أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
15388 34395

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-19-2017, 09:31 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش بقلم د. صادق بن محمد البيضاني (متجدد)

شبهة موالاة حكام العرب للكافرين على المسلمين
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)


بقلم الدكتور صادق بن محمد البيضاني
الحلقة (1)

لقد نتج عن الفكر التكفيري جملة من السموم الفتَّاكة بالمجتمعات الإسلامية والتي من أبرزها وأضرها استحلال الدماء والأموال وإعلان الجهاد على دول الإسلام، بحجة أنها أصبحت بلاد كفر لا إسلام بزعمهم، حتى ادعى بعضهم وليسوا جميعاً تكفير كل مقيم في هذه الدول، وهذا ما نص عليه شكري مصطفى([1]) الذي يقول : " إن القول بأن الدار دار كفر مسوغ لتكفير كل مقيم فيها".
وقد تعلق هؤلاء بعدة شبهٍ، ومن أبرزها : ” قولهم : إن الدول العربية اليوم موالية للكافرين الصليبيين على المسلمين في أفغانستان والعراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها وإنها تحارب المجاهدين، ولبيان هذه المسألة بإيجاز أقول وبالله التوفيق :
قال ابن كثير عند تفسير قوله تعالى ” لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة “([2]) : نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين ، ثم توعد على ذلك فقال تعالى : ” ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ” أي ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله..... وقوله تعالى : ” إلا أن تتقوا منهم تقاة” أي إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته كما قال البخاري عن أبي الدرداء : إنه قال : إنا لنكشِّر في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم “([3])اهـ
” وجاء عن ابن عباس أنه قال ” نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذوهم وليجة من دون المؤمنين إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين فيظهرون لهم اللطف ويخالفونهم في الدين وذلك قوله : ” إلا أن تتقوا منهم تقاة "([4])”.
قال الشوكاني : وفي ذلك دليل على جواز الموالاة لهم مع الخوف منهم، ولكنها تكون ظاهراً لا باطناً ، وخالف في ذلك قوم من السلف فقالوا : لا تقية بعد أن أعز الله الإسلام([5]).
قلت : الخلاف مأثور عن معاذ بن جبل ومجاهد ، وما أثر عنهما مخالف لما عليه عامة أهل العلم في القديم والحديث حتى قال الحسن البصري رداً على هذه الدعوى ” التقية جائزة للإنسان إلى يوم القيامة”([6]).
” وقيل : … والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو الإيذاء العظيم ومن أكره على الكفر”([7]).
قال البيضاوي في تفسيره ” منع من موالاتهم ظاهراً وباطناً في الأوقات كلها إلا وقت المخافة فإن إظهار الموالاة حينئذ جائز([8]).
قال ابن القيم ” ومعلوم أن التقاة ليست بموالاة؛ ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضي ذلك معاداتهم والبراءة منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال، إلا إذا خافوا من شرهم فأباح لهم التقية. وليست التقية موالاةً لهم”([9]).
قلت : وحاصل هذه المسألة ” أن من أظهر لهم المجاملة والتلطف والصداقة وهو كافر بدينهم فلا يعد موالياً لهم طالما هم ظاهرون على أهل الإسلام ويخشى أهل الإسلام من بطشهم فإن اللسان لا يعد معبراً عما في القلب إن كان تقية ، وهذا حاصل ما سبق من أقوال أهل العلم ، وبهذا يتبين أن نوع الموالاة التي يخرج بها المسلم من دين الإسلام إلى دين الكفر هو حبهم على ما هم عليه من الكفر أو موافقتهم على دينهم باطناً أو ظاهراً مع شيء من الباطن ، وكذلك من أعانهم على سفك دماء المسلمين مستحلاً ذلك ، وأما من أعانهم من غير استحلال لخوف أو إيذاء عظيم أو ما أشبه ذلك فقد ارتكب جرماً عظيماً، وهو تحت المشيئة ويعد من الولاء لكنه لا يعد الفاعل كافراً طالما لم يستحله، بل ظالم وفاسق، والله يتولاه يوم العرض؛ لأن القتل والإعانة عليه من الكبائر غير المخرجة عن دين الإسلام إلا من استحل ذلك.
ومما يؤكد شرط الموالاة الباطنية ما اعتذر به النبي -عليه الصلاة والسلام- لحاطب بن أبي بلتعة الذي " كتب إلى قريش كتاباً يخبرهم بمسير رسول الله عليه الصلاة والسلام إليهم ثم أعطاه امرأة، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشا" ([10])، ثم إن النبي- عليه الصلاة والسلام- سأل حاطباً ليتبين هل له من عذر، أو دافع يخرجه من مأزق الموالاة لأعداء الله مما قد يتبادر إلى ذهن الآخرين ، فقال له : " يا حاطب ما هذا ؟ قال : لا تعجل عليَّ يا رسول الله، إني كنت امرأً ملصقاً في قريش، وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ فيهم يداً يحمون بها قرابتي، ولم أفعله كفراً ولا ارتداداً عن ديني، ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : صدق" [ متفق عليه ].
ومنه ما جاء في قصة عمار واعتُذِر له بمثل قوله تعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ"([11]).
وهذا الباب له ضوابطه وموانعه من إكراه، أو جهل، أو خطأ، أو تأويل، أو شبهة، ونحوها من هذه الأمور، وقد بسطت كل ذلك بأدلته في كتابي " الموالاة والمعاداة في الاسلام" وهو كتاب مطبوع متداول.
ويدخل في سلك التكفيريين اليوم كافة الميليشيات الشيعية في العراق ولبنان وباكستان واليمن وغيرها، فإنها تكفر كل من خالفها وتستحل دمه، حتى كفروا حكام العرب السنة، وهذا لا يخفى على كل عاقل، ثم إن خطر هذه الميليشيات الشيعية التكفيرية على الاسلام والمسلمين أشد من خطر الدواعش والخوارج التكفيريين لكونهم يعتقدون عقيدةً اثني عشرية إمامية رافضية لا تؤمن بأدلة الكتاب والسنة ويكفرون عامة الصحابة ويطعنون في الاسلام، ويستبيحون دماء المسلمين السنة، وقد سبق بيان هذه الخطورة مبسوطة في غير هذا المقام.
ولكي يهربوا من هذه التهمة اتهموا كل من خالفهم اليوم بأنه داعشي وعرضوه للحبس والتنكيل أو قتلوه، حتى وإن كان من ألد خصوم الدواعش.
وفق الله الجميع لطاعته، وألهمهم رشدهم.
....الحواشي....

[1] شكري أحمد مصطفى، مصري الجنسية، كان من الإخوان المسلمين في بداية أمره، وقد سجنه الرئيس جمال عبد الناصر ضمن قادة الإخوان في الستينيات الميلادية ثم تأثر بفكر الخوارج لدى خروجه من السجن فنقم على الدولة وعلى الإخوان، فتبرأ منه الإخوان، وتم سجنه مرة أخرى، ومن ثم إعدامه شنقاً عام 1978م.
[2] سورة آل عمران ، الآية رقم (28).
[3] تفسير ابن كثير(1/476).
[4] تفسير ابن جرير ( 3/227).
[5] فتح القدير للشوكاني (1/500).
[6] انظر : تفسير القرطبي ( 4/60).
[7]المصدر السابق (4/57).
[8] كتاب التفسير للبيضاوي (ص25).
[9] بدائع الفوائد لابن القيم (3/575).
[10] زاد المعاد لابن القيم (3/ 398).
[11] سورة النحل ، الآية رقم (106)..
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 08-20-2017, 12:27 AM
أبو عبد الله عادل السلفي أبو عبد الله عادل السلفي غير متواجد حالياً
مشرف منبر المقالات المترجمة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية
المشاركات: 3,991
افتراضي

بارك الله في الشيخ ونفع به... مقال نافع جزاه الله خيرا.
__________________
قال أيوب السختياني: إنك لا تُبْصِرُ خطأَ معلِّمِكَ حتى تجالسَ غيرَه، جالِسِ الناسَ. (الحلية 3/9).

قال أبو الحسن الأشعري في كتاب (( مقالات الإسلاميين)):
"ويرون [يعني أهل السنة و الجماعة ].مجانبة كل داع إلى بدعة، و التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، و النظر في الفقه مع التواضع و الإستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة و النميمة والسعادة، وتفقد المآكل و المشارب."


عادل بن رحو بن علال القُطْبي المغربي
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 08-20-2017, 10:44 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (2) حكم ” الانضمام لهيئة الأمم المتحدة “

حكم ” الانضمام لهيئة الأمم المتحدة “
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (2)

