أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
51333 68139

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منبر الموسوعات العلمية > قسم الأشرطة المفرغة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-12-2010, 01:00 AM
الصورة الرمزية عمر الخالدي
عمر الخالدي عمر الخالدي غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 5,947
افتراضي شرح الواجبات المتحتمات المعرفة على كل مسلم ومسلمة / الشيخ إبراهيم الرحيلي




بسم الله الرحمن الرحيم

شـــرح
الواجِباتُ المُتَحَتِّمات المَعرِفةِ
علَى كُلِّ مُسلمٍ ومُسلِمةٍ

تأليف شَيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهَّاب -رحمهُ الله-
شرح فضيلة الشَّيخ إبراهيم الرُّحيلي -حفظه الله-

من تفريغ/
الأخ: محمد بن عماد نوفل
والمشرفة: أم زيد
-جزاهما الله خيرا-


__________________

To view links or images in signatures your post count must be 10 or greater. You currently have 0 posts.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 07-14-2010, 03:55 PM
محمد نوفل محمد نوفل غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 324
Post تفريغ الشريط الأول

تفريغ الشريط الأول

إِنّ الحمدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إليه، ونَعُوذُ باللهِ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا، ومِن سَيِّئاتِ أعْمالِنا، مَن يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَن يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ. وأشْهَدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أنّ نَبِيَّنا محمّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسَلِّمْ وبَارِكْ على عَبْدِكَ ورَسُولِكَ محمّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
أمّا بعدُ:
فإنّ طلبَ العِلْمِ وتَلَقِّيَهُ عن أهْلِهِ مِنَ الضّابِطينَ له هو أفْضَلُ ما اشْتَغَلَ بِهِ المسلمُ؛ وذلك أنّ العملَ الصحيحَ المقبولَ عندَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- مدارُهُ على العِلمِ الصحيحِ المبنيِّ على الفهمِ الصحيحِ للأدلةِ مِن كتابِ اللهِ ومِن سُنّةِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-.
ومِنَ العلماءِ الضابطينَ الذين شَهِدَتْ لهمُ الأُمَّةُ بالضبطِ والفهمِ والتوفيقِ: الإمامُ المجدِّدُ شيخُ الإسلامِ محمدُ بنُ عبدِ الوهّابِ -رحِمَهُ اللهُ تعالى-. هذا الإمامُ الّذي أمْضَى حياتَه في طلبِ العِلمِ -أوّلًا- وتَلَقِّيهِ عَنِ الأشياخِ، ثُم قيامِهِ بالدَّعْوَةِ إلى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- على منهجِ السلفِ الصالحِ = كانَتْ لَهُ غَيرةٌ عظيمةٌ على هذا الدِّينِ. ولِهذا؛ قامَ بهذه الدعوةِ المباركةِ التي لم يُقْدِمْ عليها كِبارُ العُلَماءِ في عَصْرِهِ؛ لِكثرةِ ما انتشرَ مِنَ البدعِ والضلالاتِ والشِّرْكِ الأكبرِ، ورُجوعِ الناسِ إلى الشِّركِ في هذه الجزيرةِ وفي خارِجِها.. فقامَ بدعوتِهِ المباركةِ، وقامَ بِنُصْرَةِ العقيدةِ الصّحيحةِ -بِنُصْرَةِ التَّوْحِيدِ-.
وقد وفَّقَهُ اللهُ لِقِيامِ دَعْوَتِهِ على هَدْيِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- بأنْ بَدَأَ بالتوحيدِ كما بدأ النبي -صلّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- دعوتَهُ بالتوحيدِ؛ فكانَ أنْ وُفِّقَ في النَّظَرِ في حالِ العَصْرِ وما هم عليه مِن حاجَتِهِم إلى التوحيد، وحُسنِ تنزيلِهِ للحُكْمِ الصَّحِيحِ المناسب لِحالِهم بِأَنْ رأى أنّ مِثْلَ ذلك المجتمعِ لا تَصْلُحُ لَهُ دعوةٌ ولا يمكنُ أنْ يُعِيدَهُ إلى الدينِ الصحيحِ إلّا الرجوعُ إلى أصولِ الدينِ.
وهذا بخلافِ ما كانتْ عليه بعضُ الدّعواتِ التي كانتْ قبلَهُ وبعدَهُ مِنَ الذين أخذوا يَتَلَمَّسُونَ الطُّرُقَ المخالِفةَ لِهَدْيِ النبي -صلّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، والمناهِجَ البِدْعِيّةَ، وطُرُقَ الفَلاسِفةِ الْمَنْطِقِيَّةَ، ومناهِجَ أهلِ الكلامِ البِدْعِيّةَ.. إلى ما كانَتْ عليه بعضُ الجماعاتِ المعاصرةِ الذين زعموا أنّ صلاحَ النّاسِ لا يكونُ إلّا بصلاحِ الحُكّامِ، فوضعوا هذه المقدّمةَ، ثُمَّ حمَّلُوا الحُكّامَ كُلَّ شيءٍ، وزعموا أنّ فسادَ النّاس بِفَسادِهِم، ثم قَعَّدُوا على هذه القاعدةِ -أو أصَّلُوا بعدَ تلك المقدّمةِ- مُقدّمةً أخرى: وأنّ صلاحَ الحكامِ لا يمكنُ، وليس هناك إلا إزالتُهم عَنِ الحُكْمِ وتنصيبُ مَن يَصْلُحُ للنّاسِ، ثُمَّ اشتغلوا بهذا الأمرِ، فجعلوا هذا هو دينَهم: طعنٌ في الحكامِ، والخروجُ، وإثارةُ النّاسِ عليهم، وتنصيبُ الحاكمِ -أو الخليفةِ- الذي سَيُعِيدُ النّاسَ إلى دينِهم وإلى عقيدتِهم.. وما زالوا يشتغلون بهذه الفتنةِ.
وأمّا هذا الإمامُ، فقد بَدَأَ دعوتَهُ بالتوحيدِ بَدْءًا بِمَن حَوْلَهُ، وقد نُقِلَ عنه أنّهُ كانَ يجلِسُ بجانبِ بعضِ مَن يدعون غيرَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، ويأتِيهِ الرَّجُلُ والرَّجُلانِ ويُوَجِّهُهُم، وما كُنّا نَسْمَعُهُ مِن بعضِ مشايِخِنا أنّهُ كانَ يَجْلِسُ بجانِبِ قَبْرِ زيدِ بنِ الخَطّابِ -وكانَ رَجُلًا لا حولَ له ولا قُوَّةَ- والنّاسُ يَفِدُونَ على قبرِ زيدِ بنِ الخَطّابِ ويدعونَهُ مِن دونِ اللهِ؛ فكانَ يَقُولُ: اللهُ خيرٌ مِن زَيْدٍ، اللهُ خيرٌ مِن زَيْدٍ.. حتى يأتي النّاسُ ويَتَعَجَّبُونَ مِن حالِهِ؛ فَيَبْدَأُ يُلَقِّنُهُمُ التّوحيدَ والعقيدةَ الصحيحةَ؛ فَعَلِمَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- واللهُ عليمٌ، واللهُ أعلمُ بحالِهِ- ما فيهِ مِن إخلاصٍ ورَغْبةٍ في الخيرِ؛ فنَفَعَ بِهِ، حتّى عَمَّتْ دَعْوَتُهُ أقْطارَ الأرضِ.
وحقيقةً، إنّ النظرَ في مثلِ دعوةِ الشيخِ وما حصلَ فيها مِن خيرٍ وبَرَكَةٍ -إنّهُ -حقيقةً- يُدْرِكُ بِهِ الإنسانُ مدى البَرَكَةِ والتَّوْفِيقِ إذا ما وَضَعَها اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِرَجُلٍ فِي دَعْوَتِهِ وفي عَمَلِهِ: كيفَ أنّ اللهَ يُبارِكُ في الدّعوةِ.
فهذا مِثالٌ واحِدٌ، وهذا دَلِيلٌ على أنّ الدَّعْوةَ إنّما تحتاجُ لعالِمٍ مُخْلِصٍ فَقِيهٍ، يَفْقَهُ دِينَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- ويدعو إليه، لا تحتاجُ إلى أموالٍ، ولا تحتاجُ إلى جَمْعِيّاتٍ، ولا تحتاجُ إلى أحزابٍ؛ وإنّما تحتاجُ إلى عالمٍ مخلصٍ يدعو إلى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَكَتَبَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لِهذا الإمامِ الخيرَ والتوفيقَ.
ومِن توفيقِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِهذا الرَّجُلِ: أنْ جَعَلَ العِلمَ في ذُرِّيَّتِهِ وفي نَسْلِهِ، مَا زالَ الخيرُ في نَسْلِ الشيخِ، حتى أصْبَحَ أبناؤُهُ يَنْتَسِبُونَ إليه؛ فأصبحَ عَلمًا، وكأَنّهُ قَبِيلَة، وكأنّهُ أُمَّةٌ لِوَحْدِهِ؛ وهذا لِرِفْعَتِهِ، ولِمَكَانَتِهِ في العِلم، ونحسبُ ذلك -واللهُ حَسِيبُهُ- أنّ هذَا- مِن إخلاصِهِ عندَ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
وأهلُ السنةِ لا يَقْطَعُونَ لِرَجُلٍ بالإخلاصِ وبما في قلبِهِ، ولا يقطعون لَهُ بجنّةٍ، ولكنْ نرى مِن علاماتِ التوفيقِ والخيرِ وانتشارِ الفَضْلِ ما يَدُلُّ على كثيرٍ مِنَ الأمورِ.
ولهذا؛ نحسب أنّ الشيخَ محمدًا -رَحِمَهُ اللهُ- في دَعْوَتِهِ المباركةِ أنّهُ مِنَ المجدِّدينَ الذين جَدَّدَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِهِمْ أمْرَ الدِّينِ، وهؤلاءِ لا شَكَّ هُمْ خِيارُ النّاسِ، وهُم خيرُ الخلقِ؛ فقد أخبرَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- أنّ مَثَلَ العُلَماءِ في هذه الأُمَّةِ كَمَثَلِ الأنبياءِ في بني إسرائيلَ.
هذا الإمامُ المجدِّدُ ما زالَ النّاسُ يَنْهَلُونَ مِن عِلْمِهِ وَمِن أقوالِهِ ومِن كلامِهِ، وهذه مِنَ البركة -أيْضًا- التي جَعَلَها اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- في كُتُبِهِ، وما زالَ النّاسُ يَدْرُسُونَها وَيُدَرِّسُونها.
ومَن قَرَأَ كُتُبَهُ عَلِمَ مدى ضَبْطِهِ -رَحِمَهُ اللهُ- لِلْعِلْمِ، وأنّهُ جَمَعَ اللهُ لَهُ بين قُوّةِ العِلمِ وقُوّةِ الضَبْطِ. فَفِيهِ شَبَهٌ كَبِيرٌ بِشَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-؛ فَإِنّ شيخَ الإسلامِ ابنَ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ- جَمَعَ اللهُ لَهُ بين القُوَّتَيْنِ: بين قُوّةِ العِلْمِ، وقُوّةِ الضَبْطِ. فإنّ بعضَ النّاسِ يَعْلَمُ وليس له ضبطٌ في القولِ وليس له ضبطٌ في الكلامِ.
وكذلك الشجاعة في الصَّدْعِ بالحَقِّ -وهذا -أيْضًا- يَتَمَيَّزُ به الشيخان -رَحِمَهُمُ اللهُ-: الشّجاعة في نُصْرةِ الحقِّ-، وهذا ظاهِرٌ في مُناظِراتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تَيْمِيّةَ وفي قُوَّتِهِ، حتّى أنّ بعضَ مَن جَهِلَ مَقامَهُ العظيمَ في النُّصْرةِ لَرُبّما وَصَفُوهُ بالتَّشَدُّدِ وقالوا: إنّهُ فيهِ حِدّةٌ. وهذا إنّما هو مِن قُوّتِهِ في الحقِّ وفي يَقِينِهِ، وإلّا فَهُوَ أرْفَقُ النّاسِ بِالنّاسِ، وهُوَ الّذِي كانَ يقولُ -رَحِمَهُ اللهُ-: أهلُ السُّنّةِ هُمْ أعْرَفُ النّاسِ بالحَقِّ وأرْحَمُهُمْ بالخَلْقِ.
فكذلك الشيخ -رَحِمَهُ اللهُ- هو [مِن] أقْوَى النّاسِ، ومَعَ هذا فيه رَحْمَةٌ -أعني الشيخَ محمدًا-؛ فهو الذي يَصْدَعُ بالحَقِّ، وهو الذي يجاهِدُ عليه، وهو الذي يَمِيلُ إلى خُصُومِهِ، ويقولُ: مَن كان منهم مالِكِيًّا أو شافِعِيًّا أو حَنَفِيًّا أو حَنْبَلِيًّا ناظَرْتُهُ بِكلامِ أئِمَّتِهِ. بعدَ أنْ يُقَرِّرَ عليهم الأدِلّةَ مِنَ الكتابِ والسُّنّةِ. ويقولُ: نحنُ لا نُقاتِلُ إلّا ما أجمعَ المسلمونَ على قِتالِهِ، ولا نُكَفِّرُ إلّا ما أجْمَعَ المسلمونَ على تَكْفِيرِهِ. فهذِهِ مِن رِفْقِهِ، ومِن صَبْرِهِ، ومِن تَحَمُّلِهِ، ومِن إِزالَتِهِ لِلشُّبَهِ عَنِ النّاسِ، وأنّهُ ليس بصاحِبِ بِدْعةٍ -كما رَماهُ خُصُومُهُ أنّهُ دِينٌ جَدِيدٌ، وَمَذْهَبٌ خامِسٌ-؛ بَلْ هو مُتَّبِعٌ لِمَنْ قَبْلَهُ مِن أهْلِ العِلْمِ.
لا نُرِيدُ الإطالةَ وَقَدْ تَأَخَّرْنا في الوقتِ؛ وإنّما نبدأُ في قِراءةِ هذه الرّسالةِ التي جَمَعَها الشيخُ عبدُ اللهِ بنُ إبراهيمَ القَرْعاوِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ- مِن كلامِ الإمامِ الْمُجَدِّدِ شيخِ الإسلامِ محمدِ بنِ عبدِ الوهّابِ -رَحِمَهُ اللهُ-، وهي الرّسالةُ العَظِيمةُ المعروفَةُ بِـ((الواجِباتِ الْمُتَحَتِّماتِ...))، وقَدْ لاقَتْ هذه الرسالةُ قَبُولًا عندَ طُلّابِ العِلْمِ؛ لِكَوْنِها مِن جَمْعِ كلامِ شيخِ الإسلامِ محمّدِ بنِ عبدِ الوهّابِ، وَلِحُسْنِ -أيْضًا- مَا انْتَقاهُ الجامِعُ -رَحِمَهُ اللهُ- مِن كلامِ الشيخِ في هذه الرّسالةِ، فَنَبْدَأُ بِقراءَتِها، ونَسْأَلُ اللهَ التّوفيقَ.
وأمّا الشيخُ محمدٌ فَهُوَ غَنِيٌّ عَنِ التّعْرِيفِ، ومَكانَتُهُ مَعْرُوفةٌ عندَ النّاسِ، وَلَعَلَّ تَأَخُّرَنا في الوقتِ سببٌ في أنّا تَرَكْنا بعضَ ما نريدُ أنْ نقولَهُ، فنسألُ اللهَ التوفيقَ للجميعِ، ونبدأُ في قِراءةِ هذه الرسالةِ.
[المتنُ]
الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ مَعْرِفَتُهَا
وَهِيَ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.
فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟
فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعْمَتِهِ، وَهُوَ مَعْبُودِي لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ.
وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا دِينُكَ؟
فَقُلْ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ؛ وَهُوَ: الاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ نَبِيُّكَ؟
فَقُلْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِنَ الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ -عَلَيْهِمَا وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ-.
[الشّرْحُ]
هذه الجُمْلةُ مِن كلامِ الإمامِ المجدّدِ -رَحِمَهُ اللهُ- في الأُصُولِ الثّلاثةِ، وهي الْمَشْهُورةُ مِن كلامِ الشّيخِ في رِسالَتِهِ ((الأُصُولِ الثّلاثةِ)).
قَالَ: ((الْأُصُولُ الثَّلَاثَةُ الَّتِي يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ مَعْرِفَتُهَا)).
وهذا دَلِيلٌ على أنَّ هذا مِن العِلْمِ الواجِبِ الْمُتَعَيِّنِ على كُلِّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمَةٍ.
والعِلْمُ عِلْمانِ بِاعْتِبارِ دَرَجَةِ الْمَشْرُوعِيَّةِ:
عِلْمٌ واجِبٌ مُتَعَيِّنٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمةٍ، وهو الذي قَصَدَهُ الإمامُ هُنا.
