أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
61399 107599

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-16-2009, 02:00 AM
عبد المعبود يحيى السلفي عبد المعبود يحيى السلفي غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 36
افتراضي بين إصلاح الوحي وإفساد الفكرة البشرية (2،1)

بسم الله الرحمن الرحيم


بين إصلاح الوحي وإفساد الفكرة البشرية 1


أيها القراء الكرام ليس الغريب في حياة الناس أن تكون النزاعات والخلافات على الدنيا هي موضوع الجرائد, بل ذلك ـ عادة ـ هو ينبوعٌ من أحسن ينابيعها حتى إذا ما تعطلت هذه أصاب الناس عطش فيا له من عطش... , وإن مما يحاوله هؤلاء!! في هذه الآونة الأخيرة هو: فتح سوق للخصومات الدينية والمهاترات , يصبح ويمسي وقد بيّض الشيطان فيه وفرّخ ، كغيره من الأسواق , تجارته الجدال والمراء , وأثمانه التعيير بالعيوب والتشويه بالحق والباطل , ورأس ماله الانتصار للنفس وحب الظهور, ولا تسأل بعد ذلك عن فوائده فهي محض الربا , نعم بارك الله فيك إلا من رحم الله و قليل ما هم , ولكم يُؤسَف عندما يُعلم أن قراءها هم جمهور الأمة فضلا عن أعيانها, فكان الحتم اللازم القضاء عليها بسير حكيم , وعقلٍ يرى ما بعد الأيام عواقبها , وأن تكون يدا تكف الفساد وتغرس بذور الصلاح , بل وتسقيها وتحوطها حتى تستوي أمتنا كالحبة في جنب السيل , إلا أن ذلك ـ وما أحوجها المسكينة إلى ذلك , قد ضل وتاه في ركام مصطلحات الحرية التي باتت تستر كثيرا من الضمائر وتحجبها , فقننت قانونا في عقول الشعوب وأفكارها , ثم إذا ما أفسد هذا القانون شيئا لم تعرف الأمة له علاجا , بل حتى دولة القانون المسلمة لا تكاد توقف فتنته إلا بالذلة والصغار أحيانا أو بالحديد والنارـ كما يقال ـ أحيانا أخرى , أوتنجو منهما بحسن السياسة والتدبير ولكن إلى متى ؟ , فالفكرة إذا كانت طبعا في الإنسان لم يكن من الإصلاح تأصيلها والعمل على إذكاءها وإنمائها إلا إذا كان في هذا الطبع فساد فيعالج بقدر ما يحتاج , لذلك أنت ترى أن النفس البشرية قد طُبع غالبها على حب المال مثلا فكانت شريعةُ اللهِ الخالدةُ قد رعت هذه الرغبة الجامحة في الإنسان فلم يأت في الترغيب فيها ـ على ما أتى ـ مثلما ورد في التزهيد فيها والتخويف من مسؤولياتها , وكذلك في معالجة الطباع الفاسدة بما يليق ما حكاه أهل العلم والاستنباط في الحكمة من تشريع القوة في رسالة موسى, والرفق في رسالة عيسى, والجمع بينهما في دين محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام , "فحق الشعوب" لا تعرفه الشعوب الجاهلة بالحق , وإنما تكشف عن ذلك عين المصالح والمفاسد ـ سواء للفرد أو للمجتمع ـ التي ينظر من خلالها أهل السياسة النبلاء الشرفاء , وأهل الحنكة الخبراء , وأهل العلم بحدود ما أنزل الله على