أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
21553 25092

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-08-2018, 04:57 PM
أبو العباس أبو العباس غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 784
افتراضي القول الأمثل في مسائل أذان الجمعة الأول.

القول الأمثل في مسائل أذان الجمعة الأول.
.
.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, وبعد...
.
فإن الخلاف في حكم أذان الجمعة الأول الذي أحدثه عثمان (رضي الله عنه) يعد من مسائل الخلاف السائغ التي وقع الخلاف فيها قديما ولا زال -بل وزاد في الأزمنة المتأخرة, وبخاصة بعد انتشار وسائل رفع الأذان وإيصال صوت المؤذن إلى أماكن أبعد مما يمكن أن يصل إليه صوت المؤذن- مسألة الأذان الأول لصلاة الجمعة, أو ما تسمى بمسألة (أذان عثمان)؛ والذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع ما لاحظته من خلط البعض بين مقررات الأوقاف وبين أصل المسألة الشرعي, بل ومحاولة بعض الكتابات إضفاء المشروعية على مقررات الأوقاف في هذه المسألة, وتسويغ المسألة من الناحية الشرعية لتهوين تطبيق هذه المقررات ؛ فأحببت في هذه المقالة أن أتكلم على أصل المسألة الشرعي مقسما إياه إلى مسائل, وأرجئ الكلام في التعامل مع مقررات الأوقاف وإلزاماتهم ببعض مسائل الخلاف السائغ أو البدع إلى مقالة مستقلة -إن شاء الله-؛ فأقول, وبالله التوفيق:
.
.
المسألة الأولى: مما لا خلاف فيه أن سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأذان لصلاة الجمعة أن يكون أذانا واحدا بعد صعود الإمام على المنبر وقبل شروعه بالخطبة, كما دلّ على هذا حديث السائب بن يزيد في صحيح البخاري (912) حيث قال: (كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر).
وقال الحسن البصري: (النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام).
وقال عطاء – كما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/205)-: (إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيمَا مَضَى وَاحِدًا قَطُّ ثُمَّ الْإِقَامَةُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْأَذَانُ يُؤَذَّنُ بِهِ حِينَ يَطْلُعُ الْإِمَامُ فَلَا يَسْتَوِي الْإِمَامُ قَائِمًا حَيْثُ يَخْطُبُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ مَعَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ حِينَ يَحْرُمُ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ حِينَ يُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ).
وقال ابن المسيب –كما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 206)- : (كَانَ الْأَذَانُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانًا وَاحِدًا حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ).
قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري(8/ 215): (وقد دل الحديث على أن الأذان الذي كان على عهد رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبي بكر وعمر هو النداء الذي بين يدي الإمام عند جلوسه على المنبر، وهذا لا اختلاف فيه بين العلماء.
ولهذا قال أكثرهم: أنه هو الأذان الذي يمنع البيع، ويوجب السعي إلى الجمعة، حيث لم يكن على عهد النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سواه).
.
.
المسألة الثانية: أول من أحدث الأذان لصلاة الجمعة قبل دخول وقتها هو عثمان (رضي الله عنه), كما في تمام حديث السائب بن يزيد وفيه: (كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الإِمَامُ عَلَى المِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ).
وفي مصنف عبد الرزاق (3/206) عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: (كَانَ الْأَذَانُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَذَانًا وَاحِدًا حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ كَثُرَ النَّاسُ فَزَادَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلْجُمُعَةِ)
وفي مصنف ابن أبي شيبة (1/470) عن الزهري، قال: «أول من أحدث الأذان الأول عثمان، ليؤذن أهل الأسواق».
وفي رواية عنه أنه قال: «كان الأذان عند خروج الإمام، فأحدث أمير المؤمنين عثمان، التأذينة الثالثة على الزوراء ليجتمع الناس».
وفي مصنف عبد الرزاق (3/206) عن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: (أَنَّ عُثْمَانَ، أَوَّلُ مَنْ زَادَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ الْجُمُعَةِ، لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَهُ، فَكَانَ يُؤَذَّنُ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ).