وعِلْمٌ نَفْلٌ مُسْتَحَبٌّ يَتَعَيَّنُ على بَعْضِ الْمُسْلِمِينَ أنْ يَتَعَلَّمُوهُ ويُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، وهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، لَكِنَّهُ يَتَعَيَّنُ على بَعْضِهِمْ؛ فَإِنّ فُرُوضَ الكِفاياتِ تَتَعَيَّنُ على بعضِ المسلمينَ تَعَيُّنًا يَجِبُ على المسلمينَ أنْ يَقُومُوا بِهِ، فهو في حَقِّهِمْ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ -لَا بُدَّ أنْ يُتَعَلَّمَ-، كما قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-: ((مَا أَنْزَلَ اللهُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللهِ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ تُعْلَمَ))، فهذا العِلْمُ هو مِنَ العِلْمِ النَّفْلِ، الّذِي يَجِبُ على المسلمينَ، كُلُّ مسلمٍ قادِرٍ على هذا العِلْمِ مُخاطَبٌ بِهِ، فإذا تَرَكَهُ النّاسُ فإِنّهُ يَتَعَيَّنُ على بعضِ أفْرادِهِمْ على سَبِيلِ فُرُوضِ الكِفاياتِ الّتِي يَجِبُ على المسلمينَ أنْ يَقُومُوا بها؛ حَتَّى يُنْقَلَ هذا العِلْمُ ويَبْقَى في النّاسِ -لِلْعَمَلِ بِهِ-.
فهذه المسائِلُ وهذه الأُصُولُ الثّلَاثةُ يَجِبُ على كُلِّ مسلمٍ أنْ يَعْلَمَها، وهي الأُصُولُ العَظيمةُ الّتِي يُسْأَلُ عنها [الإنْسانُ] في قَبْرِهِ، ومِن تَوْفِيقِ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- لِهذا الإمامِ أنْ وَفَّقَهُ لِلتَّنْبِيهِ على هذه الأُصُولِ.
وهَذِهِ الأُصُولُ الثلاثةُ عليها مَدارُ العَقِيدَةِ، مَدارُ العَقِيدَةِ ومَرْجِعُها إلى هذه الأُصُولِ. وَلِهذا؛ جاءَ في بعضِ الأحاديثِ أنّهُ يُسْأَلُ عَنْ هذه المسائِلِ الثّلاثِ: مَنْ رَبُّكَ، وما دِينُكَ، ومَنْ نَبِيُّكَ. وجاءَ في بَعْضِها أنّهُ يُسْأَلُ عَنِ الإيمانِ. قالَ بعضُ العُلَماءِ: هذه هِيَ الإيمانُ. وقالَ بَعْضُهُم: يُسْأَلُ عنها، وعَنِ الإيمانِ.
ومَن تَأَمَّلَ العَقِيدَةَ الصَّحِيحةَ وَجَدَها تَرْجِعُ إلى هذه المسائِلِ وإلى هذه الأُصُولِ؛ فهذه العَقِيدةُ: إمّا عَقِيدةٌ في الرَّبِّ الْمَعْبُودِ، وإمّا عَقِيدةٌ بالنَّبِيِّ الْمُرْسَلِ -مَا نَعْتَقِدُ فِيهِ-، وإمّا عَقِيدةٌ بِما جاءَ بِهِ -وهُو الدِّينُ-.
ولِهذا؛ مَن كانَ على دِينٍ صَحِيحٍ وعلى عَقِيدةٍ صَحِيحةٍ، فإنّهُ يُرْجَى لَهُ أنْ يُوَفَّقَ للإجابةِ عليها.
قالَ: ((فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟)). وهذه مِن طَرِيقةِ الشَّيْخِ -رَحِمَهُ اللهُ- في مُخاطَبةِ النّاسِ، وكانَ النّاسُ في جَهْلٍ، وَكَانَتِ الْعُصُورُ الّتِي دعا فيها الشيخُ إلى دَعْوَتِهِ غَلَبَ عليها العامِيّةُ والجَهْلُ عندَ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ؛ فَهُوَ يَتَنَزَّلُ مَعَهُم في الخِطابِ.
وهذا فيهِ تَنْبِيهٌ على تَنَزُّلِ العُلَماءِ لِلْعَامّةِ في خِطابِهم، خِلافًا لِما عليه بعضُ الْمَغْرُورِينَ -الآنَ- الذي يُظْهِرُ فَصاحَتَهُ وبَلاغَتَهُ، ويَتَقَعَّرُ في الكلامِ، ويَأْتِي بِغَرائِبِ الألْفاظِ؛ حَتّى يُظْهِرَ لِلنّاسِ قُوَّتَهُ.
فهذا الرَّجُلُ مَعَ قُوَّتِهِ وَبَلاغَتِهِ ومَدَى قُدْرَتِهِ على الكَلامِ مِمَّا هو ظاهِرٌ في كُتُبِهِ، يَتَنَزَّلُ لِلنّاسِ بهذه العِباراتِ السَّهْلةِ الْمَعْرُوفةِ.
((فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟)): على سَبِيلِ السُّؤالِ؛ حَتَّى يَكُونَ أدْعَى لِلتَّشْوِيقِ، ويكونَ هُناكَ اسْتِعْدادٌ لِلْإِجابةِ. ((فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّـهُ)). هذا السُّؤالُ، وهذه هي الإجابةُ: إذا سُئِلْتَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فأجِبْ بِقَوْلِكَ: رَبِّيَ اللهُ.
وهذا فيه تَقْرِيرٌ لِلرُّبُوبِيّةِ وَالْأُلُوهِيّةِ.
((إِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ))، سُئِلْتَ: مَنْ رَبُّكَ؟ ((فَقُلْ: رَبِّيَ اللهُ)).
(الرَّبُّ) هو الخالِقُ، وهو في اللُّغةِ: السَّيِّدُ الْمُطَاعُ، وهو الذي يُصْلِحُ غَيْرَهُ.
و(الرَّبُّ) مُعَرَّفًا لا يُطْلَقُ إِلّا على اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- كما قالَ العُلَماءُ-.
وَمِن أسْماءِ اللهِ: الرَّبُّ. وقد وَرَدَ مُضافًا: رَبُّ العَالَمِينَ، رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ.
((فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ)). وَ(اللَّهُ) هو الاسْمُ العَظِيمُ الَّذِي يُخْبَرُ بِالأسْماءِ عَنْهُ -كما ذَكَرَ العُلَماءُ-، يُخْبَرُ عَنِ الأسْماءِ بِهذا الاسْمِ؛ يُقالُ: أسْماءُ اللهِ. ولا يُقالُ: أسْماءُ الرَّحِيمِ، أسْماءُ العَزيزِ..
فهذا دَلِيلٌ على إثْباتِ الرُّبُوبِيَّةِ والْأُلُوهِيَّةِ.
((رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعْمَتِهِ)). ((الَّذِي رَبَّانِي)) أيْ: أوْجَدَنِي ورَزَقَنِي، وهذه مِنَ التَّرْبِيةِ والإخْلاصِ؛ فإنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- أصْلَحَ حالَ النّاسِ وشَأْنَهُم. وَلِهذا؛ العُلَمَاءُ يَذْكُرُونَ نِعْمَتَيْنِ مِنَ الرَّبِّ -عَزَّ وَجَلَّ- لِعِبادِهِ: نِعْمَةَ الإيجادِ، وَنِعْمَةَ الإمْدادِ. فَنِعْمَةُ الإيجادِ أنْ خَلَقَهُم مِنَ العَدَمِ، وَنِعْمَةُ الإمْدادِ أنْ رَزَقَهُم وأنْعَمَ عَلَيْهِم بما تَقُومُ بِهِ حياتُهُم وتَسْتَمِرُّ.
((وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ)). وَ(الْعَالَمِينَ) هو كُلُّ ما سوى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، كُلُّ ما سوى اللَّهِ فَهُوَ عالَـمٌ مَخْلُوقٌ. واللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هو الخالِقُ لِهذا العالَم. والعَوالِمُ كَثِيرَةٌ، وكُلُّها مَخْلُوقةٌ، واللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- هو الخالِقُ لَها: عالَمُ الْمَلائِكةِ، وعالَمُ الجِنِّ، وعالَمُ الإنْسِ، وعالَمُ البَهائِمِ، وعالَمُ الطُّيُورِ، وعالَمُ الْمَخْلُوقاتِ مِنَ الجَماداتِ.. وغَيْرُها، فهي عوالِمُ، وكُلُّها مَخْلُوقَةٌ.
ويُطْلَقُ (العالَمُ) إطْلاقًا خاصًّا على مَن يَعْقِلُ، وقد يُطْلَقُ على مَن خُوطِبَ بِالشَّريعةِ، كما أنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أرْسَلَهُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- بِرِسالَتِهِ وَبِدَعْوَتِهِ مُخاطِبًا بِهِ عامّةَ الْخَلْقِ -كمَا يُعَبَّرُ بِهَذا-، أي: عامّة الإنْسِ والجِنِّ.
((بِنِعْمَتِهِ)). ونِعَمُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- عَظِيمةٌ، والْمَقْصُودُ بِـ((نِعْمَتِهِ)) أي: بِنِعَمِهِ؛ كما قالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا}؛ فليسَ المقصودُ أنّها نِعْمةٌ واحِدةٌ، وإنّما هي نِعَمٌ مُتَعَدِّدةٌ.
قالَ: ((وَهُوَ مَعْبُودِي)) أي: الذي أعْبُدُهُ؛ فالعَبْدُ عابِدٌ، والرَّبُّ مَعْبُودٌ بِحَقٍّ.
((لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ))، هذا قَوْلُ كُلِّ مسلمٍ: ليس لَهُ مَعْبُودٌ سوى اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.
هذا هو الأصْلُ الأوَّلُ، وهو السُّؤالُ: مَنِ الرَّبُّ؟
وكانَتْ هذه الكَلِماتُ العَظِيمةُ هي مُعِبَّرةً عَنْ هذه العقيدةِ، وفيها اعترافٌ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بِالرُّبُوبِيَّةِ والْأُلُوهِيَّةِ، والاعترافُ لَهُ بِالنِّعَمِ. لاحِظُوا هذه الكَلِماتِ وما اشْتَمَلَتْ عليه.
وهذا الكلامُ شَبِيهٌ بِكلامِ السَّلَفِ: في وَجازَتِهِ، وَعِظَمِ اشْتِمالِهِ على كَثِيرٍ مِنَ الْمَعاني الّتي يَضْعُفُ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ عَن إيرادِها الآنَ في كَثِيرٍ مِنَ الكلامِ، وفي مُطَوَّلاتٍ مِنَ الكُتُبِ.. فإنّ الشيخَ اخْتَصَرَها في هذه الكلماتِ.
ولِهذا، الشيخُ محمدٌ -وهذا يَعْرِفُهُ كُلُّ مَن عَرَفَ مدى دِقّةِ الْمُصَنِّفِينَ في الكلامِ- معروفٌ بِدِقّةِ كلامِهِ، وهُو مِنَ العُلَماءِ الّذين يُقالُ فيهم: كُلُّ كَلِمةٍ وكُلُّ لَفْظةٍ في كَلامِهِ لَها معنًى. بِخِلافِ ما عليه بعضُ الناسِ -الآنَ-: يَتَكَلَّمُ، ولَوْ تَأَمَّلْتَ في كلامِهِ لَرُبَّما قُلْتَ: لو أنّهُ اسْتَغْنى عَن هذه الكَلِمةَ لَكانَ طَيِّبًا؛ لأنّهُ لا يَحْتَاجُ إِلَيها في المعنى.. وهذه الكَلِمةُ لو غُيِّرَتْ، وهذه الكَلِمَةُ لو بُدِّلَتْ.. لَكِنَّ الشيخَ -رَحِمَهُ اللهُ- تَمَيَّزَ بِدِقّةِ العِبارةِ، وبِاخْتِصارِ الكَلامِ، وهذا -كَمَا قُلْتُ- يعني أنّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- جَمَعَ لَهُ بين دِقَّةِ الفَهْمِ، ودِقّةِ الضَبْطِ في التَّعْبِيرِ عَنِ العِلْمِ الذي يُرِيدُهُ.
قالَ: ((فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا دِينُكَ؟ فَقُلْ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ)).
وهذا السُّؤالُ الثّانِي، السُّؤالُ عَنِ الدِّينِ الذي يَدِينُ بِهِ المسلِمُ.
قالَ: ((فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا دِينُكَ؟ فَقُلْ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ))؛ فـ(الإسلامُ) هو الدِّينُ الذي خُوطِبْنا بِهِ، وهذا دِينُ كُلِّ مَن خُوطِبَ بِشَرِيعةِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-.
ولَكِنَّ النّاسَ لم يَتَّخِذُوا هذا الإسلامَ دِينًا، ليسَ كُلُّ النّاسِ اتَّخَذُوا هذا الإسلامَ دِينًا. ولِهذا؛ المؤمنُ الآن هو يعبِّر بأنّ الدِّينَ الذي شُرِعَ لنا هو الدّين الذي أتَدَيَّنُ به، وهذا له أثَرٌ عَظِيمٌ في تَوْفِيقِ المسلِمِ للإجابةِ -إنْ شاءَ اللهُ- عندَ سُؤالِ الْمَلَكَيْنِ له في القَبْرِ.
((فَقُلْ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ)). وهذا الذي يَجِبُ على كُلِّ مسلِمٍ أنْ يَنْتَسِبَ إليه: أنْ يَنْتَسِبَ إلى الإسلامِ ولا يَنْتَسِبَ لِغَيْرِهِ. ولِهذا؛ قال السلفُ: مَنِ انْتَسَبَ لِغَيْرِ الإسلامِ فانسُبْهُ إلى أَيِّ دِينٍ شِئْتَ. قال بَعْضُهُم: أيْ: إلى اليَهُودِيّةِ أوِ النَّصْرَانِيّةِ.
ثُمَّ عَرَّفَهُ: ((وَهُوَّ الاسْتِسْلَامُ لِلَّهِ بِالتَّوْحِيدِ)): اسْتِسْلَامُ القَلْبِ وانْقِيادُهُ لِلَّهِ بالتَّوْحِيدِ. ((وَالانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ)): انْقِيادُ الجَوارِحِ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- بالطّاعةِ. ((والْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ)).
إذن؛ هُنا ثلاثُ مَسائِلَ: اسْتِسْلامٌ بِالقَلْبِ، وانْقِيادٌ بِالجَوارِحِ، وبَراءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.
ودينُ الإسلامِ مَبْناهُ على هذا: مَبْناهُ على اعْتِقادِ القَلْبِ، وعَمَلِ الجَوارِحِ، والبَرَاءَةِ مِنَ الْمُخَالِفِينَ -الْبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ-.
أصْلُ البَرَاءَةِ: البراءةُ مِنَ الشِّرْكِ، ثم تَحْتَها فُرُوعٌ: البراءةُ مِن أهْلِ البِدَعِ، البراءةُ مِنْ أهْلِ المعاصي.. لَكِنّها مُتَفاوِتَةٌ في مَعانِيها، وأصْلُها: البراءةُ مِنَ الشِّرْكِ. وَأَصْلُ الوَلاءِ: الوَلاءُ للمُسْلِمِ الكامِلِ ولِلْمُؤْمِنِ الكامِلِ، ثُمَّ هُناكَ وَلاءٌ بحَسَبِ ما في الرَّجُلِ مِنَ الإسْلامِ والإيمانِ.
((وَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فَقُلْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ...)) إلى آخِرِ ما ذَكَرَ مِن نَسَبَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-.
وهذا فيهِ تَقْرِيرٌ لِلْأَصْلِ الثّالِثِ، وهُوَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ-.
وإنّما ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ نَسَبَ النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وهُوَ لا يَخْفَى ولا يُشْكِلُ عَلَى أحَدٍ- لِمَسْأَلَةٍ مُهِمّةٍ؛ وهو أنّ بَعْضَ النّاسِ في القديم قَالَ: لو قِيلَ لِفُلانٍ: مَنْ نَبِيُّكَ؟ فقالَ: نَبِيِّي مُحَمَّدٌ، ولا أعْلَمُ مَنْ مُحَمَّدٌ، وأيْنَ بُعِثَ، وهل هو العَرَبِيُّ أم لا.. قالُوا: فإنَّهُ لا يَكُونُ مُسْلِمًا بهذا.
ولِهذا؛ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ أنْ يَعْتَقِدَ أنّ نَبِيَّهُ هو مُحَمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ، مِن هاشِمٍ، مِن قُرَيْشٍ، الّذِي بُعِثَ في مَكَّةَ وَهاجَرَ إلى الـمَدِينةِ. لا بُدَّ مِن مَعْرِفةِ ما يَتَمَيَّزُ به هذا النبيُّ -صَلَّى اللّهُ عليه وسَلَّمَ- عَنْ غَيْرِهِ، لا بُدَّ مِن معرفة هذا. ولهذا؛ لا بُدَّ أنْ يَعْرِفَ المسلمُ مِن سِيرةِ النبيِّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- ما يَتَمَيَّزُ به هذا النبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ- عَن غَيْرِهِ، وإلّا؛ فلا يكونُ مُعْتَقِدًا لِبَعْثَتِهِ حتى يَعْرِفَ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسَلَّم-، ويَعْرِفَهُ بِنَسَبِهِ إلى أنْ يَتَمَيَّزَ بِهِ عَن غيرِهِ؛ حَتّى يكونَ على الإسلامِ.
إلى آخِرِ ما ذَكَرَ -رَحِمَهُ اللهُ-، ونَتَوَقَّفُ عندَ هذهِ المسألةِ.
هذا واللهُ أعْلَمُ، وصَلَّى اللهُ وسَلَّمَ وبارَكَ على عَبْدِهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 07-15-2010, 12:02 AM
عمارالفهداوي عمارالفهداوي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2010
الدولة: العراق
المشاركات: 964
افتراضي