رسوله , وهذان الصنفان أعني العلماء والأمراء بهما قوام الدولة ، وبصلاح أفكارهم وأعمالهم تنصلح شعوبهم وأممهم والعكس بعد ذلك يكون , ثم هذا الأخير من القول مثاله لا ينحصر، بل هو في كل الصناعات والأبواب التي يحتاجها الناس في معاشهم ومعادهم, فالطب مثلا لا بد أن يتكلم فيه أهل الطب لا كل الناس , ثم تبقى القضية بعدُ في أحسن الأطباء والعبقري الذي يفري الفرى , وأما فتح الباب لكل دخيل..." باسم الحرية" ... فهذه هي الأزمة التي اجتاحت الضمائر وأنطقتها بالباطل و بلا سحر إلا سحر الدنيا الدنيء الذي لا يؤثر إلا في كل دنيء, فالنظر الكامل السديد إخواني العقلاء ـ بعد المعادلة التي طرحها الغرب الفاسد المفسد فأثمرت عزه بذلنا وغناه بفقرنا وفرحه ببكانا وطمأنينته بخوفنا وانتصاره بهزيمتنا ... , في سر الحياة و سر النجاة وفي سر الموت وسر الهلاك عبر تاريخ أمة الإسلام بل عبر تاريخ جميع الأمم, فالانحطاط يبدأ من الفكرة البشرية وإن كانت تبدو في أوائلها مثمرة تعلي أصحابها علو الكذب على الصدق وقد عرف الناس أن الكذب ليس بشيء وأنه مهما ارتقى في المعالي فستثقل عليه الابتلاءات ويكثر حوله الرأي لأنه هو الذي فتح بابه ثم ترجعه جناياته الوخيمة إلى سراديب الذلة والصغار, وأما الصدق فهو الحق وهو وحي السماء الذي ما قامت على أساسه أمة إلا رفعها هذا الحبل المتين إلى أعلى عليين , فالصدق أساسه في السماء وهي مثلُ العالي في كل الأمور, والأرض أساس الفكرة البشرية وقد أضحت بئس المثل تجتمع فيه معاني التأخر والهوان والصغار , فهذه الجرائد ومثلها القنوات الفضائية والإنترنت وغيرها لابد فيها من نظرة حكيمة قصدها رحمة الشعب وإصلاحه ولا تكون إذا كانت إلا من وحي أرحم الراحمين وأما النظرة البعيدة عنه ، القائمة على محض العقل والفكر فما تزيدنا غير تخسير وتهوي بأصحابها إلى مغبة الغاب وعيش الوحش والواقع ينبئك بصمته الصارخ وبأعظم مما تسمع ...ولعلكم تعقلون، والحمد لله الحميد المجيد والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



بين إصلاح الوحي وإفساد الفكرة البشرية (2)


ولا زلنا أيّها الأحبّة، مع موضوع الحرية ....، مع الفكرية البشرية ...، مع غُولِ هذه الأيّام وغائِلتِها، ومِحنَةِ القلوبِ المؤمنةِ وفتنتِها... موضوعُ الحُرية ...، ذاك الموضوعُ الذي تجاوز حدودَه من تحَرُّرٍ من الكُفرِ وظلمهِ و عَرْبَدَتِه إلى التّخلِّي عن أحكام الإسلام العادل الصالح و طاعاته، تلك الطاعاتُ التي تَزينُ وترفعُ كلّ مَشِينٍ وَضِيعٍ فضْلاً عن كُرَمَاءِ الرّجَالِ وشُرَفَاءِهِم، ثمّ يُحلّى هذا الفكرُ البَشَرِيُّ الفَاسِدُ بِكُلِّ فسَادٍ خُلُقِيٍّ لأنّ اتّسَاعَهُ لا يَعترِفُ بالإلزَام سواءً كان دينيًا أو سياسيًا، بلْ يُقرِّرُ أنّ مَبْدَأَهُ هوَ الحُرِّيَّةُ الشَّخْصِيَّةُ، وأنّ حُكْمَهُ هو تِلكَ الحُكُومةُ الشَّعْبيَّةُ التّي يُتَوصَّلُ إليها بتلكَ القُصَاصَاتِ المَكتُوبِ فِيهَا "نعم" أو "لا" ، لتلعبَ بدَورهَا هذِهِ القُصَاصَاتُ بمَصِيرِ الأمم وتَعيينِ قادَتِها!!!