أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
3034 66501

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-14-2018, 12:36 AM
أبو العباس أبو العباس غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 783
افتراضي ما كان الإمام أحمد إلا على العقيدة السلفية؛ مثبتا لمعاني صفات رب البرية.

ما كان الإمام أحمد إلا على العقيدة السلفية؛ مثبتا لمعاني صفات رب البرية.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد...
فإن الصراع بين الحق والباطل سنة كونية ماضية في بني البشر منذ أن خلق الله آدم عليه السلام, ولا يزال هذا الخلاف باق مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها, مصداق ذلك قوله سبحانه وتعالى {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك, ولذلك خلقهم}.
ومن صور تلكم الصراعات؛ الصراع بين السنة وأهلها, وبين البدعة وانصارها في مختلف مجالات الشرع, وبرز هذا الصراع بصورة خاصة في جانب إثبات الصفات الإليهية لله تعالى رب البرية.
ولم يكن هذا الصراع حادثا في عهد السلف المتقدمين, وإنما حدث بعد أن ادخلت كتب أهل الكلام وعربت؛ وحاكم أهل الأهواء ما في الكتاب والسنة إلى ما في هذه الكتب من زبالات أفهام المناطقة والفلاسفة والمتكلمين؛ فنشأ في الإسلام من يقايس صفات الله تعالى بصفات خلقه؛ فظن أن وصف الله تعالى بما في الكتاب والسنة يستلزم منه تشبيه الخالق بالمخلوق؛ فدفعه هذا الفهم المركوس إلى تعطيل نصوص الصفات عن معانيها الحقة اللائقة بالله تعالى؛ إما بتأويلها عن معناها الراجح إلى معان مرجوحة مظنونة, أو بتعطيل الصفات عن معانيها, والزعم أن معانيها مجهولة للمسلمين, ثم نسب هؤلاء باطلهم هذا إلى أئمة المسلمين في محاولة منهم لمرير بدعتهم على عوام المسلمين, وهذا ليس بمستغرب عن أهل الأهواء والبدع.
وإنما المستغرب هو صنيع بعض المنتسبين إلى الإمام أحمد بن حنبل؛ من الزاعمين أنهمسائرون على طريقته في الأصول والفروع سائرون, لكنهم في نفس الأمر- يخالفون هذا الإمام فيما كان من أخص مسائل مذهبه وهو إثباته رحمه الله- لصفات رب البرية, والرد على المعطلة والجهمية الذين عطلوا صفات الله تعالى بإبطال ظواهر معانيها؛بتأويلها تارة-, وبتفويض العلم بمعانيها أخرى-.
ثم أن هؤلاء المنتسبين زورا- إلى هذا الإمام لم يكتفوا بمجرد مخالفته في هذا الأصل العقدي الهام؛ بل زعموا أنه رحمه الله- يقول بقولهم الباطل بتفويض العلم بمعاني نصوص صفات الله تعالى؛ متجاهلين أن مذهب الإمام أحمد كما غيره من الأئمة- يعرف: بنصوص أقواله, أو تقريرات أصحابه على وفق تأصيلاته, أو شيوع القول لدى علماء مذهبه؛ فكيف إذا اجتمعت هذه الأمور في الدلالة على قضية واحدة, لا بل وتضافرت الأدلة الشرعية والنقولات الأثرية, والمدلولات اللغوية على إثباتها؛ فلا ريب عندها- ببطلان نسبة خلافها إليه؛ فكل من نسب إلى الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يثبت لله تعالى معاني صفاته؛ فدعواه باطلة, وتفصيل بطلانها من أوجه عشرة:


الوجه الأول: صريح قوله الذي خطه بيده, وضمنه في كتابه (الرد على الزنادقة والجهمية), من تفسيره للعديد من نصوص الصفات, ومن ذلك:
1- قوله (ص\148-149) : (وإنما معنى قول الله جل ثناؤه: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الأَرْضِ} يقول: هو إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو على العرش، وقد أحاط علمه بما دون العرش، ولا يخلو من علم الله مكان، ولا يكون علم الله في مكان دون مكان، فذلك قوله: {لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا}).