.
.
المسألة الثالثة: إن الأذان الذي أحدثه عثمان (رضي الله عنه) له أصوله الشرعية قياسا على الأذان الأول للفجر, كما قال ابن حجر في فتح الباري (2/ 394): (وتبين بما مضى أن عثمان أحدثه لإعلام الناس بدخول وقت الصلاة قياسا على بقية الصلوات فألحق الجمعة بها وأبقى خصوصيتها بالأذان بين يدي الخطيب).
والملاحظ أن الأذان الذي أحدثه عثمان (رضي الله عنه) يوم الجمعة, يمتاز بالتالي:
1- كان قبل دخول وقت صلاة الجمعة.
2- لم يكن بين يدي الخطيب, وإنما كان على سطح مرتفع.
3- لم يكن في المسجد, وإنما كان في السوق.
4- إحداثه له لعلة, وهي (ليؤذن أهل الأسواق) كي (يتهيأ الناس للجمعة) –لما (كثر الناس)-.
وقد تلقى المسلمون فعله (رضي الله عنه) بالقبول ولم ينكروا عليه (رضي الله عنه) لأن لها أصولا شرعية معتبرة, فضلا عن كونه من سنن الخلفاء الراشدين, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (22/ 235): (وهكذا إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب, وهي الحجاز واليمن واليمامة وكل البلاد الذي لم يبلغه ملك فارس والروم من جزيرة العرب, ومصر الأمصار: كالكوفة والبصرة, وجمع القرآن في مصحف واحد, وفرض الديوان, والأذان الأول يوم الجمعة, واستنابة من يصلي بالناس يوم العيد خارج المصر, ونحو ذلك مما سنه الخلفاء الراشدون؛ لأنهم سنوه بأمر الله ورسوله فهو سنة).
بل عده بعض أهل العلم إجماعا سكوتيا على الجواز كما في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (6/211) حيث قال: (ولكنه ثالث باعتبار شرعيته باجتهاد عثمان وموافقة سائر الصحابة به بالسكوت وعدم الإنكار، فصار إجماعا سكوتيا).
.
.
المسألة الرابعة: إن مذهب جمهور العلماء على أن المستحب هو تقديم سنة النبي (صلى الله عليه وسلم) في الأذان ليوم الجمعة على فعل عثمان (رضي الله عنه) كما قال الشافعي –رحمه الله- في كتابه الأم (1/224): (ولا يؤذن للجمعة حتى تزول الشمس , وإذا أذن لها قبل الزوال أعيد الأذان لها بعد الزوال؛ فإن أذن لها مؤذن قبل الزوال وآخر بعد الزوال أجزأ الأذان الذي بعد الزوال ولم يعد الأذان الذي قبل الزوال.
وأحب أن يكون الأذان يوم الجمعة حين يدخل الإمام المسجد ويجلس على موضعه الذي يخطب عليه خشب، أو جريد أو منبر، أو شيء مرفوع له، أو الأرض فإذا فعل أخذ المؤذن في الأذان فإذا فرغ قام فخطب لا يزيد عليه.
وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر لا جماعة مؤذنين أخبرنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرني الثقة عن الزهري عن السائب بن يزيد أن الأذان كان أوله للجمعة حين يجلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر فلما كانت خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان بأذان ثان فأذن به فثبت الأمر على ذلك).
وقد كان عطاء ينكر أن يكون عثمان أحدثه ويقول أحدثه معاوية، والله تعالى أعلم.
وأيهما كان فالأمر الذي على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحب إلي.
فإن أذن جماعة من المؤذنين والإمام على المنبر وأذن كما يؤذن اليوم أذان قبل أذان المؤذنين إذا جلس الإمام على المنبر كرهت ذلك له ولا يفسد شيء منه صلاته).
وروى بن عبد البر في كتابه الكافي (1\250) عن الإمام مالك قائلا: (وروى ابن نافع عن مالك: قال: لا بأس بالبيع والشراء بعد التأذين الأول من يوم الجمعة لأنه إنما كان تأذينان فزيد الثالث وإنما يكره البيع والشراء بعد التأذين الذي بعد قعود الإمام.