، فهو إذنْ حُريَّةُ الأفَرَادِ وَحُريَّةُ المُجتمَعِات في تَقريرِ مَا تُريدُ و فِعلِ مَا تَشَاء،.... موضوعُ الحريةِ ...، ذاك المَوضُوعُ الذي تحتاجُ أمّتُنا إلى فَهْمِهِ فهْمًا يُعِينُها على خُطُواتِهَا نحوَ الحَقِيقَة، إذا كانتْ تريدُ الحَقيقةَ طبعًا، أو كانتْ لا تَبْحَثُ عَنْهَا ولكنْ مَتَى مَا وَجَدَتْهَا أَمْسَكَتْ بهَا
فالحَقِيقَةُ و لوْ ضَاقَتْ بهَا المُتَّسَعَاتُ، أو تَعَسَّرَ بهَا المُتَيَسَّرُ، أو أجْدَبَتْ بسَبَبِهَا أرْضٌ خَضْرَاءُ، فذلكَ لأنّها من مدرسة لا تلعبُ معَ طُلّابهَا، ولا تتَّخِذُ أحْكَامَهَا دُونَ اخْتِبَارٍ يكُونُ حُجَّةً بالغة ، بلْ قرَّرَتْ هذه المدرسة وأكّدَتْ بصِدْقِهَا مَعَ صَادِقِهَا أنَّ حقيقتها قائِمَةٌ على شَوْطَينِ و مَرْحَلَتَين: من سُجنَ فِي شَوْطِهَا الأوّلِ الهَالِكِ واحْتَمَلَ تِلكَ السُّجُونَ، نَالَ حرّيّةً تَامّةً فِي شَوْطِهَا الثانِي البَاقِي الأبَدِيّ، ومنْ لمْ يَحْتَمِلْ تِلكَ السُّجُونَ، وصَرَخَتْ تلكَ الحَيَاةُ تَطْلبُ حُرّيّتَهَا وأنْ تَتَحَلّلَ منْ كُلّ وَثاقٍ فلا تُأمرُ و لا تُنهى بلْ تَحْكُمُ نََفْسَهَا بنَفسِها ـ تَخْسَرُ حَظَّهَا مِنَ الشَّوْطِ الثَّانِي، وتُقيّدُ عِنْدَ ذلِكَ بأعْظَمََ مِمّا مِنهُ فَرّتْ وتُعَذَّبُ أضْعَافَ أضْعَافَ ممّا مِنهُ خَافَتْ، على أنّ هذا الابتلاءَ الدُّنيَوِيَّ المَوعودَ بهِ إنّما هوَ شيْءٌ قليلٌ بالنّسْبَةِ لمَا يَنَالُهُ العَبْدُ مِنْ طِيبِ الحَيَاةِ وَرَغدِ العَيشِ كمَا قالَ اللهُ تعَالَى فِي كِتابِهِ الحَقِّ المُبين: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) [الإسراء/18-20] (ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وبشر الصابرين)الآية، وقوله تعالى:(ومن يعمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة، ولنجزينهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون)الآية، فهو سجنٌ بَاطِنُهُ مليء بالرّحْمَةِ والرفق والحياة ، بخِلافِ مَا يَظُنُّهُ المُتَحَرِّرُ المُحَرِّرُ لِيَبْلُغَ أتَمّ اللّذّاتِ ويَسْتَوْفِيَهَا خَوْضًا وخَلَاقًا كمَا قالَ تعَالى في أسْلافِهِمْ المُتَحَرِّرِينَ: (كالذين كانوا من قبلكم إلى قوله فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا )الآية فإنّ مَا يدخلُ بسَبَبِ ذلكَ منَ الألمِ والشّقاءِ والخَوْفِ وأنْوَاعِ العُقُوبَاتِ أكثَرَ بكَثِيرٍ مِمَّا جَنَاهُ مِنَ الحُرّيّة،ويجمع ذلك كله قوله عليه الصلاة والسلام: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر".
فكَانتْ الحُرّيََّةُ بمََعْناهَا الذي آلتْ إليهِ هِي أعْظمَ سُلطَانٍ فِي هَذِهِ الدّارِ الذِي يُحَارِبُ الإيمَانَ والشَّرَائِعَ التَّي جَاءَتْ منْ عِنْدِ اللهِ، بَلْ و يَتّهِمُهَا بكُلِّ شَنِيع، ويَحُولُ دُونَ رُضُوخِ الخَليقةِِ لِحَقِيقتِهَا، ثمّ يََجْتَالهُا فيُحِلُّ لها ما حرَّمَ رَبُّها مما لابدَّ وأنَّهُ يَضُرُّهَا، ويُحَرِّمُ عليها ما ينفعُها ويرفعُها، فكان للأسف أظلمَ سَلاطينِ الأرضِ وأفسَدَهُم، ولكن ـ وفي هذا الرُّكْنِ المُحَاصَر، لابُدَّ للحَقيقَةِ مِنْ دَفْعِ هَذا الوَهْمِ المَوْبُوءِ وافْتِرَاءَاتِهِ التّي غرَّتْ فضَرَّتْ، وجَرَّتْ على النّاسِ من البَلاَيَا ما جَرَّتْ، فإن أكثرَ النَّاس لا يعلمون ، ونحنُ وإنْ كانَ يَهُمُّنَا الناسُ فإنّنّا يَهُمُّنَا بالأكثرِ عُقلاءُهُم و عُيُونُهم التِّي تَنظُرُ الأمَّةُ من خِلالِهم، فهُم المُتَأهِّلُونَ للأخْذِ والرّدِّ، و القََبُولِِ و الصَّدّ،ِ و الرَّفعِِ أو الخفضِ، بعد مشيئة الله طبعًا، ومعَ ذلك فالكثيرُ مِنهُم بسَبَب أو بآخر تدحرجَ في مُنْحَدَرات هذا الفكرِ البشريِّ النَّصرَانِيِّ الإلحْاَدِيِّ الأصل، وأضْحَى يَهْدِِمُ منْ دِينِه الإسلام في قليلِ أعوامٍ مَا شَيَّدَهُ أجْدَادُهُ بالعِلمِِ والحقائِقِ و السَّيفِ والبَنَادِقِ في قُرُونٍ وأجْيَال، وهو يتهدَّمُ على مَرْئً ومَسْمَعٍ كلَّمَا حاوَلَ الناسُ الجَرْيَ على هذا الفِكرِ أكثرَ وأكثر، فلا يَهُولنَّك بعد ذلك أخي القارئُ الغيُورُ إذا انْحَصَرَ الإيمانُ إلى المدينة كما تنحصِرُ الحَيَّةُ إلى جُحرِهَا، والحديث في صحيح مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لعلك تعجب من نسبة هذا الفكر إلى النصارى مع أنه يَظْهَرُ فِكَْرًا سِيَاسِيًا لَا صِلَةَ لَهُ بالأدْيَان، فأقولُ لك: نَعَمْ هِيَ الحَقِيقَة، إنْ كُنتَ تُرِيدُ الحَقِيقَةَ، أوْ كُنْتَ لا تَبْحَثُ عَنْهَا لكِنْ إذا صَكّتْ أُذُنَكَ أَمْسَكْتَ بها فلم تَدَعْهَا لِشيء، فهَاك إذن قصتها وشرحها ( ليَحْيَى مَنْ حَيِيَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَة) :
اعلم رحمك الله، أن أصلَ الإيمانِ بشيءٍ هو أن تُثْبتَهُ وتُصَدِّقَهُ وتَرْضَى به وما إلى ذلك من علاماتِ الإيمانِ الظاهرةِ والباطنة، وأصلَ الكفرِ بشيءٍ هو أن تَنفِيَهُ وتُكذِّبَهُ وتَجْحَدَه وَلَا تَقْبَلَهُ ، أو تُعْرِضَ عنه فلا تَسْتَجِيب، وما إلى ذلك من علاماتِ الكفرِ الظاهرةِ والباطنةِ، وهذا القدرُ من التأصيلِ تشتركُ فيه جميعُ الطوائفِ والمللِ والنحلِ في حُكمِهَا بالإيمانِ أو بالكفرِ على المَدْعُوّ في الجملة، لذلك لما آمن الصحابة رضي الله عنهم بمحمد صلى الله عليه وسلم سمّاهُم كُفارُ قُريْشٍ صَابِئَةً أي مارقةً وخارجَةً عن دِينِهم، فهو بمعنى الكفر أو الردَّةِ في دِينِ الإسلام، وهكذا الدّعَواتُ الأخرى بما فيها الإسلام تعتمدُ على هذا التصنيفِ في أحكامِها، إلا أنّها لا بُدَّ لها مع ذلك من أصولٍ تكونُ هي الميزانَ الذي تحكمُ من خلالِه بتلك الأحكام، ثم قد تنشقُّ عن هذه الطوائفِ في أصولِها طوائفُ أخرى فلا يجدونَ غضاضةً في تصنيفِها والحكمِ عليها، وهذا البابُ قد وقعَ فيهِ من الخطأ و الظلم وتقعيد الباطل ما الله به عليم،وهو مع ذلك من أنفع العلوم التي يحتاجُها الناسُ في دينهِم لحِكَمٍ ليس هذا موطنُ ذكرها، فكان للإسلام أصولُهُ التي من قال بها كان منَ المسلمينَ ومن خالفها أو أصلا منها لم يكن من المسلمين، وهي أصولُ الإيمان الستة، وهي الأصولُ المتفقُ عليها، وأصلُ الأصولِِ كلِّها هو الإيمان بالله تعالى، والإيمانُ به يتضمنُ أولاً وقبلَ كلِّ شيءٍ إثباتُ وجودِه سبحانَه وتعالى، ثم أسماءِه وصفاتِه وأفعالِه التي لا تتأخرُ عن الإثباتِ والإيمانِ بوجودِه في الحقيقةِ إلا في الذهن، فكانت هذِه التقاسيمُ إنما صارَ إليها الناسُ لكونِ المخالفةِ كانت في كلِّ مرتبةٍ من مراتبها، فالفلاسفةُ وأمثالُهُم وهم رؤوسُِ الفِكرةِ البَشريَّةِ أعداءُ الشرائعِ والإيمان مذهَبُهم مُغْرقٌ في التعطيلِ حتَّى أنَّهُم لم يُثبتُوا إلا وُجودًا واحدًا هو هذا الذي نشاهدُه ونراه، وخالفَهم أهلُ الإيمانِ والتوحيدِ فأثبتُوا وجُودانِ، وُجودَ الخالق سبحانه ووُجودَ المخلوق، ومن هنا كانت الانطلاقة، وكان التَّبَايُنُ المُتَضَارِبُ الذي لا يجتمِعُ حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِيَاط، فأوّلُ مراتب الإيمانِ هو إثباتُ وجودِ اللهِ تعالى، ويَلزَمُ من ذلك إثباتُ أسماءِهِ الحُسْنَى وصِفَاتِهِ العُلَى وأفعاله الحميدة، وأنه ربُّ العالمين،ومَلِكُهُ ومالكُهُ، وحَكَمُهُ و حاَكِمُهُ، وسيِّدُهُ وصَمَدُهُ، وخَالقُهُ ورَازِقُهُ، ونافِعُهُ وضَارُّهُ، يقدر على كل شيء منه فلا يعجزه، مع الإحاطة به من كل جانب، فهو أولٌ قبلهُ، و آخرٌ بعدهُ، وظاهرٌ فوقهُ، وباطنٌ دونهُ، وكلّ ذلك لا يتم إلا بمشيئة تامة نافذة وفق العلم والعدل والحكمة، وغيرها من تفاصيل هذا التوحيد العلمي مما ثبت بالنقل، فيلزم بعد ذلك إثبات أمرين اثنين، الأول: أن ما سواه كلهم عبيده والفقراء إليه الفقر التام، وخدمه الخدمة التامة، فواجب عليهم عبادته، وفرض عليهم خدمته، وأن حق أخباره التصديق الكامل، والتسليم الشامل، و حق أمره الطاعة المطلقة، والاستجابة التامة، وهما السمع والطاعة في قول المؤمنين في القرءان الكريم (وقالوا سمعنا وأطعنا) المقتضيان للتسليم والرضى الشامل الكامل في العلميات والعمليات والثاني:أن لا يشرك معه في تلك العبودية أحد، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح ولا جان ولا جماد ولا حيوان، فكما أنه هو وحده رب العالمين فكذلك هو وحده الإله المعبود بالحق، وكل ما سواه فعبادته باطلة لا تصح ولا تجوز ولا تُقر، ولذلك كان هذان الأصلان العظيمان وثمرة هذا الإثبات الحقِّ (أعني أنه معبود الناس أجمعين وأن الشرك بكل صوره باطل لا يليق بجنابه سبحانه) هو الذي جاءت به شرائع الأنبياء من لدن آدم عليه الصلاة السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم والذي تضمّنته كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله" التي هي أوّل القيدِ وأعظمه في هذه الدنيا، وأما الفلاسفة وأمثالهم من الملحدين، فلمّا علموا أن هذا الإثبات يقتضي هذه اللوازم جميعها فروا منها، لأن بإثبات وجوده يثبت جميع أصل الإيمان بفروعه، لذلك كان المنكر لأسمائه وصفاته سبحانه مع إثباته لوجوده كالجهمية مثلا متناقضا محجوجا بأن وجوده يقتضي أسماءه وصفاته، لأن الوجود صفة يشترك فيها الخالق والمخلوق فإذا كان الاشتراك هذا يستوجب مشابهة بين الخالق والمخلوق ـ كما زعموا، فيلزم نفي هذه الصفة عن الله تعالى، وبالتالي الجحود الذي ليس بعده جحود، وهم قد ظنوا أن هذا الاشتراك هو في الحقائق فيستلزم التشبيه و ليس كما ظنوا، وإنما هو اشتراك مطلقٌ كليّ ذهنيّ فقط لا حقيقة له في الواقع، وإنما كان وجودا ثابتا على ما يليق بما يضاف إليه في الخارج والحقيقة، لذلك مشوا على قاعدتهم في كل الأسماء الحسنى والصفات العلى لله تعالى فنفوها بهذه الشبهة إلا أنهم في الوجود اضطروا إلى إثباتها حتى لا تظهر موافقتهم للفلاسفة، وقد كانوا ما قاموا ولا قعدوا إلا للرد عليهم، وهنا تناقضوا فألزمهم الفلاسفة بالتعطيل وألزمهم مثبتة الأسماء أو الأسماء والصفات بالإثبات على اختلاف طرقهم في ذلك، ثم جاء المعتزلة فأثبتوا الأسماء لوضوح دليلها في القرءان (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها )، ونفوا الصفات بنفس شبهة الجهمية، وهي أن إثباتها يستلزم التشبيه، فرُدَّ عليهم بأن إثبات الأسماء أيضا يستلزم التشبيه فإما التعطيل وإما الإثبات، ثم جاءت الأشاعرة وأمثالهم فأثبتوا الأسماء وبعض الصفات وأولوا البواقي بنفس شبهة الجهمية والمعتزلة إذ كانت من فروعهم، فرُدَّ عليهم أن التأويل فرع التعطيل، وأنه يلزم من تعطيل و تأويل معاني بعض الصفات تعطيل و تأويل البعض الآخر وإلا يكون من أفحش التناقض، فكان بعد هذا ما ذكرت لك من التلازم الذي يثبت به جميع الباب بل يثبت به جميع الدين أصولا وفروعا، وهنا تقابل الفريقان، أهل الإيمان وأهل الكفران، فأهل الإيمان هم: عباد الرحمن المؤمنون بأسمائه وصفاته ووعده ووعيده ورسله وشرعه وقضائه وقدره مع الصلاة والصيام والزكاة والحج وغيرها من أعمال البر، فهداهم الله صراطا مستقيما، وأما أهل الكفران فهم: أهل التحرر من الإسلام بإنكار الرب وصفته ووعده ووعيده ورسله وشرعه مع الفسق والفجور والظلم والتكبر واستحباب الدنيا على كل شيء، شعارهم ما حكاه الله عنهم (وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر)[45 : 24] قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
وهؤلاء فرقتان، فرقة قالت: إن الخالق سبحانه لما خلق الأفلاك متحركة أعظم حركة دارت عليه فأحرقته ولم يقدر على ضبطها وإمساك حركاتها، وفرقة قالت: إن الأشياء ليس لها أول ألبتة وإنما تخرج من القوة إلى الفعل فإذا خرج ما كان بالقوة إلى الفعل تكونت الأشياء مركباتها وبسائطها من ذاتها لا من شيء آخر
وقالوا: إن العالم دائم لم يزل ولا يزال لا يتغير ولا يضمحل ولا يجوز أن يكون المبدع يفعل فعلا يبطل ويضمحل إلا وهو يبطل ويضمحل مع فعله وهذا العالم هو الممسك لهذه الأجزاء التي هي فيه، وهؤلاء هم المعطلة حقا وهم فحول المعطلة، وقد سرى هذا التعطيل إلى سائر فرق المعطلة على اختلاف آرائهم وتباينهم في التعطيل...، فداء التعطيل...وجحد ما جاء به [الشرع] أو شيء منه هو أصل بلاء العالم، ومنبع كل شر، و أساس كل باطل...:
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا أظنك ناجيا.اهـ إغاثة اللهفان - (ج 2 / ص 255)
فهو أنتن ضرطة خرجت على هذه الدنيا من عقل استحوذ عليه الشيطان، وهو أشأم مولود وألعنه خرج من رحم الفكرة البشرية الذي كان قابله إبليس اللعين، وبعد هذا فلا حلال ولا حرام إلا حلال النفس وحرامها، ولا حبّ حقيقيّ إلا للنفس ولا خوف إلا على النفس، فتصير النفس هي الآلهة المستجاب أمرها والمتحتم فعل هواها، وأما العقول فقد عطلت بهذا الأصل لما آمنت به، فكلما تعارض العقل مع النفس والهوى قيل: "هذا لأنني حر فيما أهوى وطليق فيما أحب وأتمنى فليس على العرش إله يعبد ولا فوق السماء من يصلى له ويسجد "، ثم لما يقع في سجنها، ويشرب من حبها ما يضحى به أسيرها، أراد من هذه النفوسِ أن تكفها العقولُ فإذا بها لا تصلح ولا تنفع، فذاك قد مرض بالزنا فهو خائن لئيم، وذاك قد مرض بالكذب فهو أفاك أثيم، والآخر جواظ عتل لا يحض على إطعام مسكين ولا يتيم، ورابع يبكي مبتلى بالخمور، قد فرقت بينه وبين زوجه وأولاده وأسكنته بيت الشرور، والتالي ضيعت عليه أمواله طاولات القمار، فهو ينهق على ما ضيع كالحمار، والمجتمع يلهث على الحطام قد أقام خلفه غبارا هائلا من الفوضى، ثم هو لا يعرف الصبر ولا الحلم ولا العفو ولا التقوى، بل أكثره يُعرف بأضدادها، فقل إذن: باطن الأرض خير من ظهرها، فهذا الكون إذا لم يرع العقلَ والحكمة التي جاء بهما الوحي الإلهيُّ العظيم، يبقى بلا راعٍ، كتلك البلاد التي ذهب راعيها فبالله عليك كيف تصير، إلا أن الله تباركت أسماءه وتقدست صفاته أتى لهذا الخلق من حيث لا يشعر، فكان دفع الله تعالى بقضائه وقدره ولولا ذلك لفسدت الأرض في أوائل أيامها، فالفكرة البشرية تنذر بخراب الأرض وكل شيء، وما خبر الحروب العالمية عنا ببعيد، وأن قوى الطغيان والكفر تضاربت لأجل الدنيا ولأجل المال ولأجل سيادة العالم، فكان الملايين من الأموات ناهيك عن المشوهين والمنكوبين والأرامل والأيتام، ولا يعلم إلا الله ما كان يتخللها من فساد خلقي وجرائم التي جُن بها كثير من الناس، فمالنا أهملنا مواعظها وعبرها، وأما وحي السماء فهي طريقة الأنبياء الرحيمة، وأساليبهم الحكيمة، وعلمهم الذي يرفع ظلمات الجهل، وحقهم الذي يُزهق به الباطل فلا تسمع إلا همسه عن وجل، وعدلهم الذي تحيى به الأرض بعد