2- وقوله (ص\158-159) في معاني نصوص المعية الإلهية: ({وَهُوَ مَعَكُمْ} ، وهذا على وجوه:
قال الله جل ثناؤه لموسى: {إِنَّنِي مَعَكُمَا}, يقول: في الدفع عنكما.
وقال: {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}, يقول: في الدفع عنا.
وقال: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} , يقول: في النصر لهم على عدوهم.
وقال: {فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمْ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ}, في النصر لكم على عدوكم.
وقال: {وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ}, يقول بعلمه فيهم.
وقال: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}, يقول: في العون على فرعون).
3- وقوله في إثباته معنى صفة الكلام الأزلي لله تعالى (ص\139) (نقول: إن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء), ومعلوم أن عبارة (لم يزل متكلمًا إذا شاء) لم ترد في الكتاب والسنة, وإنما هي مأخوذة من معاني صفات (الكلام, والإرادة, والأولية).
وغير ذلك مما في كتابه هذا في إثباته لمعاني الصفات وتفسيره لها, بخلاف ما يزعمه المفترون على الإمام أحمد من أنه لا يفسر نصوص الصفات ويجهل معناها, ويكل علمها لله سبحانه وتعالى.



الوجه الثاني: ما نقله عنه أخص الناس به, وأعلمهم بأقواله واختياراته وهو إبنه عبد الله من مسائل في الاعتقاد, وفيها تصريحه بإثبات معاني نصوص بعض الصفات, ومن ذلك:
1- قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (1/280): (سألت أبي -رحمه الله- عن قوم يقولون: لمّا كلم الله عز و جل موسى لم يتكلم بصوت! فقال أبي: بلى إن ربك عزوجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت).
ويستدل الإمام أحمد على معنى قوله (تكلم بصوت) بحديث ابن مسعود؛ كما قال ابنه عبد الله كما في كتاب السنة (1\281): (وقال أبي رحمه الله حديث ابن مسعود رضي الله عنه إذا تكلم الله عز و جل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان قال أبي وهذا الجهمية تنكره وقال أبي هؤلاء كفار يريدون ان يموهوا على الناس من زعم أن الله عز و جل لم يتكلم فهو كافر ألا إنا نروي هذه الاحاديث كما جاءت).
2- وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل في كتاب السنة (1/ 103): (سمعت أبي -رحمه الله- يقول: من قال القرآن مخلوق؛ فهو عندنا: كافر, لأن القرآن من علم الله -عز و جل-, قال الله -عز و جل- {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم}... .
وقال -عز و جل- {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} قال أبي -رحمه الله- والخلق غير الأمر).
وما كان الإمام أحمد ليثبت أن القران من علم الله, ولا ليفرق بين الخلق والأمر إلا بعد إثباته لمعاني العلم, والخلق, والأمر.
3- وعن عبد الله بن أحمد في كتاب السنة (1/ 264) مبينا إثبات أبيه الإمام أحمد بن حنبل لصفة الأصابع لله تعالى, وتقريب معناها بما يدل على إثباته له؛ فقال: (سمعت أبي -رحمه الله- ثنا يحيى بن سعيد بحديث سفيان عن الأعمش عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله عن النبي (صلى الله عليه و سلم): [أن الله يمسك السموات على أصبع] قال أبي -رحمه الله-: جعل يحيى يشير بأصابعه, وأراني أبي كيف جعل يشير بأصبعه يضع أصبعا اصبعا حتى أتى على آخرها).


الوجه الثالث:ما نقله عنه تلامذته وأصحابه الملازمون له , من عقيدة تتضمن إثباته رحمه الله- لمعاني نصوص الصفات الإلهية, ومن ذلك:
1- ما رواه عنه ابن عمه وتلميذه حنبل ابن اسحاق بن حنبل كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص\83) نقلا من كتاب السنة للخلال -: (نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه, ولا نزيل عنه صفة من صفاته بشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كنفه عليه فهذا كله يدل على أن اللّه سبحانه يرى فى الآخرة).
