أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
6908 16

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام > مقالات فضيلة الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-23-2015, 02:49 PM
علي بن حسن الحلبي علي بن حسن الحلبي غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 2,676
افتراضي ابن تيمية ..وجناية المتطرفين / للدكتور فهد الماجد - الأمين العام لهيئة كبار العلماء


ابن تيمية ..وجناية المتطرفين




رحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحراني، نزيل دمشق، المولود سنة 661 هـ، والمتوفى سنة 728 هـ، وعاش 67 سنة وأشهرا.
وما أعظم جناية المتطرفين عليه، فهم أبعد ما يكونون عن منهجه، وهو أعلى ما يكون عن تطرفهم الذي نتجت عنه استباحة دماء المسلمين، وتكفير جمهورهم، إضافة إلى التعدي على المسالمين الآمنين، وقد قال ابن تيمية نفسه عن ذلك: «ولهذا يجب الاحتراز من تكفير المسلمين بالذنوب والخطايا، فإنه أول بدعة ظهرت في الإسلام، فكفّر أهلها المسلمين واستحلوا دماءهم وأموالهم». ونستطيع أن نتبين تمايز ابن تيمية عن المتطرفين في شتى الأنحاء العلمية والعملية.. وفي المنهج والسلوك. ولكننا ولضرورة اختصار المقال نختار سمتين فقط.
فالسمة الأولى: السماحة التي كان عليها ابن تيمية، سواء في نقاشاته العلمية، أو في أخلاقه العملية، بل هو قبل ذلك يؤصّل للسماحة قبل أن يتخذها خلُقا وطبعا، ويبين في ضمن ذلك مدى الحاجة إليها، ليس للمسلمين فيما بينهم وحسب، بل حتى لجميع الناس، وأنهم لا غنى لهم عن السماحة في تعاملاتهم وحياتهم العامة والخاصة، وأنه بغير السماحة لا يمكن أن يستقيم لهم أمر دين ولا أمر دنيا، وهذا يعني أن ابن تيمية يعد السماحة ضرورة لا ينبغي للإنسان أن يفرّط فيها أو يستغني عنها يقول عن ذلك: «ولهذا أمر الله تعالى بتأليف القلوب حتى جعل للمؤلفة قلوبهم نصيبا في الصدقات، وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: (خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين)، وقال تعالى: (وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة)، فلا بد أن يصبر وأن يرحم، وهذا هو الشجاعة والكرم، ولهذا يقرن الله تعالى بين الصلاة والزكاة تارة، وهي الإحسان إلى الخلق، وبينها وبين الصبر تارة، ولا بد من الثلاث: الصلاة والزكاة والصبر.
لا تقوم مصلحة المؤمنين إلا بذلك في صلاح نفوسهم وإصلاح غيرهم، لا سيما كلما قويت الفتنة والمحنة، فإن الحاجة إلى ذلك تكون أشد، فالحاجة إلى السماحة والصبر عامة لجميع بني آدم، لا تقوم مصلحة دينهم ودنياهم إلا بهما».
فهو هنا لا يقرأ السماحة في نطاقها الإسلامي وحسب، وإنما في نطاقها الإنساني باعتبارها داعمة أساس للعلاقات البشرية.
وقد ظهر للسماحة أثر كبير في انتشار الإسلام وذيوعه في الآفاق، لأن هذه السماحة تحاكي الفطرة الإنسانية السوية.
وحقيقة السماحة: التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، والوسطية بهذا المعنى هي منبع الكمالات، وقد قال تعالى في وصف هذه الأمة: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).