الاخ محمد عماد نوفل جزاك الله خيرا انت والاخت ام زيد أرجوا من احدكما أو أي اخ ان ينسق لنا هذا التفريغ بعد إكمال هذا العمل المبارك الذي أسأل الله تعالى أن يثيب كل من شارك وسيشارك فيه آمين يارب.........
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 07-15-2010, 12:38 PM
محمد نوفل محمد نوفل غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 324
افتراضي

وأنت كذلك -أخي الكريم-، وأنا مبدٍ استعدادي لتنسيقه بأبهى حِلّة -إن شاء الله تعالى ووفق-...
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 07-15-2010, 07:00 PM
الصورة الرمزية عمر الخالدي
عمر الخالدي عمر الخالدي غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 5,947
افتراضي

الشريط الثاني/1
تفريغ / أم زيد




[المتن] [بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصَّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أما بعد:
قال الإمام المجدد محمَّد بن عبد الوهَّاب -رحمهُ الله تعالى-:
((أصل الدِّين وقاعدتُه أمران:
الأول: الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، والتَّحريض عَلى ذَلكَ، والمُوالاة فيه، وتَكفيرُ مَن تَرَكه.
الثَّاني: الإنذارُ عن الشِّرك في عِبادة الله، والتَّغليظُ في ذلك، والمُعاداة فيه، وتكفيرُ مَن فَعَله )) ].

