أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
6945 37496

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 12-17-2009, 06:54 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي [ تفريغ ] يوم عاشوراء: فضائله وأحكامه - علي بن حسن الحلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

«يَومُ عَاشُورَاءَ»
فَضَائِلُهُ وَأَحْكَامُهُ

(محاضرة مفرغة)

لفضيلةِ الشَّيخِ
عَلِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ
-حَفِظَهُ اللهُ-


تفريغ أختكن/ أم زيد




إنَّ الحمْدَ للهِ، نَحمدُهُ، ونَستعينُه، ونَستغفِرُه، ونَعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفُسِنا، وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هادِي له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وحدهُ لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كلامُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضَلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النَّارِ، وبعدُ:
فقد صحَّ عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنه قال: "إنَّ لِرَبِّكُمْ في أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحاتٍ؛ ألاَ فتعرَّضوا لَها، وسَلُوا اللهَ أن يَستُرَ عَوراتِكم، وأن يُؤمِنَ رَوعاتِكم".


وهذه النفحاتُ الرَّبانيَّة تُصيب مَن يتعرَّض لها بالخير والبِرِّ والسنة، وما ذاك إلا بسبب فضائل أودعها الله -تبارك وتعالى- بها وفيها؛ فالله عز وجل- بما يشاء مِن فضله ومِنَّته يختص -مِن الأزمنة- أزمنةً يُودِعها فضلًا وقَدْرًا؛ مِن ذلك: شهر رمضان. . مِن ذلك: أيام الحجِّ. . من ذلك: يوم عرفة. . وفي أيام رمضان: ليلة القَدر. . ومِن ذلك: يوم عاشوراء. . وهكذا.


وإذا يشاء الله -عز وجل-بمنِّه وفضله-؛ فإنه يُودِع الأمكنة فضلًا -أيضًا-: كما في المساجد الثلاثة -التي لا يُشد الرِّحال إلا إليها-، وكما في مسجد قباء، وغير ذلك -مما ثبت فضلُه بالدليل الصريح، والنص الصحيح.


وإذا يشاء الله -عز وجل- جعل هذا الفضل في بعض خلقه -من بني آدم-: كما اختص الأنبياءَ بالنُّبوة -اصطفاءً واختيارًا-، وكما امتنَّ على بعض الصحابة بالصِّدِّيقيَّة والشـرفِ والفضل؛ كأبي بكر الصِّديق، وعُمر، وعثمان، وعلي، وغيرهم ممن ثبت النصُّ فيهم فضلاً بالخصوص، أو بالعُموم، وسائر الصحابة بالعموم بنصِّ كتاب الله -رضي الله عنهم ورضُوا عنه-.


وفي هذه الأمسية المباركة: سيكون لنا كلامٌ حول (يوم عاشوراء)، وسنذكر بعضَ ما يتعلَّق به؛ سواء من الاشتقاق اللغوي، أو مِن المعنى، أو من الأحكام، أو التاريخ، أو المُحْدَثات؛ كل ذلك تعريفًا لأهل السُّنة بالسُّنة، وأن أهل السُّنة هم أهلُها الحريصُون عليها، الدَّاعُون إليها، وأنَّ أهل البدع والأهواء مهما حاولوا، ومهما جَهدوا وزعَموا؛ فإن تعلُّقهم بما قد يُظَن أنه مِن الخير؛ فإنه لن يكونَ خيرًا، ولئن أمسَكوا بشـيءٍ مِن الخير؛ فإنما يُلوِّثُونه بِبدعِهم وضلالاتِهم وانحرافاتِهم وتزيُّدِهم الباطل الذي ما أنزل اللهُ -تعالى- به مِن سلطان.


فـ (عاشوراء): مأخوذ مِن (العَشْـر)، ووزنُه الصَّـرفي: (فاعُولاء)، وله أمثلة؛ كما يقال -أيضًا-: (تاسوعاء)؛ أي: يوم التاسع، وهو بإضافة ألِف التأنيث يُصبح ممنوعًا من الصَّرف؛ فلا يُصـرف (عاشوراء)، أو (تاسوعاء)، وما جاء على هذا الوزن.
وأيضًا: يُقال: (عَشُوراء) بدون ألِف، يُقال: (عشوراء)، ويقال: (عَشوراء)، ويقال: (عاشور) -أيضًا- هذا كلُّه نطقت به العرب، وإن كان أشهر ذلك -كلِّه- بين الناس هو: (عاشوراء).


و(عاشوراء): هو -على أرجح الأقوال- (يوم العاشر)، وإن وردَ عن ابنِ سِيرين قوله: " كانوا لا يختلفون أنه العاشِر، إلا ما رُوي عن ابنِ عبَّاس "؛ ولكن هذا الذي رُوي عن ابن عباسٍ -على الرَّاجح- له توجيهات ذكرها الإمام ابن القيم، ومِن قبلِه الإمام البيهقي، والصواب: أن ابن عباس كغيره من الصحابة؛ ففي "سُنن الترمذي": عن ابن عباس أنه قال: "كان رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يصومُ عاشوراء؛ وهو اليومُ العاشر". فما ورد مِن ذِكر غير ذلك؛ فيُحمل على ما نُقل عنه -رضي الله عنه- مِن الحضِّ على التاسع، والحضِّ على الحادي عشر؛ مخالفةً لليَهود، وهذا الحضُّ مِن باب الفضلِ، وليس مِن باب الواجب، -كما سيأتينا من كلام الإمام ابن القيم-رحمه الله-.


وأيضًا مما يُذكر في هذا المقام: أن عاشوراء: هو العاشِر من شهر المحرَّم، ونقول: (المحرَّم)، ولا نقول: (محرَّم)، وقد نبَّه علماء اللُّغة: أنه لا يوجَد شهرٌ من الشهور العربية أُضيف إليه الألِف واللام إلا شهر الله المحرَّم؛ وبالتالي: فإن مِن الخطأ أن يُقال: (شهر محرَّم)؛ وإنما هو (شهر الله المحرَّم).


والله -عز وجل- يقول في كتابه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} [التوبة: 36]، وهذه الأربعة وردت في السُّنَّة؛ ففي "صحيح البخاري" و"مسلم": عن أبي بَكْرَة -رضي الله عنه-.. [و"أبو بكرة": صحابي جليل، اسمُه: نُفَيع بن الحارث، حاول بعضُ أهل البدع -قديمًا- أن يطعنوا به، وأن يغمزوا في رواياتِه -في "صحيح البخاري"، وغيره-؛ بل أن يَغمزوا في عدالتِه -هو-رضي الله عنه-، وللأسف أن بعض المنتسِبين للسُّنة -في العصر الحديث- نزع إلى قولهم، وذهب إلى كلامِهم؛ فأتى بسُوءٍ مِن القول! لم يسكت عنه أهل العلم، وتصدَّوا له، وكشَفوا هواءَ وهَراء كلامِه.


ففي "الصحيحين": عن أبي بَكرة -رضي الله عنه- قال: خطَبَنا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يوم النَّحر؛ فقال: "إنَّ الزَّمانَ قَد اسْتَدارَ كَهَيْئَتِه يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ؛ السَّنَة: اثنا عَشر شهرًا، منها أربعةٌ حُرُم: ثلاثٌ مُتوالِيات: (ذُو القعدَة)، و(ذو الحجَّة)، و(المحرَّم)، و(رجَب مُضَر) الذي بين جُمادَى وشَعبان".


و(رَجب مُضَر): لُقِّب أو أضيف إلى مُضَر؛ فقيل: (رجب مُضر)؛ لأن قبيلة (مُضَر) -من قبائل العرب- كانت تعظِّم هذا الشهر أكثر من غيرها مِن قبائل العرب؛ فأضيف إليها.


وكذلك -أيضًا- كان يُقال -في هذه الأشهر الأربعة-: (ثلاثة سَرْد، وواحِدٌ فَرْد). (الثلاثة السَّرْد)؛ ما هي؟ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرَّم. و(واحد فَرْد)؛ وهو؟ رجب؛ لذلك -أيضًا- يقولون في كتب اللغة: (رجب الفَرْد)، يقولون: (في الثاني عشر مِن شهر رجب الفَرْد) -مثلًا-.. وهكذا.


والنبي -عليه الصلاة والسلام- سمَّى هذا الشهر بـ (شهر الله المحرَّم)، وإنما أضافَهُ إلى الله (شهر الله) إضافة تشريف، وإضافة التَّشريف معروفة في نُصوص الشَّرع؛ كما نقول: بيت الله، وناقة الله . . وهكذا، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "أفضلُ الصِّيامِ بَعْدَ رَمضَانَ: شَهرُ اللهِ المحرَّم" كما في "صحيح الإمام مسلم".


وللحافظ ابن رجب -رحمه الله- كلمة في هذا المعنى، يقول فيها -في كتابه: " لطائف المعارِف "-، يقول: " قد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله: أنه إشارة إلى أن تحريمَه إلى الله -عز وجل-" يعني: أن الله هو الذي حرَّمه، "ليس لأحد تبديلُه، كما كانت الجاهلية يُحلِّونه ويحرِّمون مكانه صفرًا" {يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا} [التوبة: 37]، "فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرَّمه الله" (المحرَّم): أي مِن عند الله، "فليس لأحد مِن الخلْق تبديل ذلك وتغييرُه "، نعم.


ومِن أجل هذا: جاء في فضل (المحرَّم) نصوص متعددة، وفي فضل (عاشوراء) -على وجه الخصوص- نصوص أخرى.


أما سبب تعظيم العَرب له: ففي الحقيقة؛ أنه ذكر الحافظ ابنُ حجر في "فتح الباري" أوجهًا عدة، ولكن؛ لا دليل قاطعٌ في إثبات وجهٍ -من هذه الوجوه-؛ إلا أن يكون ذلك مِن بقايا إِرث الأنبياءِ في أن يكون هذا مما حرَّمه الله عليهم.


وكما ذكرنا في الحديث: قوله -عليه الصلاة والسلام-: "أفضلُ الصِّيامِ بَعْدَ رَمضَانَ: شَهرُ اللهِ المحرَّم، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بَعدَ الْفَريضَةِ: قِيامُ اللَّيْلِ".





يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 12-17-2009, 03:16 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

لكن هنا شيء:

وهو أننا يجب أن نفهمَ الأحاديث القوليَّةَ الواردة عن النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- مِن خلال تطبيقِه العَملي، وتطبيقِه الفِعلي؛ هذا أكمل المقامات، وأجلى البيِّنات؛ لا أن نفهم الأحاديثَ بفهمٍ عربي -فقط؛ بلغة العَرب- بمَعزلٍ عن فَهمِ، وعن إدراك أفعالِ رسول الله -عليه الصلاة والسلام- وأصحابه الكرام -رضي الله عنهم-.


فشَهر الله المحرَّم لم يَرِد في السُّنة صيامٌ عن النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا عاشوراء، والحديث الآخر -الذي سيأتي معنا-: "لَئِنْ عِشْتُ إِلى قابِل؛ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ".


أما تخصيص اليوم الأول، وغير ذلك من أفعال دون النظر إلى السُّنَّة العملية التطبيقية الواردة عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ فهذا -لا شك، ولا ريب- مِن محدَثات الأمور. نعم.


وها هنا ذكرٌ لبعض البدع الواردة في شهر المحرَّم -مما ذكرها أهل العلم-:


من ذلك: إحداث أعيادٍ بمناسبة دخولِ العامِ الجديد، ثم البِناء على ذلك بِتبادل التَّهاني.
وهذا لا أصل له، وليس في الإسلام إلا عِيدان، أتانا الله -تعالى- إياهما، وأبدلنا بهما عن أعياد الجاهلية -يوم النيروز والمهرجان- اللَّذَيْن قدِم النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة، فوجد أهل الجاهلية يُعيِّدون فيهما؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: "إِنَّ اللهَ أَبْدَلَكُما يَومَيْنِ خَيْرًا مِن ذَيْنِكَ" ثم ذكر: عيد الفطر وعيد الأضحى.


أما ما يتوارثه، ويتناقله الناس مِن زعمهم: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "لا بورِك في أمَّةٍ كَثُرتْ أعيادُها"؛ فهذا لا أصل له، ولا يصح، ولا يثبت عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وآله وسلَّم-.


مِن ذلك -أيضًا-مِن بدع شهر المحرَّم بشكل عام، ولم نصلْ-بعد-إلى ذِكر عاشوراء على الخصوص-: الاحتفال بمناسبة الهجرة؛ ظنًّا -مِن فاعلي ذلك- أن الهجرةَ وقعت في أول العامِ الهجري.


وهذا غير صحيح.


فقد نبَّه الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" -هذا التاريخ العظيم-: أن الهجرة حدثت في أوائل شهر ربيعٍ الأول، مِن السَّنة الثالثة عشرة [للبعثة]؛ وليست في المحرَّم، فاحتفال الناس بذِكرى الهجرة مخالِفٌ للتَّاريخ، ومُخالف للسُّنَّة -أيضًا-.


مع التَّنبيه -ها هنا- إلى شيء: أن أكثر المحتفِلين بالهجرة لا يُطبِّقون معالمَ الهجرة ولا معانيَها التي نبَّه إليها الإمام ابنُ القيم: هجرة القلوب والأفعال والأعمال من المعاصي، وهجرةُ الأبدان مِن مواقع الخَلل والزَّلل؛ كدِيار الكافِرين، وما أشبه ذلك مما يُعادَى فيه اسمُ الله، ويُنتقَص فيه شرعُ الله -سبحانه في عُلاه-، فهذه الهجرة العملية الواقعية التطبيقيَّة لا تنقطعُ عن العبد المؤمن -في أي ليلة، وفي أي يومٍ، وفي أي لحظة-مِن ليل، أو نهار-؛ فهو يَسعى دائبًا، ويدأب ساعيًا أن يكون مهاجرًا بقلبِه إلى ربَّه {إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي...} [العنكبوت: 26].


كذلك -أيضًا-: نراهم يستدلون ببعض الأحاديث المكذوبة التي فيها سُنِّيَّة افتتاحِ السَّنَة بِصيام. وهذا لا أصل له عن الرسول -عليه الصلاة والسلام-.