فاستدل رحمه الله- بمعاني نصوص المثبتة لصفات الكلام والنزول والخلو بعبده ووضعه كنفه عليه للدلالة أن الله تعالى يرى في الآخرة, فهو رحمه الله- لم يكتف بإثبات معاني هذه الصفات فقط-, وإنما فوق ذلك- استدل بها على إثبات غيرها من الصفات.
2- وقال ابن أبى يعلى في طبقات الحنابلة (1\431)- فى ترجمة: يوسف بن موسى بن راشد القطان: (نقل عن إمامنا أشياء منها: قيل لأبى عبد اللّه: واللّه تعالى فوق السماء السابعة على عرشه بائن من خلقه وقدرته وعلمه بكل مكان؟ قال: نعم، على عرشه لا يخلو شيء من علمه).
3- ونقل المروزي عن شيخه الإمام أحمد بن حنبل ما يدل على بطلان مذهب المفوضة؛ فقال -كما في اجتماع الجيوش الإسلامية ص: 78. نقلا من كتاب السنة لأبى بكر الخلال - : (قلت لأبى عبد اللّه: إن رجلا قال: أقول كما قال اللّه تعالى: {ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ} أقول هذا ولا أجاوزه إلى غيره؛ فقال أبو عبد اللّه: هذا كلام الجهمية, فقلت له: فكيف تقول {ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ولا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ} قال: علمه فى كل مكان, وعلمه معهم. قال: أول الآية يدل على أنه علمه.
وقال فى موضع آخر: وإنه اللّه عز وجل على عرشه فوق السماء السابعة يعلم ما تحت الأرض السفلى وإنه غير مماس لشيء من خلقه هو تبارك وتعالى بائن من خلقه وخلقه بائنون منه).
فذم رحمه الله- قول من يقف عند نصوص الصفات ولا يثبت معناها الذي دلت عليه في سياقها, وهذا لوحده- كفيل بإبطال من نسب إلى هذا الإمام أنه يقول بتفويض معاني نصوص الصفات.


الوجه الرابع: ما نقله عنه كبار أئمة مذهبه المتعاقبون, الذين نسجوا على أصوله في الأصول والفروع, ونسبوا اعتقادهم في إثبات معاني الصفات إلى تقريرات إمامهم المبجل أحمد بن حنبل, ومن ذلك:
1- ما قال الإمام البربهاري الحنبلي في كتابه شرح السنة (ص\24-25) ناسبا إياه إلى معتقد أحمد-: ( واعلم -رحمك الله- أن الكلام في الرب تعالى محدث وهو بدعة وضلالة ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز و جل في القرآن وما بين رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه فهو جل ثناؤه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ربنا أول بلا متى وآخر بلا منتهى يعلم السر وأخفى وهو على عرشه استوى وعلمه بكل مكان ولا يخلو من علمه مكان, ولا يقول في صفات الرب تعالى لم إلا شاك في الله تبارك وتعالى.
والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره وليس مخلوقا لأن القرآن من الله وما كان من الله فليس بمخلوق.
وهكذا قال مالك بن أنس وأحمد بن حنبل والفقهاء قبلهما وبعدهما).
2- وصنف القاضي أبو يعلى الفراء -(ناشر مذهب الإمام أحمد)-كتابه (إبطال التأويلات), وقرر فيه إثبات صفات الله تعالى على ظواهرها من غير تشبيه ولا تكييف؛ وقال في مقدمته (ص\43-44) : (وقد أنكر أحمد التشبيه، فقال في رواية حنبل: المشبهة تقول: بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، ومن قال ذلك فقد شبه الله بخلقه.
وقال في رواية يوسف بن موسى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ولا يجوز أن يحمل حديث أبي هريرة على ذم مثبتي الصفات لأن الله سبحانه وقد وصف نفسه في كتابه في غير موضع، ووصفه رسوله بالأحاديث الصحاح، وأثبت ذلك سلف هذه الأمة، على ما نبينه فلم يبق إلا أن يحمل على ما ذكرنا ممن تكلم فيه بما لم يرد به الشرع وأعلم أنه لا يجوز رد هذه الأخبار.