وتنظيرات ابن تيمية عن السماحة ظاهرة في جميع كتبه دون استثناء؛ لأنها نظرية أصيلة في كتاباته، وتكشف عن مرتكز أساس في شخصيته.
أما السمة الثانية فهي: قراءته العميقة للفكر الإنساني، سواء في أدواته أو في مضامينه، وتذرعه إلى ذلك بما لديه من أصالة فكرية وثقافية، بحيث كانت قراءته هذه قراءة ناقدة فاحصة تتبين الاتجاهات والدلالات، وتستنتج الأفكار والأطروحات.
ونتج عن هذه القراءة نتائج - بحق - باهرة، قدمها بأسلوب راقٍ وعالٍ ومسترسل، وينشغل فيها كثيرا ببيان مكامن القوة من مواطن الضعف وينص ويشرح الصحيح من الخطأ.
وتميزت قراءته هذه بأنه في الغالب لم يكن يستهدف مصنفا أو مؤلّفا بالنقد والتقويم، وإنما كان يستهدف نقد فكرة المؤلف بتمامها في كلّ مؤلفاته، بحيث إنه يعطيك تصورا شبه تام عن هذه الشخصية وفكرتها الفلسفية أو العلمية.
ومن عمق قراءة ابن تيمية للفكر الإنساني: أن تكوّن لديه تحليل دقيق لمناهج التفكير، واستنتج المنتج منه وغير المنتج، فهو يقول على سبيل المثال في قراءة شاملة للفكر الإنساني: «وبنو آدم ضلالهم فيما جحدوه ونفوه بغير علم، أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به. قال تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)، وهذا لأن الغالب على الآدميين صحة الحس والعقل، فإذا أثبتوا شيئا وصدقوا به كان حقا». فلاحظ شمولية القراءة، ورهافة التعليل.
وهو هنا إذ يشير إلى الحس والعقل، فهو ينسجم تماما مع طرحه المبثوث في كتبه، وهو أنه نعى كثيرا على فلاسفة اليونان، خاصة أرسطو، في التنظير البعيد عن التجربة، ونتج عنه أنهم خلطوا كثيرا بين قضايا الأذهان وقضايا الأعيان، وهذا بعينه ما نقده الفلاسفة المحدثون، خاصة الفلاسفة التجريبيين الإنجليز، بدءا من بيكون ولوك، وانتهاء بمل ورسل، على الأقدمين، وتحديدا فلسفة اليونان، وهذا النقد هو السبب الرئيس في النهضة الحضارية الحديثة ذات المنتجات المادية المبتكرة.. يقول بيكون عن ذلك: إن خطأ فلاسفة اليونان الكبير هو أنهم صرفوا وقتا كبيرا في النواحي النظرية والقليل في الملاحظة والبحث العلمي.
لكن الذي ميز ابن تيمية هنا هو أنه يعد التجربة دليلا علميا من ضمن أدلة، وهذه نظرة وسط بين من يلغيها ومن يفردها بالاستدلال. ولا يمكن أن تفهم السمة الأولى التي هي السماحة، أو الثانية وهي عمق القراءة للفكر الإنساني عند ابن تيمية، على تمامه دون أن تعرف أن لابن تيمية ذوقا خاصا في فهم الانطباعات النفسية، والتقلبات المزاجية للنفس الإنسانية ذات النقص والتغير، ويقع له تقريرات وإشارات تستوقفك، وقلّ أن تجدها عند غيره، بحيث إن من يكثر من ممارسة كتب ابن تيمية وينطبع بها يستطيع أن يحلل كثيرا من المواقف ويردها في الغالب إلى أمور نفسية لا قناعات فكرية.
«من رحل إلى الله قربت مسافته، حيث رجع إلى نفسه أدنى رجوع، تعرّف احتياجه إليه في تكوينه وبقائه، وتقلبه في أحواله وأنحائه، ثم استبصر من آيات الآفاق إلى آيات الأنفس» (درء تعارض العقل والنقل 3/ 133).


رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-23-2015, 02:50 PM
علي بن حسن الحلبي علي بن حسن الحلبي غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 2,676
افتراضي

جزى الله الكاتب خيراً على هذا المقال النافع.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-23-2015, 02:55 PM
علي بن حسن الحلبي علي بن حسن الحلبي غير متواجد حالياً
المشرف العام
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 2,676
افتراضي

تنبيه:
النص الأخير المنقول من كتاب"درء تعارض العقل والنقل" هو من نقل شيخ الإسلام ؛ لا من قوله.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-23-2015, 03:02 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا على هذا النقل , وجزى الله خيرا الشيخ فهدا على ما قدم , ورحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية .
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-23-2015, 03:51 PM
ابو اميمة محمد74 ابو اميمة محمد74 غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: المغرب
المشاركات: 13,282
افتراضي

جزاكم الله خيرا شيخنا على هذا النقل
__________________
زيارة موقعي منابر المنهج السلفي
http://www.almahdara.com/ar/aboomayma/
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-23-2015, 04:14 PM
عمربن محمد بدير عمربن محمد بدير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 12,021
افتراضي

مختصر و معتصر طيب و لو كتب عن شيخ الإسلام و حياته لاحتيج إلى دواوين كثيرة و حبر وفير ..
هذا العلم البارز الذي ظهر في زمن تكالب فيه الشر على الأمة من كل جانب :
بدع شرك خرافات أعداء الإسلام من الكفار و الرافضة و متعصبة المذاهب و ضعف شديد في الأمة و وهن
فجزاه الله خيرا
__________________
قال ابن تيمية:"و أما قول القائل ؛إنه يجب على [العامة] تقليد فلان أو فلان'فهذا لا يقوله [مسلم]#الفتاوى22_/249
قال شيخ الإسلام في أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 21) :
(وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه).
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 07-24-2015, 07:41 PM
ابو سليم الظاهري ابو سليم الظاهري غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jun 2015
الدولة: السعودية
المشاركات: 135
افتراضي

قال ابو سليم الظاهري عفا الله عنه ووالديه والمسلمين
الحمدلله رب العالمين ..مالك يوم الدين ..والصلاة على الرحمة المهداة..محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن ولاه..
ليس هناك يفقدني توازني وتختل منه جوانحي واغضب له اشد الغضب من أن يتعرض احد مهما بلغ علما وتحصيلا ودراسة وتأهيلا.. لأحد من اهل العلم الكبار
الذين افنوا حياتهم في العلم الشرعي فكانوا بحق نبراس للهداة الحائرين ..ومنارة للضالين ..وسدا منيعا بوجه المشككين الملحدين!
إنني احترم كل العلماء من شتى المذاهب ومختلف المسالك ..وأن اخطائهم العلمية شيء لا بد منه فلا ينكره الا مكابر ولا يجحده الا جاهل ذلك لإن الله عز وجل أبى العصمة الا لنبيه وأبى أن يتم الا كتابه ..فما من عالم الا راد ومردود عليه فسبحان من تفرد بالكمال !!
إذا تقرر ذلك فإن ما نراه اليوم من صغار طلاب العلم ممن لم يشبوا عن طوق ولم يستووا على سوقهم
في العلم يتعرض للعلماء الكبار بشتى التهم واقذع الالفاظ فينطلق لسانه ويتجاسر جنانه ببتدعتهم وتضليلهم والحط من شأنهم الا كل ما أغراه الشيطان ونفخ فيه أنه وحيد دهره وفريد عصره وعلامة هذا الزمان!!
ولو كان عالما بحق لعرف قدرهم
واستحى كل الحياء أن يتقدمهم فضلا عن تصنيفهم وهدم علمهم بذمهم !!
فهو يبدع هذا ويعيب على هذا
فهذا فيه تصوف وهذا مبتدع فيه نوع أرجاء وهذا نوع التشيع!!!!!
هكذا يطلق الأحكام جزافا دون رويه فلا علم ينهاه ولا خلق يردعه
عن مبتغاه....لهذا وأمثاله أقول
على رسلك فلن تعلوا قدرك ..فلسنا منك نأخذ علمنا ولا من رأسك الخاوي نستدل لديننا ..بل من علمائنا العظام ومشايخنا الكرام في الزمن الغابر والحاضر
منهم فقط نأخذ وبعلمهم نتمسك ولسيرتهم المباركة نروي!!
لقد شاع في الاوساط السنية منذ قرون تفسير الزمخشري رحمه الله المسمى (الكشاف) وتناوب عليه علماؤنا شرحا وبيانا مع أنه صاحبه اعني الزمخشري معتزلي جلد حتى أنه في كتابه هذا ينتصر كثيرا لعقائد مذهبه ولكن علمائنا رأووا
في كتابه منهاجا جديدا في التأليف
أخرج اسرار العربية ومكنوناتها البلاغية من خلال رحاب القرآن الكريم فأسكت السنة كافرة وقلوبا حائرة ..وردوا على مافيه من مخالفة شرعية بالدليل والبرهان
هذا هو منهج الحق منهج السلف الصالح..فهذا جبل العلم الصحابي الجليل معاذ بن جبل يقول لإحد تلاميذه(احذر زيغة الحكيم ولا يصدنك ذلك عنه) ولعمري من ذا الذي ماساء قط ومن له الحسنى فقط !!
وهذا عالم رباني جليل الا وهو العلامة بن قيم الجوزية رحمه الله
يشرح في كتابه (مدارج السالكين)
كتاب (منازل السائرين) لابي اسماعيل الهروي وهو كتاب في السلوك والطريق إلى الله وبه كثير مما يعتقد المتصوفة في كتبهم ..ولكننا نجد بن القيم رحمه الله يعتذر عند ورود هذه المخالفات في كتاب أبي اسماعيل
الهروي (منازل السائرين) فمرة يقول "وهذه وهلة من شيخنا رحمه الله) ومرة يقول بل كثيرا مايردد ويصف أبا اسماعيل الهروي بشيخ الاسلام!!!!!
أما اليوم فنجد من يبدع بن حجر أمير المؤمنين في الحديث والنووي وبن الجوزي الحنبلي بأنهم اشاعرة ضالون وعن طريق الحق متنكبون!! أليس الأولى منك ياهذا أن تتكلم بعلم أو تصمت بحلم!! ألا تقدر لهم جهدهم وعلمهم
وسيرتهم المباركة بدل أن تتجهم عليهم وترميهم بكل نقصية ورزيه
هل سلم منك اعداء الدين ولم يسلم منك علماء المسلمين!!

وثالث الاثافي . .وجدت غلاما غرا يكتب في احد المنتديات عن شيخ الاسلام بن تيمية بأنه تكفيري جلد
وهو من وضع بذور التكفير في المنهج السلفي بتكفيره لعلماء عصره من الاشاعرة والإمامية والإباضية وغيرهم ..فقلت له أكاد اجزم وبربي العظيم أقسم أنك لم تقرأ له كتابا واحدا من كتبه ولم تقرأ سيرته بل نقلت ما قاله اعدائه عنه وهذا وايم الله عين الاجحاف وقلة الانصاف أن تسمع من اعداء الرجل ثم تحكم حكما باطلا وعن الحجة والدليل عاطلا. .ولكن هذا زماننا وياله من زمن علا فيه شأن الجهلاء وأنصاف العلماء والمرجفون والدخلاء ..فما يسمعون عن احد من صحيفة عابرة أو مقالة خاطفة أو نفس حاقدة حتى يتبنون هذا الكلام. ويطلقون من خلاله الاحكام ..فلا حول ولا قوة الا بالله . ...وإليك,وإلى من يحذو حذوك ممن هو مثلك أسوق لك شيئا من سيرة هذا الإمام واقواله من كتبه وكتب,معاصريه ..لتتبين أن كان تكفريا كما زعمت وحكمت أم لا ..سأنقل لك ممن لو قرأه هؤلاء الدخلاء على العلم قد يصفونه بالتساهل والتخاذل حاشاه'من ذلك ولكنه نور العلم والحكمة في شخصيته وسيرته رحمه الله . فاسمع ياصاحبي