وقال ابن القاسم مثله، وزاد: فأما التأذين الأول فلا أرى به بأسا إلا أن يترك احتياطا).
وقال أبو بكر الجصاص الحنفي في أحكام القرآن (3/ 594) –حاكيا قول أصحابه الأحناف-: (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ إنْكَارَ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ.., وَأَمَّا أَصْحَابُنَا فَإِنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا أَذَانًا وَاحِدًا إذَا قَعَدَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِذَا نَزَلَ أَقَامَ عَلَى مَا كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا).
ونقل ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (8/ 220) عن القاضي أبي يعلى الحنبلي أنه قال: (المستحب أن لا يؤذن الا أذان واحد، وهو بعد جلوس الإمام على المنبر، فإن أذن لها بعد الزوال وقبل جلوس الإمام جاز، ولم يكره).
.
.
المسألة الخامسة: إن عثمان (رضي الله عنه) لم يأمر المسلمين في الأمصار بأن يحدثوا الأذان يوم الجمعة ولم يلزمهم به, وإنما ترك الأمر لاجتهاد ولاة الأمصار وتقديرهم للحاجة إليه, ولهذا بقي كثير من المسلمين في أمصار عدة يعملون بالأذان الواحد يوم الجمعة حتى بعد عهد عثمان , كما حكى القرطبي في تفسيره (18/100) أن عليا (رضي الله عنه) كان يؤذن يوم الجمعة أذانا واحدا؛ فقال : (وقد كان الأذان على عهد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كما في سائر الصلوات، يؤذن واحد إذا جلس النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. وكذلك كان يفعل أبو بكر وعمر وعلي بالكوفة).
وكان ابن الزبير في مكة يؤذن للجمعة أذانا واحدا, كما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 206) عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: «رَأَيْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَا يُؤَذَّنُ لَهُ حَتَّى يَجْلِسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلَا يُؤَذَّنُ لَهُ إِلَّا أَذَانًا وَاحِدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ».
واستمر الحال في مكة على هذا النحو إلى ان دخل الحجاج مكة بعد ابن الزبير فكان أول من أحدث الأذان الأول يوم الجمعة في مكة كما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/205) عن عَطَاءٌ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيمَا مَضَى وَاحِدًا قَطُّ ثُمَّ الْإِقَامَةُ، فَكَانَ ذَلِكَ الْأَذَانُ يُؤَذَّنُ بِهِ حِينَ يَطْلُعُ الْإِمَامُ فَلَا يَسْتَوِي الْإِمَامُ قَائِمًا حَيْثُ يَخْطُبُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ مَعَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ حِينَ يَحْرُمُ الْبَيْعُ، وَذَلِكَ حِينَ يُؤَذِّنُ الْأَوَّلُ، فَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ الْآنَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَهُوَ بَاطِلٌ»، وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ).
وفي مصنف عبد الرزاق (3/ 206) عن عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: (أَنَّ عُثْمَانَ، أَوَّلُ مَنْ زَادَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَمَّا كَثُرَ النَّاسُ زَادَهُ، فَكَانَ يُؤَذَّنُ بِهِ عَلَى الزَّوْرَاءِ قَالَ: «وَأَمَّا أَوَّلُ مَنْ زَادَهُ بِبِلَادِنَا فَالْحَجَّاجُ).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (2\394) : (ذكر الفاكهاني: أن أول من أحدث الأذان الأول بمكة الحجاج، وبالبصرة زياد.
وبلغني أن أهل المغرب الأدنى الآن لا تأذين عندهم سوى مرة).
ولأجل هذا قال ابن رجب الحنبلي في فتح الباري (8/ 220-221): (ونقل حرب، عن إسحاق بن راهويه: (أن الأذان الأول للجمعة محدث، احدثه عثمان)، رأى أنه لا يسمعه إلا أن يزيد في المؤذنين، ليعلم الأبعدين ذلك، فصار سنة: لأن على الخلفاء النظر في مثل ذلك للناس.