على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها، لكن على ما روي عن شيخنا وإمامنا أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، وغيره من أئمة أصحاب الحديث، أنهم قالوا في هذه الأخبار: أمروها كما جاءت، فحملوها على ظاهرها في أنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين).
ثم ذكر الروايات عن الإمام أحمد في إثبات هذا المعنى.
3- وصنف الشيخ عبد القادر الجيلاني الحنبلي الذي يقول : (لا يكون لله ولي إلا على معتقد أحمد)؛ كتابه الغنية لطالبي طريق الحق, وقرر في قسم العقائد منه: (إثبات صفات الله تعالى على ظواهرها بلا تشبيه ولا تعطيل, ولاكيف, ولا لِمَ), ونسب ذلك إلى إمامه أحمد بن حنبل؛ فقال (1\124-125): (وقال أحمد بن حنبل رحمه الله قبل موته بقريب: أخبار الصفات تمر، كما جاءت، بلا تشبيه ولا تعطيل.
وقال أيضًا في رواية بعضهم: لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله عز وجل، أو حديث عن النبي- صلى الله عليه وسلم- أو عن أصحابه رضي الله عنهم، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود، فلا يقال في صفات الرب عز وجل: كيف، ولم، ولا يقول ذلك إلا شاك.
وقال أحمد -رحمه الله- في رواية عنه -في موضع آخر-: نحن نؤمن بأن الله عز وجل على العرش، كيف شاء، وكما شاء، بلا حد ولا صفة، يبلغها واصف، أو يحده حاد، لما روى عن سعيد بن المسيب عن كعب الأحبار قال الله تعالى في التوراة: (أنا الله فوق عبادي، وعرشي فوق جميع خلقي، وأنا على عرشي، عليه أدبر عبادي، ولا يخفى علي شيء من عبادي).
وكونه عز وجل على العرش مذكورًا في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، ولأن الله تعالى فيما لم يزل موصوف بالعلو والقدرة والاستيلاء والغلبة على جميع خلقه من العرش وغيره، فلا يحمل الاستواء على ذلك.
فالاستواء من صفات الذات بعدما أخبرنا به، ونص عليه، وأكده في سبع آيات من كتابه، والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له، ولائقة به كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقًا ورازقًا ومحييًا ومميتًا، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر، ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله عز وجل، كما قال سفيان بن عيينة رحمه الله: كما وصف الله تعالى نفسه في كتابه؛ فتفسيره قراءته، لا تفسير له غيرها، ولا نتكلف غير ذلك، فإنه غيب، لا مجال للعقل في إدراكه، ونسأل الله تعالى العفو والعافية).
ولو لم يثبت الإمام الجيلاني معنى للصفات لما قال عنها أنها من صفات الذات, وأنها لازمة, وذلك إجراء منه للصفات على ظواهرها.


الوجه الخامس: ما صنفه أئمة أصحاب مذهبه من كتب ورسائل في العقيدة نسجوا فيها على ضوء تقريرات الإمام أحمد وتأصيلاته في إثبات معاني ظواهر نصوص الصفات من غير تشبيه ولا تعطيل, ومن ذلك :
1- قال أبو بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني الحنبلي في قصيدته الحائية :
(ولا تك في القرآن بالوقف قائلا ... كما قال أتباع لجهم وأسجحوا
ولا تقل القرآن خلقا قرأته ... فإن كلام الله باللفظ يوضح
وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... كما البدر لا يخفى وربك أوضح
وليس بمولود وليس بوالد ... وليس له شبه تعالى المسبح
وقد ينكر الجهمي هذا وعندنا ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح
رواه جرير عن مقال محمد ... فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح
وقد ينكر الجهمي أيضا يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح
وقل ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح).
ولو لم تكن معاني الصفات معلومة عند الناظم, لما سلكها في أبيات قصيدته.