[الشرح] إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمَّدا عبدُه ورسولُه.
اللهم صل وسلم وبارك على عبدِك ورسولك محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
هذه الجملة من كلام الشَّيخ -رحمهُ الله- هي في أصل الدِّين وقاعدته قال:
(أصل الدِّين وقاعدتُه أمران)
وهذه الجملة مشتملة على مسألتين؛ المسألة الأولى: على أصل الدِّين وقاعدته، وأن للدين أصل وقاعدة، والأصل يقابِل الفَرع، وهذا يدلُّ على وجود أُصول للدِّين ترجع إليها الفُروع، وأن مِن المسائِل ما هي من مسائِل الأُصول، ومن المسائِل ما هي من مسائِل الفُروع، وكذلك الأمر إذا ما تأملنا المسائِل المُتعلِّقة بالاعتقاد التي هي أُصول الدِّين والعَقيدة، والمسائِل المُتعلِّقة بباب الفِقه في اصطِلاح المتأخِّرين وهي المُتعلِّقة بفروع الدِّين.
ولهذا أُلفت بعض الكتب في مسائِل الاعتقاد وسُمِّيت بأُصول الدِّين أو أُصول العَقيدة، وهذا خلافًا لمن يُنكر ذلك متوهِّمًا من بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمهُ الله- أنه يُنكر تقسيم الدِّين إلى أُصول وفُروع، وهذا غير مفهوم من كلامه -رحمهُ الله-، ولكنه ذكر مسألة فقال: ( إن تقسيم الدِّين إلى أُصول وفروع، فيبدَّع المخالِف في مسائِل الأُصول، ولا يُبدَّع في مسائِل الفُروع؛ أن هذا من كلام أهل البِدَع، أو مِن كلام أهل الكلام ).
فظن من ظن أنه يُنكر التَّقسيم، وهو لا ينكر التَّقسيم؛ وإنما ينكر من يقسِّم هذا التَّقسيم ثم يُرتِّب عليه هذا الحكم، وهذا صحيح.
والذي يدل على كلامِه؛ ما ذَكَر بعد ذلك من الأمثلة، قال: ( ومما يدلُّ على هذا ) يعني: على خلاف ما توهَّمه هؤلاء ( أن بعضَ السَّلف أخطؤوا في مسائِل في الاعتقاد؛ فلم يبدَّعوا ) ولو كان مفهوم كلامه أنه يُنكِر؛ لذَكَر ما يدل على إنكار التَّقسيم إلى أُصول وفروع؛ فينبغي أن يُفهم كلام أهل العِلم، وإن كانت جاءت إطلاقات أخرى في كلامه؛ فينبغي أن تُحمل على هذا الكلام البيِّن الواضح.
والأدلة دلَّت على هذا، كما في حديث جبريل أن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- سئل عن الإيمان وعن الإسلام وعن الإحسان وبيَّن هذه الأُصول، ثم بيَّن أن هذا هو الدِّين الذي سأل عنه جبريل وأجاب عنه النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
هذه مسألة.
المسألة الأولى: قوله (أمران)، وهذه المسألة ترجع إلى التَّقسيم؛ وهو أنَّ هذه المسائِل أو مسائِل الأُصول -أيضًا- مُنقسِمة، وقولُه (أمران) يعني: ترجع الأصول، أو أصل هذا الدِّين يرجع إلى أمرَين، وهذه المسألة ترجع إلى التَّقسيم ومعرفة الأقسام التي تندرج تحت الأُصول أو تحت الفُروع.
وهذا باب مهمٌّ مِن أهم الأبواب، ومن أنفع ما يكون لطلاب العِلم: معرفة الأقسام والتَّقسيمات؛ فإنها مما يُعين على فهم المسائِل.
ولاحظوا أن الاشتباه الذي يحصل لأهل العِلم خطأ العُلماء مرجعه إلى عدم التَّنبُّه إلى الأقسام؛ ولهذا يُقال في المسائِل التي يَختلف فيها العلماء: هذه مسائِل من المشتَبِه، أو اشتبهت، كما قال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في حديث النُّعمان بن بشير: "وبينهما أمور مُشتَبِهات" فالمشتَبِه: هو أن يشتَبِه الشيء بالشيء، وهذا مرجعه إلى عدم التَّمييز بين هذه الأمور المشتَبِهة والتي أخبر النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنها لا يعلمها كثير من النَّاس، وبناءً على هذا الأمر يحصل التَّنزيل الخاطئ لهذه المسائِل؛ فيحصل الخطأ في الحُكم.
وهذا باب واسع جدًّا، ومَن تأمَّله أدرك الكثير من الأخطاء التي يقع فيها النَّاس بسبب عدم التَّنبُّه إلى أنَّ المسألة مُنقسِمة في نفسها، ولا أقول مُبالغًا إن قلتُ أن الكثير من الأسئلة التي تُلقى تَشتَبِه على النَّاس، ويَنقل لي فيها بعض مَن يسألون إجابات خاطئة مَرجعها إلى الاشتِباه في هذه المسائِل وعدم التَّمييز؛ فتكون المسألة مُنقسمة.
مثل (المُبتدِع): عندما يُقال ما حُكم الصلاة خلف أهل البِدَع؟ ما حكم عيادة أهل البِدَع؟ ما حكم تكفير أهل البِدَع؟ فالذي لا يتنبَّه إلى أن أهل البِدَع ينقسمون؛ يُخطئ؛ فيظن أن أهل البِدَع على درجة واحدة، وهم على درجات ومراتب، ومِن حيث القِسمة العامة: فهُم ينقسمون إلى كافر يكفر ببدعته وإلى مسلم، ثم المسلمون منهم -أيضًا- يتفاوتون؛ منهم مَن يدعو إلى بدعته ومنهم مَن لا يدعو، ومنهم من يقبل النُّصح إذا ما نوصِح ومنهم مَن هو معانِد مكابر؛ فهذه الأقسام مؤثِّرة في كثير من المعاملات، ولهذا لا يتنبَّه لها كثير من النَّاس.
بل إنَّ مِن الاشتباه في هذه المسائِل: أن بعضَهم يتوهَّمون في هذه المسألة أوهام -أولًا- لا يُفرِّقون بين البِدَعة والمُبتدِع؛ لأن البِدَعة قد تَرِد على العالِم ويكون كلامُه هذا -من حيث الواقع والحُكم- بدعة، ولكنه ليس بمُبتدِع لقوله بالبدعة؛ لوُرود شُبهة عليه؛ ولهذا لا يُمكن أن يبدَّع العُلماء بأخطائهم، وإلا لو قُلنا بهذا؛ فعامَّة مَن أخطأ في باب الفِقه -الآن- مِن العُلماء واختلفوا في المسائِل إلى قولَين متضادَّين، ويتنازعون فيهما والكل يقول هذا دِين الله، فلو نظرنا إلى الحُكم المطلَق؛ لقُلنا أن أحد المخالِفَين مُبتدِع، لأن المُبتدِع يقول أن ما ليس من الدِّين أنه مِن الدين.
لكن العُلماء لم يبدِّعوا هؤلاء، وهذا مرجِعه إلى مسائِل يعني كثيرة لا يُمكن التَّنبيه عليها، وكثير من الطلبة، ومن الباحثين، ومن السَّائلين يَسأل في موطن واحد يقول: ما هي ضوابط التَّبديع؟
وهذه مسأل لا يُمكن أن تُجاب فيها إجابة واحدة ويفهمها كل إنسان، ولكن هناك مسائِل كثيرة جدًّا تتعلق بالحكم على المتبدِع الذي يُمكن أن يبدَّع، ومَن العُلماء الذين يخطئون ويقولون بالبِدَعة ولا يبدَّعون.
وليس الأمر -أيضًا- مرجعه إلى مسائِل التَّبديع والتَّكفير والوعيد فيُقال أنه لا بُد من تحقُّق الشُّروط وانتفاء الموانع، لا؛ الأمر دون ذلك، لكن ليس القصد أن الأمر على إطلاقه؛ أن يُطلَق العنان لكل مَن أراد أن يبدِّع فيُبدِّع.
فإذن: التَّنبُّه لهذه الأقسام؛ يعني: يتنبَّه الباحث عن الحق وطالب العِلم إلى أن هناك [أقسامًا]، وهذه نصف العِلم، يعني: نصف العِلم التَّنبُّه إلى الأقسام، فإذا تنبَّه إلى الأقسام يعرف من دين الله -عزَّ وجلَّ- أنه لا يُمكن أن يكون الكافر كالمسلم، ولا يُمكن أن يستوي العالم بالجاهل {هل يَستوِي الذين يَعلَمُونَ والذِين لا يَعلمُون إنَّما يتذكَّر أُولُو الأَلبابِ}.
فهذه المسائِل عظيمة جدًّا وهي أنفع ما يكون لطلاب العِلم، والنَّاس يتفاوتون -أيضًا- في التَّنبُّه إلى هذه التَّقسيمات؛ فمنهم من يُرزق الفهم لهذه الأقسام وله اجتهاد في هذا الباب، ومِن هؤلاء العُلماء الذين كانت لهم سابقة ولهم جهود كبيرة في هذه المسألة: الإمام أحمد -رحمهُ الله-، فكثير من المسائِل في باب الاعتقاد، مسائِل عظيمة أشكلت على النَّاس؛ كان -رحمهُ الله- يتنبَّه إلى هذا الباب؛ مثل: مسألة (اللَّفظ)، فأشكلت على النَّاس ولم يتنبَّهوا إلى قول القائل: (لفظي بالقُرآن مخلوق) أن هذه المسألة مُنقسِمة، وأن اللفظ قد يُراد به الملفوظ، وقد يُراد به الفِعل مِن (لفَظَ، يَلفِظُ).
وفي مسائِل كثيرة؛ كذلك: مسألة الإيمان، وهي المسألة التي سأل عنها بعضُ الطلبة عبدَ الوهَّاب الورَّاق -الإمام المشهور- عمن جاءهم من ناحية يقول: (الإيمان مخلوق)؟ فقال: اذهبوا إلى أحمد! فرجعوا إلى الإمام أحمد، فتنبَّه إلى هذه المسألة، وقال: هذه مسائِل جهم، وهي سبعون مسألة.
فالنَّاس يتفاوتون.
ومن العُلماء الذين بَرَزوا -وهناك كثير، وإنما أذكر أمثلة-: شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمهُ الله- فله عناية كبيرة بهذا الباب، والعلماء الذين استفادوا منه يَظهر هذا في رسوخ عِلمهم ومكانتهم وقدَمهم، ومنهم: المصنِّف وهو شيخ الإسلام محمَّد بن عبد الوهَّاب؛ فإن هذا ظاهر في كلامه -في كثير من كلامه- يُقسِّم ويذكر الأقسام ويذكر الأحكام، وهذا بيِّن ظاهر في كلامه -لمن عَرَفه-، فأحيانًا يصرِّح بهذه الأقسام، وأحيانًا يذكرها في معرِض كلامه -كما سيأتي- وقد لا يتنبَّه لها بعض النَّاس وهي موجودة -التَّقسيم موجود- لكن قد لا يُنص عليه.
من العُلماء -أيضًا- الذين استفادوا -هم كثير من الأئمة والعلماء-؛ ومن أبرزهم: الشَّيخ عبد اللَّطيف بن عبد الرحمن بن حسَن، وهو إمام، وله جُهود كبيرة في هذا الباب، وتفريق بين كثير من المسائِل التي قد تُشكل على بعض النَّاس.
كذلك من العُلماء: الشَّيخ السعدي -رحمهُ الله- له عناية بهذا الباب -كما هو معلوم-، كذلك ممن استفاد مِن الشَّيخ: محمد بن صالح بن عثيمين -رحمهُ الله- وجهوده معروفة في هذا الباب.
ولهذا: فالعناية بهذا الباب والاهتمام به والتَّنبُّه إلى هذه المسائِل؛ هو من أنفع ما يكون.
وهذه المسائِل تحتاج إلى؛ أولًا: إلى الاجتهاد في السَّبر والتَّتبُّع، وهو أن يَعرف هذه المسائِل ويعرف مظانَّها، ويعرف -أيضًا- الأحكام الشَّرعية، ويعرف أنه إذا جاء هذا اللفظ؛ هل هو منقسم أو غير مُنقسِم، حتى في الأحكام؛ إذا كنا نقسِّم -الآن- في (المُبتدِع)؛ فكذلك في الأحكام فيه قِسمة، مثل (الهجر)؛ الهجر لفظ جاء في الشَّرع، ولو تأمل المتأمِّل لفظ الهجر لوجد أن الأمر به جاء في كتاب الله والنهي عنه، وكذلك في السُّنة، فلا يُمكن أن يقول أن ما يُؤمر به في موطن يَنهى عنه في موطن آخر، ولكن هذا دليل على القِسمة، ودليل على أن ما أُمر به غير عن ما نُهي عنه، وهذه الأقسام قد تكون مرجعها إلى الأحكام، وقد تكون مرجعها إلى الأزمان.
ومِن الأمثلة الواسعة -لهذا الباب-: ما جاء عن الخبر يوم القيامة، فإن هناك أخبار كثيرة عن يوم القيامة وعن أهل النَّار، وفيه مرة أنهم يتكلمون ومرة لا يتكلمون، ومرة يتخاصمون ومرة يختصمون، وفيه مرَّة أن الله لا يكلمهم وفيه مرة أنهم يخاطَبون ويكلَّمون؛ فذكر العُلماء أن هذا بحسب الأزمان، فإن يوم القيامة يوم طويل، وبحسب الأحوال -أيضًا-؛ ولهذا تنازع العُلماء نزاعًا كبيرًا في مسألة كلام الله -عزَّ وجلَّ- وفي رؤية أهل المحشر وكلامهم للرَّب -عزَّ وجلَّ- فهمًا للنُّصوص في قول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "ما منكم إلا سيُكلِّمه ربُّه ليس بينه وبينه ترجمان، ولا حجاب يحجبه"؛ فهل هذا في أرض المحشر، يعني: يكون للعموم -للمؤمنين والمنافقين- ولهم؟ أو: أنه يكون خاص بالمؤمنين؟ أو بالمنافقين؟ ومنهم مَن جعل هذا [عامًّا] في أنَّه لا يكلِّمهم لعموم قول الله -عزَّ وجلَّ-: {كلَّا إنَّهم عن رَّبِهم يَومئذ لَّمحجُوبونَ} قالوا: هذا حَجب يُحجبونه في كل موطن من مواطن يوم القيامة، فقال الآخرون: إنما هذا يكون في النَّار؛ وأما في أرض المحشر فليس دليل على أنهم يُحجبون؛ بل جاء الدليل على أنه يُكلمهم ويرونه ليس بينه وبينهم ترجمان، لكنه يحتجب عنهم بعد ذلك؛ فيكون أشد في عذابهم.
فهذه مسألة عظيمة، وأنا أنصح طلاب العِلم للعناية بها والاجتهاد في تتبُّع هذه المسائل والاستفادة من جهود العُلماء، وأيضًا أن تكون لطُلاب العِلم ملَكة للتَّنبيه على هذه المسائِل، وقد سَبق أن ذكرتُ: أن الحِكمة التي ينشدها كل مسلم -بل كل عاقل- هي مَبناها على أصلين عظيمين وهو التَّمييز بين المسائِل والتَّنزيل بحسب التَّمييز بين الأمور؛ ولهذا قالوا في تعريفها: (الحِكمة: هي وضع الأشياء في مواضِعها)، فلاحظوا هذا التَّعريف، أنا أول ما تنبهتُ لهذه القسمة من خلال التَّعريف -في التَّحضير لبعض الدُّروس في الحكمة- فلم أجد هذه القسمة؛ لكن لما تأملتُ هذا التَّعريف وهو موجود، وكلنا نتناقله في قول العلماء: (الحكمة هي وضع الأشياء في مواضعها)؛ فلاحظوا كلامهم في تعريف الحكمة يدل على أن هناك أشياء، وأن الحكمة ليست النظر بعين واحدة؛ وإنما هناك أشياء متنوعة، ووجود أشياء يدل على التمييز، لأنه من المعروف أن . .كما قرَّر شيخ الإسلام: أن الوجود الخارجي -وهذا-أيضًا-مما يرشد طالب العِلم أن العلم يعضد بعضُه بعضًا- الوجود الخارجي؛ ما من موجودَين في الخارج إلا وبينهما تباين بحسب ذلك الأمر، حتى في الجِنس الواحد من بني آدم بين فلان وفلان تَباين، فإذن: إذا وُجدت أشياء في الخارج؛ لا بد أن تكون متباينة -صحيح بينها صفات مشتركة-؛ لكن لا بد أن يكون بينها تباين في كل ما يقوم بها من الحقائق.
فإذن: هنا أشياء متنوعة، قالوا: (والحكمة: وضع الأشياء في مواضعها)، وهنا تنزيل؛ وضع الأشياء: تنزيل؛ بأن يجعل الحكم المناسب في المكان المناسب، ولهذا لا يُمكن أن نحكم في النَّاس بحُكم واحد.
ومِن أكبر الأوهام والأخطاء -الآن- التي تقع هو تنزيل الأحكام على أناس يفتَرقون، ولهذا قال شيخُ الإسلام: (مِن الظلم التَّسوية بين المتفاضلِين، والمفاضلة بين المتساوِين)؛ هذا ظلم.
فهذه مسألة عظيمة وهي مِن أنفع ما يكون لطلاب العِلم إذا ما تنبَّهوا لها.
لا نريد التَّفصيل؛ الحديث يطول -حقيقة- عن هذه المسألة، ولكن أقول أن هذا دليل على وجود التَّقسيم.
ذكر الشَّيخ -هنا- أن أصل الدِّين وقاعدته يرجع إلى أمرين:
((الأول: الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لَه، والتَّحريض عَلى ذَلكَ، والمُوالاة فيه، وتَكفيرُ مَن تَرَكه )).
((الأمرُ بعبادةِ اللهِ)): هذا هو الأصل الأول ((الأمرُ بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لَه))، وهذا يكون إلى العبد من النَّاس فيما يأمرون به غيرهم، كل مؤمن هو مأمور بأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ لقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "مَن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبِلسانه"، قال الله -عز وجل-: {كُنتُم خيرَ أمةٍ أُخرجِت للنَّاس تَأمُرونَ بالمعروفِ وتَنهَون عنِ المنكَر}، يقول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}، أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، هذا هو أصل القِسمة.
لاحظوا: العُلماء عندما يأخذون هذه الأقسام يرجعون إلى الأدلة.
إذن: أصل القسمة أن الدِّين مَبناه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذا في حق مَن؟ مَن الآمر والناهي -هنا- المخاطَب به؟ الإنسان المسلم.
وانظروا -أيضًا- إلى هذه القسمة باعتبار الرَّب وباعتبار التَّشريع؛ فالدِّين أمر ونهي؛ أمر مِن الرَّب ونهي؛ فإذن: هناك أمر مِن الرَّب ونهي، وهناك أمر مِن العَبد ونهي، فإذا وافق ما يَأمر به العبدُ ما يأمر به الرَّب؛ تحقَّق الإيمان، ووافق العبدُ فيما ينهى عنه الرَّب تحقَّق الإيمان، ولهذا لما ذكر الله -عزَّ وجلَّ- المنافقين قال: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} يعني خلاف ما عليه أهل الإيمان.
فإذن: هنا أمر مِن الرَّب ونهي من الرَّب، وهذا دين الله -عزَّ وجلَّ-، والله -عزَّ وجلَّ- هو الذي أمر بهذا الدِّين وهو الذي نهى عن ضدِّه، وهو الذي أمر بالطَّاعة ونهى عن المعصية، وهو الذي أمر بالسُّنة ونهى عن البِدَعة.
فهذه القسمة الآن -أيضًا- الكلام يَحتمل: هل المصنِّف -هنا- يريد أمر الرَّب -عزَّ وجلَّ- ونهيه؟ أم يريد أمرَ العباد غيرهم؟
لو تأملنا السِّياق: ندرك أنه يريد ما يقوم بالنَّاس من الأمر والنهي؛ لأنه قال: ((والتَّحريض عَلى ذَلكَ، والمُوالاة فيه)) الموالاة ممن تكون؟ من النَّاس ((وتَكفيرُ مَن تَرَكه))؛ هذا -إذن- دلَّ -هُنا- على أن المقصود بقوله: ((الأمرُ بعبادةِ اللهِ)) يكون من النَّاس؛ إذن هنا تقرير لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
لكن تقرير لأعظم ما يُؤمَر به، وأعظم ما يُنهى عنه؛ لأن أصل الأُصول وأعظم الأُصول فيما يؤمر به الأمر بعبادة الله، وأعظم الأُصول فيما يُنهى عنه النَّهي عن الشِّرك بالله -عزَّ وجلَّ-.
فهذا الذي أرادهُ المصنِّف -هنا-: ((بعبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شَريكَ لَه))، وهو أن يَأمر المسلمون بعضَهم بعضًا ويأمرون غيرَهم بعبادة الله وحده لا شريك له، بإخلاص العبادة لله -عزَّ وجلَّ-.
وهذه المسألة لو تتبعنا أنها ترجع -أيضًا- إلى قِسمين: أمر بعبادة الله -عزَّ وجلَّ- والبراءة من الشِّرك، يعني: قد يوجد في النَّاس مَن يعبد الله ويتحقق فيه أنه عبَدَ الله، لكن لا يكون متحقَّقا فيه الأمر حتى يترك الشِّرك، فيكون ممن عبدَ الله وترك الشِّرك.
قال: ((والتَّحريض على ذلِك)): ذَكَر الأمر وذكر -هنا- التَّحريض؛ فهل التَّحريض هو الأمر؟ لا يُمكن أن يكون التَّحريض هو الأمر؛ لأنه لا يُمكن أن يُذكر الشيء ثم يعطف عليه من غير أن يوجد هناك سبب، ولهذا كل ما عُطف على متقدِّم لا بد أن يكون هناك تباين بين اللَّفظَين أو يكون هناك سبب -وإن كان هناك اتحاد بين اللَّفظَين-.
وهنا اختلاف بين اللَّفظَين بين الأمر والتَّحريض، الأمر: هو الأمر المجرد: أن يأمر بعبادة الله، والتَّحريض: هو الأمر على وجه التَّرغيب؛ يعني: أمر على وجه التَّرغيب؛ ولذا قال الله -عزَّ وجلَّ-: {يا أيها النَّبي حرِّض المُؤمنين على القِتال}؛ فالتَّحريض لا يكون بأن يأمرهم بالقتال، ولكن يرغبهم فيه، ويحثهم عليه، ففرق بين التَّحريض والأمر، التَّحريض: أمر زائد عن الأمر، وهو أمر بالشَّيء على وجه التَّرغيب فيه، والأمر: هو الأمر المجرَّد؛ أن يقول: اعبدوا الله وأخلِصوا العبادة لله، وأما التَّحريض؛ أن يقول: اعبدوا الله وأخلصوا العبادة لله فإن مَن عبد الله دخل الجنة، ثم يُرغِّبهم فيما يَرغَبون فيه من الخير.
قال: ((والمُوالاة فيه، وتكفير مَن تَركه)): الضَّمير -هنا- مرجعه على أي شيء؟ هل يرجع إلى الأمر؟ أو إلى العبادة؟ إذا كان الضَّمير مرجعه إلى الأمر والموالاة فيه -يعني: في الأمر بالعبادة-؛ هذا قد يستقيم في هذه الجملة، لكن قوله:(وتكفير مَن تركَه)؛ هذا قد يُشكِل هنا.
((والمُوالاة فيه)) إذا قيل إن الموالاة في الأمر؛ نعم هناك ولاء بين المؤمنين في أمرهم بعبادة الله، هذا موجود؛ فنحن نوالي مَن يأمر بعبادة الله. ولكن ((تكفير مَن تركه)): هنا هذه المسألة فيها تفصيل؛ ولهذا: لا بد من التَّنبُّه لهذه المسألة -هنا-، وهل هذا الحكم يتنزَّل على ما أعيد الضَّمير عليه قولًا واحدًا؟ أو أن هناك فيه [تفصيلًا وتقسيمًا]؟
((وتكفير مَن تركَه)): تكفير من ترك الأمر بعبادة الله؛ هل هنا الحُكم يتنزَّل على مَن ترك الأمر بعبادة الله؟ يعني: لو أن رجلًا عبَدَ الله -عزَّ وجلَّ- وأقام التَّوحيد في نفسِه، ولكنه لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر، ولم يأمر غيره بعبادة الله فهل يَكفُر؟ إذا رجعنا إلى الأُصول أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان ترك للفعل مع اعتقاد وجوبه؛ فإنه لا يَكفُر بذلك؛ ولهذا: لو أن موحِّدًا رأى المشركين يعبدون أصنامهم ولم يأمرهم ولم [ينهَهم]، وهو يعتقد أن الله أوجب عليه ذلك؛ فإن لا يَكفُر بذلك، ولكنها كبيرة من كبائر الذنوب -أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- إلا إن اعتقد أنه يَسعُه أن لا يأمر ولا ينهى، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه لا يجب عليه؛ فهذا كُفر.
ولهذا: أرى أن هذه الجملة يُخشى أنه دخل فيها تصحيف، وأنَّه قد يكون صوابُها: ((وتكفير مَن تركها))؛ يعني: مَن ترك العبادة، تركها بالكلية، يعني: من ترك العبادة بالكلية؛ فلم يعبد الله -عزَّ وجلَّ-، وهذا -أيضًا- فيه تفصيل بحسب ما يترك مِن العبادة، فإذا تركها بالكلية -لم يتلفظ بالشهادتين، ولم يصل، ولم يؤد شيئًا من العبادات، وترك -أيضًا- عبادة القلوب-؛ فهذا كافر، وأما إذا أدى عبادة القلوب وتلفظ بالشهادتين وصلى؛ فهذا مسلم عند بعض أهل السُّنَّة، وعند بعضهم أنه لا بد -أيضًا- أن يؤدي الأركان الأخرى.
لكن هذا في مقابلة اللَّفظ الذي سيأتي يظهر أن هُناك [تصحيفًا] في الجُمل الأخيرة من هذا الموطن من كلام الشَّيخ -رحمهُ الله- لأنه عُرف بدقَّة الألفاظ.
فالتَّكفير إنما يكون لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تركهُ بالكليَّة ترك الاعتقاد -وهو اعتقاد وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجوارحه، وأمَّا إذا اعتقد وجوبه وقصَّر؛ فإنه مقصِّر في هذا الواجب، وقد نقص إيمانه بقدر ما نقص من الواجب؛ لكنه لا يَكفُر، ولهذا: ذكر شيخ الإسلام في قاعدة أهل السُّنَّة في التَّكفير؛ أن التَّكفير بهذه الأشياء إنما يكون بتركها بالكلية، قال: (لأن الواجب هو اعتقاد وجوب الواجبات وامتثالها، وفي المحرمات اعتقاد تحريم المحرمات واجتنابها)، يقول: (فإذا اعتقد وجوب الواجبات وتحريم المحرمات؛ فإنه لا يَكفُر؛ لأنَّه معه شيء من الإيمان، فإذا ترك الإيمان بالكلية -وهو الاعتقاد والعمل فيما أمر الله -عزَّ وجلَّ- به وما نهى عنه-؛ فإنه يَكفُر بذلك)، لو اعتقد فيما أمر الله -عزَّ وجلَّ- به أنه من الدِّين؛ فقال: (هذا ليس من الدِّين)! وأنكر وجوبه؛ بل لو أنكر المستحب فلو قال: (السِّواك ليس من الدِّين)! فإن هذا كُفر، أو قال: (إن إماطة الأذى من الطريق ليست من الدين)؛ فهذا كفر.
فإذن: ينبغي أن يُفرَّق وينبغي أن يُفهم، وإنما نبَّهت على هذه المسألة حتى لا يُفهم من كلام الشَّيخ ما لا يعتقده -لا هو ولا غيره-يعني في هذا المقام-.
وكلام أهل العِلم -أيضًا- ينبغي -مثل ما ذكرنا في التَّقسيمات- أن يُنزَّل منازلَه، فرق بين الوحي وبين كلام البشر، وأعني بـ(البشر) مَن يتكلمون عن اجتهادهم، وأما نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الذي هو بشر ولكنه لا ينطق عن الهوى وإنما يُخبر عن ربه -عزَّ وجلَّ-؛ فإن كلامه معصوم؛ فهذا -أيضًا- لا بُد من التنبيه لهذه المسألة.
و-أيضًا- أنبِّه لمسألة يسأل عنها كثير من الطلبة؛ يأتون في بعض كلام العُلماء ويقولون: (هذا والله مشكل مع كلامه الآخر)! هو -لا شك- أنه ينبغي لنا أن نطلب التَّوافق بين كلام أهل العِلم، وأن نحسن الظن بالعلماء، وأن نرجع إلى أهل العِلم في التَّوفيق بين كلام العُلماء حتى لا يُتوهَّم التعارض، لكن -أيضًا- ينبغي أن يُقرَّر في النفوس أن كلام العُلماء ليس بمنزلةِ النُّصوص -أنه لا يُمكن أن يتعارض، وأن يقال مهما بلغ من التعارض فإنه كلام العُلماء الذي لا يُمكن أن يتعارض؛ فلا بد من تخريجه!-؛ لا؛ لا بد مِن التفريق، ومِن الظلم: أن يُساوَى بين كلام رب العالمين وبين كلام رسوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وبين كلام العُلماء، كما أنه مِن الظلم -أيضًا-: أن يُساوى بين هؤلاء الأئمة العلماء الكبار الذين ضبطوا، وبين كلام غيرهم من العُلماء الذين هم دونهم، وكذلك مِن الظلم: أن يساوى بين كلام العُلماء وبين كلام الجهلة، أو يُساوى بين كلام أهل السُّنَّة وكلام أهل البِدَع.
انظروا إلى هذه التَّقسيمات؛ فالذي لا يتنبه لها قد يخطئ.
نحن إذا جاءت كلمة عن الشَّيخ عن الإمام محمَّد بن عبد الوهَّاب نتَّهم أنفسنا مرات قبل أن نقول هذا خطأ، ولو كان هذا في كلام غير الشَّيخ لسَهُل علينا أن نقول: (هذه الكلمة الأَوْلى أن نقول فيها كذا) -كما كنا نقول في كلام بعض مَن هم دون هؤلاء-، لكن إذا جاء مثل هؤلاء ينبغي أن يُعتَنى بكلامهم؛ لأنا ما جرَّبنا عليهم إلا الضبط؛ ولِهذا قلت: لعل في هذه الكلمة [تصحيفًا]، أو أن هناك [تقسيمًا]، أو أنها مجتزأة من كلام مفصَّل فنزعت من كلام مفصَّل فيكون التَّفصيل في موطن لم يُبيَّن هنا.
ولهذا: في كلام بعض النَّاس وقد لا نجتهد كثيرًا في التوفيق لما نعرف من بعض النَّاس مِن التناقض؛ بل إن بعض النَّاس الأصل في كلامهم التَّناقض! مثل كلام أهل البِدَع، وكلام -الآن- الذين يتكلَّمون بغير علم في الدِّين، فالأصل التَّناقض في كلام هؤلاء؛ لكن هؤلاء العُلماء الأصل فيهم الإصابة؛ لما جُرب منهم من مكانتهم -كما ذكرت في درس الأمس- من أنهم جمعوا بين الفقه والضبط، ووالله إن الإنسان ليَخشى على نفسه الفتنة عندما يتكلَّم في أمثال هؤلاء بالظُّنون، ولربَّما تجرَّأ على تخطئتهم وهو مُتجرِّئ في نقدهم دون أن يتثبَّت، كما أن الإنسان يَخشى -والله- على نفسه الفتنة أن تأتي كلمة مثل هذه الكلمات ويَحملُنا على تعظيمنا لعلمائنا أن لا نُنبِّه على موطن ما يُشكِل علينا في هذا الكلام، ونقول: لا ينبغي لنا أن نتكلَّم حتى لا يتجرَّأ النَّاس!!
كيف يتعلم طلاب العِلم؟! كيف [يتفقهون]؟ كيف [يُعلِّمون] مَن بعدهم إن لم يتربوا على هذا المنهج؟!
هنا -أيضًا- ذكر الشَّيخ الموالاة، ثم ذَكر: ((وتكفير مَن تركه))، وهذا إما أن يقال: ترك الأمر بالكليَّة -اعتقادًا وفِعلًا-، أو ترك العبادة التي إذا تركها كَفر، وهنا الأمر واضح بيِّن، يعني: سواء قُلنا (تركه) والضَّمير يرجع إلى الأمر، أو (تركها) الضمير يرجع إلى العبادة المأمور بها.
هنا ذكر الشَّيخ أربع مسائِل: الأمر الأول: الأمر بالعبادة. الثَّاني: التَّحريض عليها. الثَّالث: الموالاة فيها. الرَّابع: التَّفكير لمن تركها أو تركه.
فهنا أربع مسائِل، وهذه من المسائِل التي قلتُ أنها تؤخَذ من كلام أهل العِلم، وقد تبرَز -الآن- وتبيَّن وإن لم يَنص على هذه الأقسام، وهذا دليل على دقَّة المصنِّف في أنه عندما يتكلَّم أنه يعني ما يقول، وأنه عندما يَذكر هذه الجملة أنه يُركب كلامه على فهم صحيح وعلى أقسام صحيحة هو مُتصِّور لها، وليس كمَن يتكلم ثم يتأمل، فهؤلاء يتأمَّلون ثم يتكلمون.





يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 07-15-2010, 07:01 PM
الصورة الرمزية عمر الخالدي
عمر الخالدي عمر الخالدي غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 5,947
افتراضي

[تابع تفريغ أم زيد]

قال: ((الثَّاني: الإنذار عن الشِّرك في عبادة الله))
والإنذار: هو النَّهي عن الشِّرك في عبادة الله.

لاحظوا التَّقابل بين الكلام -وهذا مما يعين على حفظه-: (الأمر بعبادة الله.. الإنذار عن الشِّرك) يعني ثم قال: (في عبادة الله) في مقابل (الأمر بعبادة الله مع الإخلاص وعدم الشِّرك)، ثم ذكر (التَّغليظ) مقابل (التَّحريض)، و(المعاداة) مقابل (الموالاة)، و(تكفير من فعله) مقابل (الجملة الأولى).
((لإنذار عن الشِّرك في عبادة الله -عز وجل-)): وهذا هو الأمر الثَّاني والأصل الثَّاني وهو متعلِّق بالنهي، كما أن الأصل الأول متعلِّق بالأمر، فالأول أمر بالخير، والثَّاني نهيٌ عن الشَّر، والدِّين مداره على هذا؛ كما جاء في حديث حذيفة: (كان النَّاس يسألون النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشَّر مخافة أن أقع فيه)؛ فالسائلون إما أن يسألوا عن الخير وإما أن يسألوا؛ فدلَّ على أن العلم هو لهذين الأصلَين: معرفة للخير والعمل به، ومعرفة للشَّر وتجنُّبه.
قال:((والتَّغليظ في ذلك))هذا -أيضًا- نهي عن المخالفة على وجه التَّنفير منها؛ لأنَّ الذي يُغلِّظ في الشيء هو الذي يُنذر على وجه التَّنفير وعلى وجه التَّرهيب من هذا الأمر، وهذا كما قيل في التَّحريض.
((والمعاداة فيه)): المعاداة في أي شيء؟ المعاداة في الشِّرك؛ أن يعادي المشرِك، المعاداة في الشِّرك؛ وهو أن يعادي المشرِكين، ولا بُد من هذا الأصل، وهو أصلٌ في الإيمان، ومَن لم يوالي المؤمنين على إيمانهم ويعادي المشركين في شِركهم؛ فليس بمؤمن؛ الدِّين مداره على الإيمان، على الموالاة والمعاداة.
قال:((وتكفير مَن فعَلَه))إذا قابلنا بين الجملة الأولى والجملة الثَّانية ((تكفير مَن فعَلَه)) وقلنا الأول أنه مرجعه إلى الأمر، فلو قلنا -هنا- ((تكفير مَن فعَلَه)) ورجع الأمر إلى (الإنذار)؛ ما استقامت أبدًا؛ لأنه لا يُمكن أن يُكفَّر مَن يُنذِر عن الشِّرك؛ فهذا دليل على أنَّه لا بُد مِن تأمُّل هذا الكلام، ((تكفير مَن فعَلَه))هنا قد نعيد الضَّمير على الشِّرك أو على الإنذار؛ لأنه يستقيم في أن الشِّرك مُذكَّر، وكذلك الإنذار؛ لكن في الجملة الأولى لا يُمكِن أن يُعاد على العبادة؛ لأنه مؤنث، فإعادته على الأمر لا بُد فيه من التَّفصيل،((وتكفير مَن فعَلَه))لا يُمكن أن يُعاد الضَّمير على الإنذار -لأن هذا هو المطلوب-؛ فهذا دليل على أن الضَّمير هنا مرجعه على (الشِّرك).

هنا -أيضًا- تنبيه آخر: في أن هذا التَّقسيم مداره على الأمر مِن العبد والنهي عنه.
هناك تقسيمات أخرى يقال: الدِّين مبناه على أصلَين عظيمين: الإخلاص والمتابعة . . يقال الدين مبناه على أصلَين عظيمَين: العِلم والعَمَل؛ فهل هذه التَّقسيمات مُتعارضة؟ لا؛ لأن التَّقسيمات تكون باعتِبارات متنوِّعة؛ فهذا تقسيم باعتبار ما يجبُ على العبد، وهناك تقسيمٌ باعتبار العِلم والعمَل، وهناك تقسيمات مُتنوعة، ولهذا الذي لا يتنبَّه إلى مقاصد التَّقسيم؛ فإنه قد يتوَّهم التَّعارض بين كلام أهل العِلم.
والشَّيخ -هنا- عندما ذكر هذا التَّقسيم -أيضًا- ينبغي أن يُعرف مقصده من ذلك.
الشَّيخ في دعوته للتَّوحيد عاداه مَن عاداه وهم ليسوا على درجة واحدة؛ فمنهم مَن يُعاديه في مسألة التَّوحيد فيما يُنكِرون من التَّوحيد، وما يُنكِرون من الشِّرك الذي يُحذِّر عنه، فيُنكرون في بعض صُور الشِّرك أنها مِن الشِّرك، وبعضُهم لا ينكر هذا كما هو معروف في كتب الشَّيخ وفي مراسلاته أنهم يقولون نحن نعرف التَّوحيد ونعرف الشِّرك ونعرف أن التَّوحيد واجب، وأن الشِّرك محرَّم، وأن من وحَّد الله فهو في الجنة، وأن مَن أشرك فهو في النَّار؛ لكن كان بعضهم يقول: ليس لنا شأن في النَّاس، ولا ينبغي أن نشتغل بالنَّاس! ولهذا أنكروا على الشَّيخ قيامَه بدعوة النَّاس والقتال؛ قال: كيف يقاتل النَّاس؛ وإنما ينبغي له أن يدعو كما دعا العُلماء، فإن أطاعه النَّاس وإلا ترك.
فكانت له جهود كبيرة في بيان أنه لا ينفع النَّاس أن يقول (أنا موحِّد ولا أدعو إلى التَّوحيد، وأعرف المشركين ولا أنهى عن الشِّرك)؛ ولهذا يقسم هذا التَّقسيم في موطن مَن يقول (نحن نعرف التَّوحيد ونعرف الشِّرك؛ لكن لا ندعو إلى التَّوحيد ولا ننهى عن الشِّرك)؛ ولهذا يقول الدِّين مبناه على هذا -بهذا الاعتبار-، وهذا هو اعتبار خاص؛ وإلا لا يُمكن أن يقال الدِّين مبناه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الدِّين أصوله أعظم من هذا؛ فإذن: ينبغي التَّنبُّه إلى هذا.
وأرى أن الجامع -وفقه الله- لو أنه ذكَر مِن كلام الشَّيخ ما يدل على الأُصول العامة المطلقة في بعض كلامه في التوحيد -مثلًا- أن مبناه على العِلم والعمل؛ لكان هذا أشمل؛ لأن هذا إنَّما يذكره المصنِّف في بعض المواطن الخاصة فيمَن يُنكر الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر ويقول: (نحن على التَّوحيد وهؤلاء على الشِّرك، ونحن بريئون منهم؛ لكن لا نأمر ولا ننهى)! فيُبين أنه لا بُد من الأمر والنهي؛ الدِّين مداره على الأمر والنهي، الأمة إنما استحقت هذه الخيرية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