هيئة الأمم المتحدة منظمة عالمية تهدف حسب دعوى الغرب إلى حفظ السلام العالمي ومنع نشر الأسلحة والمحافظة على حقوق الإنسان ، ويندرج تحت هذه الأهداف العامة أهداف أخرى تشمل التعليم والتعاون بين دول الأعضاء في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية ونحوها من مهمات الأمور، ويحق لكل دولة مستقلة في العالم أن تنظم لهذه المنظمة بشرط احترام قوانينها، ولكل دولة ما تراه من الدين والعادات والتقاليد، ولا تُلْزِم دول الأعضاء بالتخلي عن دينها وعقائدها لكنها تدعو الجميع إلى احترام الأديان والتعاون مع جميع الدول بما يحقق السلام العالمي، هكذا جاء في لوائحها.
وجميع الدول العربية تعتبر ذات عضوية فاعلة لدى منظمة الأمم المتحدة ، ولكل دولة ممثلٌ عنها في مقرها الرئيس بالولايات المتحدة الأمريكية.
ولسنا بصدد الحديث عن تاريخها ولماذا قامت ؟ ومتى قامت ؟ وبسط مفاهيمها وأعمالها سواء كانت شرعية أو غير شرعية؛ وإنما بصدد بيان الحكم الشرعي في الانضمام إليها، والرد على من يدعي من الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير أن مجرد الانضمام إليها يعد كفراً. ولتوضيح ذلك يتأكد علينا معرفة أمور :
الأول : ماذا يعني الانضمام لمنظمة هيئة الأمم المتحدة ؟
الثاني : متى تكون قرارات الأمم المتحدة ملزمة، ومتى لا تكون ملزمة؟
الثالث : ماذا يبني على عدم الانضمام لمنظمة هيئة الأمم المتحدة ؟
والجواب عن ذلك كله من خلال معرفتنا العامة : أن كل دولة تنضم لهيئة الأمم المتحدة يحق لها ما لغيرها من الدول الكبرى من حيث الاعتراف بسيادتها وحفظ حقوقها وعدم التدخل في شؤونها بموجب الدساتير الدولية، ولا تكون كل قرارات الهيئة ملزمة لأي دولة في شيء يخص دينها وعقيدتها وشؤونها الداخلية إلا ما كان فيه انحيادية وتدخل في شؤون أخرى لا تعنيها أو تمس غيرها بالأذى .
وعدم الانضمام إلى هذه الهيئة يعني عدم الاعتراف بسيادتها مما يجعلها لقمة سائغة للآخرين وذريعةً للتدخل في شؤونها الداخلية ، على أن هناك مطالبات من الأمم المتحدة تطالب بها جميع الدول ولا تكون ملزمة ، بل يحق لأي دولة في العالم أن ترفضها وتبرر الرفض.
ولما اطلع سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- على مسودة الوثيقة المقدمة من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة رفض ما جاء فيها من بنود، وقد أعلنت السعودية واليمن وكافة الدول الاسلامية والعربية رفضها لكل ما ورد فيها من بنود تتصادم مع الشريعة والفطرة والعقل السليم.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز -رحمه الله - : " وقد تبنت مسودة الوثيقة المقدمة من الأمانة العامة لهيئة الأمم المتحدة على مبادئ كفرية ، وأحكام ضالة في سبيل تحقيق ذلك ، منها : الدعوة إلى إلغاء أي قوانين تميز بين الرجل والمرأة على أساس الدين ، والدعوة إلى الإباحية باسم : الممارسة الجنسية المأمونة، وتكوين الأسرة عن طريق الأفراد وتثقيف الشباب والشابات بالأمور الجنسية ومكافحة التمييز بين الرجل والمرأة ، ودعوة الشباب والشابات إلى تحطيم هذه الفوارق القائمة على أساس الدين ، وأن الدين عائق دون المساواة . إلى آخر ما تضمنته الوثيقة من الكفر والضلال المبين ، والكيد للإسلام وللمسلمين ، بل للبشرية بأجمعها وسلخها من العفة ، والحياء، والكرامة.
لهذا فإنه يجب على ولاة أمر المسلمين ، ومن بسط الله يده على أي من أمورهم أن يقاطعوا هذا المؤتمر، وأن يتخذوا التدابير اللازمة لمنع هذه الشرور عن المسلمين، وأن يقفوا صفاً واحداً في وجه هذا الغزو الفاجر، وعلى المسلمين أخذ الحيطة والحذر من كيد الكائدين، وحقد الحاقدين([1]).
وبالفعل لم تطبق هذه الوثيقة في البلدان العربية والاسلامية، ولم تكن ملزمة لكونها مخلة بالدين ، وهذا فيه دلالة واضحة على أن ما يصدر عن هيئة الأمم المتحدة من المطالبات التي تتعارض مع عقائد وسلوكيات البلدان لا يكون ملزماً، ولكل دولة حق الرفض مع التبرير بما يوافق دينها ومعتقداتها، وأمثلة ذلك كثيرة.
ولا يعني ذلك أن الأمم المتحدة ودول الكفر يحترمون الإسلام؛ بل يتمنون لو أزيل من على وجه الأرض، وهذا مصداق قوله تعالى ” وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ “([2]).
وإنما القصد من ذلك أن قراراتهم المنافية للدين لا تُلزم دول الأعضاء بقبولها جملة وتفصيلاً، وللجميع حق الرفض مع التبرير بما يوافق دينهم ومعتقداتهم.
فإذا علمنا ذلك صار معلوماً لدينا جميعاً أن قضية الانضمام لهيئة الأمم المتحدة بمثابة ما يعود على المسلمين بالمصالح، ورفض ما يخالف الدين، وصار هذا الانضمام بمثابة هدنة أو تصالح أو تحالف أو عهود لا تمس الدين ، وهذه مسؤولية ولاة الأمر.
قال شيخ الإسلام ” فإن بني آدم لا يمكن عيشهم إلا بما يشتركون فيه من جلب منفعتهم ودفع مضرتهم؛ فاتفاقهم على ذلك هو التعاقد والتحالف … فأما إذا كان القول على الشريعة التي بعث الله بها رسوله في دينهم ودنياهم فإن ذلك يغنيهم عن التحالف إلا عليها، فعليها يكون تحالفهم وتعاقدهم وتعاونهم وتناصرهم… لكن هذا إنما كان ظاهراً في أيام الخلفاء الراشدين ، وبعدهم كثرت العقود الموافقة للشريعة تارة والمخالفة لها أخرى، فلا جرم أن الحكم العام في جميع هذه العقود أنه يجب الوفاء فيها بما كان طاعة لله ، ولا يجوز الوفاء فيها بما كان معصية لله كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الأحاديث الصحيحة ” ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله ، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ، وإن كان مائة شرط ، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق “([3])اهـ
يقول سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله ” بل كل دولة تنظر في مصلحتها، فإذا رأت أن من المصلحة للمسلمين في بلادها الصلح مع اليهود في تبادل السفراء والبيع والشراء ، وغير ذلك من المعاملات التي يجيزها شرع الله المطهر ، فلا بأس في ذلك .
وإن رأت أن المصلحة لها ولشعبها مقاطعة اليهود فعلت ما تقتضيه المصلحة الشرعية، وهكذا بقية الدول الكافرة حكمها حكم اليهود في ذلك.
والواجب على كل من تولى أمر المسلمين ، سواء كان ملكاً أو أميراً أو رئيس جمهورية أن ينظر في مصالح شعبه فيسمح بما ينفعهم ويكون في مصلحتهم من الأمور التي لا يمنع منها شرع الله المطهر ، ويمنع ما سوى ذلك مع أي دولة من دول الكفر؛ عملا بقول الله عز وجل : ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا”([4]) ، وقوله سبحانه : “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا “([5]).
وتأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم في مصالحته لأهل مكة ولليهود في المدينة وفي خيبر … وهذا كله عند العجز عن قتال المشركين ، والعجز عن إلزامهم بالجزية إذا كانوا من أهل الكتاب أو المجوس ، أما مع القدرة على جهادهم وإلزامهم بالدخول في الإسلام أو القتل أو دفع الجزية – إن كانوا من أهلها – فلا تجوز المصالحة معهم، وترك القتال وترك الجزية ، وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة مع العجز عن قتالهم أو إلزامهم بالجزية إن كانوا من أهلها لما تقدم من قوله سبحانه وتعالى : “قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ “([6]) ، وقوله عز وجل : ” وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ “([7]) إلى غير ذلك من الآيات المعلومة في ذلك ، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة يوم الحديبية ويوم الفتح ، ومع اليهود حين قدم المدينة يدل على ما ذكرنا([8]).اهـ
والحاصل : أن الانضمام لهيئة الأمم المتحدة يُعد كفراً إذا اعتقد الوالي صحة كل ما يصدر عنها مما يخل بديننا الحنيف، أما مجرد انضمام لمصلحة أو مصالح مترتبة لأهل الإسلام، وذلك وقوفاً عند مواثيق دولية لا تخالف الدين أو فيها مصلحة راجحة للمسلمين، فلا حرج من ذلك وهذا من صلاحية ولاة الأمر في حدود المصلحة غير المنافية للدين كما تقدم.
وقد ناشد سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله المسلمين في نصرة إخوانهم في البوسنة والهرسك وذكر الحكام بالمواثيق الدولية التي تمنح شعب البوسنة حقها كما في لوائح منظمة الأمم المتحدة فقال رحمه الله ” فالله الله أيها الحكام المسلمون، انصروا إخوانكم ، وقفوا في صفهم، وادفعوا العدوان عنهم ، وطالبوا المجتمع الدولي باستعمال نفوذه في إيقاف الصرب عن عدوانهم، وإنزال أشد العقوبات بهم حتى يقفوا عند حدهم، ويلتزموا بالمواثيق الدولية التي التزم بها المسلمون في البوسنة والهرسك([9])اهـ.
ولا يقصد بذلك التحاكم إلى المحكمة الدولية ورد شريعة الإسلام؛ وإنما يقصد المواثيق التي فيها مصلحة لهذه الأمة ورد الباطل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز ، والمقال كان رداً على مؤتمر بكين للمرأة عام 1416هـ ، (9 /203).
[2] سورة البقرة، آية (120).
[3] قاعدة في المحبة لابن تيمية (ص121-129)، والحديث متفق عليه من حديث عائشة ، واللفظ لمسلم.
[4] سورة النساء ، الآية رقم (58).
[5] سورة الأنفال ، الآية رقم (61).
[6] سورة التوبة ، الآية رقم (29).
[7] سورة الأنفال ، الآية رقم (39).
[8] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (8/224 وما بعدها).
[9] كلمة لابن باز بعنوان ” دعوة إلى المبادرة بإسعاف المسلمين في البوسنة والهرسك” كما في المصدر السابق.
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 08-20-2017, 11:55 PM
ناصر اليماني ناصر اليماني غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2014
الدولة: اليمن
المشاركات: 311
افتراضي

شكر الله لكم ، جهود رائعة جدا ، ويا حبذا أنت تُرفع هذه المقالات في ملف بصيغة pdf وغيرها.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 08-21-2017, 10:11 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (3) شبهة الفكر الخارجي حول حديث : “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب([1])

شبهة الفكر الخارجي حول حديث : “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب([1])
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (3)