2- وقال ابن قدامة المقدسي الحنبلي في كتابه (لمعة الاعتقاد) (ص\10-12) بعد أن ساق معقيدة الإمامين احمد والشافعي في باب الصفات مقررا لزوم إجراء صفات الله تعالى على ظاهرها وعدم التعرض لها بتأويل أو تعطيل أو تشبيه: (من لم يسعه ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان والأئمة من بعدهم والراسخين في العلم من تلاوة آيات الصفات وقراءة أخبارها وإمرارها كما جاءت، فلا وسع الله عليه... ,[ثم ذكر بعض الآيات والأحاديث الواردة في الصفات, ثم قال:]؛ فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به، ولا نرده ولا نجحده ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره، ولا نشبهه بصفات المخلوقين، ولا بسمات المحدثين، ونعلم أن الله سبحانه وتعالى لا شبيه له ولا نظير {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}, وكل ما تخيل في الذهن أو خطر بالبال فإن الله تعالى بخلافه).
3- ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في العشرات من كتبه ورسائله, وانتصر له في المئات من المواطن؛ من أن نصوص الأسماء والصفات تجري على ظاهرها من غير تحريف ولا تعطيل, ولا تشبيه ولا تمثيل, ومن تقريراته قوله في مجموع الفتاوى (3/ 167) : (مذهب السلف وهو إجراء آيات الصفات وأحاديث الصفات على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها، إذ الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، يحتذى فيه حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات: إثبات وجود لا إثبات تكييف فكذلك إثبات الصفات: إثبات وجود لا إثبات تكييف).

الوجه السادس: ما نقله عن الإمام أحمد المنتسبون إليه؛ من موافقيه في أصول معتقده؛ لكنهم خالفوه في بعض مفصلات الاعتقاد, ومن أمثلتهم:
1- أبو الحسن الأشعري؛ الذي قد نسب نفسه إلى عقيدة أحمد, وألف في ذلك أكثر من رسالة كان من أشهرها رسالته (الإبانة عن أصول الديانة) قال في مقدمتها(ص\20-22) :(الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها، التمسك بكتاب الله ربنا عز وجل، وبسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وما روى عن السادة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل - نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته - قائلون، ولما خالف قوله مخالفون؛ لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق، ودفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيع الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وجليل معظم، وكبير مفهم.
وجملة قولنا ..... : وأن الله تعالى استوى على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن الممارسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش، بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته، ومقهورون في قبضته، وهو فوق العرش، وفوق كل شيء، إلى تخوم الثرى، فوقية لا تزيده قربا إلى العرش والسماء، بل هو رفيع الدرجات عن العرش، كما أنه رفيع الدرجات عن الثرى، وهو مع ذلك قريب من كل موجود، وهو أقرب إلى العبد من حبل الوريد، وهو على كل شيء شهيد.
وأن له سبحانه وجها بلا كيف، كما قال: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام).
وأن له سبحانه يدين بلا كيف، كما قال سبحانه: (خلقت بيدي) ، وكما قال: (بل يداه مبسوطتان) .
وأن له سبحانه عينين بلا كيف، كما قال سبحانه: (تجري بأعيننا) ).
2- أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمي البغدادي الحنبلي (ت 410هـ) حيث ألف في بيان معتقد الإمام أحمد رسالته (اعتقاد الإمام المبجل) , وقال فيها (ص\294-296) : (ومذهب أبي عبدالله أحمد بن حنبل رضي الله عنه أن لله عز و جل وجها لا كالصور المصورة والأعيان المخططة بل وجه وصفه بقوله {كل شيء هالك إلا وجهه}, ومن غير معناه فقد ألحد عنه, وذلك عنده وجه في الحقيقة دون المجاز, ووجه الله باق لا يبلى, وصفة له لا تفنى, ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد, ومن غير معناه فقد كفر, وليس معنى وجه معنى جسد عنده ولا صورة ولا تخطيط ومن قال ذلك فقد ابتدع.. .
وكان يقول: إن الله عز و جل مستو على العرش المجيد, وحكى جماعة عنه أن الاستواء من صفات الفعل, وحكى جماعة عنه أنه كان يقول إن الاستواء من صفات الذات.