وهذا يفهم منه أن ذلك راجع إلى رأي الإمام، فإن احتاج اليه لكثرة الناس فعله، وإلا فلا حاجة إليه).
وقال الحافظ ابن حجر في وقال الحافظ في فتح الباري (2\394): (والذي يظهر أن الناس أخذوا بفعل عثمان في جميع البلاد إذ ذاك لكونه خليفة مطاع الأمر).
.
.
المسألة السادسة: إن الملاحظ من قول عطاء: (فَأَمَّا الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ الْآنَ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَجُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ فَهُوَ بَاطِلٌ) أنه كان هناك من السلف من ينكر على هذا الإحداث, وليس عطاء لوحده من أنكر هذا الأذان من السلف بل وافقه على هذا الإنكار عدد من السلف كما في من السلف من نصّ على بدعية الأذان الأول لصلاة الجمعة, كما روى عنهم ابن أبي شيبة في مصنفه (1\470), ومنهم:
ابن عمر (رضي الله عنه)؛ حيث قال: ( الأذان الأول يوم الجمعة بدعة).
وقال: (الأذان يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي قبل ذلك محدث).
وفي أحكام القرآن للجصاص (3/ 594) عن هِشَامُ بْنُ الْغَازِ قَالَ: سَأَلْت نَافِعًا عَنْ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: بِدْعَةٌ, وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَإِنْ رَآهُ النَّاسُ حَسَنًا).
ووافق ابن عمر على هذا الحكم مولاه نافع؛ كما روى عنه هشام بن الغاز قال: (سألت نافعا مولى بن عمر: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعة).
وكذلك قال بإحداثه الحسن البصري؛ حيث قال: (النداء الأول يوم الجمعة الذي يكون عند خروج الإمام والذي قبل ذلك محدث).
لكن الأمر استقر بعد ذلك حتى صار إجماعا معتبرا عند الأمة من غير مخالف لهم, كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (6/ 292): (وما فعله عثمان من النداء الأول اتفق عليه الناس بعده: أهل المذاهب الأربعة وغيرهم).
.
.
المسألة السابعة: أما ما يفعل في مساجد المسلمين اليوم من الأذانين في يوم الجمعة بعد دخول وقتها, فيكون الاول قبل خروج الإمام وصعوده على المنبر, والثاني بعده, ولا يكون بينهما فاصل زمني كبير؛ فهذا مخالف لسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) وسنة أصحابه بل ومخالف لسنة عثمان (رضوان الله عليه), وبيان ذلك:
.
أولا: أما مخالفته لسنة النبي (صلى الله عليه وسلم) وسنة أبي بكر وعمر وعلي فبينة واضحة, حيث كان الأذان على عهده (صلى الله عليه وسلم) وعهد أصحابه الخلفاء أذانا واحدا لا أذانين.
.
ثانيا: وأما أنه مخالف لما سنه عثمان رضي الله عنه, وما وافقه عليه السلف؛ فمن أوجه:
.
الأول: أن عثمان (رضي الله عنه) كان يؤذن في المسجد لصلاة الجمعة أذانا واحدا, لا أذانين كما يفعل اليوم.
.
الوجه الثاني: أن الأذانين على عهد عثمان كانا يفعلان من مكانين متغايرين (السوق ثم المسجد), لا في من مكان واحد يؤذن فيه الأذانين بين يدي الإمام, كما اليوم.
.
الوجه الثالث: ان عثمان كان يؤذن الأذان الأول قبل دخول الوقت, لا بعد دخول الوقت كما هو الحال اليوم.
.
الوجه الرابع: أن عثمان كان يؤذن الأذان المحمدي –الثاني- في أول وقته عند الزوال, لا بعد مضي بعض وقته كما هو الحال اليوم.
.