[المتن] ((شروط (لا إله إلا الله): الأول: العِلم بمعناها نفياً وإثباتاً)).
[الشرح] نعم؛ هذه المسألة مسألة عظيمة، وقد تميَّز الشَّيخ -رحمهُ الله- في بيانها وله جهود مباركة في تقريرها، وانتفع النَّاس بهذه المسألة حتى أصبحت -بحمد الله- معروفة لدى الصبيان؛ كلما ذُكرت (لا إله إلا الله) قالوا: (لها شروط) تنبهوا لها، وهذا من فضل الله -عزَّ وجلَّ- أن ينشر الله -عزَّ وجلَّ- هذا العِلم على يَد هذا الرجل بعد أن غفل النَّاس عن هذه الكلمة.
لطالما احتج المرجئة بأحاديث وبنصوص: "مَن قال لا إله إلا الله؛ دخل الجنة"، "مَن كان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة"؛ فقالوا: (هذه لا إله إلا الله تعصمهم من النَّار، وتعصم دماءهم في الدُّنيا؛ فكيف تُكفِّرون مَن قال لا إله إلا الله)؟
وأكثر خصوم الشَّيخ كانوا يُشنِّعون عليه في هذه المسألة؛ يقولون: يُكفِّر مَن قال لا إله إلا الله! فكان يقول لهم: من قال لا إله إلا الله؛ لا بد أن يمتثلها، لا بد أن يعتقد أنه لا شريك لله في الإلهية، وأنه لا شريك للنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في المتابعة، فيقولون -في كثير من كلامهم وفي ردودهم على الشَّيخ- أنه يُكفِّر أهل التَّوحيد من قال لا إله إلا الله -وكأنَّ التَّوحيد هو هذه الكلمة-، ويستدلون بأدلة يُنزِّلونها على غير فهمها الصَّحيح، ويقولون أن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- دعا إلى هذه الكلمة، يعني ثلاث عشرة سَنة وهو يدعو إلى كلمة التَّوحيد؛ فدل على أهميتها وأن الأمور الأخرى ليست بأهميتها؛ لا شك أن أهمية كلمة التَّوحيد ومنزلتها من الدِّين منزلة عظيمة، والشَّيخ يقرِّر هذه المسألة؛ لكن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عندما دعا لهذه الكلمة هل كان يُقرهم على الشِّرك أم كان ينهى عن عبادة الأصنام؟ ولهذا في أول دعوة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وهو يدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله؛ كانوا يُنكرون عليه هذا يقولون: سفَّه أصنامنا وآلهتنا، فأول ما بدأ النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بدعوته؛ بدأ بالدَّعوة إلى التوحيد والنهي عن الشِّرك، وأول ما أمر به؛ نهي عنه {وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ} في أول خطاب الله -عزَّ وجل- له بعبادة الله -عزَّ وجلَّ- أن يهجر الشِّرك والأوثان، فلم يفهموا -هؤلاء الخصوم، وكثير الآن من أهل البِدَع الذين يشنِّعون على أهل السُّنَّة من عبَّاد القبور ومن غيرهم الذين يقولون أن هؤلاء يُكفِّرون أهل الإسلام وأهل التَّوحيد ومَن قال لا إله إلا الله- بدعوى أن هذا هو الإسلام وهذا هو التَّوحيد، وأن الأمور الأخرى لا تؤثر في النُّطق بالشهادتين.
ولِهذا كثير الآن من الذين يريدون تجميع النَّاس، يقولون: (أهل الإسلام وأهل القبلة، كلنا نستقبل قبلة واحدة، ونقول: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمَّدا رسول الله، يقول كيف تكفِّرون المسلمين)؟ من هو المسلم؟ هو الذي قال الكلمة؟ عبد الله بن أُبَي كان يقول لا إله إلا الله، كثير من المشركين -الآن- الذين ماتوا على الشِّرك الأكبر يقولون لا إله إلا الله؛ فهل تنفعهم هذه الكلمة أن يقولها بلسانه وهو يخالفها باعتقاده وبقلبه ويموت -آخر ما يموت- وهو يستغيث بالأموات؟! لو كان القول واللسان ينفع؛ لكان المنافِقون انتفعوا بهذه الكلمة، لأنهم كانوا يقولونها؛ بل كانوا يضيفون إليها: أنهم كانوا يُصلُّون ويصومون ويُجاهدون.
فالشَّيخ -رحمهُ الله- كانت له جهود في بيان معنى هذه الكلمة العظيمة -وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّد رسول الله- ومن كلامه ومن جهوده: هو بيان شروط لا إله إلا الله، وأن هذه الكلمة ليست مجرد كلمة يقولها الإنسان وهو يعتقد بقوله لها أنه مسلم وأنه موحِّد وأنه لا يضره ما فعل؛ فذَكَر من شروطها العِلم بمعناها -نفيًا وإثباتًا-، وهذه مسألة عظيمة؛ يعني: ينبغي -أولًا- لمن قال هذه الكلمة أن يعلم ما يقول؛ وإلا يكون كالأعجمي يُردِّد هذه الكلمة لايعرف معناها، يتكلم بهذه الكلمة وهو لا يعرف معناها؛ فهذا لا يَنتفع؛ لأن ليس له قصد، ولهذا الآن الذي يتكلَّم بكلام وهو لا يَعنيه -مثل الذي يُغلَق عليه- فيقول كلمة؛ فإنه لا يحاسَب على هذه الكلمة. لو أن [رجلًا] غضب وقال كلمة الكُفر؛ كالذي قال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك" ما أوخِذ بهذه الكلمة لأن ليس له قصد، فكذلك قد يكون الجاهل الذي قد يقولها أحيانًا يقول كلمة وهو لا يعرف معناها.
بل حدثني أحد الدُّعاة في بعض مَن يظن أن هذه الكلمة بمجرد أن يقولها الرجل يدخل في الدِّين، يقول: أن أحد مَن يدعو الجاليات ومَن يدعو بعض الكفار، يقول: يُدخلهم، ويقول لهم: قولوا لا إله إلا الله، وكثير منهم ما يعرفون! قل لا إله إلا الله، يقول: يعطيه بطاقة أنه مسلم! وهم لا يعرفون ما معنى هذه الكلمة، يعني: هو أعجمي يقول له: قل لا إله إلا الله؛ يقول: لا إله إلا الله، يظن أنه يقول له: قل كلمة أي كلمة عادية يقولها، وهو لا يظن أنه هذه الكلمة إذا قالها يدخل بها في الإسلام؛ فهذا قالها مِن غير قصد، ولا يعلم ماذا قال!
مثل الآن: لو أن [رجلًا مسلمًا] جاء عند الكفار، ووقف في طابور في المطار أو غيره يقول: حتى نعطيك تأشيرة؛ قل كذا. فقال كلمة كُفر؛ فهل يَكفر بها؟ لا يَكفر بها؛ لأنه لا يدري ماذا قال؛ إنما لُقِّن كلمة فقالها، يظن أنه لا تضر دينَه؛ فكذلك إذا كان مثل هؤلاء.
وقد سألني هذا الأخ قال: هل يدخلون بهذه الكلمة الإسلام؟ قلت: لا؛ إلا أن يُبيِّن لهم يقول لهم: هذه الكلمة إذا قُلتموها تدخلكم في الإسلام -نعم قد يجهل تفاصيلَها ويجهل معانيها، هو معفو عنه حتى يتعلم-، لكن كونه يُردد كلمة يقولها وهو لا يدري عن معناها؛ بل قد يظن أنه يقول له كلمة تحية! يعني: نحن نحييك؛ فحيِّنا بهذه التحية! فيقولها وهو لا يشعر!! فهذا ليس له أجر هذه الكلمة، ولا يدخل في الإسلام بهذه الكلمة.
وأود أن تُضبط هذه الكلمة لأن أكثر ما يحصل مِن الأوهام في نقل الكلام، يعني: ينبغي أن تُفهم هذه الكلمة، أنا أقول: الذي يلقَّن لا إله إلا الله وهو لا يدري ما هذه الكلمة، وإنما قيل له قل فقال، وهو لا يدري أنها تُدخل في الإسلام؛ بل كما يأتي الرجل في الطريق يقول له: قل كذا؛ فيقول كذا وهو لا يدري ماذا يقصد، ولا يدري بما قال! لأن بعض -حقيقة- الأعاجم فيهم لين، وفيهم دماثة ... فقل له قل كذا يقول ما تريد أن يقول لك، وهو لا يدري ما معنى هذه الكلمة، ولا يدري إلى أي حد يبلغ بها، وإلا لو عرف أنها تخرجه من النصرانية ما قالها؛ فهؤلاء لا تنفعهم؛ لأنه ليس له قصد فيها.
أما أن يكون العجمي: إذا قُلنا له: قل لا إله إلا الله؛ لا بد أن نبيِّن له أنها تشتمل على نفي وإثبات، وأنه يعرف تفاصيلها، وأنها تقتضي أن لا.. هذا يصعب عليه، ولكن هو بحسب اعتقاده؛ إذا قال: أنا أريد الإسلام -الآن- فقولوا لي شيئًا وبيِّنوا لي أمرًا إذا قلتُه أو فعلته دخلتُ في دينكم؛ فقالها، وهو مجتهد في ذلك، وهو مُعتقد أن هذه الكلمة تدخله في الإسلام؛ فهذه تنفعه -إن شاء الله-؛ ولو مات بعدها يموت وهو على الإسلام؛ لكن لا بد أن يعلَّم بعد أن تُبيَّن له هذه الكلمة، فإذا قصَّر في طلب العِلم؛ فهو بحسب تقصيره.
فـ((العِلم بمعناها نفياً وإثباتاً))، وهذه الكلمة لنا فيها وقفة؛ لأن -حقيقة- كلام الشَّيخ يريد بهذا أن الذي يقول هذه الكلمة لا بُد أن يعرف معناها؛ يعرف معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، وما هو هذا المعنى؟ هذا المعنى له حدٌّ، وله أصلٌ، وله كمال؛ فأصله: هو أن يعلم أن هذه الكلمة تقتضي أن يَعبدَ الله وحده لا شريك له، في شهادة أن لا إله إلا الله، وأن يُتابع محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في طاعته لله ولا يتابع غيره؛ لا بد أن يعرف هذه الكلمة. وهذا هو الأصل.
وأما العِلم الكامل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله؛ فهذا والله خفي على كثير من المسلمين اليوم؛ لأن معرفة أن لا إله إلا الله، معرفة الله؛ هل عرفه كثير من النَّاس اليوم؛ عرف الله بأسمائه وصفاته؟ كثير من المسلمين عندهم نقص في المعرفة بالله. الأسماء والصفات يَسأل عنها -الآن- كبار طلاب العِلم تُشكل عليهم؛ فهل من قصَّر في معرفة الأسماء والصفات الآن يُقال أنه لا تنفعه كلمة التَّوحيد؟ هل مَن أشكلت عليه مسألة في توحيد العبادة -من طلاب العِلم، أو حتى من العوام، أو حتى من العُلماء- وهو مجتهد في معرفة دين الله -عزَّ وجلَّ-، لكن أشكلت عليه، وقال لا يعرف معنى كلمة لا إله إلا الله ويُكفَّر؟ لأن بعض النَّاس اليوم يُكفِّر بالجهل -وإن كان الرجل عاجزًا عن العِلم، غافلًا عن العِلم، لم يعرف العِلم-، وينسبون هذا للشَّيخ، مع أن كلام الشَّيخ الآخر مُبيِّن ومفسِّر لما يقرِّره هنا؛ أنه لا يُكفِّر [كثيرًا] من عُباد القبور والذين يعبدون الحسين والبدوي؛ قال: (لجهلهم)، وما قال هؤلاء لا تنفعهم لا إله إلا الله؛ بل بيَّن لوُجود الشُّبَه ولعدم تنبيهِهم؛ فإذن: ينبغي أن يقرَّر كلام الشَّيخ وأن يُفسَّر بكلامه الآخر الذي هو مُبيِّن وموضِّح له.
فإذن: العِلم له أصل بـ (لا إله إلا الله)، لا بد أن يعرفها، ومقدار هذا العِلم ما ذكره الشَّيخ في بعض كلامه قال: (أنا لا أُكفِّر إلا مَن عرف هذا دين النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وتركه وصدَّ عنه، وعرف أن هذا دِين المشركين واتَّبعه)؛ لاحظوا العلم الذي بيَّنه الشَّيخ.
أمَّا من وقع في شيء من الجهل بدعوى أنه يعتقد بجهله أن هذا من دين النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ فإنه لا يؤاخَذ بهذا؛ لكن يجب على المسلمين أن يعلِّموه، وأن يُبيِّنوه، وأن يقوموا بأمر الدعوة.
ولهذا هذه المعرفة قال بعضُ العُلماء في تفسيرها: يعني معرفة أبي جهل، لا معرفة أبي بكر.
مَن الذي عرف الله وعرف رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وعرف سُنَّته كمعرفة أبي بكر وعمر؟ لا يوجَد الآن في الأمة مَن بلغ هذا العِلم والفِقه، ولكن معرفة أبي جهل هذه قامت بها الحجة؛ ولهذا قالوا {أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}، هذه المعرفة إذا عرف النَّاس أن معنى (لا إله إلا الله) هو ترك عبادة كل ما سوى الله -عزَّ وجلَّ-؛ فهؤلاء عرفوا معنى (لا إله إلا الله) ، فإذا قَبِلوها؛ فإنها تنفعهم واعتقدوا أن لا إله إلا الله، وإذا تركوها فقامت عليهم الحجة بذلك؛ فهُم من أهل النَّار.
ولهذا الشَّيخ نفسُه نبَّه -رحمهُ الله- في مسألة فَهم الحُجة، قال: (أنا لا أشترط أن يفهموا فهمَ أبي بكر وعمر)، وبيَّن الفَرق بين الفهم المجمَل والفهم المفصَّل، فلو قُلنا بالعلم بالله -عزَّ وجلَّ- واللهِ لَقصر عنه كثير من النَّاس؛ بل قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة في قول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " لا أُحصِي ثناءً عليك " قال: (وهذا دليل على أنه لا يَعلم الأسماء الحسنى كلَّها، ولو علِمها لأحصى ثناءً عليه)؛ فالرب -عزَّ وجلَّ- أعظم وأجل مِن أن يعلمه النَّاس العِلم الحقيقي الذي هو عليه مِن الكمال؛ ولهذا: إنما خاطبنا الله -عزَّ وجلَّ- بما يتناسب مع حالِنا، ولم نخاطَب بالكمال المطلَق الذي نَقصُر عنه، ولهذا لم نخاطَب بالكيفيَّة، ولهذا: في الكيفية مِن الكمال ومن عظمة الرَّب -عزَّ وجل- ما لا تكاد تُطيقه العقول؛ لضعف العقول وليس لأن هذا متعارَي؛ لكن لضعف العقول عن ذلك؛ ولِهذا قال بعض أهل العِلم: أن وجه عدم مخاطبة الأمة بالكيفيَّة في الصفات؛ لضعف عقولهم، كما أنهم لضعف أبدانهم عن رؤيته في الدُّنيا مُنعوا منها؛ كذلك مُنعوا من العِلم بالكيفيَّة، أو أنهم حُجب عنهم هذا الباب وما خوطبوا به؛ فإنهم يجب عليهم أن يؤمنوا به في هذا الباب.
قال: ((العِلم بمعناها نفيًا وإثباتًا))؛ (نفيًا) ما دل عليه النفي من نفي العبادة عن غير الله -عزَّ وجلَّ-، وإثبات العبادة لله -عزَّ وجلَّ-، (إثباتًا) للعبادة لمن هو مُستحق لها وهو الله، ونفيها عن غير الله -عزَّ وجلَّ-، وكذلك الشهادة الأخرى إثبات المتابعة للنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ونفيها عن غير النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، لكن مَن أمر بما أمر به الله -عزَّ وجلَّ- ونهى عما نهى الله -عزَّ وجلَّ- وأمر بما أمر به النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ونهى عما نهى عنه النَّبي؛ فإنه يُطاع لذلك؛ ولهذا: ليست الطاعة المطلَقة إلا لله ولرسوله، والناسُ إنما يُطاعون بطاعة الله وطاعة رسوله، ولهذا: لا طاعة للأمراء ولا العُلماء ولا المخلوقين إلا بطاعة الله -عزَّ وجلَّ-؛ إنما الطاعة في المعروف. نعم.
[المتن] ((الثاني: اليقين: وهو كمالُ العلم بها، المنافي للشَّكِّ والرَّيب)).
[الشرح] الشَّرط الثَّاني: (اليقين)، وهنا مِن دقَّة الشَّيخ -رحمهُ الله- أنه يَذكر الشَّرط ويذكر ما يضاده، قال: ((ليقين: وهو كمالُ العلم بها، المنافي للشَّكِّ والرَّيب))، وهذا من دقة الكلام ومن أهم ما يكون؛ لأنه يَذكر الشيء ويبيِّنه ثم يذكر ضده، والعُلماء يقولون: (وبضدها تتبين الأشياء).
وهذا من سعة فهم الشَّيخ -رحمهُ الله- وفِقهه، وكذلك من حرصه على الأمة أن يبيِّن للناس ما يجب عليهم مما أُمروا به ويحذرهم من ضده.
اليقين: وهو كمال العِلم بها.
وهنا فسَّر اليقين بكمال العِلم؛ لبيان أن اليقين إنما يحصل بالعلم، ولهذا لو تأملنا القسمة في العِلم والجهل؛ فهناك علم وجهل، فالشَّك مرجعه إلى الجهل، واليقين مرجعه إلى العِلم، ولهذا لما كان العِلم على مراتب؛ كان اليقين على مراتب؛ فهناك علم اليقين وهناك (عين اليقين) و(حق اليقين)، والشَّك مرجعه إلى الجهل، ولهذا لا تجد الشَّك عند العلماء؛ وإنما تجد هذا عند الجهلة، ولا تجد اليقين عند أهل الجهل؛ وإنما يوجد عند العلماء، ولن تجد العُلماء على درجة واحدة من اليقين لتفاوت عِلمهم.
فإذن: الذي قرَّره الشَّيخ هنا اليقين، ولم يذكر مراتب اليقين لبيان أنه إذا حصل اليقين فحصل الواجب هنا، ولهذا ذَكر اليقين الذي ينافي الشك، ولا شك أنه إذا كَمل عِلمه فإنه يرتفع يقينُه إلى أن يبلغ درجة عالية وهي التي أشار إليها النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه " هذه قوة في العِلم وهي مرتبة (عين اليقين)، وأمَّا (حق اليقين) فإنه يحصل للمؤمنين في الجنة عندما يَرون الله، فإنه يحصل لهم من العِلم ما لم يكن موجودًا عندهم في الدنيا، ويحصل لهم مِن قوة الإيمان ما لم يكن موجودًا عندهم في الدنيا؛ ولهذا إذا رأوا الله ماذا يقولون؟ يتمنى الشهداء أن يَرجِعوا وأن يُقتَلوا في ذاتِ الله سبعين مرة، هذه المرتبة حصلت للنبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الدنيا؛ وتمنى أن يقتل في ذات الله مرات، وهذا دليل على علو علم النَّبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن غيره من النَّاس، فكثير من الشهداء قد لا يَستحضر هذا المعنى، لكن مَن كمل يقينه في الله -عزَّ وجلَّ-؛ فإنه تَسهُل عليه نفسه، ولهذا ارتفع اليقين عند بعض أصحاب النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إلى أن يُقتل فيبتسم ويقول: (فُزتُ وربِّ الكعبة)؛ يقين! مَن الذي -الآن- يحصل له هذا الأمر؟ كثير من النَّاس يصبر، لكن لا يحصل له أن يبتسم، وأن يكون هذا دليل على اليقين، وهذا -الآن- الإيلام بالقتل في سبيل الله -عزَّ وجلَّ- هو عنده فوز، وكأن -سبحان الله!- هذا البدن خرج عن طبيعته في أن الإنسان يتألَّم في موطن الألم وهو يبتسم! وهذا مرجعه إلى مسألة مهمَّة: وهو أن الروح قد تغلب البدن، فالإنسان بسعادة الروح قد يكون البدن متعب وهو من أسعد النَّاس، وقد يكون العكس: البدن منعَّم والروح تعيسة -بحسب علاقة الروح والبدن-؛ فالروح لها غلبة على البدن، وكذلك أعمال الباطن لها غلبة على أعمال الظاهر.
فإذن: لا بد من اليقين، وهو أن يكون المسلم على يقين؛ لا يكون شاكًّا في معناه متردِّدًا، لا بد أن يستيقن هذه الكلمة، وهذا يوجب ما سيذكره المصنِّف بعد ذلك من الشروط.
[المتن] ((الثالث: الإخلاص المنافي للشِّرك)).
[الشرح] بعد أن قرر الشَّيخ -رحمهُ الله- العِلم بها، واليقين بها؛ هنا تحقَّق المقصود في أنْ يقولها القائل وهو عالِم بها مُستيقن لمعناها، لكن هل ينفع هذا؟ يعني: لا بد من الإخلاص لله -عزَّ وجلَّ-، ولهذا اليقين يورِث الإخلاص {إنَّما يَخشَى اللهَ مِن عِبادِهِ العُلمَاءُ}؛ يعني: من الذي يخشى الله؟ العُلماء، أهل اليقين، ولهذا من هم أهل الدعوة؟ أهل اليقين، شيخ الإسلام يقول: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين) الدَّعوة أمرها ليس بالأمر الهين؛ لأنها خصومة مع الخلق كلهم، يعني: من يدعو إلى الله، يدعو إلى السُّنَّة؛ كل أهل الشِّرك خصومه، كل أهل البِدَع، كل أهل المعاصي، أهل الحسد، أهل الدنيا كلهم خصومه؛ ولهذا ما دعا إلى الله أحد متجردًا للسُّنة والحق إلا خوصِم، خاصمه أهل الشِّرك، أهل البِدَع، أهل الدنيا، أهل الحسد؛ فهذا يحتاج ليقين؛ أن يكون الإنسان يعلم أن ما هو عليه أنه أنفع له وأسعد له، وإلا لو نظر الإنسان لراحة الدنيا؛ فالإنسان أريح له في الدنيا وأبعد له عن الفتنة؛ أن يتجنَّب النَّاس.
ولهذا: كثير من المسائِل -أنا أذكر- قيل لبعض أهل العِلم: تكلموا! قالوا: والله؛ ليس لنا قدرة على مواجهة النَّاس. وأذكُر أن بعضهم في مسائل كان يخشى أن يتكلم حتى لا يبدَّع ولا يُخرج من السُّنَّة، يقول: أنا ما أستطيع يبدعوني يخرجوني من السُّنَّة! يعني: اليقين يضعف عند بعض الناس حتى أنه يخشى أن يقال له مُبتدِع، أن يقال له كذا! وهذا -للأسف- ضعف في اليقين! هل يضرك فلان؟ هل لدينا يقين -الآن- بقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لابن عباس: "واعلَم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وأن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" أين هذا اليقين؟
فالدِّين كلنا -الآن- ندعي الإيمان، ندعي العِلم؛ لكنْ يراجع الإنسان نفسه: هل تخشى النَّاس في هذه المسألة؟ هل تخاف من فلان وفلان؟ فهذا اليقين هو الذي حمل هذا الرجل الإمام أن يقومَ في وجه العالَم يدعو إلى التَّوحيد والكل يعارضه حتى أقرب النَّاس إليه! سبحان الله! أقرب النَّاس إليه عادوه في هذه الدَّعوة، وقالوا: هذا أتى ليسفِّه النَّاس، أتى ليُخالف الأئمة الأربعة، يكذب على العلماء، اتَّهموه بالسِّحر، اتهموه بالعمالة للانجليز . . أمور عظيمة؛ مع هذا صمد؛ ولهذا أورث الله -عزَّ وجل- هؤلاء عِز الدنيا والآخرة -لما نرجو لهم إن شاء الله من عِز الآخرة-، وأما عز الدنيا فظاهر.
فهذا لا يكون إلا باليقين؛ لأنه لا يُمكن مواجهة هذه الأمور إلا مع يقين يُقاوم المتاعب، يقاوم المصاعب، يقاوم الكيد والمكر. نعم.
[المتن] ((الرابع: الصدق المنافي للكذب)).
[الشرح] ((الصدق المنافي للكذب)) وهو أن يكون صادقًا في هذه الكلمة، إذا قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ لا يكون كالمنافقين الذين يقولون بألسنتهم وشهد الله -عز وجل- على كذبهم بقلوبهم، يكون صادقًا.
والصِّدق ليس كما يظن بعض النَّاس، وهذا-أيضًا- من القصور في الفهم أن الصِّدق متعلِّق باللسان، لا؛ صدق اللسان، صدق القلب، وصدق العمل؛ ولهذا: بعض النَّاس قد يصدق بلسانه لكنه لا يصدق بعمله، وقد يُصدِّق النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فيما يقولُه؛ لكنه لا يُصدِّقه في بعض الأمور؛ يعني: لازم مَن يخشى النَّاس كأن عنده [ضعفًا] في العِلم بقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: "أن الأمة لو اجتمعوا أن ينفعوك أو يضروك" هل صدقناه في هذا؟ فإذا صُدق في هذا؛ لا بُد أن يورث هذا الصدق في العمل، إذا صدَّقناه في القول؛ فهذا يورث الصدق في العمل، وأن نكون على يقين مِن أن هذا الدِّين الذي جاء به النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأن نُصرته عزٌّ لنا في الدنيا والآخرة، وأن الأمر من الله -عزَّ وجلَّ- هو الذي يخفض ويرفع، هو الذي يُعز ويُذل، هو الذي بيده النفع والضَّر؛ وإلا النَّاس لا يستطيعون أن ينفعوا أو يضروا.
ولهذا حصل من الخليلين -مِن نبينا-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-ومن إبراهيم- من المقامات العظيمة في ذات الله واليقين بما عند الله -عزَّ وجلَّ- ما لم يحصل لغيرهما.
ونبَّه شيخ الإسلام على كثير من المواقف؛ من موقف إبراهيم الخليل وهو شاب يُلقى في النَّار وليس له حول ولا قوة وليس له معين وهو على يقين بالله -عزَّ وجلَّ-، وإن ثبتت القصة في تعرُّض الملَك له: (هل لك من حاجة؟ يقول: أما إليك فلا، وأما إلى ربي؛ فبلى)، قال: لو لم تثبت بسندها؛ فإن هذا موافق لهديِه -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنه كان على يقين بربِّه -عزَّ وجلَّ-.
كذلك النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تقف له قريش بأكملها، ويَعرضون عليه الأموال، ويعرِضون عليه الجاه، ويعرضون عليه ما كان عندهم من منزلة وأن لا يحط مِن قدره بعد أن بلغ ذلك، مع هذا يصمد في دعوته، يكون هذا يقين وصِدق مع الله -عزَّ وجلَّ-.
فإذن: ((الصِّدق المنافي للكذب))؛ أن لا يقولها بلسانه وهو كاذب يخالفها بقلبِه، ممتثلًا لها، صادقًا فيما يقول بقلبه وبلسانه. نعم.





يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 07-15-2010, 07:03 PM
الصورة الرمزية عمر الخالدي
عمر الخالدي عمر الخالدي غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 5,947
افتراضي

[تابع تفريغ أم زيد]

[المتن] ((الخامس: المحبة لهذه الكلمة ولِما دلت عليه والسرور بذلك)).
[الشَّرح] نعم ((المحبة لهذه الكلمة ولِما دلت عليه)) هذا -أيضًا- من لوازم ما تقدم؛ إذا كان عالمًا مستيقنًا مخلصا لله، صادقًا فيما يقول، مصدقًا بما يترتب عليه من الثواب العظيم؛ فلا بد أن يحب هذه الكلمة، وكيف لا يحب هذه الكلمة ونجاته في الدنيا والآخرة بها؟ وعزه في الدنيا والآخرة بها؟ ونصرة الله -عزَّ وجلَّ- له بها؟ وأنقذه الله -عزَّ وجلَّ- من الشِّرك بها بهذه الكلمة؛ كيف لا يحبها؟ إذا كان الناس -الآن- أموالهم لانتفاعهم بها في الدنيا؛ فكيف لا يحب مَن سعادته في الدنيا والآخرة بهذه الكلمة العظيمة؟! ولهذا: واللهِ فرح المؤمنين لهذه الكلمة ومحبتهم لها لا يعدله شيء، ولو أن الإنسان جُرِّد مِن كل نعمة وليس له ما يكسو بدنَه في صحراء، وليس له ما يَطعم وما يأكل، ورزقه الله هذه الكلمة؛ أنه يستشعر السعادة العظيمة بهذه الكلمة بعد أن مَنَّ الله عليه -عز وجلَّ- بها وحرم منها الكثير من النَّاس؛ فهو يحبها، ويحب العمل بها، ويحب العاملين بها، ويعادي من انحرف عنها ومَن انصرف عنها. نعم.