وكان يقول في معنى الاستواء: هو العلو والارتفاع ولم يزل الله تعالى عاليا رفيعا قبل أن يخلق عرشه؛ فهو فوق كل شيء والعالي على كل شيء, وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء, والعرش أفضل الأشياء وأرفعها؛ فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى: أي عليه علا).
3- ابن الجوزي رحمه الله-, والذي عرف عنه اضطرابه في باب الصفات الإلهية؛ فهو يثبتها على ظاهرها تارة, ويؤلها تارة أخرى, ويتوقف في إثبات معانيها تارة ثالثة؛ عندما صنف كتابه (دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) وأسماه أيضا- (˜الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب) سعى فيه لإثبات أن مذهب الإمام أحمد هو التأويل لمعاني الصفات الظاهرة؛ حيث يقول في مقدمة كتابه: (ورأيت من أصحابنا من تكلّم في الأصول بما لا يصلح.., وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات.., ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى.., ولم يقنعوا بأن يقولوا: صفة فعل، حتى قالوا: صفة ذات! ثم لما أثبتوا أنها صفات ذات، قالوا: لا نحملها على توجيه اللغة، مثل اليد على النعمة والقدرة، والمجيء والإتيان على معنى البر واللطف، والساق على الشدّة، بل قالوا: نحملها على ظواهرها المتعارفة... .
وقد نصحت التابع والمتبوع فقلت لهم: يا أصحابنا، أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس منه).
فهذا ابن الجوزي يرى أن مذهب الإمام أحمد في الصفات هو تأويلها على ما تحمله في اللغة من معان عند قيام موجب هذا الحمل, وهذا هو التأويل المذموم, لكنه لم ينسب إلى الإمام أحمد أنه يفوض معنى صفات الله تعالى ويجهل معانيها بالكلية.


الوجه السابع:إن نسبة القول بتأويل معاني الصفات , أو تعطيلها عن معناها الظاهر المتبادر في اللفظ إلى الإمام أحمد لم يكن معروفا قبل القرن الخامس الهجري, بل ولم يعرف إلا عن ثلاثة من الحنابلة وهم (صدقة بن الحسين, وابن عقيل, وابن الجوزي) ممن تأثروا بأهل الكلام في الاعتقاد, وقد ردّ الحنابلة على هؤلاء ونحوهم من انتسب إلى الإمام أحمد وخالف عقيدته -ولو في يسير-, وبخاصة في باب الأسماء والصفات, ومن ذلك:
1- رد البربهاري على ابي الحسن الأشعري في كتابه الإبانة, وأنكر عليه ألفاظا لم تؤثرعن الإمام أحمد, رغم موافقة ما في الإبانة لأصول معتقده رحمه الله-؛ كما كما روى الذهبي في تاريخ الإسلام (24/258) عن: أبي عبد الله الحمرائي قال: (لما دخل الأشعري بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي وعلى النصارى والمجوس، وقلت وقالوا. فقال البربهاري: ما أدري مما قلت قليلاً ولا كثيراً، ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل. قال: فخرج من عنده وصنف كتاب الإبانة، فلم يقبله منه).
2- ردهم على ابن عقيل الحنبلي, كما قال ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة () في ترجمته رحمه الله- وحكاية توبته: (أن أصحابنا كانوا ينقمون على ابن عقيل تردده إلى ابن الوليد، وابن التبان شيخي المعتزلة. وكان يقرأ عليهما في السر علم الكلام، ويظهر منه في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة، وتأول لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الله.
ففي سنة إحدى وستين اطلعوا له على كتب فيها شيء من تعظيم المعتزلة، والترحُّم على الحلاَّج وغير ذلك. ووقف على ذلك الشريف أبو جعفر وغيره، فاشتد ذلك عليهم، وطلبوا أذاه، فاختفى. ثم التجأ إلى دار السلطان، ولم يزل أمره في تخبيط إلى سنة خمس وستين، فحضر في أولها إلى الديوان، ومعه جماعة من الأصحاب، فاصطلحوا ولم يحضر الشريف أبو جعفر لأنه كان عاتبًا على ولاة الأمر بسبب إنكار منكر قد سبق ذكره في ترجمته.