وكذلك -أيضًا- مِن البدع: ما أشار إليه الإمامُ أبو شامة في كتابه "الباعث عن البِدع والحوادث": قال: "ولم يأتِ شيءٌ في فضل إحياء أول ليلة المحرَّم"، قال: "وقد فتَّشت فيما نُقل مِن الآثار -صحيحًا وضعيفًا، وفي الأحاديث الموضوعة-؛ فلم أرَ أحدًا ذَكر فيها شيئًا، وإني لأتخوَّف -والعياذُ بالله- مِن مُفترٍ يختلق فيها حديثًا"؛ مع أن الإمام أبا شامة مِن أئمة ما بعد القَرن الثامن أو السَّابع فما بعد، ومع ذلك: يعتبر أن الوَضع يتجدَّد؛ نَعم الوضع يتجدد! ولا زِلنا نسمع في كل فتنة تحدُث في الأمة مَن يَفتَرون على النبي -عليه الصلاة والسلام- الأحاديث، ويكذِبون عليه -عليه أفضل الصلاة وأتمُّ التسليم-، ولسان حالِهم -إن لم يكونوا خبثاء مُجرِمين-تعمُّدًا وقصدًا- لسان حالهم -إن لم يكونوا كذلك- أن يقولوا: (إنما نكذِب له، ولا نكذِب عليه)!! وهذا كما يقال: (عُذر أقبحُ مِن ذنب)! يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: " مَن كَذَبَ عليَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ"، ويقول -عليه الصلاة والسلام-: "إنَّ كَذِبًا عَليََّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ"؛ فالكذب على النبي -عليه الصلاة والسلام- من أعظم الكبائر؛ بل ذهب بعضُ أهل العلم -كإمام الحرمَين- إلى أنه كُفْر ورِدَّة -نسأل الله العافية-.



يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 12-18-2009, 06:51 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

وأيضًا: بعض الناس يُخصِّصون أول المحرَّم بعمرة.


وبعضهم يُرتِّبون دعاءً خاصًّا -أيضًا- مُرتَبطًا بأول السَّنَة.


وكل ذلك لا أصل له.



مع التنبيه إلى: أن هذه البدع قد تتغير، وتتبدل، وتشتهر، أو تندثر باختلاف الزمان والمكان؛ فما قد يكون غير موجودٍ في بلادنا -فهذا مِن فضلِ الله علينا-؛ فإنه موجودٌ في بلاد أخر. ما لم نَرَه، أو نعرفه، أو نحس به؛ قد يَراه غيرُنا، ويُبتلَى به سوانا؛ فالمعافى يحمد الله.




أما (عاشوراء): فقد ورد في فضله أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. منها حديث عائشة في "الصَّحيحين"، قالت: "كان يوم عاشوراء تصومُه قريش في الجاهلية، فلما قَدِم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينةَ صامَه، وأمَر بِصيامه، فلما فُرِضَ رَمضان؛ تَرك يومَ عاشوراء" أي: ترك صيامَه على الوُجوب.


فالرَّاجح: أن (عاشوراء) لما صامَه النبي -عليه الصلاة والسلام-قبل فَرْض رمضان- أنه كان فرضًا؛ وأما بعدَ أنْ فُرِض رمضان؛ فكما في حديثِ عائشة قالت: "تَرَك يومَ عاشُوراءَ"، وتتِمَّة الرِّواية تُوضِّحُها، قالت -رضي الله عنها-: "فمَنْ شَاءَ صامَهُ، ومَنْ شاءَ تَرَكَهُ". إذًا: هو على الاستحباب والتَّخيير، ولكنَّ الاستِحباب أقوى مِن مَحضِ التَّخيير.


وأيضًا في "الصَّحيحين": عن ابن عباس قال: "قَدِم النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- المدينةَ، فرَأى اليهودَ تَصومُ يَومَ عاشُوراءَ، فقال: ما هَذا؟ قالوا: هذا يَومٌ صالِحٌ [وفي رواية: يَومٌ عَظيمٌ]، هذا يومُ نجَّى اللهُ فِيهِ مُوسَى وقومَهُ مِن أعدائِهِم، وأغرَقَ فِرعونَ وقومَه، فَصامَه موسَى" هذا كلام اليهود الذين كانوا يَصومون هذا اليوم؛ فحينئذٍ قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "فأَنا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُم".


كلُّ حقٍّ أهلُ السُّنة أولى به، كل حقٍّ أهلُ الإسلامِ أولى به، وفي دينِهم وفي منهجِهم غَناء واستغناء عن يأتُوا بأيِّ شيء مِن خارجِه، وهذا النبيُّ الكريم -عليه الصلاة والسلام- في هذه الأحقيَّة؛ إنما هي بِوَحيٍ من ربِّه: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى - إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3-4].


قال: "فَصامَهُ، وأَمَرَ بِصِيامِهِ" وهذا الأمر-كما قلنا-: الأصلُ فيه الوجوب، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63]، إلى أن فُرِض رمضان؛ فانتَقل الأمرُ مِن الوجوب إلى الاستِحباب.


ومنها -أيضًا-: عن أبي موسى الأشعري قال: كان يومُ عاشُوراءَ تَعُدُّه اليَهودُ عِيدًا، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: "فصُومُوا أَنْتُمْ" متفقٌ عليه.


وفي هذا إشارة: إلى أن يوم العيد لا يُصام، إذا كان اليهودُ يَعُدُّونه عيدًا؛ فنحنُ نصومُ؛ مخالفةً لهم في أصل فِعلهم، وفي اعتبار هذا اليوم يومَ عِيد؛ وكل ذلك أهلُ السُّنة أولى به، وأحرصُ عليه، وأدعَى أن يَجمعوا الناس إليه.


وفي "الصَّحيحَيْن" -أيضًا-: عن حُميد بن عبدِ الرحمن: أنه سمع معاوية بنَ أبي سفيان -رضي الله عن معاوية-.. صحابي جليل، مِن كتَبة الوحي، دعا له رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، وشَهِد له الصَّحابة، قال ابنُ عباس: "إنَّه لفَقِيه"، ويأتي -اليوم- بعض زعانفة الجهلة المتسلِّقين بالباطل والزُّور والإفك المبين، يَطعن بمعاوية، ويطعن بأَبِيه، ويا ليت -تنزُّلًا- كان الأمر مجردَ طعنٍ قائم على شُبهة؛ لسَهُلت الضلالةُ شيئًا ما -وإن كانت ليست سهلة-؛ لكنهم يوجِّهون إليهم سِهام التَّكفير والخروج مِن هذا الدِّين، ومِن مِلَّة المسلمين! {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا} [الكهف: 5]، ثم لا يَزالون ينسِبون أنفسَهم لا أقول إلى السُّنة، ولكن يَنسبون أنفسهم -هؤلاء الضالُّون- إلى هذا الدِّين، ونخشى ما نخشاه أن يكون ذلك السَّهم الذي وجَّهوه إلى معاويةَ وأبيه مُرتدًّا على رقابِهم، وعلى أعناقِهم؛ فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: "أيُّما رَجُلٍ كَفَّرَ أَخاهُ المُسلِمَ؛ فَإِنَّها تَصْعَدُ إِلى السَّماءِ، فإنْ لم تَجِدْهُ كَما قَالَ؛ وَإلاَّ حارَتْ إلَيْهِ" أي: رَجعَتْ عَليهِ. وأيُّ فضل أعظم مِن فضلِ هذه الصُّحبة البارَّة لهؤلاء الصحابةِ الأخيار -رضي الله عنهم جميعًا-؟!


ففي "الصَّحيحين": عن حُميد بن عبد الرحمن: أنه سَمع معاويةَ بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- يوم عاشوراءَ عام حَج على المنبر يقول: يا أهلَ المدينة! أين عُلماؤُكم؟ سَمعتُ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: "هَذا يومُ عاشُورَاء، ولَم يَكتُبِ اللهُ عَلَيكُمْ صِيامَهُ، وأَنا صَائِمٌ، فَمَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُفْطِرْ" متفق عليه. هذا حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي يَرويه عنه معاويةُ بنُ أبي سفيان -رضي الله عنه-. فقوله: "ولَم يَكتُبِ اللهُ عَلَيكُمْ صِيامَهُ": أي: على وجه الفرض، وهذا كان بعد فَرضِ رمضان.


