لما كان واهياً لم يستحق جوابا، أو الكف عن ذلك الأمر بالكف عن الخوض في الصفات والذات].

قال المازري : [الخواطر على قسمين : فالتي لا تستقر ولا يجلبها شبهة هي التي تندفع بالإعراض عنها، وعلى هذا ينـزل الحديث، وعلى مثلها ينطلق اسم وسوسة، وأما الخواطر المستقرة الناشئة عن الشبهة فهي التي لا تندفع إلا بالنظر والاستدلال، وقال الطيبي: إنما أمر بالاستعاذة والاشتغال بأمر آخر ولم يأمر بالتأمل والاحتجاج؛ لأن العلم باستغناء الله - جل وعلا - عن الموجد أمر ضروري لا يقبل المناظرة، ولأن الاسترسال في الفكر في ذلك لا يزيد المرء إلا حيرة، ومن هذا حاله فلا علاج له إلا الملجأ إلى الله تعالى والاعتصام به، وفي الحديث إشارة إلى ذم كثرة السؤال عما لا يعني المرء وعما هو مستغن عنه، وفيه علم من أعلام النبوة لإخباره بوقوع ما سيقع فوقع.

___________

[12]. [أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم 3276، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقول من وجدها، برقم 134].
[13]. [أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، برقم 7296].
[14]. [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقول من وجدها، برقم 134].
[15]. [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها برقم 136].
[16]. [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم 132].
[17]. [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها، برقم 133].
__________________
يقول الله - تعالى - : {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون} [سورة الأعراف :96].

قال العلامة السعدي - رحمه الله تعالى - في تفسير هذه الآية الكريمة : [... {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا} بقلوبهم إيمانًاً صادقاً صدقته الأعمال، واستعملوا تقوى الله - تعالى - ظاهرًا وباطنًا بترك جميع ما حرَّم الله؛ لفتح عليهم بركات من السماء والارض، فأرسل السماء عليهم مدرارا، وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم في أخصب عيشٍ وأغزر رزق، من غير عناء ولا تعب، ولا كدٍّ ولا نصب ... ] اهـ.
رد مع اقتباس