لقد استدل أصحاب هذا الفكر بحديث الباب باعتبار أن حكام المسلمين لم يستجيبوا الأمر النبوي بإخراج المشركين " اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الكفر من جزيرة العرب " وجعلوا عدم العمل بهذا الحديث ذريعة لتكفير الحكام والخروج عليهم.
والجواب عن ذلك : أنَّ ترك العمل بالحديث معصية على فرض أنه يفيد وجوب إخراج الكافرين من جزيرة العرب باعتبار من يقول بهذا القول من أهل العلم.
فإذا علمت ذلك فأعلم أنه جرى بين أهل العلم نزاع كبير حول هذا الحديث :
قال المروذي ” سئل أبو عبد الله أحمد بن حنبل عن قول النبي عليه الصلاة والسلام: ” أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ” قال : هم الذين قاتلوا النبي عليه الصلاة والسلام ، ليست لهم ذمة، ليس هم مثل اليهود والنصارى، أي يخرجون من مكة والمدينة دون الشام يريد أن اليهود والنصارى يخرجون من مكة والمدينة”([2])اهـ
وقال الشوكاني : ” وظاهر الحديث أنه يجب إخراج المشركين من كل مكان داخل في جزيرة العرب، وحكى الحافظ في الفتح في كتاب الجهاد عن الجمهور أن الذي يُمنع منه المشركون من جزيرة العرب هو الحجاز خاصة، قال : وهو مكة والمدينة واليمامة وما والاها لا فيما سوى ذلك مما يطلق عليه اسم جزيرة العرب، لاتفاق الجميع على أن اليمن لا يمنعون منها مع أنها من جملة جزيرة العرب “([3])اهـ.
” قال مالك والشافعي وغيرهما: إلا أن الشافعي والهادوية خصوا ذلك بالحجاز، قال الشافعي : وإن سأَل من يعطي الجزية أن يعطيها ويجري عليه الحكم على أن يسكن الحجاز لم يكن له ذلك ، والمراد بالحجاز مكة والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها …. قال الشافعي : ولا أعلم أحداً أجلى أحداً من أهل الذمة من اليمن، وقد كانت بها ذمة ، وليس اليمن بحجاز فلا يجليهم أحد من اليمن، ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن”([4]).
” وقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح أنه قال : إن آخر ما تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ” أخرجوا اليهود من الحجاز “([5])
فأما إخراج أهل نجران منه فلأن النبي صلى الله عليه وسلم صالحهم على ترك الربا فنقضوا عهده فكأن جزيرة العرب في تلك الأحاديث أريد بها الحجاز وإنما سمي حجازاً لأنه حجز بين تهامة ونجد ولا يمنعون أيضاً من أطراف الحجاز كتيماء وفيد ونحوهما لأن عمر لم يمنعهم من ذلك”([6]).
قلت : الأدلة الثابتة في هذا الباب متكاثرة منها حديث الباب ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال ليهود المدينة ” اعلموا أنما الأرض لله ورسوله وإني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئاً فليبعه، وإلا فاعلموا أنما الأرض لله ورسوله”([7]) ، وحديث ابن عمر قال ” أجلى رسول الله يهود المدينة كلهم بني قينقاع وهم قوم عبدالله بن سلام ويهود بني حارثة وكل يهودي كان بالمدينة”([8]) ، وحديث عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول ” لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلماً “([9])، وحديث عائشة رضي الله عنها قالت : آخر ما عهد رسول الله ” لا يُترك بجزيرة العرب دينان “([10])، وحديث أبي عبيدة بن الجراح قال ” آخر ما تكلم به رسول الله يقول أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب”([11]).
قال الأصمعي : جزيرة العرب ما بين أقصى عدن أبين إلى ريف العراق طولاً، ومن جدة وما والاها من أطراف الشام عرضاً، وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها يعني بحر الهند وبحر فارس والحبشة، وأضيفت إلى العرب لأنها كانت بأيديهم قبل الإسلام وبها أوطانهم ومنازلهم([12]).
قلت : وبعد النظر في مجموع هذه الأحاديث يتبين أنه يجب إخراج كل مشرك من جزيرة العرب وما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه أخرج من كان في الحجاز لا ينافي عدم إخراجهم من كل الجزيرة لوجود ما يدل على ذلك كالحديث السابق ” لا يُترك بجزيرة العرب دينان” وفي لفظ ” لا يترك دينان ” ، وكحديث ” أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب “.
قال الصنعاني ” لا يخفى أن الأحاديث الماضية فيها الأمر بإخراج من ذكر من أهل الأديان غير دين الإسلام من جزيرة العرب والحجاز بعض جزيرة العرب، وورد في حديث أبي عبيدة الأمر بإخراجهم من الحجاز وهو بعض مسمى جزيرة العرب، والحكم على بعض مسمياتها بحكم لا يعارض الحكم عليها كلها بذلك الحكم كما قرر في الأصول : أن الحكم على بعض أفراد العام لا يخصص العام وهذا نظيره ، وليست جزيرة العرب من ألفاظ العموم كما وهم فيه جماعة من العلماء ، وغاية ما أفاده حديث أبي عبيدة زيادة التأكيد في إخراجهم من الحجاز لأنه دخل إخراجهم من الحجاز تحت الأمر بإخراجهم من جزيرة العرب ثم أفرد بالأمر زيادة تأكيد لا أنه تخصيص أو نسخ، وكيف وقد كان آخر كلامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم ” اخرجوا المشركين من جزيرة العرب ” كما قال ابن عباس : أوصى عند موته”([13]).. وأما قول الشافعي : إنه لا يعلم أحداً أجلاهم من اليمن ، فليس ترك إجلائهم بدليل؛ فإن أعذار من ترك ذلك كثيرة، وقد ترك أبو بكر رضي الله عنه إجلاء أهل الحجاز مع الاتفاق على وجوب إجلائهم لشغله بجهاد أهل الردّة لم يكن ذلك دليلاً على أنهم لا يُجلون؛ بل أجلاهم عمر رضي الله عنه ، وأما القول بأنه صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم أقرهم في اليمن بقوله لمعاذ : ” خذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً “([14]) فهذا كان قبل أمره صلى الله عليه وعلى آله وسلم بإخراجهم؛ فإنه كان عند وفاته كما عرفت، فالحق وجوب إجلائهم من اليمن لوضوح دليله، وكذا القول بأن تقريرهم في اليمن قد صار إجماعاً سكوتياً لا ينهض على دفع الأحاديث؛ فإن السكوت من العلماء على أمر وقع من الآحاد أو من خليفة أو غيره من فعل محظور أو ترك واجب لا يدل على جواز ما وقع ولا على جواز ما ترك؛ فإنه إن كان الواقع فعلاً أو تركاً لمنكر وسكتوا لم يدل سكوتهم على أنه ليس بمنكر، لما علم من أن مراتب الإنكار ثلاثة : باليد أو اللسان أو القلب وانتفاء الإنكار باليد واللسان لا يدل على انتفائه بالقلب، وحينئذٍ فلا يدل سكوته على تقريره لما وقع حتى يقال قد أجمع عليه إجماعاً سكوتياً، إذ لا يثبت أنه قد أجمع الساكت إلا إذا علم رضاه بالواقع ولا يعلم ذلك إلا علام الغيوب ([15])اهـ
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين : عن حكم استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية؟
فأجاب فضيلته بقوله: استقدام غير المسلمين إلى الجزيرة العربية أخشى أن يكون من المشاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث صح عنه كما في صحيح البخاري أنه قال في مرض موته : “أخرجوا المشركين من جزيرة العرب” وفي صحيح مسلم أنه قال: “لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً” ، لكن استقدامهم للحاجة إليهم بحيث لا نجد مسلماً يقوم بتلك الحاجة جائز بشرط أن لا يمنحوا إقامة مطلقة، وحيث قلنا : جائز فإنه إن ترتب على استقدامهم مفاسد دينية في العقيدة أو الأخلاق صار حراماً، لأن الجائز إذا ترتب عليه مفسدة صار محرماً تحريم الوسائل كما هو معلوم ، ومن المفاسد المترتبة على ذلك ما يخشى من محبتهم والرضا بما هم عليه من الكفر، وذهاب الغيرة الدينية بمخالطتهم، وفي المسلمين – ولله الحمد – خير وكفاية([16]).
وبنحو ذلك أفتت اللجنة الدائمة تحت الفتوى رقم (19653)، وعلى رأسها العلامة ابن باز رحمه الله حيث جاء في جواب الفتوى : ” الواجب عليكم إنهاء عقد هذا العامل الكافر، وإبداله بعامل مسلم يوثق به، لما في التعاقد مع المسلم من التآزر والتكافل، وإعانته على أمور دينه ودنياه، مما يكون سببًا في تقوية المسلمين ضد أعدائهم، ولأن هذه الجزيرة لا يجوز أن يستقدم لها الكفار.
أما التعاقد مع الكافر من وثنيين ومجوس ويهود ونصارى وغيرهم، وإبقاؤهم بين المسلمين – فإن ضرره كبير، وخطره جسيم؛ لما يترتب على ذلك من المفاسد والفتن والشرور ما لا تحمد عقباه، حيث يسهل عليهم نشر معتقداتهم وعاداتهم بين المسلمين، والتأثير فيهم، كما أن في التعاقد معهم إعانة لهم على باطلهم، وتقوية اقتصادهم، وتنفيذ مخططاتهم ضد المسلمين، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أوصى عند موته بإخراج الكفار من جزيرة العرب، فقد أخرج البخاري في صحيحه ، من حديث ابن عباس ، وجاء فيه : ( وأوصى عند موته بثلاث، قال : أخرجوا المشركين من جزيرة العرب.. الحديث) ، ولذلك أجلى النبي صلى الله عليه وسلم اليهود من المدينة، ومنعهم من سكناها، فأجلاهم إلى خيبر، فلما فتح ما بقي من خيبر همَّ بإجلاء من بقي ممن صالحهم للعمل في خيبر، ثم سألوه أن يبقيهم ليعملوا في الأرض، فأبقاهم للضرورة، فلما قويت شوكة المسلمين وزالت الضرورة، أجلاهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خلافته من جزيرة العرب كلها.
وعقد استقدام العامل الكافر لا يجوز الاستمرار فيه، ولا يجب الوفاء به حتى انتهاء مدة عقده، فلا يدخل في عموم قول الله تعالى: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ” ([17]) ، كما يظنه بعض من قال لك ذلك، وإنما المراد بها وجوب الوفاء بالعقود التي يجب الوفاء بها، سواء كانت بين الله وبين عباده، كالعقود التي عقدها الله على عباده، وألزمهم بها من أحكام دينه، أو كانت بين العباد بعضهم على بعض مما يجب الوفاء به، وهو ما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن خالفهما فلا يجب الوفاء به، ولا يحل الالتزام به”([18]).
والحاصل : أنه لا يجوز دخول الكافرين جزيرة العرب ، إلا لمصلحةٍ فيها نفع للمسلمين بحيث تكون إقامتهم بقدر الحاجة التي تفي بالمقصود، ويمنعون مطلقاً من دخول الحجاز ” مكة والمدينة “لتأكيد النبي عليه الصلاة والسلام بإجلاء اليهود منها.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
[1] متفق عليه.
[2] أحكام أهل الذمة لابن القيم (1/371).
[3] نيل الأوطار للشوكاني (8/143).
[4] سبل السلام للصنعاني (2/ 490).
[5] أخرجه أحمد في مسنده، والحديث صحيح.
[6] المغني لابن قدامة (10/603).
[7] متفق عليه.
[8] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1766).
[9] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1767).
[10] أخرجه أحمد في مسنده رقم (26395).
[11] أخرجه أحمد في مسنده رقم (1691).
[12] نيل الأوطار للشوكاني (8/143).
[13] هو حديث الباب ، واللفظ للبخاري.
[14] أخرجه أبو داود في سننه رقم (3038) والحديث صحيح.
[15] سبل السلام للصنعاني (1/200).
[16] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين ( 3/400).
[17] سورة المائدة، آية رقم (1).
[18] فتاوى اللجنة الدائمة (14/388 وما بعدها).
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 08-22-2017, 08:34 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (4) شبهة : أن أهل الثغور هم المرجع في قضايا ومسائل الجهاد

شبهة : أن أهل الثغور هم المرجع في قضايا ومسائل الجهاد

(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (4)