فمضى ابن عقيل إلى بيت الشريف وصالحه وكتب خَطّه: يقول علي بن عقيل بن محمد: إني أبرأ إلى الله تعالى من مذاهب مبتدعة الاعتزال وغيره، ومن صحبة أربابه، وتعظيم أصحابه، والترحم على أسلافهم، والتكثر بأخلاقهم. وما كنت علّقته، ووُجد بخَطّي من مذاهبهم وضلالتهم فأنا تائب إلى الله تعالى من كتابته. ولا تَحل كتابته، ولا قراءته، ولا اعتقاده... ) إلخ .
3- ردهم على ابن الجوزي فيما ذهب إليه من تأويل وانحراف عن معتقد الإمام أحمد, كما قال ابن رجب الحنبلي في ذيل طبقات الحنابلة () في ترجمته رحمه الله-: (نقم جماعة من مشايخ أصحابنا وأئمتهم من المقادسة والعلثيين - من ميله إلى التأويل في بعض كلامه، واشتد نكرهم عليه في ذلك. ولا ريب أن كلامه في ذلك مضطرب مختلف، وهو وإن كان مطلعًا على الأحاديث والآثار في هذا الباب، فلم يكن خبيرًا بحل شبهة المتكلمين، وبيان فِسادها. وكان معظمًا لأبي الوفاء بن عقيل يتابعه في أكثر ما يجد في كلامه وإن كان قد ورد عليه في بعض المسائل. وكان ابن عقيل بارعًا في الكلام، ولم يكن تام الخبرة بالحديث والآثار. فلهذا يضطرب في هذا الباب، وتتلون فيه آراؤه. وأبو الفرج تابع له في هذا التلون.
قال الشيخ موفق الدين المقدسي: كان ابن الجوزي إمام أهل عصره في الوعظ، وصنف في فنون العلم تصانيف حسنة. وكان صاحب قبول. وكان يدرس الفقه ويصنف فيه. وكان حافظًا للحديث. وصنف فيه، إلا أننا لم نرض تصانيفه في السنة، ولا طريقته فيها. انتهى).

الوجه الثامن: ما نقله عن الإمام أحمد بن حنبل -من أصحاب المذاهب الأخرى- ممن وافقوه على مفصل اعتقاده, وتصريحهم بإثباته لصفات الله تعالى على ظاهر معناها اللائق به جل شأنه-, ومنهم:
1- قال أبو عثمان الصابوني الشافعي في كتابه (عقيدة السلف أصحاب الحديث), (ص\) : (يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة، والعزة والعظمة والإرادة، والمشيئة والقول والكلام، والرضا والسخط والحياة، واليقظة والفرح والضحك وغرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى، وقاله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه، ولا تكييف له ولا تشبيه، ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب، وتضعه عليه بتأويل منكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه إلى الله تعالى).
وقال في خاتمة كتابه () بعد أن ساق أسماء جملة من أئمة الإسلام ومنهم الإمام أحمد بن حنبل: (وهذه الجمل التي أثبتها في هذا الجزء كانت معتقد جميعهم، لم يخالف فيها بعضهم بعضا، بل أجمعوا عليها كلها).
2- وقال ابن عبد البر المالكي في التمهيد (7/ 145): (أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة ويزعمون أن من أقر بها مشبه وهم عند من أثبتها نافون للمعبود والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله).
ثم نقل (7\147-148) عن أئمة الملكية معتقدهم فيه, وأردفه ببيان معتقد الإمام أحمد بن حنبل فروى عن سحنون قائلا: (قلت لأحمد بن حنبل: ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا أليس تقول بهذه الأحاديث؟ ويرى أهل الجنة ربهم؟ وبحديث لا تقبحوا الوجوه فإن الله خلق آدم على صورته؟ واشتكت النار إلى ربها حتى يضع الله فيها قدمه؟ وأن موسى عليه السلام لطم ملك الموت صلوات الله عليه؟ قال أحمد: كل هذا صحيح.
وقال إسحاق: كل هذا صحيح, ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي.