ألف شيخ الإسل ام ابن تيمية رسالة مختصرة بعنوان ( الاستغاثة) وهي رسالة علمية بالأدلة الشرعية في حكم الاستغاثة، وكان الأليق بالعلماء الذين يختلفون معه أن يتصدوا لمثل هذه المسألة بالدليل والبرهان العلمي بعيداً عن التكفير والحكم بالزندقة والشتائم والسباب. لكن الشيخ الصوفي علي البكري كان رده على هذه الرسالة بالحكم على شيخ الإسلام ابن تيمية بالكفر والزندقة والخروج عن ملة الإسلام! ولم يكتف الشيخ الصوفي البكري - عفا الله عنا عنه - بمجرد التكفير بل بالغ في إيذاء ابن تيمية بالقول والعمل، فقد قام باستعداء العوام على الشيخ وحرض الجند وأصحاب الدولة على شيخ الإسلام وشهر به وأقذع الشتيمة في حقه . وكان الشيخ الصوفي البكري من أشد الصوفية على شيخ الإسلام ابن تيمية، ففي محنة الشيخ مع الصوفية سنة 707هـ حول قضية الاستغاثة طالب بعضهم بتعزير شيخ الإسلام، إلا أن الشيخ البكري طالب بقتله وسفك دمه! وفي سنة 711هـ تجمهر بعض الغوغاء من الصوفية بزعامة الشيخ البكري وتابعوا شيخ الإسلام ابن تيمية حتى تفردوا به وضربوه، وفي حادثة أخرى تفرد البكري بابن تيمية ووثب عليه ونتش أطواقه وطيلسانه، وبالغ في إيذاء ابن تيمية ! في المقابل*تجمع الناس وشاهدوا ما حل بشيخ الإسلام من أذية وتعدي*فطلبوا الشيخ البكري فهرب، وُطلب أيضاً من جهة الدولة فهرب واختفى، وثار بسبب ما فعله فتنة، وحضر جماعة كثيرة من الجند ومن الناس إلى شيخ الإسلام ابن تيمية لأجل الانتصار له والانتقام من خصمه الذي كفره واعتدى عليه . والسؤال هنا :*ما هو موقف شيخ الإسلام من هذا الرجل الذي كفره وحكم عليه بالزندقة ثم وثب عليه وضربه ونتش أطواقه ؟ حينما تجمع الجند والناس على ابن تيمية يطالبون بنصرته وأن يشير عليهم بما يراه مناسباً للانتقام من خصمه البكري الصوفي؛ أجابهم شيخ الإسلام بما يلي : ;*أنا ما أنتصر لنفسي*"*!! فماج الناس والجند وأكثروا عليه وألحوا في طلب الانتقام؛ فقال لهم : إما أن يكون الحق لي، أو لكم، أو لله ، فإن كان الحق لي فهم في حل، وإن كان لكم فإن لم تسمعوا مني فلا تستفتوني؛ وافعلوا ما شئتم، وإن كان الحق لله فالله يأخذ حقه كما يشاء ومتى يشاء". ولما اشتد طلب الدولة للبكري وضاقت عليه الأرض بما رحبت هرب واختفى عند من ؟ هرب واختفى في بيت ابن تيمية وعند شيخ الإسلام لما كان مقيماً في مصر، حتى شفع فيه ابن تيمية عن السلطان وعفا عنه!! فانظر أيها القارئ إلى عظيم تسامح هذا الإنسان العظيم، فالبكري قابله بالظلم والتكفير والاعتداء والعدوان والبهتان، وابن تيمية قابله بالعفو والإحسان والكرم ، إن في ذلك آية عظيمة لكل منصف سليم القلب . (ب) موقف ابن تيمية من خصومه الذين تسببوا في سجنه وطالبوا بقتله . كان شيخ الإسلام - رحمه- من أكثر العلماء الجهابذة الذين تعرضوا لأذى الحساد من الأقران ، ولكنه كان من ألطف الناس وأرحمهم بالخصوم. يقول ; ابن فضل الله العمري : (*اجتمع عليه عصبُ الفقهاء والقضاة بمصر والشام ، وحشدوا عليه خيلهم ورجلهم، فقطع الجميع، وألزمهم الحجج الواضحات أيّ إلزام ، فلما أفلسوا أخذوه بالجاه والحكام*) . فبعد أن وشى به بعض العلماء وكذبوا عليه وألّبوا الحكام والأمراء عليه وتزلفوا لدى الكبراء في ابن تيمية؛ سُجن وعذب ، وتولى كِبر ذلك الجُرم الشيخ الصوفي;*نصر المنبجي; والأمير ركن الدين بيبرس الجاشنكير تلميذ المنبجي ، وجماعة من الفقهاء والعلماء ، الذين ناصروا الحاكم بيبرس في انقلابه ضد السلطان ناصر بن قلاوون. ولكن شاء الله أن تزول أمارة بيبرس ويضم السلطان ناصر بن قلاوون دمشق ومصر إلى حكمه ، ولم يكن همّ السلطان إلا الإفراج عن شيخ الإسلام المسجون ظلما وزوراً . فأخرجه معززاً مكرماً مبجلاً ، ويصل الشيخ إلى البلاط الملكي فيقوم له السلطان تكريماً واحتراماً ويضع يده بيد ابن تيمية ويدخلان على كبار علماء مصر والشام ... ! ويختلي السلطان ناصر قلاوون بشيخ الإسلام ابن تيمية ويحدثه عن رغبته في قتل بعض العلماء والقضاة بسبب ما عملوه ضد السلطان وما أخرجه بعضهم من فتاوى بعزل السلطان ومبايعة بيبرس، وأخذ السلطان يحث ابن تيمية على إصدار فتوى بجواز قتل هؤلاء العلماء، ويذكره بأن هؤلاء العلماء هم الذين سجنوه وظلموه واضطهدوه وأنها حانت الساعة للانتقام منهم ! وأصر السلطان ناصر بن قلاوون على طلبه من شيخ الإسلام كي يخرج فتاوى في جواز قتلهم ! فماذا كــــــان رد ابن تيميــــــــة ؟ هل وجدها فرصة للتنفيس عن أحقاده وخصوماته ؟ كلا ... فنفس الكريم أرفع وأطهر من ذلك ، لقد قام ابن تيمية بتعظيم هؤلاء العلماء والقضاة ، وأنكر أن يُنال أحد منهم بسوء، وأخذ يمدحهم ويثني عليهم أمام السلطان وشفع لهم بالعفو والصفح عنهم ومنعه من قتلهم ، فقال للسلطان : (إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعدهم مثلهم من العلماء الأفاضل!) فيرد عليه السلطان متعجبا متحيراً : لكنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارا ؟!