ادعى أصحاب هذا الفكر أن جماعتهم أهل ثغور، وأنهم المرجع في قضايا ومسائل الجهاد.
والجواب على هذه الشبهة : أن مسائل الجهاد باب من أبواب الفقه الإسلامي، وأبواب الفقه الإسلامي عِلْمٌ من علوم الشريعة، وقد اتفق أهل النظر والفقه والأصول والحديث أن علوم الشريعة لا تدرك إلا بالأخذ عن العلماء، ولما كان الجهاد له تعلقٌ ملموسٌ بسياسة البلاد كان لولاة الأمر حظ وافر من النظر في مصالح البلاد لحمايتها تحت مشورة العلماء؛ لكونهم فقهاء الجهاد وفقهاء غيره من مسائل الشرع، ثم يتم القطع في أمر الجهاد وتقام الخطط السياسية بترتيب الجيش والعتاد لسد الثغور وحماية البلاد ومقاتلة الأعداء.
وأهل الثغور ” أقوام يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهبوا له”([1]) ، ويقال للموضع الذي هم فيه رباط ، ويقال له ثغْر ” فهو كالثلمة في الحائط يُخاف هجوم السارق منها، والجمع ثغور”([2]).
ويكلفهم بهذه المهمة من ناحية فقهية ولي الأمر، سواء قاموا بمهمة الحرب أو الدفاع أو الحراسة، وقد يكون فيهم العامي وشبه المتعلم ولا يكونون في العادة علماء ، فكيف يمكن لهم أن يفتوا في مسائل الجهاد ومدلهمات الأمور، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام له حق الفتيا والنظر في مسائل الجهاد، وكان من أرسلهم لا يخرجون عن سياسته، وكذا الأمر في عهد الخلفاء الراشدين المهديين : فقد كانوا أصحاب الأحقية في مسائل القتال وسياسة البلاد، فيعزلون من شاءوا من أهل الثغور وينصبون غيرهم وكانوا يستشيرون العلماء في مثل هذه الأمور.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ” ولهذا كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسائر خلفائه الراشدين ومن سلك سبيلهم من ولاة الأمور – في الدولة الأموية والعباسية – أن الإمام يكون إماماً في هذين الأصلين جميعاً : الصلاة، والجهاد، فالذي يؤمهم في الصلاة يؤمهم في الجهاد، وأمر الجهاد والصلاة واحد في المقام والسفر”([3]).
قال شرف الدين موسى الحجاوي المقدسي رحمه الله ” ويلزم الإمام عشرة أشياء : حفظ الدين، وتنفيذ الأحكام، وحماية البيضة، وإقامة الحدود، وتحصين الثغور، وجهاد من عاند، وجباية الخراج والصدقات، وتقدير العطاء، واستكفاء الأمناء، وأن يباشر بنفسه مشارفة الأمور”([4]).
ثم مَن هم أهل الثغور في نظر أصحاب هذا الفكر؟ إلا من وافقهم على التكفير والخروج على الولاة وسفك دم الأبرياء ولمز العلماء واتهامهم بشتى التهم المزرية، فهم أصحاب أهواء، ومثلهم لا يؤمنون على الثغور؛ بل يمنعون منها، لكونهم يفسدون عقائد الناس ويفرقون جموع المسلمين ويحرضون الجند على ولاة الأمر.
قال العلماء ” وليس لأهل الأهواء في شيء من الثغور ولا أثر ظاهر، بل هم أشد ضلالة”([5]).
وقال شرف الدين ” والخارجون عن قبضته ( يعني الإمام ) أصناف أربعة ” -ثم قال- : الثالث : الخوارج الذين يكفرون بالذنب ويكفرون أهل الحق ..، الرابع : قوم من أهل الحق باينوا الإمام وراموا خلعه أو مخالفته بتأويل سائغ صواب أو خطأ ، ولهم منعة وشوكة يحتاج في كفهم إلى جمع جيش : وهم البغاة”([6]).
وقد فرَّق رحمه الله بين مذهب البغاة والخوارج، ولا شك من صحة التفريق باعتبار كل مذهب، وقد جمع مكفرة العصر بين المذهبين لجهلهم بمسار كل طائفة من الطائفتين.
فإقامة الحدود وسد الثغور وتجهيز الجيوش للجهاد وحفظ بيضة الإسلام موكول إلى ولاة الأمر، وهم يستشيرون العلماء كلما دعت الحاجة إلى ذلك.
وليس لأهل الثغور في الشريعة إلا السمع والطاعة بموجب ما يتلقونه من ولاة الأمر، ولذا قال تعالى ” وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم”([8]).
” قال الحسن وقتادة وابن أبي ليلى: هم أهل العلم والفقه ، وقال السدي : الأمراء والولاة ، قال أبو بكر ابن العربي : يجوز أن يريد به الفريقين من أهل الفقه والولاة لوقوع الاسم عليهم جميعاً”([9]).
والحاصل : أن أهل الثغور من رعايا ولاة الأمر يأتمرون بأمره وله حق التنصيب والعزل حتى وإن كان فيهم علماء، وليس لأحد أن يربط مسائل الجهاد بأهل الثغور لكونهم تحت إمرة إمامهم والجهاد موكول إليه، ومن كان تحت إمرة إمام فيجب عليه السمع والطاعة في المعروف؛ سواء كان مرابطاً مع أهل الثغور أو في الحضر، عملاً بعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام ” على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”([10]).
ـــــــــــــ
[1] عون المعبود للعظيم آبادي (11/216).
[2] الإقناع للحجاوي (4/292).
[3] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (5/115).
[4] التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكين، لأبي المظفر الإسفراييني (ص195).
[5] الإقناع للحجاوي(4/292).
[6] المصدر السابق (4/292).
[7] كتاب السنة لعبد الله بن أحمد (1/272) وإسناده صحيح.
[8] سورة النساء ، الآية رقم (83).
[9] أحكام القرآن لابن العربي (3/182).
[10] متفق عليه من حديث ابن عمر.
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-23-2017, 06:12 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (5) هل الجهاد في هذا العصر فرض عين على كل مسلم؟

هل الجهاد في هذا العصر فرض عين على كل مسلم؟

(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (5)