قال أبو عمر [بن عبد البر]: الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي صلى الله عليه و سلم فيها والتصديق بذلك وترك التحديد والكيفية في شيء منه).
3- وقال ابن أبي العز الحنفي في شرحه على العقيدة (2/ 192): (وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جدا : فمنه : ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه : الفاروق ، بسنده إلى مطيع البلخي : أنه سأل أبا حنيفة عمن قال : لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض ؟ فقال : قد كفر ؛ لأن الله يقول : { الرحمن على العرش استوى }, وعرشه فوق سبع سماوات، قلت: فإن قال : إنه على العرش ، ولكن يقول : لا أدري العرش في السماء أم في الأرض ؟ قال : هو كافر ، لأنه أنكر أنه في السماء ، فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر .
وزاد غيره : لأن الله في أعلى عليين ، وهو يدعى من أعلى ، لا من أسفل . انتهى .
ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة ، فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم، مخالفون له في كثير من اعتقاداته.
وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم.
وقصة أبي يوسف في استتابتة بشر المريسي -لما أنكر أن يكون الله عز وجل فوق العرش مشهورة).

الوجه التاسع: ما نقله عن الإمام أحمد المخالفون له, وشنعوا عليه بسبب إثباته لظواهر معاني نصوص الصفات على الوجه اللائق بالله سبحانه وتعالى, ومنهم:
1- المعتزلة الذين كانوا يرون أن الإمام أحمد بن حنبل مجسم لأنه يثبت ظواهر معاني نصوص الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه-, وألف كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة) في الرد عليهم.
2- الرافضة الذين يصرحون جهارا نهارا بأن الإمام أحمد بن حنبل كان مجسما مشبها لإثباته نصوص الصفات على معانيها الظاهرة.

الوجه العاشر: إن كل ما تقدم من أوجه دالة على إثبات الإمام أحمد رحمه الله- لمعاني نصوص الصفات لله تعالى على الوجه اللائق به جل شأنه؛ من غير تحريف لها, ولا تعطيل لمعناها؛ هو الحق الذي تقتضيه الأدلة الشرعية والقواعد اللغوية, وعلى مقتضاها عمل السلف الذين كانوا من قبله في التعامل مع نصوص الكتاب والسنة بعامة, ومع نصوص الصفات الإلهية بوجه خاص, وبيان ذلك بالتالي:
1- إن صفات الله تعالى قد جاءت في القران الكريم الذي هو كلام الله تعالى, والكلام هو اللفظ الموضوع لمعنى؛ فمجرد ذكرها في القران, دليل على أن لها معنى يراد منها, وليست هي مجهولة المعنى عارية عنه.
2- إن الله تعالى قد أخبر أنه أنزل كلامه على رسوله بلسان عربي مبين؛ فكل ما فيه من ألفاظ فهي جارية على وفق لغة العرب, ومعروفة معانيها في كلامهم, وإن كانت كيفياتها مجهولة؛ والجهل بالكيفية والحقيقة لا يلزم منه الجهل بالمعنى.
3- إن الله تعالى وصف كتابه بالبيان والهدى والنور والتيسير للذكر, ولم يستثن منه شيئا؛ فدل هذا على أن كل ما ورد فيه من ألفاظ فهو بين واضح لا لبس فيه, ومن ذلك نصوص الصفات لله تعالى.
4- إن الله تعالى أمر عباده في مواضع عدة بتدبر ما في القران, وذم من لا يفهم ما في كلام الله تعالى؛ والقول بأن نصوص الصفات مجهولة المعنى يتنافى مع الأمر بتدبر معانيها, ويدخل القائل في نصوص الذم.
5- إن نصوص الصفات في الكتاب والسنة قد جاءت في سياقات تتناسب مع إيراد معنى الصفة في السياق الذي ذكرت فيه؛ بما يدل على إرادة معنى الصفة في هذا السياق, بما يبطل زعم القائلين بأن معانيها مجهولة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على البكري (2\705) :
"فغير الرسول -صلى الله وعليه وسلم- إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام .
وأيضا : فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على المتكلم بذلك بأس ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم؛ بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق
".
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:56 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.