فقال ابن تيمية: من آذاني فهو في حل، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، وأنا لا أنتصر لنفسي !

وما زال ابن تيمية بالسلطان يقنعه أن يعفو عنهم ويصفح، حتى استجاب له السلطان فأصدر عفوه عنهم وخلى سبيلهم !!

إنها النفوس الكبيرة - يا سادة - هي التي تستطيع أن تتجاوز أحقادها ومواقفها الشخصية وتمارس العظمة بكل معانيها .

لقد شهد له كبير خصومه ومن الذين هاجموه وآذوه ، شهد له بعد عمله التسامحي الفريد الذي عمله معهم أثناء غضب السلطان ناصر بن قلاوون عليهم ، لقد كان قاضي المالكية "*القاضي ابن مخلوف*"*أحدهم ولما أفرج عنه قال عن ابن تيمية :

(*ما رأيت كريماً واسع الصدر مثل ابن تيمية فقد أثرنا الدولة ضده، ولكنه عفا عنا بعد المقدرة، حتى دافع عن أنفسنا وقام بحمايتنا، حرضنا عليه فلم نقدر عليه ، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا)... هذا هو ابن تيمية، هذه هي أخلاقه مع خصومه !

(ج) موقف ابن تيمية من بعض خصومه لما بلغه وفاتهم .
الإنسان في الغالب يفرح إذا سمع بموت أحد خصومه، وأحيانا يتشفى بذلك !
لكن ابن تيمية يختلف عن هؤلاء .. لقد ُبلغ يوماً بوفاة أشد خصومه عداوة له وهجوماً عليها، بُلغ ذلك عن طريق أقرب تلاميذه له، والذي بلغه وهو فرح بذلك.

فماذا كان موقف شيخ الإسلام ابن تيمية ؟

قال عنه تلميذه الامام بن القيم رحمه الله :
( كان يدعو لأعدائه، ما رأيته يدعو على واحد منهم، وقد نعيت إليه يوماً أحد معارضيه الذي كان يفوق الناس في إيذائه وعدائه،*فزجرني، وأعرض عني، وقرأ : "إنّا لله وإنا إليه راجعون" وذهب لساعته إلى منزله، فعزى أهله،*وقال : " اعتبروني خليفة له ، ونائباً عنه، وأساعدكم في كل ما تحتاجون إليه" وتحدث معهم بلطف وإكرام بعث فيهم السرور، فبالغ في الدعاء لهم حتى تعجبوا منه) .