يقول أصحاب هذا الفكر أن الجهاد في هذا العصر فرض عين، وأن الدول الإسلامية عطلته وحاربت من يقوم به”
وللجواب على هذه المسألة لا بد من مناقشتها من جهتين : فأقول، وبالله التوفيق :
الجهة الأولى : حكم الجهاد في سبيل الله ومذاهب العلماء في هذه المسألة.
ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجهاد فرض كفاية لقوله تعالى :” لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً”([1]).
ولقوله تعالى :” وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً “([2]).
فقالوا قوله تعالى :” لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ” يدل على أن القاعد عن الجهاد لا يأثم لوجود من يجاهد بدليل أن الآية جاءت في سياق المفاضلة.
وقوله تعالى :” وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً ” يدل على : أنه إذا قام به البعض سقط إثمه عن البعض الآخر وإن لم يقم به من يكفي أثم الكل كفرض الأعيان.
قال ابن كثير بعد أن ساق قوله تعالى : :” لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ” [ وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية ، قال تعالى : ” وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ” ثم أخبر سبحانه بما فضلهم به من الدرجات في غرف الجنان العاليات ومغفرة الذنوب والزلات وحلول الرحمة والبركات إحساناً منه وتكريماً ولهذا قال : ” دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً “]([3])اهـ
وذهب بعض أهل العلم إلى وجوبه عملاً بقوله تعالى :” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ “([4]).
وبقوله :” قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ “([5]).
وبقوله تعالى :” انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ “([6]).
واستدلوا أيضاً بما أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق “([7]).
والجمع بين هذه الأدلة ونحوها على التفصيل التالي : فهو فرض كفاية إن كان أهل البلاد الإسلامية التي قاتلها الكفار مستطيعين في الدفاع عن بلادهم وأعراضهم وأموالهم، أو ذهبت طائفة من المقاتلة بإذن ولي أمرها لغزو أهل الكفر فلا إثم على من قعد ولم يُؤمر، طالما قد كفت هذه الفئة غيرهم.
وعلى هذا يتنزل قوله تعالى :” لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً”([8]) ، وقوله تعالى :” وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً “([9]).
وإن كان أهل البلاد الإسلامية التي قاتلها الكفار غير مستطيعين في الدفاع عن بلادهم وأعراضهم وأموالهم وقد انتهكها الكفار فهنا يلزم وجوباً القتال في سبيل الله على الجميع تحت راية أمير البلاد، وعليه يتنزل قوله تعالى :” قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ “.
وقوله تعالى :” انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ” على أنه يستثنى أصحاب الأعذار للآية السابقة.
قال ابن تيمية : “فأما إذا أراد العدو الهجوم على المسلمين فانه يصير دفعه واجباً على المقصودين كلهم وعلى غير المقصودين لإعانتهم كما قال الله تعالى ” وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ “([10]) وكما أمر النبي عليه الصلاة والسلام بنصرة المسلم ، وسواء كان الرجل من المرتزقة للقتال أو لم يكن ، وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسمهم فيه إلى قاعد وخارج ، بل ذم الذين يستأذنون النبي عليه الصلاة والسلام ” يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً “([11]) ، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار ، وذلك قتال اختيار للزيادة في الدين وإعلائه ولإرهاب العدو كغزاة تبوك ونحوها”([12])اهـ
وكذا يكون واجباً وجوباً عينياً في حق من أمرهم ولي أمر المسلمين من باب لزوم طاعته عملا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام :” اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة “([13]).
وعملاً بقوله تعالى :” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ “([14]).
على أنه يلزم في فرض الكفاية أن يستأذن الخارج للقتال من والديه كما سيأتي أدلة ذلك، وكذا الاستئذان من ولي أمره، لأن الصحابة كانوا لا يقطعون في أمر الجهاد إلا بأميرهم وهو نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ، ولما مات عليه الصلاة والسلام مضى الناس على هذا الأمر في استئذان أمرائهم.
سئل سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز هذا السؤال ” إنني أحب الجهاد، وقد امتزج حبه في قلبي، ولا أستطيع أن أصبر عنه ، وقد استأذنت والدتي فلم توافق ، ولذا تأثرت كثيراً ولا أستطيع أن أبتعد عن الجهاد ، سماحة الشيخ : إن أمنيتي في الحياة هي الجهاد في سبيل الله، وأن أقتل في سبيله وأمي لا توافق، دلني جزاك الله خيرا على الطريق المناسب ؟
فأجاب سماحته بقوله : " جهادك في أمك جهاد عظيم ، الزم أمك وأحسن إليها، إلا إذا أمرك ولي الأمر بالجهاد فبادر ، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” وإذا استنفرتم فانفروا “([15]) وما دام ولي الأمر لم يأمرك فأحسن إلى أمك، وارحمها ، وأعلم أن برها من الجهاد العظيم ، قدمه النبي – صلى الله عليه وسلم – على الجهاد في سبيل الله ، كما جاء بذلك الحديث الصحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فإنه قيل له : “يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال إيمان بالله ورسوله، قيل ثم أي ؟ قال بر الوالدين، قيل ثم أي ؟ قال الجهاد في سبيل الله” متفق على صحته فقدم برهما على الجهاد ، “وجاء رجل يستأذنه، قال: يا رسول الله، أحب أن أجاهد معك. فقال له – صلى الله عليه وسلم -: أحي والداك ؟ قال: نعم ، قال ” ففيهما فجاهد ” متفق على صحته”([16])اهـ مختصراً.
وأما استدل به بعضهم على أنه فرض عين بقوله تعالى :” كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ” ([17]) فبعيد لأن معناه فُرض والفرض منه العيني ومنه الكفائي على ما سبق تفصيله أو من العموم الذي تخصصه الأدلة بنحو ما تقدم فلا يستفاد من الآية أنه خاص بالعيني.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام كما في صحيح مسلم :” من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق “.
فهذا في حق من لم يحدث نفسه بالشهادة والدفاع عن دينه وعرضه ورضي الذل والهوان وأسقط في نفسه أحكام الجهاد على ما شرع الله جل وعلا، فمن كان كذلك ففيه خصلة من النفاق إن مات على ذلك.
وعليه فأحكام الجهاد في الكتاب والسنة صالحة لكل زمان ومكان، ولكن قلَّ من يفقهها ويعرف أصولها وفروعها على مراد الشرع الحكيم إلا مَنْ وفقه الله .
الجهة الثانية : حكم الجهاد في عصرنا الحاضر :
هناك شروط عدة لصحة قيام الجهاد في أي عصر من العصور، وتتلخص في الآتي :
الأول : وجود الإمام الذي ينقاد له الجند في جهاد الطلب سواء كان براً أو فاجراً.
وهذا هو الذي عليه العهد النبوي وما بعده من العهود الإسلامية التي خاضت المعارك ضد أعداء الله.
قال الإمام ابن قدامة ” وأمر الجهاد موكول إلى الإمام واجتهاده، ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك”([18]).
وقد يلزم شرط الأمير الذي ينقاد له الجند في جهاد الدفع أيضاً وخصوصاً عند الفتن فإن المقاتلة قد يختلفون ويتفرقون شيعاً وأحزاباً؛ كما هو الحال اليوم في جهاد الدفع في أفغانستان والعراق وسوريا وغيرها من البلدان.
والأصل في جهاد الدفع هو صد العدو بقدر الاستطاعة من غير شرط، فإذا عجز عن صد العدو، وكانت هناك فتنة وضعف في المقاتلين وضعف في العدة، فيلزم لهم من أمير وقدرة وراية واضحة، ولا يشترط فيه الإمام إذا غاب وخاصة في البلدان التي لا تحكم بشرع الله، فيكتفى بأمير يقود الجند وإلا كان حرب عصابات.
وقال فضيلة الشيخ عبد العزيز الراجحي - حفظه الله- عن جهاد الدفع بالعراق : " العراق لا يوجد فيه جهاد ، يحتاج إلى راية وإلى إمام ، ولا يوجد راية ولا إمام ، ولا نرى الآن وجود جهاد، ولا ينبغي للشباب أن يتجمعوا، ويقولوا حرب عصابات ،... فلينتظروا إلى أن يجعل الله لهم فرجاً ومخرجاً ([19]) .أهـ
فيتعين جهاد الدفع إلا إذا كانت ظاهر المفاسد أكثر من المصالح، وهنا يجب العمل بالقاعدة الشرعية المجمع عليها : " أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه ، بل يجب درء الشر بما يزيله، أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين ".
وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يقود الجند بنفسه حال الحرب في الدفع كما في غزوة الخندق، وفي الطلب عندما يقصد غزو العدو، وربما بعث السرايا أو المقاتلة في جهاد الطلب وأمَّر عليهم أميراً حفاظاً على وحدة الصف، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ” كان إذا بعث جيشاً أمَّر عليهم أميراً “([20]).
قال ابن خلدون :” اعلم أن الخطط الدينية الشرعية من الصلاة والفتيا والقضاء والجهاد والحسبة كلها مندرجة تحت الإمامة الكبرى التي هي الخلافة”([21]).
قال ابن عثيمين رحمه الله ” لابد من إمام يقود الأمة الإسلامية, ولذلك تجد الذين قاموا بالجهاد من غير راية إمام لا يستقيم لهم حال, بل ربما يبادون عن آخرهم، وإذا قُدِّر لهم انتصار صار النـزاع بينهم “([22]).
الشرط الثاني : أن جهاد الطلب مشروط بإذن ولي الأمر.
قال القرطبي رحمه الله ” ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام “([23])أهـ.
فإن ولي الأمر ربما يأمر سرية من الناس لمقاتلة العدو فمن خرج من غيرهم معهم بغير إذن وليه فهو عاصٍ، وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال النبي عليه الصلاة والسلام ” على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”([24]).
” ولا يفهم من ذلك أنه إذا أمر بمعصية فلا يسمع له مطلقاً في كل أوامره ، بل يسمع له ويطاع مطلقاً إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة”([25]).
ولا يخفى أن أهل الكفر اليوم ظاهرون على أهل الإسلام لضعف المسلمين، وقد يترتب على ذهاب الواحد من المسلمين لنصرة إخوانه المستضعفين من غير أذن ولي الأمر كثير من المفاسد التي تضره وتضر غيره من قِبَلِ الأعداء، ولذا قيد أهل العلم الخروج بإذن ولي الأمر دفعاً لكثير من المفاسد التي تعم بها البلوى.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله رداً على من سأله عن الجهاد ومعه والدته ” إذا أمرك ولي الأمر بالجهاد فبادر، لقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” وإذا استنفرتم فانفروا “([26]) وما دام ولي الأمر لم يأمرك فأحسن إلى أمك ، وارحمها “([27])اهـ مختصراً.
الثالث : وضوح الراية المسلمة.
لما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : ” من قُتل تحت رايةٍ عُمِّية، يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي ” ([28]).
قال نور الدين السندي ” قوله تحت : راية عمية كناية عن جماعة مجتمعين على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل ، وفيه أن من قاتل تعصباً لا لإظهار دين ولا لإعلاء كلمة الله وإن كان المعصوب له حقا كان على الباطل “([29])اهـ
ولو تأملنا الرايات المرفوعة اليوم في كثير من البلاد الإسلامية التي تدعو إلى الجهاد لوجدناها ملوثة ولا يدري أكثر المسلمين مَن صاحب الراية الزكية في ظل اختلاط الأوضاع وكثرة الجماعات والاحزاب وغياب القيادة الموحدة، فربما يتقاتلون فيما بينهم والعدو بين ظهرانيهم،، فالدواعش لهم راية، وتنظيم القاعدة لهم راية، والجبهة الفلانية لها راية، وهكذا رايات وجماعات متناحرة، وكل جماعة تقاتل الأخرى، وربما كفرتها، ولا يعني ان نساويهم في الفكر والاستقامة.
الرابع : القوة التي تؤهلهم لدحر العدو في جهاد الطلب والدفع، سواء كانت قوة معنوية وهي الإيمان أو مادية وهي السلاح والعتاد، وكلا القوتين مفقودتان اليوم عند هؤلاء المقاتلة.
فمما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين اليوم يطالبون بنصر الله وهم على هذه الحال المزرية مع أن الله اشترط للنصر الإيمان الصادق فقال جل شأنه : ” وكان حقاً علينا نصر المؤمنين “([30]).
فهل تحقق الإيمان في قلوب المسلمين ؟ الجواب : لا .
إذن : لا نصر.
المسلمون اليوم لا يملكون قوة معنوية وهي الإيمان الصادق ولا قوة مادية وهي : السلاح المادي لحرب العدو.
والعدو لا يملك القوة المعنوية لكنه بحق يملك القوة المادية فلا غرابة أن الغلبة اليوم من نصيبه لأن المسلمين فقدوا القوتين وفاقد الشيء لا يعطيه .
ولذا فنبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا ضعفاء من ناحية مادية فلا يملكون العتاد والعدة والقوة التي لدى الفرس والروم وإنما يحملون إيماناً صادقاً يزلزل الكفر وأعوانه فنصرهم الله وأيدهم بجنده وأظفرهم على أعدائه، فلما اعتز المسلمون بدينهم أعزهم الله ونصرهم على الأعداء .
قال محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني ” إذا رجعنا إلى العهد الأول الأنور؛ وهو عهد الرسول عليه السلام الأول، هل كان عنده سلاح مادي ؟ الجواب: لا ، بماذا إذاً كان مفتاح النصر ؟ السلاح المادي أم السلاح المعنوي ؟ لاشك أنه السلاح المعنوي، وبه بدأت الدعوة في مثل تلك الآية { فاعلم أنه لا إله إلا الله}([31]) إذاً العلم- قبل كل شيء – إذاً بالإسلام قبل كل شيء، ثم تطبيق هذا الإسلام في حدود ما نستطيع، نستطيع أن نعرف العقيدة الإسلامية – الصحيحة طبعاً – نستطيع أن نعرف العبادات الإسلامية، نستطيع أن نعرف الأحكام الإسلامية، نستطيع أن نعرف السلوك الإسلامي، هذه الأشياء كلها مع أنها مستطاعة فجماهير المسلمين بأحزابهم وتكتلاتهم معرضون عنها؛ ثم نرفع أصواتنا عاليةً نريد الجهاد ! أين الجهاد ؟! “([32])اهـ.
فالقضية ليست تعطيل الجهاد، بل القضية منوطة بغياب توفر شروط الجهاد في عصرنا الحاضر.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله ” ومن شروطه: وجود الراية المسلمة المرفوعة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ” ومن قُتل تحت رايةٍ عُمِّية، يغضب للعصبة ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي، ومن خرج من أمتي على أمتي يضرب برها وفاجرها لا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها فليس مني([33]) ، وفي رواية: ” ومن قاتل تحت راية عمية، يغضب لعصبة أو يدعو لعصبة أو ينصر عصبته، فقتل فقتلةٌ جاهلية” فقوله: ” راية عمية ” من العلماء من قال هي الضلالة، كالقتال لأجل الهوى والعصبة ، وقال أحمد بن حنبل والجمهور: هي الأمر الأعمى، لا يستبين وجهه، قال ابن راهويه : كتقاتل القوم للعصبة”([34])اهـ.
وسئل سماحة الشيخ صالح الفوزان ، فقال السائل ” هل المقصود بالقوّة هنا القوّة اليقينيّة أم الظّنّيّةُ‏؟‏
فأجاب : القوّة معروفة؛ فإذا تحقّقت فعلاً، وصار المسلمون يستطيعون القيام بالجهاد في سبيل الله، عند ذلك يُشرعُ جهاد الكفّار، أما إذا كانت القوّة مظنونةً أو غير متيقّنةٍ؛ فإنه لا تجوز المخاطرة بالمسلمين والزَّجُّ بهم في مخاطرات قد تؤدّي بهم إلى النّهاية، وسيرةُ النبيّ صلى الله عليه وسلم في مكّة والمدينة خير شاهد على هذا‏”([35])اهـ
ثم هؤلاء الطائشون إنما اتخذوا شبهة ” تعطيل الجهاد ” بزعمهم ذريعة للخروج على ولاة الأمر، وهذا بيت القصيد عندهم، وهذه طريقتهم عبر العصور ليغرروا بذلك على غيرهم من الشباب العاطفي وخصوصاً من لم يعرف شبههم مع ما يدَّعون في مذهبهم التكفيري.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : “كان أول من فارق جمـاعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون”([36]).
وقال : “وهم أول من كفّر أهل القبلة بالذنوب ، بل بما يرونه هم من الذنوب ، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك”([37]).
بخلاف علمائنا ” أهل السنة والجماعة ” فإنهم يقولون ” ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا ، وإن جاروا”([38]) “.
قال النووي رحمه الله : “وأما الخروج عليهم – يعني الأئمة – وقتالهم، فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه: ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه”([39]).
ولا يخفى على عاقلٍ ما جرَّ هؤلاء على المسلمين من الويلات والدمار والضعف، بسبب عدم انضباطهم بقواعد المسائل وأدلتها وكلمات العلماء في هذا الباب، ثم إن دولهم في العصر الحديث غير مهيئة لمقاتلة الأعداء لضعفها وتفرق أبنائها وعدم قدرتهم على المواجهة، فقتال الأعداء اليوم سيؤدي لأشر منه وقد رأينا ذلك بأم أعيننا لكون أموره لم تتهيء، فلزم اعداد العدة حتى يأذن الله.
وللكلام بقية أستأنفه في لقاء الغد بإذن الله.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] سورة النساء ، الآية رقم (95).
[2] سورة التوبة ، الآية رقم (122).
[3] تفسير ابن كثير (1/718).
[4] سورة البقرة ، الآية رقم (216).
[5] سورة التوبة ، الآية رقم (26).
[6] سورة التوبة ، الآية رقم (41).
[7] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1910).
[8] سورة النساء ، الآية رقم (95).
[9] سورة التوبة ، الآية رقم (122).
[10] سورة الأنفال ، الآية رقم (72).
[11] سورة الأحزاب ، الآية رقم (13).
[12] مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/358
[13] متفق عليه من حديث أنس.
[14] سورة النساء ، الآية رقم (59).
[15] متفق عليه من حديث ابن عباس.
[16] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (6/15).
[17] سورة البقرة، آية (216).
[18] المغني لابن قدامة (13/16).
[19[ شرح عمدة الفقه، شرقم رقم(٣٨) الوجه الاول.
[20] أخرجه الشافعي في مسنده (ص208) من حديث بريدة، وأصله في الصحيحين.
[21] المقدمة لابن خلدون (1/219).
[22] الشريط رقم (212) لابن عثيمين بعنوان ” لقاء الباب المفتوح “.
[23] تهذيب الرياسة وترتيب السياسة للقلعي (ص113).
[24] متفق عليه من حديث ابن عمر.
[25] تهذيب الرياسة وترتيب السياسة للقلعي (ص121).
[26] متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
[27] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (6/15).
[28] أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1477).
[29] حاشية السندي على سنن النسائي (7/123).
[30] سورة الروم ، الآية رقم (47).
[31] سورة محمد ، الآية رقم (19).
[32] شريط ” واقعنا الأليم ” ضمن سلسلة الهدى والنور للألباني.
[33] أخرجه مسلم في صحيحه (3/ 1477).
[34] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (7 387).
[35] المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان (1/228).
[36] مجموع الفتاوى لابن تيمية (3/349).
[37] المصدر السابق (7/481).
[38] شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (2/540).
[39] شرح صحيح مسلم للنووي (12/ 229).
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-24-2017, 01:24 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (6) قول الخوارج ” أمريكا بحربها على المسلمين جعلها دولةً حربية

قول الخوارج ” أمريكا بحربها على المسلمين جعلها دولةً حربية فكيف نقول : إنها معاهدة ، وقد صرح رئيسها([1]) أن ما يقوم به هي الحرب الصليبية”
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وغيرهم من أهل التكفير)

الحلقة (6)

الجواب على هذه الشبهة : أن البلاد المعاهدة مَنْ بيننا وبينها عهدٌ، مثل ألا تحاربنا ولا نحاربها ونحوها من العهود والمواثيق المتفق عليها بين الطرفين المتعاهدين، فإذا شرع الناكث للعهد في حرب المسلمين أو قصد بلادهم للحرب فقد وجب قتاله حال الاستطاعة، وهذا ما يسميه الفقهاء بجهاد الدفع، مع الأخذ في الاعتبار بالقاعدة الشرعية المجمع عليها : أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه.
قال شيخ الإسلام ” وهذا يجب بحسب الإمكان على كل أحد بنفسه وماله، مع القلة والكثرة والمشي والركوب كما كان المسلمون لما قصدهم العدو عام الخندق لم يأذن الله في تركه لأحد كما أذن في ترك الجهاد ابتداء لطلب العدو الذي قسَّمهم فيه إلى قاعد وخارج، بل ذم الذين يستأذنون النبي عليه الصلاة والسلام ” يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلا فِرَاراً ([2])، فهذا دفع عن الدين والحرمة والأنفس وهو قتال اضطرار”([3]).
أما إذا كان الدفع بما هو أشر منه فلا يصح جهاد الدفع، وعلى المسلم درء المفسدة بما لا تكثر مفسدته، لأن ” الواجب تحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، فإذا تعارضت كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع”([4])، ” ولهذا جاءت الشريعة عند تعارض المصالح والمفاسد بتحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما ، وباحتمال أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما فمتى لم يندفع الفساد الكبير …. إلا بما ذكر من احتمال المفسدة القليلة كان ذلك هو الواجب شرعا ، وإذا تعين ذلك على هذا الرجل فليس له ترك ذلك إلا مع ضرر أوجب التزامه أو مزاحمة ما هو أوجب من ذلك”([5]).
فإنه لما دخل جيش التتار إلى الشام وغزا دمشق لم يجد أمامه من يدافع عن البلاد بإبعاد هذا الجيش بسبب ضعف المسلمين وتفرقهم وابتعادهم عن دينهم الحنيف وعقيدتهم السمحة إلى درجة أنهم كانوا يستغيثون بالموتى من دون الله.
ولو عدنا إلى السيرة النبوية وتأملناها تأملاً صحيحاً لوجدنا أن " النبي صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة مستضعفاً هو وأصحابه عاجزين عن الجهاد أمرهم الله بكف أيديهم والصبر على أذى المشركين، فلما هاجروا إلى المدينة وصارت لهم دار عز ومنعة أمرهم بالجهاد وبالكف عمن سالمهم وكف يده عنهم، لأنه لو أمرهم إذ ذاك بإقامة الحدود على كل كافر ومنافق لنفر عن الإسلام أكثر العرب، إذ رأوا أن بعض من دخل فيه يقتل، وفي مثل هذه الحال نزل قوله تعالى ” ولا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ” ([6]).
وهذه السورة نزلت بالمدينة بعد الخندق فأمره الله في تلك الحال أن يترك أذى الكافرين والمنافقين له، فلا يكافئهم عليه؛ لما يتولد في مكافأتهم من الفتنة، ولم يزل الأمر كذلك حتى فتحت مكة ودخلت العرب في دين الله قاطبة، ثم أخذ النبي عليه الصلاة والسلام في غزو الروم وأنزل الله تبارك وتعالى سورة براءة وكمَّل شرائع الدين من الجهاد والحج والأمر بالمعروف فكان كمال الدين حين نزل قوله تعالى ” الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ “([7]) قبل الوفاة بأقل من ثلاثة أشهر، ولما أنزل براءة أمره بنبذ العهود التي كانت للمشركين وقال فيها: “يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ “([8])، وهذه الآية ناسخة لقوله تعالى ” وَلا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ” ([9]) وذلك أنه لم يبق حينئذ للمنافق من يعينه لو أقيم عليه الحد، ولم يبق حول المدينة من الكفار من يتحدث بأن محمداً صلى الله عليه وسلم يقتل أصحابه، فأمره الله بجهادهم والإغلاظ عليهم، وقد ذكر أهل العلم أن آية الأحزاب منسوخة بهذه الآية ونحوها، وقال في الأحزاب: “لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلا قليلا. مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا”([10]) فعلم أنهم كانوا يفعلون أشياء إذ ذاك إن لم ينتهوا عنها قتلوا عليها في المستقبل، لما أعز الله دينه ونصر رسوله، فحيث ما كان للمنافق ظهور يخاف من إقامة الحد عليه فتنة أكبر من بقائه عملنا بآية الأحزاب، كما أنه حيث عجزنا عن جهاد الكفار عملنا بآية الكف عنهم والصفح، وحيث ما حصل القوة والعز خوطبنا بقوله: ” جَاهِدْ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ “([11]).

ولنتأمل في صلح الحديبية – الذي كان بين المسلمين والمشركين – كيف تحمله رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه، والذي انتهى بالظفر لأهل الإسلام أهل العلم والحلم والحكمة، فإنه لما كاتب سهيل بن عمرو رسول الله عليه الصلاة والسلام على الصلح وكان من شروط سهيل على رسول الله [أنه من أتى محمداً من قريش بغير إذن وليه رده عليهم] فبينما هم كذلك إذ أقبل أبو جندل رضي الله عنه قادماً من قريش لينضم إلى رسول الله وأصحابه ” فلما رأى سهيل أبا جندل قام إليه فضرب وجهه وأخذ بتلابيبه ثم قال : يا محمد، قد لجت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا قال : صدقت، فجعل ينتهره بتلابيبه ويجره ليرده إلى قريش ، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته : يا معشر المسلمين، أُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني ؟ فزاد الناس ذلك إلى ما بهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : يا أبا جندل، اصبر واحتسب؛ فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجاً ومخرجاً، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحاً وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله ، وإنا لا نغدر بهم ([12]).

ولذلك لا بد أولاً من تربية المسلمين تربية صحيحة قبل محاربة العدو على أن تكون التربية في كافة النواحي العقدية والشرعية والسلوكية، فإذا صحت التربية الإيمانية وعرفوا قدر العلماء واخذوا منهم الفتيا والمشورة وعرفوا للعلم قدره استطعنا أن نوحد الصفوف وأن نحارب عدونا ولو كان سلاحنا دونهم بكثير، فمما يؤسف له أن كثيراً من المسلمين اليوم يطالبون بنصر الله ويريدون الظفر على أعداء الله وهم على هذه الحال المزرية، مع أن الله اشترط للنصر الإيمان الصادق، فقال جل شأنه : ” وكان حقاً علينا نصر المؤمنين “([13]).

لكن: هل أمريكا اليوم دولة معاهدة أو محاربة؟

والجواب : هي دولة معاهدة من جهة لعموم الدول الإسلامية، وفي حكم المحارب للدول الإسلامية من جهات أخرى، بطرق كثيرة لا تخفى على العقلاء من العلماء والسياسيين، ومن أخطر حروبها على البلاد الإسلامية دعم الجهات العميلة من الداخل لبث الفتن وسفك الدماء وإقلاق الأمن والسكينة وتسهيل خروج الرعية على حكامهم لا لأجل الحقوق والحرية كما تزعم أمريكا، بل لأجل أن يتقاتل المسلمون في أوطانهم، وقد نجحت في أماكن كثيرة من خلال بعض الرعاع وضعاف النفوس والمندسين، فقد قتل من المسلمين في ليبيا واليمن وسوريا والعراق مئات الألوف وشرد ملايين، ولا زالت الدماء تسفك يومياً حتى تاريخ كتابة هذه الأحرف بسبب الديمقراطية وفتن الثورات والانقلابات ، ناهيكم عما يحصل في الدول العربية والإسلامية الأخرى، وكل هذا بسبب مظاهرة أمريكا لأصحاب الفتن، وما يحصل اليوم في بلاد غزة من مظاهرة أمريكا لليهود سوى مثال حي لقتل أبناء فلسطين وتهجيرهم باسم دفاع اليهود عن أنفسهم، وكذا قل في الأقليات المسلمة في الصين الشرقية وبورما وغيرها من بلاد الله المعمورة، وأمثلة كثيرة تبين مظاهرة الغرب وامريكا لكل عدو حاقد على الإسلام والمسلمين.

والغريب أنها تتدخل بين الحين والآخر كوسيط مراوغ، بقصد نفخ الفتنة باسم التسوية السياسية والمصالحة الوطنية والحقوق والحريات، والسلام وإحلال الأمن في المنطقة، مع مظاهرتها لأعداء الدين في الباطن والظاهر معاً، وهذه كلها من أنواع الحروب الباردة التي يجهلها كثير من أبناء المسلمين، لكن لا يعني ذلك أن نعلن الجهاد ضدها علناً ونحزب مجموعة من الشباب لقتالها لأننا ضعفاء، ونحتاج إلى زمن كافٍ في الإعداد والتربية ولأن التعجل سيصير ضرره علينا كمسلمين، وهذا ما نحصده اليوم بسبب تنظيم داعش وتنظيم القاعدة وغيرهما، فالجهل قد عمَّ صفوف المسلمين لغياب العلم الشرعي الصحيح وبعد الناس عن كبار العلماء، ولذا لم تتوفر شروط الجهاد الأربعة التي تقدمت في المقال السابق الذي بعنوان : " هل ” الجهاد في هذا العصر فرض عين على كل مسلم؟"[(14)] بسبب فقدان التربية الصحيحة والعلم الصحيح، فإن هؤلاء المستعجلين لمّا فقدوا التربية الصحيحة والعلم الصحيح صاروا مجرد أحزاب وعصابات متناحرة مختلفة، في الوقت نفسه تقاتل العدو وتضلل كل من يناصحها ويخالفها من العلماء وغيرهم، وربما كفرتهم، وهذا ما جعلنا أذلاء ضعفاء أمام عدونا، حيث طلبنا الظفر قبل مقوماته.

قال الشيخ محمد أمان الجامي ـ رحمه الله ـ : ” ،وإذا كنّا نُحس أنّ بعضَ الكفارِ في حكم الحربيين، ليس بحربيٍّ فعلاً، ولكنّه في حكم الحربيّ لأنه ظهير للكافر الحربيّ الذي بيننا وبينه الحرب ،ظهيراً له ،ومعيناً له، إن كنَا قادرين على محاربتِه ،حاربناه وإلا نأخذ في الاستعداد ( وأعدوا لهم )، أما كوننا ندخل معهم في الحرب ،ونحن غير معدين وغير مستعدين للقتال معهم ،هذه ليست بشجاعة هذا تهور،لابد من الاستعداد من قبْل، قبْل الحرب معهم، وهذا موقف المسلمين اليوم مع الدول الكبرى كما يسمّون وهم في “إما حربيون أو في حكم الحربيين “، ولكنّ المسلمين عاجزون من مقاومتهم ومن محاربتهم ،لأنهم لم يعدّوا أنفسهم بعد، فعلى المسلمين أنّ يعدّوا أنفسهم بمصانع حربية كمصانعهم، حتى يكونوا قوةً قادرةً على حربِهم، وأما نقفُ عند مصانع الكبريت ومصانع المكرونه ، ما عندنا مصانع حربية عاجزون ـ عجز القادرين على التمام ـ لسنا بعاجزين مادياً، ولا من حيث الرجال، ولكنْ يسمّى عجزنا عجز القادرين على التمامِ .

ولم أرَ في عيوب الناس عيباً كعجز القادرين على التمامِ

هذا هو عجزنا، قبْل أنْ نعدَ أنفسنا فلنقف عند حدنا وإلا يستبيحون بيضتنا، ولكنْ نُعد أنفسنا إعدادًا من جديد”([15])اهـ.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين : “”ولهذا لو قال لنا قائل الآن لماذا لا نحارب أمريكا وروسيا وفرنسا وانجلترا ؟! لماذا؟!، [الجواب] : لعدم القدرة.
الأسلحة التي قد ذهب عصرها عندهم، هي التي في أيدينا، وهي عند أسلحتهم بمنزلة سكاكين الموقد عند الصواريخ، ما تفيد شيئاً، فكيف يمكن أن نقاتل هؤلاء؟!
ولهذا أقول : إنه من الحمق أن يقول قائل إنه يجب علينا أن نقاتل أمريكا وفرنسا وانجلترا وروسيا!، كيف نقاتل؟
هذا تأباه حكمة الله عز وجل، ويأباه شرعه، لكن الواجب علينا أن نفعل ما أمر الله به عز وجل : ” واعدوا لهم ما استطعتم من قوة”([16]).
هذا الواجب علينا أن نعد لهم ما استطعنا من قوة، وأهم قوة نعدها هو الإيمان والتقوى”([17])اهـ.
فلندارِ عدونا في العصر الحديث في حدود الشرع لندفع ضرره، أو على الأقل أخف أضراره حتى نبني جيلاً محمدياً صحيحاً يستطيع أن يتغلب على العدو الصليبي والصهيوني، أما أن نقاتله علناً مع ضعف وهو يقاتلنا علناً وفي الخفاء وبطرق ملتوية استراتيجياً واقتصادياً وإعلامياً، ويضغط على حكامنا بسبب طيشان هؤلاء الشباب حتى يضعفنا ضعفاً فوق ضعفنا، ليذلنا وينتهك حرماتنا وأراضينا ويقتل شبابنا ويسفه حضارتنا تحت مسمى ” محاربة الإرهاب ” فطامة طامة يا أبناء الإسلام.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــــــ
[1] يقصدون به “جورج دبليو بوش”.
[2] سورة الأحزاب ، الآية رقم (13).
[3] السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية لابن تيمية (159).
[4] مجموع الفتاوى لابن تيمية(28284).
[5] الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4287).
[6] سورة الأحزاب ، الآية رقم (48).
[7] سورة المائدة ، الآية رقم (3).
[8] سورة التوبة، الآية رقم(73).
[9] سورة الأحزاب، الآية رقم (48).
[10] سورة الأحزاب الآيتان رقم (60،61).
[11] الصارم المسلول لابن تيمية (3/681-683).
[12] انظر : سيرة ابن هشام (4/286).
[13] سورة الروم ، الآية رقم (47).
[14] وانظر كتابي ” الدول الإسلامية وشبهات المخالفين .. السعودية أنموذجا (ص40 وما بعدها)، الطبعة الأولى 1435هـ، دار اللؤلؤة، بيروت “، وكذا كتابي " الجهاد في الشريعة الإسلامية، الطبعة الثالثة 1435هـ، دار اللؤلؤة، بيروت.
[15] محمد أمان الجامي، شرح ثلاثة الأصول، شريط صوتي.
[16] سورة الأنفال، الآية: 60.
[17] ابن عثيمين، شريط صوتي، ضمن سلسلة شرح كتاب بلوغ المرام، كتاب الجهاد، الوجه الأول.
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-25-2017, 08:23 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (7) قول التكفيريين :عدم تكفير الحكام إنما هو الإرجاء بعينه

قول التكفيريين “عدم تكفير الحكام إنما هو الإرجاء بعينه ، وقد حذر السلف من المرجئة، بل بعضهم أخرجهم من الملة”

(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (7)

الجواب على هذه الشبهة من جهتين :
الجهة الأولى : متى يصح إطلاق الكفر على الحكَّام ؟ :
والجواب على ذلك : أن تكفير الحكام منوطٌ بأحكام شرعية قام على مثلها الدليل، وقد بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام هذه المسألة بياناً شافياً في جملةٍ من الأحاديث الصحيحة منها :
الأول : حديث عبادة بن الصامت قال : دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه ، فقال فيما أخذ علينا: ” أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان“([1]).
والثاني : حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :” ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا يا رسول الله : أفلا نقاتلهم ؟ قال لا ما صلوا”([2]).
والثالث : حديث عوف بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل : يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال : لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يداً من طاعة”([3]).
ونحوها من الأحاديث، وقد جاء في حديث عبادة السابق أن الوالي لا يكفر إلا إذا وقع في الكفر الصريح الذي لا يحتمل التأويل.
وجاء في الحديثين الآخرين ( حديث أم سلمة وعوف بن مالك ) أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمر ما أقاموا الصلاة .
والحاصل : أن الوالي إذا وقع في الكفر الصريح وقامت عليه الحجة المبنية على برهان قاطع من كتاب أو سنة أو إجماع فقد وجب الخروج عليه والسعي لعزله بمحضر أئمة العلماء المجتهدين الذين لهم حق تقرير الحادثة.
قال الحافظ بن حجر: ” وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء .. ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها" ([4])اهـ.
قال سماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز رحمه الله : ” فهذا يدل على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم إلا أن يروا كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فساداً كبيراً وشراً عظيماً، فيختل به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسر ردع الظالم، ولا نصر المظلوم، وتختل السبل ولا تأمن، فيترتب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشر كثير، إلا إذا رأى المسلمون كفراً بواحاً عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شراً أكثر فليس لهم الخروج؛ رعاية للمصالح العامة .
والقاعدة الشرعية المجمع عليها : أنه لا يجوز إزالة الشر بما هو أشر منه ، بل يجب درء الشر بما يزيله أو يخففه، أما درء الشر بشر أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين “([5]).
الجهة الثانية : حقيقة المرجئة والإرجاء :
المرجئة هم من يقول : لا تضر معصيةٌ مع إيمان، ومن هذا المنطلق قالوا : المؤمن من نطق الشهادتين وإن لم يعمل شيئاً.
وإليك مقالات أهل العلم في بيان الفارق بين المرجئة وأهل السنة:
قال الإمام سفيان الثوري رحمه الله : ” خلاف ما بيننا وبين المرجئة ثلاث : نقول : الإيمان قول وعمل, وهم يقولون : الإيمان قول ولا عمل ، ونقول : الإيمان يزيد وينقص, وهم يقولون : لا يزيد ولا ينقص ، ونحن نقول : النفاق, وهم يقولون لا نفاق”([6]).
وعن إسماعيل بن سعيد قال: ” سألت أحمد عن من قال: الإيمان يزيد وينقص فقال: هذا بريء من الإرجاء “([7]).
وقال الإمام البربهاري- رحمه الله- : ” ومن قال الإيمان قول وعمل يزيد ينقص فقد خرج من الإرجاء أوّله وآخره “([8]).
وقال الإمام أحمد ” والإيمان قول وعمل يزيد وينقص، زيادته إذا أحسنت، ونقصانه إذا أسأت، ويخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرجه من الإسلام شيء إلا الشرك بالله العظيم، أو يرد فريضة من فرائض الله عز وجل جاحداً بها، فإن تركها كسلاً أو تهاوناً كان في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه “([9]).
وقال الإمام البربهاري رحمه الله: ” ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل، أو يرد شيئاً من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يذبح لغير الله، أو يصلي لغير الله، وإذا فعل شيئاً من ذلك فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام، فإذا لم يفعل شيئاً من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة”([10]).
وقال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى :” أركان الإسلام الخمسة، أولها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة ؛ فالأربعة : إذا أقر بها، وتركها تهاوناً، فنحن وإن قاتلناه على فعلها، فلا نكفره بتركها؛ والعلماء : اختلفوا في كفر التارك لها كسلاً من غير جحود؛ ولا نكفر إلا ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان“([11]).
وقال الإمام عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ رحمه الله :” وأخبرتهم ببراءة الشيخ، من هذا المعتقد، والمذهب وأنه لا يكفر إلا بما أجمع المسلمون على تكفير فاعله، من الشرك الأكبر، والكفر بآيات الله ورسله، أو بشيء منها، بعد قيام الحجة وبلوغها المعتبر، كتكفير من عبد الصالحين، ودعاهم مع الله، وجعلهم أنداداً له، فيما يستحقه على خلقه، من العبادات، والإلهية، وهذا مجمع عليه عند أهل العلم والإيمان” ([12]).
وبهذه النقولات يتبين لطالب البصيرة الفرق الكبير بين أهل السنة والمرجئة ، وقد أراد بعض العصريين أن يقحم نفسه بإلصاق التهم في علماء أهل السنة باعتبار أنهم مرجئة لكونهم لم يكفروا حكام المسلمين، وهذا من المزالق الخارجية؛ لأن قضية التكفير مبنية على أدلة واضحة من الكتاب والسنة تخالف هواهم الذي يدعو إلى الخروج على ولاة الأمر بمجرد شبهٍ لا صلة لها بالشرع وأدلته.
قال الإمام اللالكائي رحمه الله : ” ولا نكفر أهل القبلة بذنوبهم ونكل أسرارهم إلى الله عز وجل، ونقيم فرض الجهاد والحج مع أئمة المسلمين في كل دهر وزمان، ولا نرى الخروج على الأئمة، ولا القتال في الفتنة، ونسمع ونطيع لمن ولاه الله عز وجل أمرنا، ولا ننزع يداً من طاعة، نتتبع السنة والجماعة، ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة”([13]).
وقال أبو أحمد الحاكم :” ولا نكفر أحداً بذنب إلا ترك الصلاة؛ وإن عمل بالكبائر، وأن لا نخرج على الأمراء بالسيف وإن حاربوا، ونبرأ من كل من يرى السيف على المسلمين كائناً من كان”([14]).
فماذا بعد الحق إلا الضلال.
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] متفق عليه.
[2] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1854).
[3] أخرجه مسلم في صحيحه رقم (1855).
[4] فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر (13/7).
[5] مجموع مقالات وفتاوى ابن باز (8/202).
[6] صفة المنافق للفريابي (ص74).
[7] السنة للخلال (3/581).
[8] شرح السنة للبربهاري (ص57).
[9] طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى(1/343).
[10] شرح السنة للبربهاري(ص73).
[11] الدرر السنية، جمع ابن القاسم (1/ 102).
[12] الدرر السنية، جمع ابن القاسم(1/ 467).
[13] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي(1/177).
[14] شعار أصحاب الحديث لأبي أحمد الحاكم(ص31).
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 08-26-2017, 03:02 PM
أبوالأشبال الجنيدي الأثري أبوالأشبال الجنيدي الأثري غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 3,472
افتراضي الحلقة (8) قول التكفيريين ” الأمة تهان من تسلط الكفار عليها ولا حلَّ لها إلا بالجهاد"

قول التكفيريين ” الأمة تهان من تسلط الكفار عليها ولا حلَّ لها إلا بالجهاد".
(ضمن دراسات شرعية موجزة حول شبهات الدواعش وتنظيم القاعدة وأنصار الشريعة وغيرهم من أهل التكفير)
الحلقة (8)

الجواب على هذه الشبهة : أن كلامهم حق في أنه يجب جهاد الكافرين جميعاً ،لكنه كلام في غير موضعه في مثل هذه الأوقات الحرجة، نظراً لضعف المسلمين وتفرقهم وعدم أهليتهم اليوم لقتال الكافرين، وإن كان الجهاد من أجل الفروض التي فرضها الله على عباده.
ولسماحة الشيخ عبد العزيز ابن باز مقالات عديدة وفتاوى كثيرة في دعوة المسلمين إلى محاربة الكفار وجهادهم، ومنها قوله رحمه الله: ” جهاد المشركين مطلقاً وغزوهم في بلادهم حتى لا يكون فتنة ويكون الدين كله لله، ليعم الخير أهل الأرض وتتسع رقعة الإسلام ويزول من طريق الدعوة دعاة الكفر والإلحاد، وينعم العباد بحكم الشريعة العادل، وتعاليمها السمحة، وليخرجوا بهذا الدين القويم من ضيق الدنيا إلى سعة الإسلام، ومن عبادة الخلق إلى عبادة الخالق سبحانه، ومن ظلم الجبابرة إلى عدل الشريعة وأحكامها الرشيدة، وهذا هو الذي استقر عليه أمر الإسلام وتوفي عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم “([1])، وقد جاء كلامه رحمه الله في سياق بيان الأطوار الثلاثة التي مر بها الجهاد في سبيل الله.
وقال سماحته أيضاً: ” وجهاد الكفار والمنافقين وإذلالهم ونصر أوليائه عليهم إفساح الطريق لانتشار الدعوة الإسلامية في أرجاء المعمورة”([2]).
وقال الشيخ ابن عثيمين : لا شك أن الجهاد لأعداء الله عز وجل من فروض الكفايات، والجهاد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ” ذروة سنام الإسلام”([3]) ، ولا يكون للأمة الإسلامية عز ورفعة ولدين الإسلام ظهور وغلبة إلا بالجهاد وقمع أعداء الله، حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله عز وجل.
ولا ريب أن الأعداء تسلطوا على المسلمين منذ أزمان كثيرة؛ لأن المسلمين تفرقوا شيعاً، وناموا وغفلوا عن مصالحهم، واستعمر الأعداء بلادهم وأفكارهم، حتى غيروا عقائدهم وأخلاقهم، وجعلوا يبثون بينهم العداوة ليتفرق المسلمون حتى لا تكون لهم شوكة، ولا تقوم لهم قائمة، وبالتالي لا يكون لهم ملة قوية، سواء من اليهود، أو النصارى، أو من الشيوعيين، والواجب على الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين أن ينتبهوا لهذا الأمر الخطير العظيم، وأن يقوموا لله مثنى وفرادى في كبح جماح أعداء الله، والقضاء على سلطتهم، وهم منصورون إذا نصروا الله عز وجل … ، والواجب على الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين أن يرجعوا إلى دين الله عز وجل رجوعاً حقيقيًّا، في العقيدة، وفي القول، وفي الفعل، وأن يحكِّموا شريعة الله ويقيموها في أرضه، لتكون كلمة الله هي العليا، ولا شك أن المسلمين اليوم في حال يرثى لها، لأنهم متفرقون متشتتون، تتربص كل طائفة بالأخرى الدوائر، وذلك لعدم صدقهم في معاملة الله عز وجل، وفي الانتصار لدين الله سبحانه وتعالى ولو صدقوا الله لكان خيراً لهم”([4]).
وللعلماء كالألباني والوادعي وابن باز وابن عثيمين وغيرهم جملة من المحاضرات والمقالات بل والتوجيهات في دعوة المسلمين إلى مجاهدة الكافرين، لكن دعوة المسلمين إلى بدء الجهاد ضد أعداء الله مقيدة بشروطه الشرعية عندهما وعند غيرهما من علماء الإسلام في القديم والحديث على ضوء الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : ” والجهاد لا يقوم به إلا ولاة الأمور, فإن لم يَغزُ معهم لزم أنَّ أهل الخير الأبرار لا يجاهدون, فتفتر عزمات أهل الدين عن الجهاد, فإما أن يتعطل, وإما أن ينفرد به الفجّار, فيلزم مِن ذلك استيلاء الكفار، أو ظهور الفجّار, لأن الدين لمَن قاتل عليه”([5]).
وقالت اللجنة الدائمة : ” الجهاد لإعلاء كلمة الله وحماية دين الإسلام والتمكين من إبلاغه ونشره وحفظ حرماته فريضة على من تمكن من ذلك وقدر عليه، ولكنه لا بد له من بعث الجيوش وتنظيمها خوفاً من الفوضى وحدوث ما لا تحمد عقباه ؛ ولذلك كان بدؤه والدخول فيه من شأن ولي أمر المسلمين، فعلى العلماء أن يستنهضوه لذلك، فإذا ما بدأ واستنفر المسلمين فعلى من قدر عليه أن يستجيب للداعي إليه مخلصاً وجهه لله، راجياً نصرة الحق، وحماية الإسلام، ومن تخلف عن ذلك مع وجود الداعي وعدم العذر : فهو آثم “([6]).
وسئل الشيخ صالح الفوزان حفظه الله هذا السؤال : ما هي شروط الجهاد, وهل هي متوفرة الآن؟ فأجاب بقوله: “نعم الجهاد ماضٍ إذا توفرت شروطه ومقوماته؛ فهو ماضٍ، أما إذا لم تتوفر شروطه ولا مقوماته فإنه ينتظر حتى تعود للمسلمين قوتهم وإمكانيتهم واستعدادهم، ثم يقاتلون عدوهم، أنت معك مثلاً سيف أو بندقية، هل تقابل طائرات وقنابل وصواريخ؟! لا، لأن هذا بأسٌ شديد، إذا كان معك استعداد يربو على استعدادهم أو مثله تقابلهم، أما إذا كان ليس معك شيء فلا تقابلهم … ، إذا كان للمسلمين قوة يقدرون على الجهاد وعلى الغزو في سبيل الله، فهذا يجب على ولي الأمر لأنه من صلاحيات ولي الأمر أنه يكوِّن جيوشاً للغزو ويقود الجيوش بنفسه أو يؤمر عليها كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك ، أما إذا كان المسلمون لا يستطيعون قتال الكفار فهم يؤجلون الجهاد إلى أن يقدروا..، أما إذا كان ما عندهم إمكانية ولا عندهم قوة فإنهم لا جهاد عليهم والرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه كانوا في مكة قبل الهجرة، ما شرع عليهم الجهاد لأنهم لا يستطيعون، وكذلك لا بد أن يكون الجهاد تحت قيادة مسلمة وبأمر ولي الأمر”([7])”.
والحاصل : أن الأمة تهان من تسلط الكفار عليها ولا حل لها إلا بالجهاد، وهذا ما نص عليه علماء الإسلام عملاً بأدلة الكتاب والسنة ومضياً على نهج من سبق من السلف الصالح لولا تعذر شروط الجهاد في العصر الحديث وذلك من حيث غياب الإمام وعدم وضوح الراية الشرعية وعدم أهلية المسلمين اليوم نظراً لضعفهم وكثرة تفرقهم واختلافهم.
بل ولغياب الإيمان الصادق الذي يؤهلهم لمقاتلة الكافرين.
قال محدث العصر محمد ناصر الدين الألباني : ” إذا رجعنا إلى العهد الأول الأنور؛ وهو عهد الرسول عليه السلام الأول، هل كان عنده سلاح مادي ؟ الجواب: لا ، بماذا إذاً كان مفتاح النصر ؟ السلاح المادي أم السلاح المعنوي ؟ لاشك أنه السلاح المعنوي، وبه بدأت الدعوة في مثل تلك الآية { فاعلم أنهلا إله إلا الله}([8]) إذاً العلم- قبل كل شيء – إذاً بالإسلام قبل كل شيء، ثم تطبيق هذا الإسلام في حدود ما نستطيع، نستطيع أن نعرف العقيدة الإسلامية – الصحيحة طبعاً – نستطيع أن نعرف العبادات الإسلامية، نستطيع أن نعرف الأحكام الإسلامية، نستطيع أن نعرف السلوك الإسلامي ، هذه الأشياء كلها مع أنها مستطاعة فجماهير المسلمين بأحزابهم وتكتلاتهم معرضون عنها؛ ثم نرفع أصواتنا عاليةً نريد الجهاد ! أين الجهاد ؟! “([9])اهـ.
إذًا فالقضية ليست تعطيل الجهاد من الحكام، بل القضية منوطة بغياب توفر شروط الجهاد([10]) في عصرنا الحاضر.
“وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ ، وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ”([11]).
وفق الله الجميع لطاعته وألهمهم رشدهم.
ــــــــــــــــــــــ
[1] فتاوى ومقالات متنوعة لابن باز (7 387).
[2] المصدر السابق (2/94).
[3] أخرجه أحمد في مسنده رقم (22104) وغيره ، وله شواهد وطرق يرتقي بها لدرجة الصحة.
[4] مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين (28/258-259 ).
[5] منهاج السُنة لابن تيمية (6/118).
[6] ” فتاوى اللجنة الدائمة ” ( 12 / 12 ).
[7] الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية، جمع محمد بن فهد الحصين ( ص 152)
[8] سورة محمد ، الآية رقم (19)
[9] شريط بعنوان ” واقعنا الأليم ” ضمن سلسلة الهدى والنور للألباني.
[10] تقدمت شروط الجهاد في مقال سابق لي منشور بعنوان : "هل الجهاد في هذا العصر فرض عين؟، وانظر كتابي ” الدول الإسلامية وشبهات المخالفين .. السعودية أنموذجا (ص40 وما بعدها)، الطبعة الأولى 1435هـ، دار اللؤلؤة، بيروت “.
[11] سورة يوسف ، الآية رقم (21).
__________________

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أَدِلَّةٍ وَنُصُوصٍ وليْسَت دَعْوَةَ أسْمَاءٍ وَشُخُوصٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ ثَوَابِتٍ وَأصَالَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حَمَاسَةٍ بجَهَالِةٍ .

دَعْوَتُنَا دَعْوَةُ أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ وليْسَت دَعْوَةَ حِزْبٍيَّة مَاحِقَة ٍ .

وَالحَقُّ مَقْبُولٌ مِنْ كُلِّ أحَدٍ والبَاطِلُ مَردُودٌ على كُلِّ أحَدٍ .
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:06 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.