وفي "الصَّحيحين" -أيضًا-: عن ابن عباس قال: "ما رأيتُ النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-يتحرَّى صيامَ يومٍ فضَّله على غيرِهِ إلا هذا اليَوم -يوم عاشُوراء-، وهذا الشَّهر؛ يعني: شهر رمضان"، انظروا هذا التحرِّي والتَّدقيق من النبي -عليه الصلاة والسلام-.


وفي "الصَّحيحين": عن الرُّبَيِّع بنت معوِّذ -رضي الله عنها- قالت: "أرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- غَداةَ عاشُوراءَ" أي: صباحَ عاشوراء "إلى قُرى الأَنصار: "مَن أصْبَحَ مُفْطِرًا" هذا في أوَّل الأمر "فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، ومَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا؛ فَلْيَصُمْ" قالت: فكنا نصومه -بعدُ-، ونُصوِّم صِبيانَنا، ونجعل لهم اللُّعبةَ مِن العِهن -القُطن-، فإذا بَكى أحدُهم على الطعام أعطَيناه ذلك، حتى يكون عند الإفطار". انظروا كيف يحدو الصحابةُ على صغارهم؛ رحمةً وتعليمًا وتربيةً وتعويدًا للخير.


وفي "الصَّحيحين": عن سلَمة بن الأكوع قال: أمر النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- رجلاً مِن "أسلم" -إحدى قبائل العرب- أن أذِّن في الناس: "أنَّ مَن كَانَ أَكَلَ؛ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لَم يَكُنْ أكَلَ؛ فَلْيَصُمْ؛ فَإِنَّ الْيَومَ يَومُ عَاشُوراء".


وفي هذا الحديث والذي قَبله دليلٌ على مسألة يكثر الخلافُ فيها، وهي: أن بعضَ الناس في آخر أيام شَعبان، لا يَعرفون أن غدًا رمضان -بداهةً- فينامونَ وهم غير عارِفين، ولا مُرجِّحين أن اليوم التالي رمضان؛ فإذا بهم في الصَّباح -كعادتِهم- يستيقظون، يُفطرون، يأكلون، يشربون.. فإذا ذهبوا إلى العمل أخبرهم زملاؤهم وأصدقاؤهم ورفقاؤهم أن هذا رمضان!


الرَّاجح: أن مَن صار معه ذلك؛ حُكمه كَحُكم عاشوراء؛ يُتم صومَه، ولا شيءَ عليه؛ لأنَّ مناط التكليف: (العِلم والقُدرة)، فإذا تخلَّف أحدُهما؛ لم يكن التكليف قائمًا، وهكذا في هذا المقام -سواء بسواء-.


وأيضًا في "صحيح مسلم": عن أبي قَتادة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "ثَلاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضانُ إِلى رَمَضانَ؛ فَهَذا صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وَصِيامُ يَوْمِ عَرَفَةَ: أَحْتَسِبُ عَلَى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ التِي بَعْدَهُ، وَصِيامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ: أَحْتَسِبُ عَلى اللهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التِي قَبْلَهُ".


وفي "صحيح مسلم": عن عبدِ الله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن أهلَ الجاهليةِ كانوا يَصومون يوم عاشوراء، وأنَّ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- صامَه والمسلمون، قبل أن يُفترض رمضان، فلما افتُرض رمضان؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ عَاشُوراءَ يَومٌ مِنْ أيَّامِ اللهِ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ".
وفي "صحيح مسلم": عن جابر بن سَمُرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يأمرنا بصِيام يومِ عاشوراء، ويَحثُّنا عليه، ويَتعاهَدُنا عِنده".
"يتعاهدنا": هذه سُنَّة -أيضًا- تكاد تكون ضائعة؛ أن يتعاهدَ المسلمُ إخوانَه -في هذه الأيام الفاضلة-؛ أن يُذكِّرهم به، سواء في بيتِه، في سُوقه، في عملِه، في مسجدِه.. أن يُذكِّر إخوانه، وأن يتعاهدهم على هذه الأيام الفاضلة.


قال: "فلما فُرِضَ رَمَضان؛ لَم يَأمُرْنا، ولم يَنْهَنا، ولم يَتعاهَدْنا عِندَه".


"لم يَتعاهَدْنا": على الوَجه الذي فيه ذلك الإلزام، لكن؛ التَّذكير والإرشاد إلى الاستحباب؛ هذا أمر دلَّنا عليه حديثُ أبي موسى، وغيرُه من الأحاديث التي سَبقت؛ وإنما يَروِي كلُّ صحابي ما سَمِع أو رَأى.


و(الأحكام..) وهذه من قواعد العلم: (الأحكام لا تُؤخَذ مُنتزَعةً، مُشقَّقة مِن حديثٍ حديث؛ وإنما تؤخَذُ مجموعةً من مجموعِ الرِّوايات والأحاديثِ الواردةِ عنه -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-).


وفي "صحيح مسلم": عن ابن عباس أنه قال: حين صام رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلَّم- يومَ عاشُوراءَ، وأمَر بِصِيامِه؛ قالوا: يا رسولَ الله! إنَّه يومٌ تُعظِّمه اليهودُ والنَّصارى؟! أشكل ذلك على الصحابة! لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- أصَّل في قلوبِ الصحابةِ وعقولِهم أصلاً: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ لَيْسَ مِنَّا"، "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَلَيْسَ مِنَّا"، "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا".. وهكذا في نصوص متعددة، وألَّف فيها العلماءُ كتبًا مستقلةً؛ فأشكل هذا على الصحابة؛ وفي هذا دليل على أهميةِ العلمِ والتَّعلُّم والسُّؤال، حتى مِن الرَّسول -عليه الصلاة والسلام- الذي لا يَنطِق عن الهوى، والمقام مقامُ وحيٍ وتَبليغ؛ لكنه -بالمقابل- مقام سؤالٍ واستِفسار.


قالوا: يا رسولَ الله! إنَّه يومٌ تُعظِّمه اليهودُ والنَّصارى؟!؛ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "فإذَا كَانَ الْعَامُ المُقْبِلُ إنْ شَاءَ اللهُ صُمْنا الْيَومَ التَّاسِعَ"، قال ابن عباس: "فلم يأتِ العامُ المقبلُ حتى تُوفِّي رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-"، وفي رواية: "لَئِنْ بَقِيتُ إِلى قابِل؛ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" هذه رواية مسلم.


وعن ابنِ عمرَ -في "صحيح البخاري"- قال: "صامَ النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عاشوراء وأمرَ بِصيامِه، فلما فُرِض رمضان؛ تَرَكَه" أي: تَرك الفَرْض، والأمرَ على وجه الافتراض. قال الرَّاوي عن ابن عمر: "وكان عبدُ اللهِ -أي: ابن عمر- لا يَصومُه؛ إلا أنْ يُوافِقَ صَومَه".


ذكر الحافظ ابن حجر -في هذه الجملة-، قال: "كان ابنُ عُمر يَكرهُ تَقصُّدَ عاشوراءَ بالصَّوم، ثم انقرضَ القولُ بِذلكَ"؛ هذا توجيهُ الحافظ ابن حجَر لهذا اللفظ في "صحيح البخاري".


لكن: رأيت في "مصنَّف عبدِ الرزاق" بالسَّند الصَّحيح: عن نافعٍ مولى ابنِ عمر: "لم يَكُنْ ابنُ عمرَ يَصومُ عاشوراءَ إذا كان مُسافرًا، فإذا كان مُقيمًا صامَه".


إذًا: يجبُ أن نَحملَ روايةَ ابنِ عمر أنه كان لا يصومُه إلا أن يُوافقَ صومَه؛ أي: أن يُوافِق ما يَجوز مِن صومِه، أو ما يُستحبُّ مِن صومِه؛ وهو: إذا كان مُقيمًا، أما إذا كان مسافرًا؛ فإنه لا يصومُه.