موتها، فأسلم الطرق وأنفعها وآمنها في الدنيا والآخرة هي طريقة الأنبياء، والتي جٌمعت في دين محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام، فأسست على أساس التقوى من الله تعالى وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فكان بذلك كل صالح نافع، فقد حفظت هذه الشريعة الحقوق، و بينت الواجبات، وندبت إلى الأفضل بعد ذلك، ثم قررت مقاصدها العظيمة، وأنها: تجلب المصالح وتكثرها، وتدفع المفاسد وتقللها، وأنه إذا تزاحمت المصالح فيقدم الأعلى، وإذا تزاحمت المفاسد فيرتكب الأدنى، وأما إذا تعارض فعل خير مع الوقوع في الشر فيدرأ ذلك الشر وإن فوت الخير، إلى غير ذلك من أصول هذه الشريعة الخالدة الحقّة، التي تسلك بسالكها إلى المثل العليا الفاضلة في العلم والعمل، وها هو خبر الدولة المسلمة في زمان الصحابة رضي الله عنهم وإلى أين وصلت، وأنت مع ذلك ترى وكلنا يرى، ما يجنيه الجهل أو العلم الضار، وكذا ترك العمل أو العمل الفاسد ـ وهي منابع الفكرة البشرية، على الأرواح والعقول والأبدان والأموال والأديان، وقد جاء وحي السماء ليحفظنا بحفظها بهذه الشرائع التي تظهر للعربيد الظلوم أنها قيود وأنها أغلال، فيفر منها إلى أغلال الهوى وقيود البشر الجاهلة الظالمة، وأما الوحي العظيم، فهو من رب عليم رحيم، على رسول صادق أمين، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة الهوى إلى اتباع الهدى وعبادة فالق الحب والنوى، ومن سجون الدنيا إلى حرية الآخرة، فهي وإن سُميت قيود وأغلال، فهي قيود الحرية، وأغلال الحياة السرمدية، رياحها سماوية لا قبل للأرض في إيقافها، وروْحُها جنانِيّة تذهب بالغموم والأنكاد، ولا تعرف السخط والشكوى، ولذتها قلبية لا نفسية، تدق مع دقاته ولا تتوقف إذا وقف، لا عن الروح ولا عن البدن، وهي تدق حتى يُجمع بينهما في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فكان الإسلام أطيب ريح نزل به الوحي على وجه الأرض، يذهب بنتن الفكرة البشرية، ويصلح فسادها، ويعمر خرابها، فلا شك أنه سيكون أعدى الأعادي عندها، وكلما ذكر الإسلام، ولا شك أنها ستسعى بكل مسعى لاكتساح العقول بالشبهات، وترويج الكذب بالخزعبلات، و والله قد فعلت، وقد نالت حظها المقسوم لها بيقين قسم مؤسسها (بعزتك لأغوينهم أجمعين )، فهذه النفوس قد أشربت من الهوى ما به تغوى، والمعصوم من عصم المولى جل في الأعلى، فكان من العقول التي راجت فيها أصول هذا الكفر بالغيب والإلحاد لأسماء الله وصفاته واستحلال الفكرة البشرية... أهل الكتاب من اليهود والنصارى.....و يتبع

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم
والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
والحمد لله رب العالمين
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الإسلام والسنة


تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:10 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.