الوجه الخامس: إن إذان عثمان الأول كان بينه وبين الأذان المحمدي الثاني متسع من الوقت يكفي المتسوق أن ينصرف من سوقه, ويتهيأ لصلاة الجمعة, ويدركها قبل صعود الإمام على المنبر؛ كما أوضح ذلك الشيخ ابن منيع حيث قال: (والفارق بينه وبين النداء الثاني الذي يؤذن فيه المؤذن عند رقي الإمام منبر الجمعة -زمنيا- لا يقل عن ثلث ساعة لأن بلال رضي الله عنه (مؤذن المسجد النبوي) كان يؤذن وهو في محل مرتفع في المناخة، ثم بعد ذلك ينزل ويأتي من المناخة إلى أن يستقر في المسجد نفسه، ثم بعد ذلك يأتي الإمام فيؤذن النداء الثاني، وهذا يعني وجود فارق بين النداءين, أما الآن فليس هناك شيء من هذا موجود، فينبغي أن يعلم أن جميع الأحكام الشرعية مبنية على علل وأحكام وأسرار ومقاصد، فنحن حينما ننظر الآن في الآذان الذي هو موجود في المسجد الحرام والمسجد النبوي، نجد أن الأذانين ليس بينهما فارق زمني إلا بضع دقائق، وقد تصل الى خمس دقائق، وهذا يعني أن النداء الأول ليست له حكمة ولا مقصد؛ لأن المقصد الحقيقي من هذا النداء هو إعلام بقرب دخول الوقت لأجل أن يقوم من سمع هذا الآذان فيذهب إلى بيته، ويتهيأ للصلاة بالاغتسال ولبس أحسن ثيابه والتهيؤ للصلاة).
.
.
وبناء على ما تقدم أقول:
أولا: إن خير الهدي؛ هدي محمد (صلى الله عليه وسلم) وكان من هديه أن يؤذن في المسجد لصلاة الجمعة, أذانا واحدا بعد دخول الوقت, وبعد صعود الإمام على المنبر,وهذا مما لا خلاف فيه.
.
ثانيا: كان من هدي أصحابه الخلفاء الراشدين الأربعة الذين أمرنا باتباع سنتهم أنهم يوافقون النبي (صلى الله عليه وسلم) في هديه للأذان لصلاة الجمعة؛ فكانوا في المسجد يؤذنون لصلاة الجمعة أذانا واحدا بعد دخول الوقت وبعد صعود الإمام على المنبر.
.
ثالثا: إن عثمان (رضي الله عنه) أحدث الأذان الأول لصلاة الجمعة قبل دخول الوقت, في السوق, ووافقه عليها السلف؛ فمن أراد أن يوافق سنة عثمان؛ فليفعل كفعله, وأما ما يفعل في مساجد المسلمين اليوم فلا علاقة له بأذان.
.
رابعا: إن مذهب جمهور العلماء والمحققين من أهل العلم هو استحباب الاقتصار على الأذان المحمدي يوم الجمعة, الاكتفاء به عن أذان عثمان؛ ما لم تقم الحاجة إليه.
.
خامسا: إن الأذان الذي أحدثه عثمان كان لعلة ومقصد في بيئة معينة؛ فلا ينبغي أن ينزل الحكم على غيرها من البيئات والأماكن حيث تكون العلل منتفية, والمقاصد غير متحققة؛ وكثير من بلاد المسلمين اليوم تكاد تنتفي فيها العلة التي أحدث عثمان الأذان فيها في السوق, وذلك: لكثرة المسجد, وسماع النداء عبر مكبرات الصوت, ووجود الساعات والتقاويم التي تعلم بوقت الصلاة, والمنبهات التي تنبه إلى قرب صلاة الجمعة ونحوها.
.
والله أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.
__________________

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في الرد على البكري (2\705) :
"فغير الرسول -صلى الله وعليه وسلم- إذا عبر بعبارة موهمة مقرونة بما يزيل الإيهام كان هذا سائغا باتفاق أهل الإسلام .
وأيضا : فالوهم إذا كان لسوء فهم المستمع لا لتفريط المتكلمين لم يكن على المتكلم بذلك بأس ولا يشترط في العلماء إذا تكلموا في العلم أن لا يتوهم متوهم من ألفاظهم خلاف مرادهم؛ بل ما زال الناس يتوهمون من أقوال الناس خلاف مرادهم ولا يقدح ذلك في المتكلمين بالحق
".
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:51 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd.