أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
12028 0

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 09-26-2016, 03:18 PM
عمربن محمد بدير عمربن محمد بدير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 12,021
افتراضي تعقيب على فتوى الشيخ فركوس حول التسلسل في خطب الجمعة

. https://archive.org/details/abuhammam_201609
__________________
قال ابن تيمية:"و أما قول القائل ؛إنه يجب على [العامة] تقليد فلان أو فلان'فهذا لا يقوله [مسلم]#الفتاوى22_/249
قال شيخ الإسلام في أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 21) :
(وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه).
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-27-2016, 11:54 PM
ابو العلاء السالمي ابو العلاء السالمي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 332
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمربن محمد بدير مشاهدة المشاركة

جزى الله خيرا الكاتب والناقل ، جردت البحث على عجالة لطوله وضيق الوقت، ويا حبذا لو يقوم الأخ ابو همام باختصاره لكان أنفع وأوقع.
__________________

{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10]
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-28-2016, 12:50 AM
عمربن محمد بدير عمربن محمد بدير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 12,021
افتراضي

و إياك أيها الأخ الحبيب.. لعلها تصل للشيخ أبي عبد المعز
__________________
قال ابن تيمية:"و أما قول القائل ؛إنه يجب على [العامة] تقليد فلان أو فلان'فهذا لا يقوله [مسلم]#الفتاوى22_/249
قال شيخ الإسلام في أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 21) :
(وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه).
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-28-2016, 09:37 AM
نجيب بن منصور المهاجر نجيب بن منصور المهاجر غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2009
المشاركات: 3,043
افتراضي

جزاك الله خيرا أخي عمر وأرجو أن تنقلها للمنتدى منسوخة فلا يمكنني التحميل هذه الأيام
__________________
قُلْ للّذِينَ تَفَرَّقُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُم فِي العَالَمِين البَيِّنَة
إنَّ الّذِينَ سَعَوْا لِغَمْزِ قَنَاتِكُمْ وَجَدُوا قَنَاتَكُمْ لِكَسْرٍ لَيِّنَة
عُودُوا إِلَى عَهْدِ الأُخُوَّةِ وَارْجِعُوا لاَ تَحْسَبُوا عُقْبَى التَّفَرُّقِ هَيِّنَة

«محمّد العيد»
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 09-28-2016, 10:10 AM
عمربن محمد بدير عمربن محمد بدير غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الجزائر
المشاركات: 12,021
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة نجيب بن منصور المهاجر مشاهدة المشاركة
جزاك الله خيرا أخي عمر وأرجو أن تنقلها للمنتدى منسوخة فلا يمكنني التحميل هذه الأيام
لعله يكون من يفعل ذلك، لأنني أستعمل الهاتف و لا أعرف كيف أفعل ذلك
__________________
قال ابن تيمية:"و أما قول القائل ؛إنه يجب على [العامة] تقليد فلان أو فلان'فهذا لا يقوله [مسلم]#الفتاوى22_/249
قال شيخ الإسلام في أمراض القلوب وشفاؤها (ص: 21) :
(وَالْمَقْصُود أَن الْحَسَد مرض من أمراض النَّفس وَهُوَ مرض غَالب فَلَا يخلص مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيل من النَّاس وَلِهَذَا يُقَال مَا خلا جَسَد من حسد لَكِن اللَّئِيم يبديه والكريم يخفيه).
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 09-29-2016, 09:09 AM
طالب نجاة طالب نجاة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 11
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة عمربن محمد بدير مشاهدة المشاركة
لعله يكون من يفعل ذلك، لأنني أستعمل الهاتف و لا أعرف كيف أفعل ذلك
السلام عليكم
لعلي أستفتح مشاركتي في هذا المنتدى المبارك بنسخ البحث
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 09-29-2016, 09:14 AM
طالب نجاة طالب نجاة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 11
افتراضي

قال أبو همام محمد السلفي حفظه الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل
ملاحظات على فتيا تسلسل خطب الجمعات
وبين يديها
المسائل المهمات
الحمد لله حق حمده، والصلاة والسلام على عبده وصحبه، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، وبعد:
فلما رأيت إخواننا اختلفوا في هذه المسألة-وهي مسألة التسلسل الخُطَبي يوم الجمعة-؛ إذ كانت مسألة خليقة بالمباحثة والمناقشة؛ بدا لي أن أضرب معهم بسهم فيها، راجيا من الله تعالى أن يكون حظ هذا السهم قد أصاب عقدة الخلاف فيها أو حام حواليها، وحائزا على رتبة الاعتدال والتوسط حال التكلم عليها.
وحظي من هذا التعليق؛ جملة من الملاحظات على فتيا فضيلة الشيخ أبي عبد المعز-حفظه المولى-، وهي-بمجملها- لم تخرج عن كونها إلا مناقشة للمسألة؛ إما استدراكا أو توجيها أو موافقة أو مخالفة أو غير ذلك مما يقتضيه حق العلم وسلطانه، ويُلزمه واجب التواصي بالحق لذويه وأصحابه.
فهي لم تخرج مخرج المصادمة أو المناطحة؛ فحقيقة العلم وروحه تأبى ذلك! والعلم رحم بين أهله، وهو لا يقبل الجمود، والمسألة من موارد الاجتهاد، والمتكلم فيها بين الأجر والأجرين، والحق يقبل بأدلته ودلائله -لا بقائله-، وما من أحد إلا راد أو مردود عليه، ومن مكرمة الله تعالى للعالم أن يهيئ له من يرد عليه خطأه، ويوقفه على هفوته أو سهوته، هذا إذا ما ثبت عنه ذلك، ولم يُخرج المعترِض عليه-لسوء طويته أم إظلام مخيلته- ذلك مخرجَ التشنيع والتجديع، أو التنفير والتقذيع..
ولذلك؛ فهذه المباحثة يعلم فيها الكاتب قدره، ويعقل منزلته-بحمد الله ومَنِّه-، وفي الآن نفسه يعرف قدر الشيخ وبلوغه في الفقه والأصول ومنزلته-وإن خالفه في بعض رأيه وطروحه( ) فالخلاف حاصل لا محالة من المؤالف أو المخالف.
هذا؛ وثمة مسائل مهمات، ومهمات ممهدات بين يدي الملاحظات، آثرت تقديمها حتى يسهل فهم المسألة بتأن وثبات، والله تعالى الموفق والهادي إلى الخيرات والصالحات.





( ) وما أقوله عن نفسي أقوله عن إخواني؛ ممن فتح باب المشاركة أو شارك فيها؛ فلا وجه للطعن ولا للغمز أو اللمز، والله -وحده- يعلم ما في القلوب، وما انطوت به النفوس.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 09-29-2016, 03:53 PM
طالب نجاة طالب نجاة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 11
افتراضي

مسائل مهمات بين يدي الملاحظات

المسألة الأولى: أن يُعلم الأصل في خطبة الجمعة؛ وأنها ليست كباقي الخطب، فهي خطبة راتبة لها أحكامها الخاصة بها، فكان الأصل فيها التوقيف لا إباحة التصريف.
قال العلامة ابن عثيمين-رحمه الله- في "شرح رياض الصالحين"(1 / 534):" كانت خطب الرسول عليه الصلاة والسلام علي قسمين: خطب راتبة وخطب عارضة. فأما الراتبة: فهي خطبة في الجمع والأعياد، فانه صلى الله عليه وسلم كان يخطب الناس في كل جمعة وفي كل عيد، واختلف العلماء-رحمهم الله- في خطبة صلاة الكسوف، هل هي راتبة أو عارضة".
أقول: ولذلك؛ فإن الشرع قد خصها بكثير من الأحكام التي لم يخصها باقي الخطب، ولا خطبة العيدين، فخصها بمكانها وزمانها، وبدوامها كل جمعة، وضبط وسائلها ومقاصدها، فضبط منبرها وقصرها وانقسامها وافتتاحها ومدارها وموضوعها والمنهي فيها وقبلها والمرخص فيها وما يشرع من الطهارة قبلها ومن الصلاة بعدها، وحركة الإمام وقيامه وقعوده وألفاظه، و وجهة المأموم وأقواله، والدعاء فيها وأحكامه، وغير ذلك من جمل الأحكام، ومصالح الأنام؛ مما يقطع الموفق بأن الأصل فيها المنع والحظر، إلا ما دل عليه الشرع من الحُكم والأمر، وأن قياس غيرها عليها من الخطب قياس فاسد بالجملة، وأن هذا هو الأصل فيها إلا ما دل الدليل على صحته وسلامته.
وإذا كانت خطبة العيد، وهي -أيضا- من الخطب الرواتب؛ ومع ذلك فإنها تباينها في أكثر أحكامها ومسائلها -لاسيما؛ وأن خطبة العيد قد اتحدت معها في الجنس- فما بال بقية الخطب والدروس والمواعظ التي لم تتفق معها إلا في جملة التبليغ والتعليم والبيان( 1)؟!
نعم؛ تبقى قضية الأسلوب الخطابي ونوعه، وهل يندرج تحت العادة أم العبادة، وهل هو اجتهادي أم توقيفي؟ مسألة بحث يأتي الكلام عليها-إن شاء الله تعالى-.
المسألة الثانية: إطلاق التسلسل والفرق بينه وبين التكرير -لغة واصطلاحا-.
الحق؛ أن لفظ التسلسل اصطلاح حادث في الخطبة، ولم يرد -فيما أعلم- استعماله في المكرر منه فيها، ولا حتى لفظ التكرير، ولكن لفظ التكرير أسهل من حيث فهم وضعه العربي من لفظ التسلسل، وهذا لعل استعماله في مجاريه ومحاوزه، وعدم الاكثار من استعماله في المجازيات ضيق من معانيه بالنسبة للفظ التسلسل؛ الذي استعمل في اللغة والعقائد والأسانيد والكلام وغير ذلك كل بمعنى غير معنى الآخر.
ومع ذلك؛ فكلا اللفظين من حيث وضعه العربي يخالف الآخر ويباينه، اتباعا على أصل منع الترادف في الألفاظ وجوازه اشتراكها في أصل المعنى، وهو المذهب الصحيح الذي عليه أهل التحقيق.
وهما من حيث اللغة بينهما تداخل، وعموم وخصوص، ولا تتم معرفة ذلك إلا ببيان عرفهما من حيث الوضع العربي، وأما من حيث استعمالات أهل الفنون فلا يهم ههنا.
والتكرير لغة، هو: إعادة الشيء مرة بعد أخرى (2 )، وفي الفرق بين التكرار والاعادة قال العسكري: "التكرار يقع على إعادة الشيء مرة وعلى إعادته مرات، والاعادة للمرة الواحدة"( 3).
وأما التسلسل لغة، فهو: اتّصال الشيء بالشيء، وبذلك سُمّيت سِلسلة الحديد، وسِلسِلة البرق المستطيلة في عَرض السحاب(4 ).
فالتسلسل قد يكون تكرارا وقد لا يكون، كما أن التكرار قد يتسلسل وقد لا يتسلسل، وتكرار التسلسل قد يرتبط كسلسلة الحديد وقد لا يرتبط كسلسلة البرق، ولذلك فهو في عرف المناطقة والمتكلمة مرتبط، وفي اصطلاح المحدثين لا يلزم منه الربط، بل غالبه غير مرتبط!
فالتسلسل قد يكون اصطفافا بالمثل-ذاتا أو وصفا-، وقد يكون اصطفافا بالربط-ذاتا أو وصفا-.
وأما التكرار؛ فقد يكون تسلسلا بالارتباط-ذاتا أو وصفا، أو لفظا أو معنىً-، وقد يكون تسلسلا منقطعا -كذلك-.
وبيانه: أن كلا من التكرار والتسلسل لا يلزم منهما الاتصال، كما أن التكرار لا يلزم منه الترادف، والتسلسل لا يلزم منه تكرار المرادِف؛ إذ قد يكون تسلسلا في المعاني، ولذلك تراهم يقولون في عرف التخريج: مسلسل بالضعفاء، وفيهم الضعيف والمتروك والكذاب واللين وغير ذلك، وكلٌ يشمله اسم الضعف.
فكل منهما يشمله اسم التكرر، ويعتريهما الانقطاع، ويتباينان فيما ذكرت.
وإذا تخلص هذا؛ فالفرق بينهما من حيث العموم والخصوص: أن التسلسل جنس يحمل اسم التكرر إلا أنه أعم منه من حيث تكرر المرادف في اللفظ أو في المعنى، فقد يكون تكررا في المتماثلات أو في المتشابهات، وهذا بخلاف التكرر الذي لا يكون إلا في الألفاظ، فهو أخص من التسلسل في هذا الجانب، وأعم منه من حيث سعة الانقطاع بخلاف التسلسل الذي أصله يلازم معنى الاتصال أكثر منه، فالتسلسل أخص من التكرر من حيث الاتصال والانقطاع، ولذلك تراهم يقولون: الأمر هل يقتضي التكرار؟ ولا يقولون التسلسل!
هذا ما تلخص عندي من الفرق بينهما في هذه العجالة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
والذي ينبغي عليه التعويل في تكييف ماهية التسلسل الخطابي هو العرف اللغوي بشموله وعمومه؛ كونه لغة التشريع، لا أن يحمل على عرف المتأخرين؛ ممن يضيق فيه أو يوسع! فلا يجوز أن يحكم على النصوص إلا بالعرف الذي هو لَصيقٌ بها، لا بما هو بعيد عنها ومنها؛ مما أحدثه من نشأ في أوساط العجمة من المتأخرين!

وعلى هذا؛ فالتسلسل منقسم إلى قسمين: متصل ومنفصل، فإذا كان في الأجناس أو المعاني انفصل وإذا كان في الأعيان أو الألفاظ اتصل، وعكسه التكرار -بقسميه-.
وتسلسل الجنس؛ كتسلسل الموضوع العام أو الغاية أو الفن، أو العلم أو غير ذلك، وهذا كأن نقول: سلسلة درس التفسير أو درس الأصول أو الفقه أو غير ذلك، فكل من هؤلاء جنس يتسلسل في مجموعة من الدروس والحلق، وكما يقال: (سلسلة الذب عن العقيدة) أو(سلسلة توجيهات سلفية ) أو (سلسلة ليتفقهوا في الدين) فكل هذه أجناس يندرج تحتها جملة من الأفراد العلمية المتباينة المغزى، والتي هي أعيان أو ألفاظ مستقلة بذاتها، عبرت عليها بتسلسل العين أو اللفظ، وكل ذلك داخل في مسمى اسم التسلسل وجنسه.
وتكرر الجنس-كذلك-؛ كتكرر الموضوع سواء كان عاما أم خاصا، والفن وغير ذلك، وهذا كتأليف محدث المدينة النبوية الشيخ عبد المحسن العباد (رفقا أهل السنة بأهل السنة )؛ فإنه كرره ثلاث مرات-نصحا ورفقا وإرشادا- مع زيادات في المكرر، وغير ذلك كجنس تحقيق الكتاب الواحد مرات؛ فكله تكرر في الجنس الواحد، فإذا طبع الكتاب الواحد طبعات من غير زيادات ولا تنقيحات ولا غير ذلك؛ كان هذا تكررا في العين أو اللفظ، فإذا كان مع الزيادات ونحوها؛ فقد يلتحق بهذا أو بالآخر.
وبالجملة؛ فكل تسلسل تكررا وليس بالضرورة أن يكون كل تكرر تسلسلاً، إذ لا يخلو التسلسل من التكرر، والمغزى أنه إذا عبر على أحدها بالآخر فلا مشاحة في ذلك، إذا لم يصادم هذا اصطلاحا شرعيا معمولا به في ذلك المحل، أو يترتب عليه مفسدة أعلى أو مساوية للمصلحة المرجوة منه!
فالفرق ما بين التسلسل والتكرار؛ هو: أن التكرار تسلسل في الأعيان بخلاف التسلسل فلا يقتضي التكرار إلا في الأجناس، فيصح اطلاق التسلسل على التكرار-باعتبار تماثل الأعيان -التي هي الألفاظ-، ويصح اطلاق التكرار على التسلسل-باعتبار اتحاد الأصل-الذي هو المعنى- لاشتباه أفراده.
وعليه؛ فما ثبت فيه التكرار ثبت فيه التسلسل وليس كل ما ثبت فيه التسلسل ثبت فيه التكرار.
وإذا قد تبين هذا؛ فــ:
المسألة الثالثة: في أنواع التسلسل الخطابي، وبيان الصحيح منه والفاسد.
والتسلسل الخطابي: لفظ مجمل يحتاج إلى تفسير وبيان؛ إذ أنه يحمل أنواعا وأقساما، وإطلاق حكم واحد عليها فاسد!
والتسلسل جملة قسمان: تسلسل وصفي أو حالي؛ لأجل تأثير عوائد الزمان، أو غير ذلك، وتسلسل ذاتي.
أ ــــــ أما التسلسل الوصفي -أو الحالي-؛ فمنقسم إلى نوعين:
1 - تسلسل المناسبات الشرعية؛ كمناسبة رمضان أو الجهاد أو موسم زكاة أو غير ذلك.
2 - تسلسل الحاجيات الدنيوية؛ وهي: الخطب التي يسلسلها الإمام لأجل ما ينزل بواقعه إذا ما ارتأى ذلك.
ب ــــــ وأما التسلسل الذاتي؛ فأنواعه أربعة أو خمسة:
1- التسلسل في الجنس: كالكلام على العقائد أو الأحكام أو الفتن وأشراط الساعة أو السير أو الحقوق، فكل هذه أجناس.
2 - التسلسل في العين: كالكلام على الطيرة أو التبرك أو التوسل أو على الدجال أو المهدي أو الوضوء أو الغسل أو زيارة القبور أو غزوة كذا أو كذا أو غير ذلك.
وهذا النوع قد يكون متصلا وقد يكون منقطعا، وسيأتي الكلام عليهما.
وكذا بعض أفراده قد تلتحق بالنوع الذي قبله بحسب واقع الخطبة.
3 - تسلسل التسلسل: وهو التسلسل الراتب طوال السنة، فما أن تنقضي سلسلة حتى يشرع في سلسلة أخرى!
4 - تسلسل راتب طوال السنة في فن واحد أو موضوع واحد، وهو غير الذي قبله(5 ).
وأما القسم الأول فمشروع بنوعيه، وأما الثاني، فنوعه الأول مشروع، والثاني كذلك بشرطٍ في أحد فرعيه، والثالث والرابع لم يجر عليهما العمل، ويعسر تصورهما ما لو ألحقا بالحاجيات وممكن منها في المكررات، وسيأتي التدليل على المشروع في ثنايا الملاحظات، والله أعلم.
وهناك نوع آخر؛ وهو: التسلسل الطارئ على التسلسل: وهذا الجواب عليه مضمن فيما سبق-لمن دقق وحقق-!
أما التسلسل الذي وقع فيه الخلاف؛ فهو التسلسل المتتابع المتعاقب المرتبط، وهو تسلسل العين المتصل -وإن عمم التعبير عليه حال الإطلاق؛ فوقع الاشتباه-( 6)! وأما المنقطع فلا يدخل أصلا في التسلسل، وهذا فارق آخر ما بين التسلسل والتكرار.
المسألة الرابعة: معرفة الغاية من التسلسل؛ هل هي من الحاجيات أم من الضروريات، وهل ثمارها ظن غالب أم متوقع؟ وهل معرفتها طريق من طرق الاعتبار أو الالغاء.
والأظهر أن التسلسل من حيث الغاية الكلية والمقصد: تارة يكون من الحاجيات وتارة من الضروريات وتارة من التحسينيات، والحاجيات قد تكون ماسة وقد لا، فإذا كانت ماسة ألحقت بالضروريات، وإن ضعفت فقد تلحق بالتحسينيات، والله أعلم.
والغاية من التسلسل؛ إما أن تكون لقصد التشويق أو التنظيم أو الترتيب أو التنشيط والتحفيز، فهذا من باب التحسين، وإما أن تكون لقصد التقرير والترسيخ والتأصيل، فهذا من باب الحاجة-لاسيما في زماننا-، وإما أن يكون الخطيب رأى تقصيرا في باب من الأبواب أو مقصدا من المقاصد، أو منكرا من المنكرات، ورأى أن ذلك لا يتم بيانه في خطبة واحدة، ولا يحسن الاجمال فيه بل يجب فيه التفصيل فانبرى لما رأى؛ فلا جناح عليه في ذلك، بل ذلك هو الذي يقتضيه الواجب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وأما التأصيل المعقد أو تعليم علوم الآلة أو التخريج أو التغريب أو السياسة بنحو ما هو شائع اليوم؛ فكل ذلك ليس من المنهج النبوي في خطب الجمعة بل هو من البدع المضافة إليها.
ورأي الخطيب العالم الصادق المنصف هو الذي تقدر به مصلحة التسلسل -فعلا أو تركا-، ويعتبر تقديره ظنا غالبا معتبرا، وأما إذا كان جاهلا أو متبعا لهواه فلا عبرة بنظره ولا التفات إلى تقديره!؟










( 1)قال الإمام أبو جعفر الطحاوي في "شرح المشكل"(9 /359 - 361 ): "أَنَّ الْخُطْبَةَ لِلْعِيدِ لَيْسَتْ كَالْخُطْبَةِ لِلْجُمُعَةِ فِي الْجُلُوسِ لَهَا , وَالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا , وَتَرْكِ اللَّغْوِ فِيهَا , حَتَّى تَنْقَضِيَ , وَأَنَّ ذَلِكَ مُبَاحٌ فِي خِطْبَةِ الْعِيدِ , وَمَحْظُورٌ فِي خِطْبَةِ الْجُمُعَةِ , وَذَلِكَ عِنْدَنَا - وَاللهُ أَعْلَمُ -؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ لِلْجُمُعَةِ مَوْعِظَةٌ , وَعَلَى النَّاسِ الِاسْتِمَاعُ إِلَى الْمَوْعِظَةِ , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: 125] , وَإِذَا كَانَ مَأْمُورًا بِالْمَوْعِظَةِ لَهُمْ , كَانُوا مَأْمُورِينَ بِالِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا , وَالْإِنْصَاتِ لَهَا , حَتَّى تَقَعَ مِنْهُمُ الْمَوْقِعَ الَّذِي أَرَادَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا مِنْهُمْ , وَجُعِلَتْ بِذَلِكَ - وَاللهُ أَعْلَمُ - الصَّلَاةُ الَّتِي بَعْدَهَا , وَهِيَ الْجُمُعَةُ مُضَمَّنَةً بِهَا , فَلَمْ تُجْزِئْ إِلَّا بَعْدَ تَقَدُّمِهَا إِيَّاهَا , وَلَيْسَتْ خُطْبَةُ الْعِيدِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مَوْعِظَةً يُوعَظُونَ بِهَا , فَيَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِمَاعُ إِلَيْهَا , وَالْإِنْصَاتُ لَهَا , وَلَكِنَّهَا تَعْلِيمٌ لَهُمْ مَا يَخْطُبُ بِهِ عَلَيْهِمْ فِيهَا , فَمِنْ ذَلِكَ مَا يَعْلَمُونَهُ فِيهَا فِي يَوْمِ الْفِطْرِ مِنْ إِخْرَاجِ صَدَقَةِ الْفِطْرِ مِنَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي هِيَ مِنْهَا , وَمِنَ الْمِقْدَارِ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مِنْهَا , وَمِنَ الْوَقْتِ الَّذِي يُخْرِجُونَهَا فِيهِ , وَمَنْ يُعْطَوْنَهُ إِيَّاهَا مِنَ النَّاسِ. وَمِنْ ذَلِكَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ أَمْرُهُ إِيَّاهُمْ بِالنَّحْرِ , وَمَا يَنْحَرُونَهُ فِيهِ , وَالْأَجْنَاسُ الَّتِي يَنْحَرُونَ مِنْهَا , وَمَا يَسْتَعْمِلُونَ فِيهِ مِمَّا يُضَحُّونَ بِهِ الذَّبْحَ , وَالْأَوْقَاتُ الَّتِي يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِيهَا , وَمَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يُضَحُّوا بِهِ مِنْ ذَوَاتِ الْعُيُوبِ مِنْهَا , وَتِلْكَ الْعُيُوبُ الَّتِي يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا مَا هِيَ , وَذَلِكَ مِمَّا يَغْنَى عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ لِعِلْمِهِمْ بِهِ , وَلِأَخْذِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ مَنْ يَخْطُبُ بِهِ عَلَيْهِمْ , فَفَرْقٌ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ لِهَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي يَتَبَايَنَانِ بِهَا , وَجُعِلَتْ خُطْبَةُ الْعِيدِ كَخُطْبَةِ الْحَجِّ الَّتِي يُعَلِّمُ الْإِمَامُ النَّاسَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَهُ فِي حَجِّهِمْ , وَمَا يَجْتَنِبُونَهُ فِيهِ , وَذَلِكَ مِمَّا لَا اخْتِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي السَّعَةِ لِلنَّاسِ فِي التَّخَلُّفِ عَنْهُ , وَتَرْكِ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ , وَاللهَ عَزَّ وَجَلَّ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". وينظر (1 / 326 ) منه.
( 2) ينظر "اللسان" وغيره، وفي ذلك بحث ينظر في "تاج العروس" مادة ( كرر)، وفي الفرق ما بين المكرر والموكد ينظر "الكليات".
( 3) "الفروق"(ص 138).
(4 ) "معجم مقاييس اللغة"(3 / 60).
(5 ) وليس هذا أو الذي قبله هو موضع الخلاف في هذه المسألة كما قد ذكر بعض أفاضل إخواننا، ولست الآن في صدد بيان ذلك، ومن تأمل عبارات الشيخ تبين له ذلك، والله أعلم.
( 6) وسيأتي بإذن الله تعالى مناقشة بعض هذه الاطلاقات على وجه فيه إجمال!



__________________
وما من كاتبٍ إلا سيفنى *** ويَبقَى الدَّهرَ ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بخطك غير شيءٍ *** يَسُرّك في القيامة أن تراهُ
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 09-29-2016, 04:03 PM
طالب نجاة طالب نجاة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 11
افتراضي

ما بين التسلسل الحقيقي والتسلسل الصوري!
و-ههنا- نقطة مهمة قبل أن ألج غور الملاحظات؛ مما يخص مبحث الغاية، وهي: أن تسلسل الجنس قد كون في حد ذاته صوريا ليس بحقيقي! وذلك كأن يعلن الخطيب عن بدء سلسلة يطلق عليها: سلسلة « التصفية والتربية » أو سلسلة «توجيهات سلفية» أو سلسلة «ليتفقَّهوا في الدين»، ويضع تحت كل واحدة منها عدة مواضيع مختلفة؛ في العقائد والأحكام، والأخلاق، وغيرها، تكون حسب ما بدا له من المصلحة وتجلى له من نظرة الواقع، فهذا في حقيقة أمره ما غير من المنهجي النبوي في الخطابة شيئا؛ فكانت سلسلته عند التحقيق صورية ليس بحقيقية، ليس لها من الحظ إلا الاسم والرسم! وهل كانت خطب النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلا كذلك؟! توجيهات و تفقيه وتعليم متى رأى المصلحة ودعت الحاجة.
وهذا بخلاف ما لو عرضت مناسبة؛ كشهر الصيام -مثلا-، فبدا له أن يخص شهر الصوم بشرح أحاديث الصيام في سلسلة يطلق عليها -مثلا- سلسلة «فقه أحاديث الصيام»، فهذا في الحقيقة تسلسل جنسي معتبر؛ لأنه حصر مفردات ومعاني الموضوع الواحد-الذي هو الصوم- في سلك واحد، فاتفق الاسم مع الحقيقة، فافترقا!
ويمكن أن يعبر على التسلسل الصوري بمطلق التسلسل، وعلى الحقيقي بالتسلسل المطلق؛ لشموله الجنسي والعيني، وهذا الأخير هو الذي وقع الخلاف في بعض صوره وأنواعه، وأما الصوري -أو قل اللغوي- فهذا خارج عن موضع النزاع.
ومما يخرج من موضع النزاع من الصور -أيضا-؛ كخطيب نزل قرية أو حل بلدة فوجد أهلها -مثلا- جلهم أو كلهم مقيمين على الشرك بأنواعه؛ فتداعت همته وتجمعت عزائمه على التحذير منه في الدروس والمجالس وتتابعت خطبه عليه -بيانا وتحذيرا-، فهذا في الحقيقة قد سلسل خطبه في بيان التوحيد والتحذير من الشرك، وإن لم يعبر عليه باسم السلسلة، فهو تسلسل في الحقيقة لا في الاسم، وليس ينكر عليه صنيعه هذا حتى وإن سمي، فمقتضى الحال يدفع الاستشكال! والعلم عند الله الكبير المتعال.
وإذا تجلى لنا فهم معنى التسلسل الشرعي الذي تقوم له المصلحة فيقوم بقيامها، وأن الانقطاع ممكن فيه ليس بممتنع؛ فإنه يكاد أن يزول الخلاف، وينعقد الائتلاف.
وبالجملة؛ فمكمن حقيقة الاختلاف؛ تنحصر في بعض صور الحقيقي الذي هو المطلق، والله أعلم.
الملاحظات
التسلسل بين ثبات الدليل وانتفائه
الأولى: قال الشيخ -حفظه الله-: ((وفي تقديري أنَّ دوافعَ القولِ بعدمِ استحسانِ هذا الفعلِ تكمن في أنه لم يكن مأثورًا فعلُه ـ في حدود علمي ـ عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ولا عن صحابته الكرام ولا مَنْ بعدهم مِنَ التابعين لهم بإحسانٍ،)).
أقول: رضي الله عنه!
فإن كان المراد بالنفي: نفي تسلسل الأعيان المتصلة؛ بحيث لا تقوم الخطبة التالية إلا بربطها بسابقتها، وإلا وقع الانفصال العيني فصحيح، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم إما: منفصلة الأعيان، وهذا هو الأصل فيها، وهو الغالب من خطبه صلى الله عليه وسلم.
وإما: أن تكون متسلسلة الأعيان، وهذا قليل؛ كنحو تكريره العظة بسورة (ق) كما سيأتي.
وإما: أن تكون متسلسلة الأجناس.
فإن كان المراد النوع الأخير؛ فليس بصحيح؛ إذ أنه قد ورد في تسلسل الجنس ما يدل عليه، وعلى تسلسل العين-كذلك-.
1 - فعَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصَلَّيْتَ؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَلْقَوْا ثِيَابًا فَأَعْطَاهُ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ جَاءَ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ فَأَلْقَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَأَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فَأَلْقَوْا ثِيَابًا فَأَمَرْتُ لَهُ مِنْهَا بِثَوْبَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ الْآنَ فَأَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ فَأَلْقَى أَحَدَهُمَا فَانْتَهَرَهُ، وَقَالَ: خُذْ ثَوْبَكَ ".
أخرجه النسائي في "المجتبى"(1408) بسند حسنه الشيخ الألباني-رحمه الله- وغيره.
ثم أخرجه برقم 2536) من طريق آخر عن ابْن عَجْلَانَ، عَنْ عِيَاضٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّانِيَةَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ جَاءَ الْجُمُعَةَ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا» فَتَصَدَّقُوا، فَأَعْطَاهُ ثَوْبَيْنِ ثُمَّ قَالَ: «تَصَدَّقُوا» فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " أَلَمْ تَرَوْا إِلَى هَذَا، أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَرَجَوْتُ أَنْ تَفْطِنُوا لَهُ، فَتَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَتَصَدَّقْتُمْ فَأَعْطَيْتُهُ ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَطَرَحَ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، خُذْ ثَوْبَكَ، وَانْتَهَرَهُ " .
وسياق رواية الحميدي(758): ((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَاءَ رَجُلٌ وَهُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَصَلَّيْتَ» ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَلْقَى النَّاسُ ثِيَابًا، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى، جَاءَ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ، ثُمَّ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَلْقَوْا ثِيَابًا، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَتِ الْجُمُعَةُ الْأُخْرَى، جَاءَ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ» ، ثُمَّ حَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَأَلْقَوْا ثِيَابًا، فَطَرَحَ الرَّجُلُ أَحَدَ ثَوْبَيْهِ، فَصَاحَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالَ: «خُذْهُ، فَأَخَذَهُ» ، ثُمَّ قَالَ: " انْظُرُوا إِلَى هَذَا، جَاءَ تِلْكَ الْجُمُعَةَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ، فَأَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ، فَأَلْقَوْا ثِيَابًا، فَأَعْطَيْتُهُ مِنْهَا ثَوْبَيْنِ، فَلَمَّا جَاءَتْ هَذِهِ الْجُمُعَةُ أَمَرْتُ النَّاسَ بِالصَّدَقَةِ، فَأَلْقَى أَحَدَ ثَوْبَيْهِ،..)).
أقول: وفي هذا الحديث دلالة ظاهرة على مشروعية التسلسل لمن رأى قيام مقتضاه، وليس في الحديث ما يدل على تكرر كلمات النبي صلى الله عليه وسلم في الحث على الصدقة، وإنما فيه تكرير الحث على الصدقة، فهو تكرر في الجنس لا في التفصيل.
وقد يُعترض على هذا بأمرين:
الأول: أن هذه قضية عين لا عموم لها!
والثاني: أن هذا تكرر وليس بتسلسل!
والجواب على:
الأول: أن يقال: بأن المقرر في القواعد بأن ( العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب) وأن لا يصار إلى القطع بقضايا الأعيان إلا بتحقق القرائن الدالة على ذلك، وليس في هذا الحديث ما يدل على ذلك.
وأيضا: فإن انتفاء المانع على عدم المنع مما يقوي ذلك، فحيثما رأى الخطيب المصلحة في تكرار العظة أو تسلسلها في الجنس الواحد فلا حرج عليه، والأصل تحقيق منفعة المخاطَب فيما لم يحجر عليه الشرع من الوسائل-أو الأساليب- واسعا .
وأيضا: فهذه قضية عين بالنسبة للرجل، وأما بالنسبة لنوع لخطاب النبي صلى الله عليه وسلم -قولاً و فعلاً- فهي قضية تشريع، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد كرر الخطبة أو سلسل جنسها من أجل مصلحة عين واحدة فتكريرها وسلسلة جنسها من أجل عامة الناس، لاسيما؛ من أجل المصالح الدينية العظمى؛ كالعقائد والمسلمات من باب أولى.
الثاني: بأن يقال: بأن أقل التسلسل مرتان؛ لأنه أقل الجمع عند أهل التحقيق من العلماء، لأنه تكرير، وعليه؛ فالتعبير بالتسلسل أو التكرير من هذه الجهة بمعنى واحد.
وبيانه:
أن التكرير لنفس الخطبة وألفاظها وكلماتها وأدلتها نوع خارج عن اسم الخلاف الدائر، وهذا هو التكرير المحض، فإن قيل بأن النبي صلى الله عليه وسلم كرر تكريرا محضا فهذا الذي يجب أن يقوم له الدليل، وهو النوع الذي لعله محل الاعتراض على الاستدلال بالحديث-فيما يبدو-، فإن كان تكرير النبي صلى الله عليه وسلم تكريرا محضا-مع أن الحديث محتمل -وكذا ما بعده-؛ فهو حجة على المعترض! لأنه إذا جاز التكرير المحض من أجل قضية معينة جاز من باب أولى التكرير غير المحض-وهو التكرير في الجنس لا في التفصيل-، وما ذاك إلا لأن الأصل في الخطب التنويع لا التكرير، والتكرير-أعني المحض- عارض قد يشرع لمناسبة قام المقتضى على طلب تكرارها، والتكرير غير المحض يندرج تحت اسم التسلسل -بالمعنى الذي لم يستحسن- كما في ثنايا الفتيا.
وعليه؛ فإذا كان المراد: تكرير الجنس، فلا وجه لرده، والحديث صريح في مشروعيته، وإن كان المراد تكرير العين، فالحديث حجة في مشروعيته بدلالة الأولى، والله أعلم.
وقد يعترض على وجه الاستدلال بالحديث بأمر آخر-ثالث-؛ وهو أن يقال:
بأن الحديث إن سلم بأن فيه دلالة على مشروعية التسلسل؛ فإنما هذا كان على وجه قيام الحاجة إليه لا على وجه الاطلاق والعموم؟
والجواب على هذا-كذلك- أن يقال:
أولا: بأن العبرة ليست بنوع الحاجة، وهي بذاتها قد تكبر وقد تصغر، وإنما العبرة بنوع الفعل الذي وقع الترخيص فيه، فإذا جاز فعله جاز فعله في مثله أو في ما هو أولى منه، وكثير من الأفعال النبوية كان وقوعها قليلا ونادرا إلا أنها من التشريع المطلق الذي جرى عليه عمل الأمة.
وأيضا: فمن الانصاف في البحث؛ أن لابد من تكييف ماهية الحاجة التي يلجئ إليها التكرار أو التسلسل؛ حتى نستطيع معرفة المعتبر منها من الملغى.
لأنه قد يقال: بأن بعض الحاجيات الواقعية قد قام مقتضاها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يفعلها -وإن كنت لا أستطيع التمثيل على ذلك- إلا أن هذا الاعتراض إن صح عند المعترض جاز له إعماله مع لزوم بيان المثال على ذلك؛ إذ لا يصلح بدون ذلك!
وعليه؛ فلا وجه لهذا الاعتراض إذا لم يقم الدليل على مثاله -أولا-، وعلى صحة الاستدلال به -ثانيا-.
ولا بأس من الجواب على تقدير حاجتين، مع التنبيه ابتداءً على أن الحاجة يؤثر فيها الزمان -وكذا المكان-،-قبولا وردا، وسلبا وإيجابا، واعتبارا وإلغاءً-، وغير ذلك.
فالحاجة؛ إما أن تقدر خاصة أو عامة، أو مقيدة أو مطلقة.
فإن كانت الحاجة خاصة أو مقيدة وقام مقتضى فعلها، ففعلها النبي صلى الله عليه وسلم دل على جواز فعلها، وإن لم يفعلها فترك فعلها هو السنة، وهذا ما دل عليه الحديث على وفق التفصيل السابق.
وإن كانت الحاجة عامة أو مطلقة؛ فكذلك، ويمكن أن يمثل لها-تقديرا- بأزمات واقع الأمة العام، وما يتوالى عليها من نكبات، سواء في العقائد أم في الأحكام أم في الدنيويات والمعاشات، فهذا إن كان قام مقتضاه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسلسل الخطب كان ترك ذلك هو السنة -إن ثبت ذلك-، وإن لم يقم مقتضاه وقام فيمن بعد جاز فعل التسلسل احتجاجا بما سبق بدلالة الأولى.
هذا؛ وخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة إنما كانت في العهد المدني لا في المكي -فيما أعلم-، والواقع المدني في آخر عهد النبوة أقوى من بدايته، ومقتضى الحاجة في البداية قائم لا شك فيه، والدليل على فعل التسلسل أو تركه لا أعلم دليلا بإثباته أو نفيه، وأما العهد الأخير -وهو عهد القوة واستواء السنة والاسلام- فالحاجة ضعيفة وداعي التسلسل ضعيف بضعفها، هذا من جهة.
وبيانه من جهة أخرى؛ أن أثر الزمان على الخطبة في العهد النبوي الأنور غير أثره في هذا الزمان، فإلقاء الدروس والخطب والمواعظ كان ميسورا في العهد الأول على المنبر سواء يوم الجمعة أم غيره، وسواء في المسجد أم خارجه، وكان الناس يجتمعون وإلى خطب النبي صلى الله عليه وسلم يسرعون ويسعدون، وهذا بخلاف الواقع اليوم الذي تعسر فيه على العالم إلقاء دروسه ومواعظه فضلا عن خطبه، وصودر من بيوت الله -عز وجل- إلا من شاء الله! وكذا على الخطيب الذي لا يجلس إليه الناس إلا في يوم الجمعة -قسرا لا اختيارا-؛ لأجل الصلاة -في الغالب-! فهؤلاء إيصال الحاجيات المذكورة اليوم لعمومهم متعسر إلا في يوم الجمعة أو غيرها من المناسبات التي تجمعهم، ولذلك من رأى من الخطباء اختيار هذا المقام لتحقيق بعض الضروريات الدينية على وجه تسلسلي فلا حرج عليه في ذلك، والاعتراض عليه بعدم وجوده في العهد الأول ليس بمنضبط ولا بمتساوٍ؛ لأجل أثر الواقع المتباين -لمن تأمله-!
وعلى هذا؛ فلا يقال بأن قيام المقتضى من الفساد بين الزمن الأول في العهد النبوي والواقع المعاصر متشابه ولم يقم فعل التسلسل، فلا يفعل، وما ذاك إلا لتأثير الواقع في وسائل الدعوة بين أمس واليوم -من حيث استطاعتها وتمكينها-، سواء من جهة استطاعة المخاطِب أو قدرة المخاطَب-كما سبق بيانه- فافترقا!
وثانيا: فهذا الجواب كان على مجرد التسليم بأن التكرر كان للحاجة العينية، وإلا فما جاء في السياقات التامة للحديث أن التكرير أو التسلسل لم يكن للحاجة العينية -فحسب-! وإنما كان للحاجة المطلقة العامة-كذلك-، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حث على الصدقة في الخطبة الثانية أو الثالثة كان الرجل مكسيًا، ولم يكن حث النبي صلى الله عليه وسلم لأجله! وبدليل أنه لما ألقى أحد ثوبيه نهره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مبينا أنه ليس مقصودا بخطابه، ولو كان الخطاب مقصودا لأجله لكساه النبي صلى الله عليه وسلم مرة أخرى، فعلم بأن الخطاب المكرر بالأمر بالصدقة كان لمن كان في مثل حاله أو غير ذلك.
فالتسلسل كان للجنس المطلق ولم يكن جنسا مقيدا-فقط-! وكأنه كان من جملة خطبه صلى الله عليه وسلم.
وهذا الجواب الأخير يغني عما سبق، والله أعلم.
وأمر رابع قد يعترض به-أيضا-، فيقال:
بأن الكلام كان في بعض الخطبة لا في كلها! وأن هذا خارج عن موضع النزاع-الذي هو في أصل الخطبة-، وقد بوب النسائي على الحديث بقوله: (باب حث الإمام على الصدقة يوم الجمعة في خطبته)، فهذا يقتضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينشئ خطبا مكررة وإنما سلسل أو كرر لعارض في ثنايا الخطبة؟
والجواب على هذا من جنس السابق فأقول:
أولا: العبرة في المباحثة بذاتية التسلسل -لا بقليله أو كثيره-، فإذا ثبت ذاته لحقته مفرداته وأجزاؤه -قلَّت أم كثرت-.
مع التنبيه بأن التسلسل في حد ذاته وصف، وموضوع الخطبة ذات مستقلة ومرادة بذاتها.
فإن قيل بأن هذه المفردات أو الأجزاء مقيدة وليست بمطلقة؟
قيل: بأن هذا صحيح، وهي تابعة لذاتها، ولكن هذا إذا لم يكن في الباب غيرها!
وبيانه في:
ثانيا: أن هذا الوصف أو الجزء المقيد ببعض التسلسل في الخطبة قد جاء ما يشهد لمعناه، وهذا كخطبته صلى الله عليه وسلم بسورة (ق) كلها وتكريرها في كل جمعة، فكان الاعتراض تحصيل حاصل!
ولا يقال: بأن التسلسل أو التكرير جائز بالقرآن وحده (!) فهذا لا يكاد يقوله أحد!؟
ولازم هذا كذلك؛ ألا يتعدى هذه السورة بالتكرار-أيضا-؛ لعدم ثبوت غيرها عنه صلى الله عليه وسلم بذلك! ولا أظن أن مثبت التكرير بها يقول بهذا! فيلزمه على هذا أن يجري معنى التكرير في غيرها مما ورد بها كإجرائه معنى تكرير غيرها من القرآن دون الجمود عليها، وهذا لا مناص منه؛ إذ التسلسل أو التكرير في إذا ثبت في الذات ثبت في الصفات، والأساليب لا تخرج عن الأوصاف، ولما كان هذا الأمر هو المقرر في فهم الأصحاب؛ فإنه قد ثبت عنهم التكرار بغير هذه السورة وبغير القرآن وحده.
فالتسلسل أو التكرير كالوعاء لما يوعظ به سواء كان قرآنا -تاما- أم كان مع سنة وبيان، وليسا هما ذات الوعظ، ولذلك لو استبدل الخطيب تكرير سورة (ق) بغيرها من العظة لكان مصيبا؛ لأن الغاية هي الوعظ والتذكير، فقد يبالغ الخطيب الوعظ وبالتكرار أو التسلسل زيادة على ذات الوعظ وقد يترك ذلك تبعا لما توجبه المصالح وحاجيات المقاصد.
ثالثا: و-أيضا-: فإن القائل بالبعض مطالب ببيان مقداره؛ هل هو الربع؟ أم الثلث؟ أم النصف؟ أم أقل أم أكثر؟ فإن اللفظ مطلق-عند التأمل- قد يصدق على أي قدر من ذلك، وإذا لم يكن! فإذا قدر بالربع فلماذا لا يكون بالثلث؟ ولا حتى بالنصف؟ وهكذا..
فالرجل دخل والنبي صلى الله عليه وسلم، فقد يكون دخوله في أول الخطبة، وقد يكون في وسطها، وقد يكون في آخرها.
وإذا لم نستطيع القطع؛ فهل نستطيع الانكار على من كان يسلسل نصف الخطبة أو يكررها؟!
هذا؛ مع لزوم فهمه مع حقيقة خطبته -عليه الصلاة والسلام-، فعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ السُّوَائِيِّ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُطِيلُ الْمَوْعِظَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، إِنَّمَا هُنَّ كَلِمَاتٌ يَسِيرَاتٌ»، أخرجه أبوداود(1107) بإسناد حسن.
وفي حديث عمار بن ياسر في "صحيح مسم"( 869) قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ، وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ، مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا» .
فهذان الحديثان يبينان لنا المقدار التقريبي في حث النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الصدقة، والله أعلم.
والمقصود؛ أن الأصل ما يقال في بعض الخطبة يقال في كلها، والمفرق ما بين البعض والكل في هذه الجزئية مطالب بالدليل، لاسيما وهذا البعض يشهد له الكل في التكرير والتسلسل!
رابعا: وإذا كان جائز تخصيص بعض الجمعة ببعض الخطاب للحاجة تعرض ويكررها أو يسلسلها؛ فما بالها تمنع في الخطبة جميعها، ويذم التسلسل فيها ما دام ذلك مناطا بالحاجة -على غض النظر عن طولها أو قصرها-؟!
وهذه الجوابات كلها بناء على الجواب على الاعتراض السابق، وهو أن حث النبي صلى الله عليه وسلم على الصدقة في الخطبة الثانية أو الثالثة لم يكن لأجل هذا الرجل -كما سبق-.
مع التنبيه : بأن رواية يحي القطان عن ابن عجلان فيها اجمال بينته رواية ابن عيينة، فلا متعلق فيه لأحد؛ بأن التكرار كان في مجلس واحد! ولا وجه لإعلال الرواية بالاضطراب-لمن خالها كذلك-، ولست الآن في صدد بيان ذلك؛ لضيق المقام.
والحديث قد حسنه المناوي والألباني وصححه ابن حبان وابن خزيمة والحاكم والذهبي وعبد الحق والأثرم في "الناسخ والمنسوخ"(4 / 621 -البدر المنير) وقال الترمذي: حديث حسن صحيِح.
تذييل: في الحديث فوائد أخرى؛ منها: أنه رد على المالكية -كابن العربي وغيره- الذين ردوا لزوم تحية المسجد والإمام يخطب بعلة أن سليكا الغطفاني أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتحية المسجد لكي يراه الناس ويتفطنوا لفقره وحاجته! فحديث سليك الذي في صحيح مسلم وإن لم يكن فيه هذا التعليل الباطل! فإن هذا الحديث له متعلق بما قالوا من جهة الأصل ورد عليهم من جهة التفصيل؛ فالأمر بتحية المسجد لم يكن من أجل اظهار هيأته، ودليل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في الخطبة الأولى حث على الصدقة لما انقطع رجاؤه من التصدق عليه، بدليل سياق رواية النسائي الثانية وفيها "أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ بِهَيْئَةٍ بَذَّةٍ فَرَجَوْتُ أَنْ تَفْطِنُوا لَهُ، فَتَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ تَفْعَلُوا، فَقُلْتُ: تَصَدَّقُوا، فَتَصَدَّقْتُمْ"، ففيه أن رجاء التفطن كان لأجل ذات الهيئة لا بالتسبب بالصلاة ركعتين، فهي علة نصية بخلاف الأخرى فهي استنباطية! وإذا اقترن مع النصية صراحة حديث سليك دل على بطلان الاستنباطية( 1).
ومنها: الخطبة من أجل الأمر العارض، وجواز تخصيص الخطبة-أو بعضها- أحيانا بقضايا الأعيان، وموافقة الخطبة للواقع، ومشروعية أمر الخطيب ونهيه حال الخطبة، وأن صاحب الحاجة المفتقر اليها أولى بها من غيره، والأفضل في التصدق بما فضل وزاد -تأكيدا أو وجوبا-، وأن الخطاب من العموم المخصوص، وأن الشريعة معللة، وأن الشرع لا يأمر بالشيء ثم ينهى عنه، ومنها دفع النبي صلى الله عليه وسلم للتعارض الذي يطرأ على الأذهان في خطابه، ومنها التعاون على الخير ورحمة الفقير والتفطن لأهل الحاجة، وفطنة النبي صلى الله عليه وسلم وفراسته ، ومنها عزوب الفطنة والفهم والفائدة وخصلة الخير على الأكثر، ومنها عدم كسر نفوس الفقراء حال ارادة التصدق عليهم زيادة على انكسارهم بالفقر والحاجة، ومنها الخطاب بالإشارة، ومنها فضل هذا الرجل وزكاة نفسه وامتثاله لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة مع حاجته، وجواز التصدق في المسجد، وقال العيني في "نخب الأفكار"(6 / 26):" ومما يستفاد منه: كراهة صدقة المحتاج، وأنها لا تستحب إلا عن ظهر غني، واستحباب الصدقة يوم الجمعة على المحتاجين من الكسوة والطعام ونحوهما ".
أقول: وفيه استحباب الحث على الصدقة يوم الجمعة؛ لأنها عيد، وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم الحث على الصدقة يوم العيد، كما في صدقة الفطر وأضاحي الأضحى، وحثه النساء على الصدقة يوم العيد، وقد بوب له ابن خزيمة بقوله: (بَابُ أَمْرِ الْإِمَامِ النَّاسَ فِي خُطْبَةِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِالصَّدَقَةِ، إِذَا رَأَى حَاجَةً، وَفَقْرًا)، وبوب له الضياء في "السنن" (باب الأمر بالصدقة يوم الجمعة).
وقال ابن حبان في "الصحيح"(6 / 251):" وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا أَخْرَجَ شَيْئًا لِلصَّدَقَةِ فَمَا لَمْ يَقَعْ فِي يَدِ الْمُتَصَدَّقِ بِهِ عَلَيْهِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ إِلَّا عِنْدَ الْفَضْلِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّنْ يَقُوتُهُ. "،
أقول: وفيه غير ذلك كثير.
2 - عَنْ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْمَعَافِرِيِّ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ قَالَ: خَطَبَنَا مُعَاوِيَةُ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ فَقَالَ: إِنَّمَا الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ شِئْنَا أَعْطَيْنَا , وَمَنْ شِئْنَا مَنَعْنَا، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّانِيَةُ، قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الْجُمُعَةُ الثَّالِثَةُ، قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: كَلَّا , بَلِ الْمَالُ مَالُنَا وَالْفَيْءُ فَيْئُنَا، مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ حَاكَمْنَاهُ بِأَسْيَافِنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَمَرَ بِالرَّجُلِ , فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، ثُمَّ أَذِنَ لِلنَّاسِ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ , إِنِّي تَكَلَّمْتُ فِي أَوَّلِ جُمُعَةٍ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، وَفِي الثَّانِيَةِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ أَحَدٌ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ أَحْيَانِي هَذَا أَحْيَاهُ اللَّهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يَتَكَلَّمُونَ , فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، يَتَقَاحَمُونَ فِي النَّارِ تَقَاحُمَ الْقِرَدَةِ»، فَخَشِيتُ أَنْ يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَدَّ هَذَا عَلَيَّ أَحْيَانِي , أَحْيَاهُ اللَّهُ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا يَجْعَلَنِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ.
أخرجه أبو يعلى في " مسنده " (4 / 1779) وحسنه العلامة الألباني في "السلسلة الصحيحة"(1790).
وفي هذا الحديث دليل على نوع آخر من أنواع التسلسل، وهو تسلسل العين، ففيه أن معاوية -رضي الله عنه- كرر مقالته أو خطبته ثلاث مرات بدليل قول الراوي:" قَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ "، والمراد بمقالته بعض من خطبته، وقد يكون تكرر عين المقالة أو الحرف تابع لتكرر جنس الخطبة وقد لا.
والمهم؛ أن تكرر العين جائز للحاجة ولتأكيد البيان، سواء كانت مفردة ؛كالحديث الآتي، أم كانت متصلة بجنس اتصلت بمعناه أو لا-كما في هذا الحديث.
وهذا التكرر تسلسل في اللفظ، والحديث السابق تسلسل في المعنى أو الجنس -وقد يحتمل اللفظية-، والآتي قد يحتملهما-كما سيأتي بيانه-.
والمقصود؛ أن هذا الحديث حجة في التسلسل، وهو وإن كان في اللفظ فهو في المعنى من باب أولى؛ لأن الاشكال في التجانس فإذا صح التماثل تبعه ما هو دونه-لمن دقق النظر وأرجع البصر-!
تذييل: ومن فوائد هذا الحديث: أنه أصل في الرد على المخالف أيًا كان، وذم من غضب على من رد عليه، وذم من رد الحق إذا ما أوقفه عليه من هو دونه، ووجوب النصيحة لأولياء الأمور، وإحسان الظن بهم، وإكرام النصَحَة وتوقيرهم، وذهول الأكثر عن الحق وعدم معرفتهم به، وفضيلة الرجوع إلى الحق، وفضيلة من سخر الله تعالى له من يرده الى الحق، وفضيلة معاوية -رضي الله عنه-، و وجوب التثبت في الكلام، وتحريم الكلام الباطل، وتحريم السكوت عن الحق، و وجوب تغيير المنكر، وذم من تكرر عليه المنكر فلم يغيره، والصدع بكلمة الحق وفضلها، وظهور علم من أعلام نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وجواز امتحان الحاكم لرعيته، والعالم لطلبته، و وعيد من توعد الناس عند رد كلامه، ومن هابه الناس من رد بعض مقاله، وفي التشبيه بالقردة قال المناوي في "فيض القدير"(4 / 132):" قال بعضهم : إذا اتصف القلب بالمكر والخديعة والفسق وانصبغ بذلك صبغة تامة صار صاحبه على خلق الحيوان الموصوف بذلك من القردة والخنازير وغيرهما ثم لا يزال يتزايد ذلك الوصف فيه حتى يبدو على صفحات وجهه بدوا خفيا ثم يقوى ويتزايد حتى يصير ظاهرا جليا عند من له فراسة فيرى على صور الناس مسخا من صور الحيوانات التي تخلقوا بأخلاقها باطنا فقل أن ترى محتالا مكارا مخادعا إلا على وجهه مسخة قرد وأن ترى شرها نهما إلا على وجهه مسخة كلب فالظاهر مرتبط بالباطن أتم ارتباط. "، وفيه غير ذلك..








( 1) وأما ما ذكره ابن الملقن من سياق ابن الأثرم قال: وَفِي (رِوَايَته) : «إِنَّمَا أَمرته أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ حَتَّى (تتفطنوا) لَهُ فتصدقوا عَلَيْهِ» فلا إخاله يصح! لمخالفته سائر روايات الحديث وطرقه!
ومع ذلك؛ فعلى فرضية ثبوته فلا يضر رواية سليك التي فيها الأمر بتحية المسجد عموما، والله أعلم.



__________________
وما من كاتبٍ إلا سيفنى *** ويَبقَى الدَّهرَ ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بخطك غير شيءٍ *** يَسُرّك في القيامة أن تراهُ
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 09-29-2016, 04:09 PM
طالب نجاة طالب نجاة غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Sep 2016
الدولة: الجزائر
المشاركات: 11
افتراضي

3 - عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الهُدَيْرِ التَّيْمِيِّ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَكَانَ رَبِيعَةُ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، عَمَّا حَضَرَ رَبِيعَةُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ».
أخرجه البخاري في "صحيحه"(1077) وغيره، وهو في "الموطأ"(701) من طريق آخر بنحوه.
قال الحافظ ابن رجب في كتابه " فتح الباري"(5 / 490):" وفي القراءة في الخطبة أحاديث كثيرةٌ ( 1).
وروى ابن لهيعة : حدثني أبو صخر - وهو : حميد بن زياد - ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر ، أن النبي ( لم يكن يدع قراءة سورة الأعراف في كل جمعةٍ )!
خرّجه ابن عدي .
فإن كان هذا محفوظاً فلعله كان يواظب على ذلك؛ لما فيها من قوله: ( وَإِذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) [الأعراف: 204] فيكون مقصوده: الأمر بالاستماع والانصات للخطبة والموعظة.
وقد قال الإمام أحمد : أجمعوا أن هذه الآية نزلت في الصلاة ، وفي الخطبة .
وكان عثمان بن عفان -رضي الله عنه- يأمر في خطبته بالإنصات؛ ولهذا اعتاد الناس في هذه الأزمان أن يذكروا قبل الخطبة بين يدي الخطيب بصوت عال يسمع الناس حديث أبي هريرة في الأمر بالإنصات".
أقول: أما حديث ابن لهيعة فضعيف، وفي حديث الفاروق غنية، والظاهر أن الفاروق كرر السورة من بدايتها حتى انتهى إلى السجدة، وفي هذا دليل على جواز تطويل الخطبة أحيانا، وهذا الحديث حجة في التسلسل في العين الواحدة، وهو في الجنس أولى.
ويمكن أن يقال: بأن هذا بالقرآن خاصة! وليس بصحيح، ويكفي في رده ما سبق من الأدلة، وأيضا: فإن العبرة بالوعظ والتذكير، فيمكن أن يقال بأنه لو لم يكن مشروعا التكرير لوعظ الفاروق بغير سورة الأعراف؛ إذ كان القرآن كله عظة وعبرة، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعظ بسورة (ق) ويكررها في الجمع.
4 - فأخرج مسلم (872)عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُخْتٍ لِعَمْرَةَ، قَالَتْ: «أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَهُوَ يَقْرَأُ بِهَا عَلَى الْمِنْبَرِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ».
وأخرج (873) عَنْ بِنْتٍ لِحَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَتْ: «مَا حَفِظْتُ ق، إِلَّا مِنْ فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَخْطُبُ بِهَا كُلَّ جُمُعَةٍ».
وفي رواية قَالَتْ: «لَقَدْ كَانَ تَنُّورُنَا وَتَنُّورُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدًا، سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ سَنَةٍ، وَمَا أَخَذْتُ ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقْرَؤُهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، إِذَا خَطَبَ النَّاسَ».
وفي سياق البيهقي قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ مَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى بُيُوتِنَا وَإِنَّ تَنُّورَنَا وَتَنُّورَهُ وَاحِدٌ سَنَتَيْنِ أَوْ سَنَةً وَبَعْضَ أُخْرَى وَمَا أَخَذْتُ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إِلاَّ عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقْرَأُ بِهَا كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى النَّاسِ إِذَا خَطَبَهُمْ.
قال البيهقي: وَأُمُّ هِشَامٍ بِنْتُ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ هِيَ أُخْتُ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لأُمِّهَا.
وفي هذا الحديث دليل على أن التكرير مقصود ومتعمد؛ إذ كان أسلوبا من أساليب الترسيخ والتقرير، والتعليم والبيان والتفهيم، وهذ من تسلسل اللفظ والمعنى، فألفاظ السورة جنس في الترهيب والترغيب أو في أحوال الآخرة، وإذا كان هذا مشروعا فغيره في تسلسل المعنى من باب أولى، والقصد من الخطبة التذكير والوعظ، وقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لها أحسن الوعظ بأحسن الكلام؛ إذ أن أحسن الكلام كلام الله تعالى، كما في تقدمة الخطبة النبوية، وليس لأحد أن يقول بأن التسلسل ههنا مخصوص بألفاظ القرآن فإن كان بالقرآن وإلا منع! فإن هذا لا يقوله أحد فهم تعليل الشريعة وحكمها وعقل أدلتها ومقاصدها، فقراءة القرآن ههنا قد خرجت مخرج الخطابة زيادة على التعبد المحض -لا مخرج التعبد المحض-،(2 ) ولله أعلم.
وقد قال المغربي في "البدر التمام"(3 / 421) وهو في مختصره "سبل السلام"(2 / 50) للصنعاني، ونقله الشيخ الألباني في "الأجوبة النافعة"( ص 102 ):" وفيه دليل على مشروعية قراءة سورة أو بعضها في الخطبة كل جمعة. وكان محافظته صلى الله عليه وسلم على هذه السورة اختيارا منه لما هو أحسن في الوعظ والتذكير، وفيه دلالة على ترديد الوعظ في الخطبة".
أقول: ولا شك أنهما اختياران؛ اختيار لأحسن الوعظ، واختيار لتكرير وترديده لأبلغ الوعظ، كما سيأتي توضيحه في محله، والله أعلم.
ويؤخذ من هذا مشروعية التكرار للحاجة زيادة على معنى التسلسل.
والفرق ما بين التسلسل والتكرار -كما سبق- هو: أن التكرار تسلسل في الأعيان بخلاف التسلسل فلا يقتضي التكرار إلا في الأجناس، فتكرير النبي صلى الله عليه وسلم لهذه السورة كل جمعة تسلسل لفظي-وإن أخذ صورة التكرار-، وهو حجة في اطلاق التسلسل على الخطابة، وإذا قد شرع الأثقل شرع الأخف-وهو المعنى-، وإذا رخص في اللفظ تبعه المعنى؛ إذ كانت الألفاظ أوعية المعاني.
وسبب أخذ التكرار لاسم التسلسل في هذه الصورة؛ هو-والله أعلم-: أن التسلسل إذا كان تام الاتصال حكم بالاسم للتكرار، وتمامه باتحاد الالفاظ والمعاني، وإذا قصر اتصاله حكم بالاسم للتسلسل بحسب القصور، وأدناه الاتصال بالمعنى، فإذا انقطع المعنى كان تكررا محضا.
مع التنبيه-مرة ثانية-: أنه يصح اطلاق التسلسل على التكرار-باعتبار تماثل الأعيان -التي هي الألفاظ-، ويصح اطلاق التكرار على التسلسل-باعتبار اتحاد الأصل-الذي هو المعنى-؛ لاشتباه الأفراد، وهذا ما حوله ندندن!
وقد تقرر بأن ما ثبت فيه التكرار ثبت فيه التسلسل، وليس كل ما ثبت فيه التسلسل ثبت فيه التكرار.
وأن التسلسل قسمان: تسلسل في الجنس، وتسلسل في العين.
فالتسلسل في الجنس: كالكلام على العقائد أو الأحكام أو الفتن وأشراط الساعة أو السير أو الحقوق، فكل هذه أجناس.
والتسلسل في العين: كالكلام على الطيرة أو التبرك أو التوسل أو على الدجال أو المهدي أو الوضوء أو الغسل أو زيارة القبور أو غزوة كذا أو كذا أو غير ذلك.
علما أن -بعضا- من هذا النوع قد يلحق بالأجناس إذا ما زيد في التفرع فيها؛ فيكون مشبها بها.
وهذا في ما نحن بصدده، وإلا التسلسل في اصطلاح الإسناد ولغته يقتضي الانقطاع في الغالب، وهذا قد يقتضيه في النادر، والله أعلم.
فالتسلسل قد يكون في الأجناس وقد يكون في الأعيان، وقد يكونان( 3) في اليوم وقد يكونان في أيام.
وقد كنت ذكرت: أن هذا النوع جائز بشرط في أحد نوعيه، فأقول:
تسلسل العين؛ إما أن يكون متصلا أو منفصلا،
أ - فالمنفصل -أو المنقطع-: لا إشكال في جوازه، بل هو الأصل في خطب النبي صلى الله عليه وسلم، وله صورتان:
الأولى: أن يكون مطلقا؛ كأن تكون الخطبة اليوم في الإحسان، والقادمة في أحكام صلاة الجنازة أو الجمعة، والأخرى في أمر عارض أو نازل، وهكذا..
الثانية: أن يكون مقيدا؛ بمعنى: أن يكون تحت تسلسل عام يجمعه المعنى، وهذا كأن تكون السلسلة حول التوحيد؛ فالخطبة الأولى في فضل التوحيد، والثانية في أهميته، والثالثة في تفسيره، والرابعة وما بعدها في بعض معالمه وهكذا، بحيث تكون هذه الأعيان منفصلة غير متصلة بعضها ببعض لا يجمعها إلا الاسم العام وهو التوحيد، ولا يحتاج الخطيب أن يربط بين أعيانها أو مفرداتها.
فهاتان الصورتان -في المنقطع- لا إشكال فيهما، ولكن يشترط في الثانية عدم التقيد بالتسلسل والتزامه إذا ما عرض عارض أو نزلت نازلة كان الواجب يقضي بالكلام عليها، وكما ذكرت: أن غاية التسلسل المشروعية، وأدنى مراتب ترك الحاجة الكراهة -لوكادتها-، ولا شك أنها مقدمة على مطلق التشريع.
ب - وأما المتصل؛ وهو الذي دندن عليه فضيلة الشيخ، وهو الذي انصب عليه كلام فضيلته مع خطأ تصوير مثاله ومزجه بتسلسل الجنس-كما ستأتي بعض عباراته-، وصورته -أعني: في الأعيان-: كأن يكون الكلام على الطيرة أو الذبح لغير الله، القبض في الصلاة، أو الدابة، أو الدجال، أو أي فرع من فروع العقائد أو الأحكام، فلا يسعه الكلام عليه في خطبة واحدة، فيشرع له الكلام عليه مسلسلا فيما يقدره له، ودليل مشروعية ذلك دليل مشروعية تسلسل الجنس؛ إذ كان فرعا عنه، ولكن هذا يشرع بشرط أن يكون الكلام على موضوع الفرع مترابطا؛ بحيث إذا كانت الخطبة القابلة استقبلها بمقدمة يربطها بآخرها، حتى لا ينفصل فهم المخاطب، وتكون له ذكرى بما قد خوطب من قبل، وأعني بالشرطية شرطية الاستحباب لا شرطية الصحة.
وهذا على التسليم بأن الخطيب لا يستطيع الفصل ما بين حلقات الفرع، وإلا فإذا استطاع -وغالب الظن أن ذلك مستطاع- فهو في سعة من أمره، ويلحق حكمه بالنوع الأول المنقطع، فلا يشترط له إلا ما اشترط في الأول.
ومثال ذلك: الكلام على الدجال فرع من الفروع أو عين من الأعيان، فيستطيع الخطيب أن يتكلم في خطبة على اسمه وصفته، وفي أخرى على زمان ومكان خروجه، وهكذا فيمكن فصل كل مبحث عن الآخر، والكل داخل تحت إطار العين الواحدة وتسلسلها.
وهذا النوع من الفروع هو الذي قد ذكرت بأنه يمكن أن يلحق إلى الأجناس، لكن يكون في أدناها لا في أعلاها.
وأزيد ههنا أمرا آخر؛ وهو: أن شدة اتصال الأعيان بعضها ببعض إنما يكمن -بالجملة- عند سرد الأخبار الطوال، أو عند توسع الخطيب في تفسير آية من الآيات أو شرح حديث من الأحاديث-وإن لم يبلغ قامة الطوال-، فهذا النوع هو الذي يتأكد ويحبذ فيه الربط مع غيره، والله أعلم.
أما الشطر الثاني من كلام فضيلته- فخارج عن نطاق المباحثة، وأما الأول فتعميم قول واحد فيه فمجازفة!
ومما يخرج من المباحثة كذلك تسلسلان:
1 - تسلسل الحاجيات ومقتضى المقامات الكونية -في غير المناسبات-؛ فللحاجيات والضرورات أحكامها، وهذا قد يخرج على أصل: النادر لا حكم له، ولكل مقام مقال.
2 - تسلسل المناسبات الشرعية؛ كحلول رمضان أو موسم يخرج الناس فيه زكاة أموالهم أو أيام فاضلة كعاشوراء أو عرفة أو غير ذلك.
وقد يحتج للأول بقاعدة: (عدم جوز تأخير البيان عن وقت الحاجة)، وخير من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكرا فليغيره..." الحديث.
وقد يحتج للثاني: بخطب النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة ويوم النحر وخصها بأحكام الحاج والنحر، وكخص النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة ببعض أحكامها.
3 - تسلسل راتب طوال السنة، أو تسلسل التسلسل، فما إن ينتهي من جنس حتى يلج جنسا آخر! فهذا الذي يمكن القطع بعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الذي يمكن أن يقوم عدم ثبوته مقام الدليل الثابت النافي لثبوته، وهذا الذي يوافق الشيخ في عدم استحسانه، اللهم؛ إلا خطبة الحاجة فهي مستثناة من ذلك، وتسلسلها-وإن كان راتبا- فهي ليست من تسلسل التسلسل، وهي من جنس النوع الآتي.
وهذا النوع-أعني: تسلسل التسلسل- طوال السنة ليس من السنة في شيء! اللهم؛ إلا إذا ألجأت إليه الحاجة؛ فيكون من الترخيص في الحاجيات، ولا يكون دهريا؛ لأن الحاجة يبعد أن تكون -كذلك- في الغالب!
وإنما قلت: أنه ليس من السنة؛ لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم للتسلسل أو التكرار إنما كان في النادر، ولم يكن في الأغلب، سواء كان ذلك للحاجة -كما في الحث على الزكاة-، أم كان للتقرير والتعليم -كما في قراءة سورة (ق)-، والتقرير-وإن كان حاجة في نفسه- إلا أن الحاجة؛ كالحث على الزكاة، إنما هي من جنس الضروريات، بخلاف الحاجة الأخرى-التي هي من جنس المستحبات أو المباحات- فافترقا!
وفي كتاب "الشامل في فقه الخطيب والخطبة"(ص 194 - 195) قال فضيلة الشيخ الشريم تحت باب ( مراعاة الخطيب المقتضى الحال في الخطبة) :
" الأولى للخطيب أن يراعي في خطبته مقتضى الحال التي يعيشها الناس ، فلا تكون خطبته بعيدة عن واقعهم ، وما يحتاجون إليه في النصح والتوجيه ، أو أن تغلب الرتابة والتكرار في معظم الخطب . وهذا أمر معلوم من سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
فقد تحدث ابن القيم رحمه الله عن حال النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته حيث قال : "وكان يأمرهم بمقتضى الحال في خطبته ، فإذا رأى منهم ذا فاقة وحاجة أمرهم بالصدقة وحضهم عليها" .
وقال -أيضاً- في موضع آخر : "وكان يخطب في كل وقت بما تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم " اهـ. (540) انظر : زاد المعاد ( 1/ 189 ، 428 ).
وفي اجابة للجنة الدائمة عن بعض الأسئلة الواردة قولها:" لا يشترط في صحة صلاة الجمعة أن تكون الخطبة طويلة ، ولا يشترط أيضاً في صحتها أن يكون لكل جمعة خطبة ، بل يجوز أن تتكرر خطبة واحدة لصلوات جمع ، ولكن الأحسن أن يجدد الخطيب الخطبة بقدر ما تيسر له ذلك؛ لما في ذلك من زيادة العلم والتشويق وقوة التأثير والبعد عن الملل والسآمة " انظر: "فتاوى اللجنة" ( 8 / 238 ) . ( 1611) اهـ .
أقول: وهذا هو الأصل؛ أن يغلب المرء السنة التي غلبها النبي صلى الله عليه وسلم ويعمل بها أحيانا كما عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا.
4 - تسلسل راتب طوال السنة، ولكن في موضوع عام واحد؛ كالتوحيد أو أشراط الساعة أو غير ذلك، وليس هذا كذلك من السنة، والقول فيه من جنس القول في سابقه، ولكن إذا دعت إليه الحاجة وألجأت إليه الضرورة كان إلى الجواز أقرب، والله أعلم.
وأما الدليل:
5 - عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ:
" عَسَى رَجُلٌ تَحْضُرُهُ الْجُمُعَةَ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ "، ثُمَّ قَالَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّانِيَةِ: " عَسَى رَجُلٌ يَحْضُرُهُ الْجُمُعَةَ وَهُوَ عَلَى قَدْرِ مِيلَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ "، ثُمَّ قَالَ فِي الْجُمُعَةِ الثَّالِثَةِ: " عَسَى رَجُلٌ يَكُونُ عَلَى قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْمَدِينَةِ لَا يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ فَيَطْبَعُ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ " .
أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان"(4 / 422 / 2752)، وأبو يعلى في "المسند"( 2198) من طريق سُفْيَانُ بن وكيع حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ عِيسَى الرَّقَاشِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، به .
وإسناده ضعيف؛ لأجل ابن وكيع، والفضل الرقاشي، وحسنه لغيره الشيخ الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب"(1 / 453).
و هذا الحديث -إن ثبت بهذا التفصيل-؛ ففيه دلالة على تخصيص الخطيب الخطبة بما يخص أحكام الجمعة.
وهذا تسلسل في بعض فروع العين، وقد يكون في العين أو في الجنس، والله أعلم.
وأفاد أخونا عمر-وفقه الله-تعليقا على الحديث قوله:
" وها هنا فائدة : وهو الحديث في نفس الموضوع، و تغير في المسافة التي حذر فيها عن التخلف، و هذا يرد على دعوى أن الحديث في موضوع واحد يترتب عنه التقطع، فلم يراع نبينا ذلك، ذلك أن المقصود التبليغ، ولذلك قال صلى الله عليه و سلم -وليبلغ الشاهد الغائب-
فغياب عشرة من ألف ماذا يؤثر!؟ والله أعلم ".
أقول: ومسألة التقطع أحد أكبر العلل التي أعل بها التسلسل بعد مسألة قيام المقتضي، وسيأتي الجواب عليها-بإذن الله تعالى-.






( 1) وقد روى الإمام ابن المنذر في "الأوسط" والبيهقي في "السنن الكبرى" جملة من الأخبار عن السلف في ذلك.
( 2) ولكن؛ هل كل القرآن يوعظ به؟ فقد جاء سؤال عن خطيب كرر قراءة الفاتحة مرتين في صلاة العيد أو الجمعة فما الحكم ؟
أجابت اللجنة الدائمة بما نصه : "لا يجوز القصد إلى تكرار قراءة الفاتحة مرتين لا في صلاة الجمعة أو العيد ، ولا في غيرهما من الصلوات ، لعدم ورود ذلك عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : (( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد )) متفق على صحته . ولكن الصلاة صحيحة ، وينبغي نصحه بترك ذلك حتى لا يعود إليه في صلاة أخرى" انظر: فتاوى اللجنة ( 8 / 276 ) (1612) اهـ.
أقول: ولعل مأخذهم بالمنع؛ هو: أن سورة الفاتحة أعظم سورة في القرآن وقد قام مقتضى فعلها ولم يفعلها -عليه الصلاة والسلام- جانحا إلى ما هو دونها في الوعظ، ولم يلتفت إلى أعظميتها؛ فكان ترك قراءتها في الخطبة هو السنة، وقد يكون ترك النبي صلى الله عليه وسلم لها لأجل كثرة تردادها في القراءة حال الصلاة، وقد يقال بأن النبي صلى الله عليه وسلم التفت إلى الأبلغ في العظة والتذكير والترقيق، وليس ذلك في سورة الفاتحة؛ لفم يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأعظم وإنما إلى الأبلغ تذكرة ووعظا وأكثر تفصيلا وفي النفوس إيقاعا، وهذا في الفاتحة لا يؤخذ إلا بشدة تدبر، والله أعلم.
وبالجملة؛ فإفتاء اللجنة موفق، والله أعلم.
( 3)أي: مع التكرير.
__________________
وما من كاتبٍ إلا سيفنى *** ويَبقَى الدَّهرَ ما كتبت يداهُ
فلا تكتب بخطك غير شيءٍ *** يَسُرّك في القيامة أن تراهُ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:41 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2019, Jelsoft Enterprises Ltd.