فالرِّوايات والآثار بألفاظها يوضِّح بعضُها بعضًا.


ومع ذلك: نصَّ الإمام أحمد -رحمه الله- على أنه يُصام عاشوراءُ في السَّفر، لكن؛ على الاستحباب؛ فصيام الفرضِ -فرضِ رمضان- في السَّفر كما قال الصحابة: "كنا نُسافِرُ معَ رسولِ اللهِ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، فمِنَّا الصائمُ، ومِنَّا المُفطِر، فَلَمْ يُنْكِرْ صائِمُنا على مُفْطِرِنا، ولا مُفْطِرُنا على صائِمِنا".




يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 12-18-2009, 07:31 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

وهذه الأحاديث -في الحقيقة- تضمنَّت فوائدَ عِدة:

منها: وقوعُ عاشوراء في شهر اللهِ المحرَّم، وهو خيرُ الشُّهور صِيامًا بعد رمضان.

ومنها: أنه يومٌ صالح عظيم مِن أيام الله.

ومنها: أنه يُكفِّر السَّنة الماضية؛ أي: ذنوبَها وآثامَها ومعاصيها.

ومنها: تَحرِّي النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- صومَه على سائرِ الأيام -بعد رمضان-.

ومنها: أنه يومٌ نجَّى اللهُ فيه موسى وقومَه، وأغرق فرعونَ وقومَه.

ومنها: أن صومَ عاشوراء كان واجبًا، فلما فُرض رمضان صار مُستحبًّا.

ومنها: أنَّ مَن أفطر غير عارٍف الحُكم، ثم عرَفَه؛ يُتمُّ صومَه، ولا شيءَ عليه، سواءٌ ذلك في يوم عاشوراء لمَّا كان فرضًا-كما جاء بذلك الرِّوايات-، أو ما يُحمل عليه مثلُ ذلك مِن صيام رمضانَ لمَن لم يَعْلَمْه.

ومنها: أنه ليس عيدًا، ولو كان عيدًا؛ لاعتبره النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كذلك.

قال الحافظ ابنُ رجب في "لطائف المعارف" -عندمما أورد حديثَ أبي موسى: أن اليهود كانوا يتَّخذون يوم عاشوراءَ عيدًا- قال: "وهذا يدل على النَّهي عن اتخاذه عيدًا؛ وعلى استحبابِ صيامِ أعياد المشرِكين؛ فإن الصَّوم يُنافي اتخاذَه عيدًا، فيوافَقون في صيامِه مع صيام يومٍ آخرَ معه؛ فإنَّ في ذلك مخالفةً لهم في كيفيَّة صيامِه -أيضًا-؛ فلا يَبقَى فيه موافقةٌ لهم في شيءٍ بالكليَّة".


إذًا: خالفناهم في صيام يوم العِيد، وخالفناهم في الإِفراد، فلم يبقَ لهم شيءٌ يختصون به دون المسلمين -لا في قليلٍ ولا في كثير-.


ومنها: استحباب وتحبيبُ أن يصوم .. [انقطاع ، ولعل النقص: (الصغار)] .. وأمرهم بذلك وحضُّهم عليه. فقد روى الإمام الطيالسي في "مسنده": عن الأسود بن يزيد قال: "ما رأيتُ أحدًا كان آمَرَ بصوم عاشوراء مِن عليٍّ وأبي موسى -رضي الله عنهما-".

ولعليٍّ وأبي موسى مَزيَّة وخَصيصة: أنهما مِن فقهاء الصحابة القلائل الذين أرسلهم النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى البُلدان -اليمن وغيرها-، يَنشرون دعوة الإسلام، ويُعلِّمون الناس الدِّين والأحكام، فالذين يَخرجون ليَقوموا بالدَّعوة إلى الله هم العلماء، ليسوا الجهلاء! الجهلاء مكانُهم الجثُو على الرُّكَب بين أيدي أهل العلم، أما العُلماء هم الذين يَخرجون، ويُعلِّمون الناس؛ {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} [التوبة: 122] هذا هو الحق في هذه القضية، هكذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يُرسل معاذًا.. يرسل عليًّا.. يُرسل أبا موسى.. يرسل هكذا مِن أعيان الصحابة والقِلة منهم؛ حتى يُعلِّموا الناس الخير.



ذكر الإمامُ ابن القيم في "زاد المعاد" فائدةً مُهمة، قال: "مَراتب صومِ عاشوراء ثلاثٌ؛ أكملُها: (أن يُصامَ قبله يومٌ، وبعدَه يوم)، ويَلي ذلك: .. " المرتبة الثانية -الأقل- "(أن يُصام التاسع والعاشر)، وعليه أكثرُ الأحاديث، ويلي ذلك: (إفرادُ العاشِرِ وحدَه بالصَّوم)".



إذًا: أكملُ المراتب : أن يُصام ثلاثة أيام: (التاسع، والعاشر، والحادي عشر)، والثاني منها: (أن يُصام التاسع والعاشر)، والثالث: (إفراد العاشر)؛ وكلُّ ذلك جائز، ليس منه شيءٌ محرَّم، ولكن؛ إنما هذا التفاضُل بالمراتب والأجرِ والدَّرجات.



ثم قال ابن القيم: "وأما إفرادُ التَّاسع؛ فمِن نقصِ فَهمِ الآثار، وعدم تتبُّع الألفاظ وطرُقِها، وهو بعيدٌ عن اللُّغة والشَّرع".



قال بذلك بعض العلماء: (أنه لا يصام إلا التاسع)؛ وهذا قول -كما سمعنا- نفاه ابنُ القيم -رحمه الله-تعالى-.



وهنالك رواية عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تؤيِّد هذا المعنى في صيامِ التَّاسع والعاشر والحادي عشـر: ففي "المعجم الكبير" للطبراني: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: "إنْ عِشْتُ إنْ شَاءَ اللهُ إِلى قَابِلٍ؛ صُمْتُ التَّاسِعَ؛ مَخافَةَ أَنْ يَفُوتَني عَاشوراءُ" مخافة الفَوتُ -في الحقيقة- تكون قبله بِيَوم، وبعده بِيَوم؛ لأن الشَّهر قد يُخطئ المخطِئون فيه، والمعَيِّنون له فيما هو أقل، وقد يُخطئون فيما هو أكثر؛ فصيامُ يومٍ قبله، ويوم بعده؛ فيه ضمان ألا يفوت المسلمَ صومُه وصيامُه.



ذكر الإمامُ ابن القيم اغترار بعض الناس -في كتابه: "الدَّاء والدَّواء"-، وأنهم يعتمدون على صيام عاشوراء، أو يوم عرفة؛ يقولون: نحن نفعل المعاصي.. وما شاء الله! هذا صيام عرفة يُكفِّر عنا سَنَة ماضية، وسَنَة لاحقة، وصيام عاشوراء يكفِّر سَنَة ماضية! "حتى يقول بعضُهم" والكلام لابن القيم ينقله عن هؤلاء البعض، قال: (يقولون) "صوم عاشوراء يكفِّر ذنوبَ العام كلَّها، ويبقى صومُ عرَفة زيادة في الأجر"!



قال ابنُ القيِّم: "لم يَدرِ هذا المغترُّ أن صومَ رمضان، والصَّلواتِ الخمس أعظم وأجلُّ مِن صيام يوم عَرفة، ومِن صيام يوم عاشوراء، وهي؛ إنما تُكفِّر ما بينها إذا اجتُنبت الكبائر؛ فرمضان إلى رمضان، والجمعةُ إلى الجمعة لا يَقْوَيان" وهما فرائض "لا يَقويان على تكفير الصَّغائر إلا مع انضمام تَرْك الكبائر إليها" يعني: لا بُد لمن أراد أن تُكفَّر صغائرُه؛ أن يجتنبَ الكبائر؛ {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ..} {إِنْ}: شرطية {نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31]، قال: "فيَقْوَى مجموعُ الأمْرَيْن" العمل الصالح، واجتناب الكبائر "فيقوى مجموعُ الأمرَين على تكفير الصغائر".




يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-18-2009, 12:46 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

أما بِدع عاشوراء؛ فالحقيقة أنها كثيرة:

منها: تخصيصُ قراءة آيات فيها ذِكر موسى -عليه السلام-.

ومنها: إحداث صلاة، يُسمُّونَها: "صلاة عاشوراء" بين الظهر والعصر.

ومنها: اعتقاد فضل الاكتِحال والاختضاب.

ومنها: أن بعض الناس يؤخِّر الزكاة الواجبة في شهر قبل المحرَّم؛ ليؤديها في يوم عاشوراء -منه-.

ومنها: بعضهم -وهذا موجود في بعض البلاد في هذه الأيام! في بعض البلاد اليمنية إلى هذه الأيام- يضعون دعاءً يُسمُّونه: (دعاء عاشوراء) يكرِّرون فيه: (حسبي الله ونعم الوكيل) سبعين مرة! ثم يضيفون كلمات مِن عندهم، ثم يَقول قائلهم، والمفتري هذا الدعاء، والكاذب فيه، قال: (إن مَن قرأ هذا الدعاء في يوم عاشوراء؛ لم يَمُت في سَنَتِه)! قال: (وهو مِن المجرَّبات التي لا شك فيها)!! هذه (المجرَّبات) يجب أن نضع نقطة الجيم السُّفلى إلى فوق؛ حتى تصيرَ مِن (المخرَّبات)! لأنها ما أنزل الله بها مِن سلطان، وهذا تكذيب لنصِّ كتابِ الله في إثبات الأعمار، والموتِ، وعدم الاستقدام، والاستِئخار.. إلى آخر ذلك.

ومنها: تخصيص زيارة القبور، أو السَّفر إليها، والاجتماع عندها.. وهكذا، هذه كلها من ذلك.

ومنها -أيضًا-وهو أشهرها، وهذا لا يزال إلى هذه الأيام-: التَّوسعة على النَّاس يوم عاشوراء؛ بشـراء الحلويات.. الناس في بلادنا -إلى هذه الأيام- في يوم عاشوراء يتعمَّدون شراء الهرايس والكُنافة.. وغير ذلك مُعتمِدين في ذلك على حديثٍ لا يَصح عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فيه: (أن مَن وسَّع على أهله يوم عاشوراء؛ وسَّع الله عليه السَّنة كلَّها) ولا يصِح ذلك عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.

وبعضُ النَّاس يتوسَّعون في ذِكر هذه التَّوسعة إلى أن تَصل إلى درجة السُّرور، والفَرح، والاحتفال في يوم عاشوراء، وهذه بدعة مِن (بِدَع النَّواصِب)، فكما سيأتينا -بعد قليل- أن الرَّوافض جعلوا يوم عاشوراء يومَ مأتَم، فخالفهم النَّواصب؛ وجعلوا يوم عاشوراء يوم فرح، وسرور، وحُبور!

وهذا باطل، وذالك باطل!

والحمد لله الذي جعلنا مِن أهل السُّنَّة السَّنِيَّة، والطريقة المحمديَّة، والمسالك النبوية، {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] فنحن لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء؛ وإنما نسير حذو القُذة بالقذة تجاه.. ونحو.. وإلى.. وعلى سُنَّة رسولِ الإسلام -عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-.
وأما أعظم البِدع في يوم عاشوراء: فبدعة الحزن، واللَّطم، والتَّدمية، وضرب الرُّؤوس بالفُؤوس! وغير ذلك مما يُسمُّونه: (التَّطبير)، الرَّافضة تُسمِّيه: (التَّطبير)، وراجعتُ كتب اللغة لأعرف أصلاً لكلمة (التَّطبير)؛ فلم أظفر لها بشيء! -ولا حول ولا قوة إلا بالله-.

فهذا الذي يفعلونه؛ إنما فعلوه بما ليس له علاقة بأصل يوم عاشوراء والسُّنَّة فيه، وما يتعلق به، ولكن؛ لِكَون الحُسين بن علي -رضي الله عنهما- تُوفي مقتولًا شهيدًا -فـ"الحسن والحُسين سيِّدا شباب أهل الجنَّة"- مظلومًا في يوم عاشوراء، سَنَة إحدى وستِّين للهجرة.

والقصة في ذلك كثيرة وكثيرة جدًّا.

يقول شيخ الإسلام -نقتبس فقرة-، يقول: "فلما خرج الحُسين" وإن كان بعض الصحابة قالوا له لا تخرج "فلما خرج الحُسين، ورأى أن الأمور قد تغيَّرت" يعني تصوَّر شيئًا؛ فرأى شيئًا آخر! "طلب منهم" أي: ممن ذهب إليهم، وسار معهم "أن يَدَعوه يرجع، أو أن يلحق ببعض الثغور" غير هذه الفتنة التي ابتُلي بها "أو أن يَلحق بابنِ عمِّه يَزيد. فمنعوه هذا وهذا، حتى يُستَأسَر، فأُسِر، وقاتَلُوه، فقاتَلَهُم؛ فقتلوه وطائفةً ممن معه، مظلومًا، شهيدًا -شهادة أكرمه الله بها، وألحقَه بأهل بيته الطيبين الطاهرين، وأهان بها مَن ظلمه، واعتدى عليه وأوجب ذلك شرًّا بين الناس-".

قال شيخ الإسلام: "فصارت طائفة جاهلة ظالمة: إما مُلحدة منافقة، وإما ضالَّة غاوية، تُظهر موالاتِه وموالاة أهل بيتِه، تتخذُ يوم عاشوراء يوم مَأتَمٍ وحُزنٍ ونِياحة، وتُظهر فيه شِعار الجاهلية؛ مِن لطمِ الخدود، وشقِّ الجُيوب، والتَّعزي بِعَزاء الجاهليَّة".

والكلام الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كثير، وكثير جدًّا.

قال: "فعارض هؤلاء" الرَّوافض -بحزنهم- "قومٌ؛ إما مِن النَّواصب المتعصِّبين على الحُسين وأهلِ بيته، وإما مِن الجهَّال الذين قابلوا الفاسِدَ بالفاسِد، والكذِبَ بالكَذِب، والشَّرَّ بالشَّر، والبِدعةَ بالبِدعة"! على مذهب: (وداوِني بالتي كانت هِي الدَّاءُ)! البِدعة لا تُنقَض إلا بالسُّنَّة، والكذب لا يُردُّ إلا بالصِّدق، ورحم الله حسَّان بن عطية القائل: ما أحدثَ قومٌ في دينِهم بدعة إلا رفع اللهُ مكانَها سُنَّة، حتى تحيا البِدع وتموتَ السُّنن. فلا حياة للسُّنن إلا بِنشرها، ووأْدِ البدع المضادَّةِ لها. نعم.