هذه النفسية التسامحية العظيمة عن ابن تيمية، أثرت عليه كثيراً حينما يتناول الطوائف والفرق المخالفة، فابن تيمية باحث عن الحق، ومن مهمة الباحث العلمي أن يعري ويكشف حقائق الأفكار وزيفها وصدقها، لأنه يقوم بمهمة علمية يفترض فيه الأمانة مع العدالة.

ومع ما يوصف به ابن تيمية من الحدة والقوة في الجدل، إلا أنه أنصف أشد الطوائف عداء له، وأشدها بعداً عن المعقول والمنقول .

فحينما تناول شيخ الإسلام طائفة الشيعة بالنقد والتحليل، لمن يمنعه العداء والرد والنقض أن ينصف ويعدل مع هؤلاء الذين يراهم على باطل، ونصوصه في ذلك أكثر من أن تحصى، لكن منها على سبيل البيان والمثال :

يقول وهو يتحدث عن طائفة الشيعة الإمامية :*( كثيراً منهم ليسوا منافقين ولا كفاراً، بل بعضهم له إيمان وعمل صالح، ومنهم من هو مخطئ يغفر له خطاياه، ومنهم من هو صاحب ذنب يرجى له مغفرة الله) .

وقال :*( والرافضة فيهم من هو متعبد متورع زاهد).

وقال منصفاً الشيعة :*( وينبغي أيضاً أن يعلم أنه ليس كل ما ينكره بعض الناس عليهم يكون باطلاً، بل من أقوالهم أقوال خالفهم فيها بعض أهل السنة ووافقهم بعضهم، والصواب مع من وافقهم ).

وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن لهم جهوداً في دعوة الكفار إلى الإسلام فدخل على أيديهم خلق كثير من الكفار.

وقال عن الأشاعرة مع مخالفته* لهم في كثير من الأصول والفروع:

( إنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة، وهو يعدون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم).

وكان رحمه الله بتحرج كثيرا من تكفير الاشخاص نقل الامام شمس الدين الذهبي في سير اعلام النبلاء نقلا عن الامام السرخسي قوله:
( لما قرب حضور أجل أبي الحسن الأشعري في داري ببغداد، دعاني فأتيته، فقال : اشهد عليّ أني لا أكفر أحداً من أهل القبلة، لأن الكل يشيرون إلى معبود واحد، وإنما هذا كله اختلاف العبارات. قلت - أي الذهبي - : وبنحو هذا أدين، وكذا كان شيخنا ابن تيمية في أواخر أيامه يقول: أنا لا أكفر أحداً من الأمة، ويقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" فمن لازم الصلوات بوضوء فهو مسلم).

وقال في*رسالة كتبها وهو في السجن إلى تلاميذه ومحبيه يتحدث عن خصومه*الذين تسببوا في دخوله السجن ومصادرة كتبه : ( أنا أحب لهم أن ينالوا من اللذة والسرور والنعيم ما تقر به أعينهم وأن يفتح لهم من معرفة الله وطاعته والجهاد في سبيله ما يصلون به إلى أعلى الدرجات) .

وقال عن خصومه : ( وأنا أحب الخير لكل المسلمين وأريد لكل مؤمن الخير ما أحبه لنفسي).

ما أجمل اخلاق أنه العلم أذا تمكن من القلوب وسكن العقول أورث التسامح والتصالح مع النفس والبشر ..فإذا وجدت نفورا وشدة في اقواله وتصرفاته وسلاطة في لسانه على أخوانه فاعلم أن زاده من العلم قليل وذهنه عن استيعاب جماله وجلاله مكدود كليل..فكلما ازداد الانسان علما ازاداد تسامحا
وكلما ازداد جهلا ازداد تواقحا !!
واخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.
رد مع اقتباس
إضافة رد
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 04:20 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.