ولشيخ الإسلام كلمة أخرى -الكلمة هذه طويلة في كتابه: "مجموع الفتاوى"-، قال في "منهاج السُّنَّة": "وصار الشيطان بسبب قتل الحسين -رضي الله عنه- يُحدِث للناس بدعتَيْن: بدعة الحُزن والنَّوح يوم عاشوراء؛ مِن اللَّطم، والصُّراخ، والبكاء، والعَطش، وإنشاء المراثي، وما يُفضي إلى ذلك؛ مِن سبِّ السَّلف ولعنهم" نعم؛ حتى قال قائلُهم -نعمة الله الجزائري في كتاب: "الأنوار النُّعمانية"- يقول: "أما هذا الإله الذي أرسل نبيًّا خليفته أبوبكر؛ فليس هذا الإله إلهنا، ولا هذا النبي نبيَّنا، ولا هذا الإمامُ إمامَنا"! نحن رضينا! نحن رضينا أن يكون إلهنا غيرَ إلههم؛ لأن إلهنا عدلٌ، حق، لا معبود سواه، ورسوله المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وخليفته أبو بكر الصِّديق الذي لم يخالفه -في الانضواء تحت رايتِه- أهلُ البيت -قاطبةً-، وزعم الزَّاعمين، وافتراء المفتَرِين، وكذب الكاذِبين في شبهاتهم وترَّهاتهم في نقض هذا الإجماع؛ أوهى مِن أن يُذكر!
ورأيتُ -قريبًا- رسالة طُبعت -جديدًا- للإمام الذهبي، سمَّاها: "المقدمة الزَّهرَا في إثبات الإمامةِ الكُبرى" ردَّ فيها على الرَّوافض في رفضِهم إمامةَ أبي بكر، وتفضليهم عليًّا عليه، بأدلةً تاريخية، وحُججٍ مَرْوِيَّة لا يَسع أحدًا ردُّها.

وقال شيخ الإسلام -يُبيِّن حقيقة هذه الطَّائفة-، يقول: " إن الرَّافضة: ليس لها عقلٌ صَريح، ولا نقلٌ صحيح، ولا دِين مَقبول، ولا دُنيا مَنصورة؛ بل هم مِن أعظم الطَّوائف كذبًا وجهلاً، ودينُهم يُدخل على المسلمين كلَّ زنديق ومرتدٍّ؛ فإنهم يعمَدون إلى خيارِ الأمة؛ يُعادونهم، وإلى أعداء الله -مِن اليهود والنَّصارى والمشرِكين-؛ يُوالُونَهم، ويعمَدون إلى الصِّدق الظاهِر المتواتِر؛ يدفعونه، وإلى الكذب المختَلَق الذي يُعلم فسادُه؛ يُقيمونه! فَهُم كما قال فيهم الشَّعبي -عامر بن شراحيل الشَّعبي-وكان مِن أعلم النَّاس بهم-، قال: "لو كانوا من البهائم؛ لكانوا حُمُرًا، ولو كانوا من الطُّيور؛ لكانوا رَخَمًا" والرَّخَم: طير يُشبه النَّسر، لونه أبيض وأسود مُبقَّع؛ لكنه معروف في أهل الطُّيور بالغَدر والقَذَر! "لو كانوا من الحيوان والبهائم لكانوا حُمُرًا" جمع (حِمار) "ولو كانوا من الطُّيور؛ لكانوا رَخَمًا".

والإمام ابن رجب يقول في "لطائِف المَعارِف": "وأما اتِّخاذ يوم عاشوراء مَأتمًا -كما تفعل الرَّافضة لأجل قتل الحسين-؛ فهو مِن عَمَل مَن ضلَّ سعيُه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه مِن المحسِنين صُنعًا، ولم يأمر الله به، ولا رسولُه باتخاذ مَصائب أيام الأنبياء مأتمًا، فكيف بمَن هو دونهم؟!" هذا كلام أهل العلم.

لذلك: بعضُ آياتِهم ومراجعهم المعاصِرين ماذا يقول؟ وهو محمد حسين فضل الله اللُّبناني، يقول: "عاشوراء لا بدَّ أن تتحرك مع الخطِّ العاطفي، ولكن لا أوافق على الاحتفال بعاشوراء بطريقةِ ضرب الرؤوس بالسُّيوف، وجلد الأجساد بالسَّلاسل الحديديَّة، وأنا قد حرمتُ هذا". يحرِّمه واحد ويفعله ملايين! لأن حتى هذا التَّحريم الذي كتبه في صُحف أهل السُّنة، لا يَبعد أن يكون (تقيَّة)؛ يأمُر بالظاهر في شيء، ويكون حالُه شيئًا آخر! لأن التَّقية كما في كتاب: "الكافي" للكُليني، قال: "التقيَّة أُسُّ دينِنا، فمَن لم يؤمن بالتقية؛ فليس منَّا"!

وأما الأحاديث الموضوعة؛ فالحقيقة فيه عشرات الأحاديث الضعيفة والموضوعة في يوم عاشوراء، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاج السُّنة" -بعد أن ذكر بعض المَروِيَّات في يوم عاشوراء-: "وكلُّ هذا كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لم يصحَّ في عاشوراء إلا فضل صيامه". أما القيام، والطعام، وغير ذلك؛ مِن الحُزن والفرح والتَّوسعة؛ كل هذا لم يَصح، ولم يثبت عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

نقول هذا -أيها الإخوة!- مُبيِّنين مكانةَ أهل البيت، مكانة عليٍّ، مكانة الحسَن والحُسين وسائر أهل البيت -رضي الله عنهم أجمعين- بالوسطيَّة الشرعيَّة، الراضية المرضيَّة؛ بعيدًا عن غُلو الغالِين، وتقصير المقصِّرين؛ بين الإفراط والتفريط؛ فنحن نُقيم لهم عهدَهم، ولا ننقُض لهم منزلتَهم، بخلاف مَن ظنَّ أنه بغُلوِّه يُقيم لهم الرِّفعة، وهو -في الحقيقة- لا يُقيم إلا لنفسِه البَهت والزُّور والكذبَ مما يرفضُه، وينقضُه أهلُ البيت -كلُّهم- لو كانوا أحياءً، ويرفضُه الأحياءُ منهم في وجودِهم، وفي حياتِهم، وفيما آتاهم الله مِن علمٍ وبيِّنة وبصيرة.

نقول هذا؛ حتى نبيِّن الحقَّ بدرجاتِه، وبأصولِه دون أن تغيِّره الوقائعُ، أو الأحداث، أو المتغيِّراتُ، نقول هذا؛ اعتقادًا جازمًا، وعقيدة حاسمة، لا تَردُّدَ فيها، ولا خَللَ يعتريها، مهما ارتفع المؤشِّر البياني أو انخفض في الصُّحف والجرائد والمجلات، في الأعمال والأفعال وو.. إلى آخره؛ عقيدتنا في هذه المسائل ثابتة، راسخة، حازِمة، حاسِمة لا نغيِّرها إلا تغيَّروا، ولا نبدِّلها إلا إذا هم بدَّلوا.

نسأل اللهَ -تعالى- أن يُثبِّتنا على الحقِّ والهُدى والسُّنَّة والتَّوحيد، وأن يُميتَنا غير خَزايا، ولا نَدامَى، ثابِتين راسِخِين، غير مُغيِّرين ولا مُبدِّلين؛ إنه -سبحانه- وليُّ ذلك والقادرُ عليه، وصلى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين، وآخر دعوانا أن الحمدُ لله رب العالمين.



يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 12-18-2009, 03:38 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

الأسئلة:

س/ هنا سؤال يتكرَّر كثيرًا -في مثل هذه المناسبات-، ونجيب عليه نحن وإخواننا كثيرًا -في مثل هذه المقامات-؛ وهو قولُه:

هل يجوز صيام يوم عاشوراء إذا صادَف يوم سَبت؟


ج/ المسألةُ فيها خلافٌ بين أهل العلم؛ وبالتالي:

فلا يجوز -وأنا أبدأ بالنَّاحية التَّربويَّة المسلكيَّة قبل الناحية الفِقهيَّة-: فلا يجوز أن يُقام بسبب هذه المسألة، أو غيرها -من أمثالِها- مِن مسائل الفِقه الخلافيَّة بين أهل العلم وأهلِ السُّنَّة- أن يُقام عليها خلافاتٌ ومُناوشات ومُشاكَسات.. وللأسف؛ هذا يحصل! وإذا حصل هذا مِن جهل طرف؛ فلا يجهل الطَّرف الآخر؛ لأن جهل الطَّرف الآخر -في هذا المقام-؛ يكونُ مِن سُنَّة الجاهلية! حيث قال قائلُهم:

ألا لا يَجهَلَنْ أحدٌ عَلَينا .. فنَجْهَلَ فوقَ جَهْلِ [الجاهِلِينا]

هذا ليس مِن دأبنا؛ كما قال شيخُ الإسلام: "أهلُ السُّنَّة أعرف النَّاس بالحقِّ، وأرحمُهم بالخَلْق".

بيِّن ما عندك، وافعل ما تعتقدُه حقًّا، أما أن تُلزم الناس، أو تقهرهم، أو تُرغمهم، أو تجبُرهم، وأن تُبكِّت عليهم؛ هذا ليس لي، ولا لكَ، ولا لِغيرِنا، بيِّن ما عندكَ بالتي هي أحسن للتي هي أقْوَم.

هذا الجانب هو الجانب المسلَكيُّ التَّربويُّ الذي يجبُ أن نسلكَه في هذا الباب -فضلاً عن غيرِه مِن سائر الأبواب-.

أما الجوابُ المباشِر؛ فنقول:

قد صحَّ عن النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قولُه: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إلاَّ فِيما افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ أَنَّ يَجِدَ أَحَدُكُمْ عُودَ شَجَرٍ، أَوْ لِحاءَ عِنَبٍ؛ فَلْيَمْضَغْهُ"، وفي رواية: "فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ".

فأي يوم مِن غير الفريضة صادفَ يوم سبتٍ؛ فنصُّ الحديث ظاهر، ولا نتألَّى، ولا نتعدَّى، ولا نتجاوز سُنَّة رسولِ الله -عليه أفضل الصلاةِ، وأتمُّ التَّسليم-.

قد يقولُ قائلٌ، أو يسألُ سائل: فهل يفوتنا هذا الأجر؛ في يوم عاشوراء -مثلاً- تكفير سَنَة ماضِية، أو يوم عرفة تكفير سَنة سابقة ولاحِقة؟

فنقول: لن يفوتَكم -إن شاء الله-؛ هذا مِن باب حُسن الظنِّ بالله، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول -فيما يَرويهِ عن ربِّه-: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي؛ فَلْيَظُنَّ بِي خيرًا". فقد صحَّ في السُّنَّة أن رسول الله -عليه الصلاة والسلام- قال: "مَن تركَ شَيئًا للهِ؛ عَوَّضَهُ اللهُ خيرًا مِنْهُ".

فأنتَ عندما تركتَ هذا اليوم؛ هل تركتَه تساهُلاً، وتهاونًا؟ أم تركتَه لاعتقادِك أنَّ هذا التَّرك -بهذه الموافقة والمصادَفة- هو الأفضل؟ إذًا: تركتَه لله، لم تتركْه للهَوى، ولا للكَسَل، ولا للرَّاحة؛ وإنما تركتَه اعتقادًا أن ذلك أفضل؛ لله؛ اتباعًا لسُنَّة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-.

لو أخذنا الأمر بهذه الجوانبِ الثلاثة: الجانب المسلَكي، والجانب الفِقهي المبني على الدَّليل، والجانب الذي نُحسِّن فيه الظَّنَّ بالله -عز وجل-؛ لرأينا أن المسألةَ أقل مِن أن نُقيم عليها مُناظرات، وأن نجعلَها من مسائل الفِتن في المساجد! حتى بلغني أن بعض المساجد -وللأسف!-ونرجو أن لا تكون مِن المساجد التي فيها إخوانُنا وأبناؤنا مِن طلبة العلم، دعاة السُّنَّة السَّنِيَّة- أنهم تَضاربوا بالأيدي!!

هذا ليس مِن الهُدى، وليس مِن الحق.

نُريد لمساجِدنا -في كلِّ مكان- أن تكونَ مَنارات هُدى، أن تكون أبواب تربِية، أن تكون مدارسَ أخلاق، أن تكونَ مفاتيح عِلم ومَعرفة. لا نريد لمساجدِنا أن تكونَ بُؤَر خلافات مَذهبيَّة، أو فِقهيَّة بعيدًا عن أنوار القرآن، والسُّنة النبويَّة؛ لتُفرِّخ -بعد ذلك- المنحرِفين، والبعيدين -الغالِين، أو المقصِّرين-.

والتَّربية التي يسلكها إخوانُنا، ومشايخُنا وأبناؤنا -في التَّواصي بالحق، والتَّواصي بالصَّبر مُرتبِطين، ومُتواصين، ومُتنادين بالكتاب والسُّنَّة وما عليه سلف الأمَّة؛ إن شاء الله؛ هي العِصمة مِن كل فِتنة، وهي النَّجاة مِن كل مِحنة، والله المُستعان.

وصلَّى اللهُ وسلَّم وبارَك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه أجمعين.


تم بحمد الله تعالى

*******

والمادة الصوتية للتفريغ من موقع الشيخ علي الحلبي -حفظه الله- (القديم)
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 12-18-2009, 06:10 PM
أم عبدالله الأثرية أم عبدالله الأثرية غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jul 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 729
افتراضي

أحسن الله إليك أختنا " أم زيد " وزادك نوراً على نور
ونفعك بما تكتبين وأثقل لك به الموازين
وحفظ الله الشيخ علي الحلبي وزاده علماً وحلماً ونفع به وبعلمائنا الأبرار المسلمين وأعلى درجته في عباده الصالحين

__________________
وعظ الشافعي تلميذه المزني فقال له: اتق الله ومثل الآخرة في قلبك واجعل الموت نصب عينك ولا تنس موقفك بين يدي الله، وكن من الله على وجل، واجتنب محارمه وأد فرائضه وكن مع الحق حيث كان، ولا تستصغرن نعم الله عليك وإن قلت وقابلها بالشكر وليكن صمتك تفكراً، وكلامك ذكراً، ونظرك عبره، واستعذ بالله من النار بالتقوى .(مناقب الشافعي 2/294)
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 12-19-2009, 05:46 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة إيمان الدوري مشاهدة المشاركة
أحسن الله إليك أختنا " أم زيد " وزادك نوراً على نور



ونفعك بما تكتبين وأثقل لك به الموازين
وحفظ الله الشيخ علي الحلبي وزاده علماً وحلماً ونفع به وبعلمائنا الأبرار المسلمين وأعلى درجته في عباده الصالحين

آمين.
جزاك الله خيرًا أختي إيمان على دعواتك الطيبة، وسلمت من كل شر.


ومن هنا لتحميل التفريغ على بي دي إف
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 12-21-2009, 01:25 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

ومن هنا سماع المادة الصوتية للتفريغ
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 12-03-2010, 02:55 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي

وهذا كتاب:
" عاشوراء بين هداية السنة الغراء وضلالة البدعة الشنعاء" لفضيلة الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
تفريغات أم زيد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:25 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.