[المتن] ((السادس: الانقياد لحقوقها، وهي الأعمال الواجبة -إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته-)).
[الشَّرح] نعم؛ ((الانقياد لحقوقها)) هذه مسألة مهمَّة؛ فهل يكفي في النطق بالشهادتين أن يقولها بِلسانه ولا يمتثلها عملًا؟ هذا لا يُمكن أن يحصل الإيمانُ بها مع تخلُّف العمل، كيف لمن يصدُق في قوله أشهد أن لا إله إلا الله ولا يعبد الله؟! ويشهد أن محمَّدًا رسول الله -عليه الصَّلاة والسَّلام- ولا يتَّبعه في شيء ولا ينقاد له؟!! ولهذا كذب من زعم أنه يشهد أنه لا إله إلا الله ويعبد غير الله، ويشهد أن محمَّدًا رسول الله ويتبع غير النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وهذا كذب، وهذا مُخالف للانقياد؛ ولهذا: الكاذب لا يُمكن أن يَنقاد، كما ذكر أن الصدق مهم؛ كذلك الانقياد، فإذا كان صادقًا فلم لا يصدق في العمل وينقاد بهذه الكلمة -انقياد لحقوقها؟ وأعظم حقوقها أن يعبد الله، وأن يتجرَّد من الشِّرك، وأن يبرأ من الشِّرك، وأن يكون مُنقادًا لهدي النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، مُحكِّمًا له، لا يعرف عقلًا، لا يعرِض السُّنَّة على عقلِه.
ولهذا النَّاس يتفاوتون: منهم مَن يأخذ من السُّنَّة بعض الأمور ويترك بعضها -كما تلاحظون الآن في الخلل في الاتباع-! منهم مَن قد يأخذ العَقيدة كاملة ولكنه مفرِّط في العمل -في المعاملات، في الأموال، في المكاسب-! منهم مَن يأخذ من التَّوحيد توحيد الرُّبوبية ويترك توحيد العبادة! منهم من يأخذ من التَّوحيد أنواع التَّوحيد الثَّلاثة؛ لكنه يترك العبادة -صاحب فسق-؛ يعني: مثل فسقة الموحدين ما عنده خلل في التَّوحيد لكن عنده [معاصٍ]! من النَّاس -الآن- مَن يرى أن الدِّين في المسجد وأما في الخارج فيفعل ما يشاء! من النَّاس مَن يرى أن الدِّين عبادة أمَّا الدعوة إلى الله لم يأت الدِّين بمنهج صحيح في الدعوة فيأتون بمناهج مُبتدِعة! من النَّاس مَن يرى أن الدِّين بمعزل عن الدَّولة! من النَّاس مَن يرى أنه في تربيته لأبنائه ما يجد في كتاب الله ما يَعرف أن يُربي به أبناءَه فهو يبحث -في منهجه في تربية أبنائه- في كتب الغربيِّين والشَّرقيِّين واليهود والنصارى!
لاحظوا الخلل -الآن-! هل -الآن- دين النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، هدي النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- هو كامل، صالح لكل زمان ومكان، صالح لكل مسألة، أغنانا الله -عزَّ وجلَّ- به عن كل منهج مُبتدِع، عن كل مقالة؟ أم أن فيه [خللًا] يحتاج إلى أن يُكمَّل؟ إذا صدق النَّاس في هذا؛ رجعوا إلى دين النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، رجعوا إلى حديث النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، رجعوا إلى هدي النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
لكن: هنا لا بُد من التَّنبيه -أيضًا- لمسألة حتى لا يحصل الوهم: الانقياد هناك له أصل لا بُد منه؛ وهو الانقياد لـ(لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا رسول الله)، هذا موجود، ولِهذا هذه الأمثلة: هل نُكفِّر كل هؤلاء؟ هل انقادوا لـ(لا إله إلا الله)؟ انقادوا لها؛ لكن: منهم المسلم ومنهم الكافر؛ فالذي لم ينقد إلى أصل التَّوحيد هذا كافر، لكن الذي عنده خَلل في العبادة، عنده خلل في بعض المسائِل لا تصل إلى الشِّرك؛ يعني: الخلل لا يصل إلى الشِّرك؛ تقصير في بعض الأمور، عدم المحافظة على الصلاة، على العبادات . . هؤلاء ما انقاد ذلك الانقياد، لكنَّ هذا الانقياد هو نقصٌ في الواجب مِن دينهم، نقص في الأمر الواجب مِن دينهم.
ولهذا: هناك أصل للانقياد إذا تَركه المسلم كَفَر، وهذا الذي أشار إليه الشَّيخ في أنه إذا لم يَحصل له الانقياد فإنه لا ينتفع بها، وأما الانقياد الكامل لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله؛ فلو قُلنا بهذا؛ لخرجنا من الدِّين؛ هل انقدنا الانقياد الكامل لمعنى (لا إله إلا الله)، ولم نخشَ إلا الله؟ ولم نعظِّم إلا الله -عزَّ وجلَّ-؟ أو أن هناك [ضعفًا] يحصل؛ نعظِّم الدنيا تعظيمًا قد يؤثِّر في عبادتنا، نخشى النَّاس خشيةً قد تؤثر في استقامتنا؟ فهذا ضعف موجود في المسلمين.
ولهذا: كذلك التقصير في هذه الأمور؛ فإنه نقص لا شك أنه في الدِّين، ولِهذا لو كمُل علم النَّاس بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًا رسول الله، وكمل يقينُهم وتصديقهم وانقيادهم؛ ما تَركوا شيئًا مِن دين الله -عزَّ وجلَّ-، ولِهذا هؤلاء هم الذين ينتفعون بشهادة أن لا إله إلا الله يوم القيامة انتفاعًا عظيمًا، وهؤلاء هم الذين وردت فيهم النُّصوص -أيضًا- أن " مَن قال لا إله إلا الله دخل الجنة "، وهذا يقتضي أن [يدخلوا] الجنة ابتداءً، لكن إذا ما امتثلوها في العمل، واجتهدوا في تحقيق الانقياد الواجب.
فإذن: هناك انقياد هو أصل إذا تركه المسلم كَفر، وهناك انقياد واجب إذا حقَّقه المسلم دخل الجنة ابتداءً، وهناك انقياد كامل إذا قام بالانقياد الكامل كان مِن أهل أعلى الدَّرجات في الجنة.
ولهذا قال: ((هي الأعمال الواجبة -إخلاصًا لله وطلبًا لمرضاته-)) يعني هذا مِن الانقياد. نعم.
[المتن]((السابع: القبول المنافي للرَّد)).
[الشَّرح] نعم؛ ((القبول المنافي للرَّد))، وهو قبول هذه الكلمة.
وهذا أخَّره الشَّيخ وإن كان قد يُقال أن حقَّه أن يقدَّم؛ لأن هذه الكلمة أول ما يسمعها النَّاس إما أن يقبلوها أو يردُّوها، ولعله أشار القبول استمراره، وهو أن يَقبَلها -أولًا- بالتلفظ بها واعتقادها، ثم الاستقامة عليها حتى يموت؛ لأن مَن قَبِلها ثم ترك؛ فإنه لم يَقبلها، فكأنه يشير إلى أن يَبقى عليها؛ أن يكون مستمرًّا مستقيمًا عليها؛ كما قال النبي -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " قُل آمنتُ بالله، ثم استقِم " يعني: هو يحتاج إلى أمرين: أن يقول (آمنت بالله)، وأن يستقيم على الإيمان بالله، وهذا هو القبول؛ لأن القبول الذي يَتْبَعه ردٌّ ليس هذا بالقبول النَّافع.
ولِهذا (الرِّدة) -والعياذ بالله- هو أن يرتدَّ بعد أن قَبِل الإيمان، وإلا ما يمكن أن يكون [مرتدًّا]؛ لأنه لو كان كافرًا من الأصل ما يقال أنه مرتد، (المرتد): هو مَن أسلم ثم ارتد -والعياذ بالله-؛ فهذا هو الرَّد لـ (لا إله إلا الله).
فهذا فيه إشارة إلى أن يقبل هذه الكلمة، وأن لا يرتد عنها، وأن يقبلها وأن يكون مستقيمًا عليها إلى أن يلقى الله -عزَّ وجلَّ-.
[المتن] ((أدلة هذه الشروط من كتاب الله تعالى ومِن سُنَّة رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-:
دليل العِلم: قوله تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد:19]، وقولُه: {إِلَّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ}؛ أي: بـ (لا إلهَ إلا الله)، {وهُم يعلَمونَ} [الزخرف:86]؛ بقلوبهم ما نطقوا به بألسنتهم)).
[الشَّرح] ذكر المصنِّف -رحمهُ الله- على طريقته في تقريره للعلم؛ أنه يَذكُر المسائِل ثم يذكُر الأدلة عليها، وهذا ما سبق أن قرَّره في "الأصول الثلاثة" وفي غيرها؛ أنه لا بُد من معرفة الدِّين بأدلته، وهذا الذي يورِث اليقين الذي أشار إليه.
دائمًا أنا أنبِّه: على أن العلم -كما ذكر العلماء- أنه لا بُد أن يُبنَى على الدليل؛ ولهذا: كلام النَّاس -الآن- لا يقين فيه، أنت لا تتيقَّن عصمة عالم -مهما بلغ من العِلم-، ولكن تتيقَّن عصمة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، تتيقَّن عصمة الوحي، فمَن أراد اليقين بِعلمه؛ فليطلب الدليل المُتيقَّن، وهذه الأدلة مما يُعين على أنَّ ما قرَّره الشيخ هنا . . نحن نثق بعلم الشَّيخ، ولكن: لو قيل لنا هذه القواعد أو هذه الشروط؛ مَن الذي قرَّرها؟ نقول قرَّرها الشَّيخ محمَّد بن عبد الوهَّاب؛ كثير من النَّاس يأخذون الكلام ويتركون الأدلة، فبعض النَّاس يقول: (الشيخ قد يعارضه غيره)؛ لكن إذا عرفت هذا الدليل، وعرفت هذه المسالة وعرفت دليلها؛ تعلم أنه لا يُمكن أن يُعارَض هذا الدَّليل؛ فهنا يحصل اليقين.
وهذا من فِقه الشَّيخ -رحمهُ الله-؛ ولهذا: وفِّق في دعوته، يعني: تنبُّهه لمسائِل كثيرة يغفل عنها كثير من النَّاس، يُقرِّرون المسائل بمعزل عن الأدلة؛ فيَذكُر المسائل ثم يذكر الأدلة مقترنةً بها.
ذَكَر دليل العِلم؛ وهو قول الله -عزَّ وجلَّ-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}؛ إذن: هذا دليل على العِلم {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}؛ دليل على أن العِلم واجب، والأمر إذا جاء من الله -عزَّ وجلَّ- يقتضي الوجوب ما لم يصرفه صارف.
وكذلك قول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قال بعض العُلماء: يَعلَمون (لا إله إلا الله) -كما ذكر المصنِّف هنا-، والصَّحيح: أن العِلم أوسع من هذا، ولكن علم (لا إله إلا الله) هو من أعظم العِلم الذي يعلمه هؤلاء، {إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فأعظم شهادة هي شهادة أن لا إله إلا الله، وأعظم العلم هو العِلم بـ (لا إله إلا الله)؛ ولهذا دلت هذه الآية -كما دلت الآية من قبلها- على وجوب العِلم بشهادة أن لا إله إلا الله. نعم.
[المتن] ((ومن السُّنَّة: الحديث الثابت في الصحيح: عن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " مَن مات وهو يعلمُ أنه لا إله إلا الله؛ دخلَ الجنةَ ")).
[الشَّرح] نعم، قال: ((من السُّنَّة: الحديث الثابت في الصحيح: عن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " مَن مات وهو يعلمُ أنه لا إله إلا الله؛ دخلَ الجنةَ ")).
لاحظوا: ما قال: (من مات وهو يقول لا إله إلا الله) -فقط-؛ وإنما بيَّن: " مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله؛ دخل الجنة "؛ فدل على أن القول لا بُد أن يصحبَه العِلم، وليس -أيضًا- للمُرجئة أن يحتجُّوا بهذا الحديث فيقولون: ما ذُكر القول مَن عَلِم لا إله إلا الله، مَن عرف لا إله إلا الله دخل الجنة؟ نقول لهم: اجمعوا مع هذا الحديث الحديث الآخر: " أُمِرت أن أقاتل النَّاس حتى يقولوا لا إله إلا الله " فاجتمع الحديثان على أن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أُمِر أن يقاتل النَّاس حتى يقولوا (لا إله إلا الله)، ويَعلَموا (لا إله إلا الله)؛ فالأحاديث والسُّنَّة يُفسِّر بعضها بعضًا.
ولِهذا: فتنة أهل البِدَع أنهم أخذوا ببعضِ أطراف النصوص فاحتجَّ المرجئة؛ هذا قد يحتج به المرجئة: " مَن مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة "؛ يقولون: العِلم بالقلب ومعرفة؛ عرف لا إله إلا الله؛ دخل الجنة! لكن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- هل قَبِل العلم منهم وعصم دماءهم؟ أم أنه بيَّن أنه لا بُد أن يقولوا (لا إله إلا الله) " أُمرت أن أقاتل النَّاس حتى يَشهدوا أن لا إله إلا الله "، " حتى يقولوا لا إله إلا الله "؛ لا بد من الشهادة والقول؛ ولهذا: أجمع أهل السُّنَّة؛ بل قال شيخ الإسلام: (أجمع المسلمون على أن مَن لم يتلفظ بشهادة أن لا إله إلا الله ليس بمسلم -ولو اعتقد بقلبه-)؛ فلا بد من التلفظ بها مع الاعتقاد، والاعتقاد لا بُد من العِلم به. نعم.
[المتن] ((ودليل اليقين: قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحجرات:15]؛ فاشترط في صِدق إيمانهم بالله ورسولِه كونهم لم يرتابوا؛ أي: لم يَشُكوا، فأما المُرتاب؛ فهو مِن المُنافقين)).
[الشَّرح] نعم؛ هنا دليل اليقين؛ قال الله -عزَّ وجل-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ} هذا حصر؛ يعني: إنَّما أهل الإيمان هم هؤلاء؛ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} حقَّقوا الإيمان بالله ورسوله؛ هذا الإيمان بالله؛ إيمان بشهادة أن لا إله إلا الله، والإيمان برسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ الإيمان بأنه رسول الله.
{ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} يعني: هذا الوصف متعلِّق بحقيقة الإيمان؛ ليس بمُؤمن إلا مَن آمن بالله ورسوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ولم [يرتَب] في هذا الأمر، حصل له يقين وارتفع الشَّك الذي حصل للمُنافقين، للمُشركين، للشَّاكِّين في هذا الأمر .
{ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا} ثم لما تحقَّق عندهم اليقين؛ امتثلوا العمل وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم؛ يعني: لاحظوا النصوص كيف أنها تدل على الحق؛ إيمان ويقين، ثم امتثال للعمل {وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} أطلق الصدق على ماذا؟ على القول والعمل؛ لأن مِن الإيمان بالله قول لا إله إلا الله، من الإيمان بالنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- شهادة أنه رسول الله، ثم بعد ذلك ذكَر الأعمال؛ الإيمان، وذكر جهادهم بأموالهم وأنفسهم، ثم قال: {أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} صدقوا بألسنتهم وبقلوبهم وبأعمالهم؛ فصِدق اللسان عندما تلفَّظوا بهذه الكلمة، وصدق القلب عندما تيقَّنوا، وصدق الجوارح عندما امتثلوا؛ فوصفهم الله -عزَّ وجلَّ- بأنهم هم الصَّادقون. نعم.
[المتن] ((ومِن السُّنَّة: الحديث الثَّابت في الصَّحيح عن أبي هريرةَ -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فيهما؛ إلا دخل الجنةَ "، وفي رواية: " لا يلقى اللهَ بهما عبدٌ غير شاكٍّ فيهما؛ فيحجب عن الجنة "، وعن أبي هريرة -أيضًا- من حديث طويل: " مَن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشِّره بالجنة ")).
[الشَّرح] هذه الأدلة كلها تدل على اليقين لقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله لا يلقى بهما "؛ بالشَّهادتين، " عبدٌ غير شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة "، فما قال: يلقى الله بهما باللفظ، أو يلقى الله بهما عن شك؛ بل قال: " غير شاكٍّ " يعني: مستيقن لهما، كذلك في الرواية الأخرى: " غير شاك فيهما فيحجب عن الجنة ".
وقوله: " غير شاك " دليل على اليقين، واليقين يورث العمل؛ فهنا استقامت النُّصوص على أنه لا يحجب عن الجنة إذا استيقن؛ وإذا استيقن؛ اليقين يستلزم الامتثال؛ لأنه لا يوجد رجل يستيقن أن هذه الكلمة تدخله الجنة، وامتثالها أنفع له في دينه ودنياه، وكلما امتثلها كلما سعد في الدنيا والآخرة، ويستيقن ذلك؛ ثم لا يمتثل؛ إلا أن يكون [مجنونًا]؛ يعني: لا يريد مصلحة نفسه، سفيه! أمَّا العاقل: فإذا وُجد له اليقين لا بد أن يمتثل، ولهذا: مَن لقي الله بهما من غير شك؛ لا بد من أن يمتثل، وإذا امتثل؛ دخل الجنة. كذلك في حديث أبي هريرة:" مَن لقيتَ من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه؛ فبشِّره بالجنة "
اليقين محلُّه القلب، فإذا استيقن بهذه الكلمة؛ أمر النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بأن يُبشَّر بالجنة؛ لأنَّه مستحق لدخول الجنة، فعلَّق هذا وقيَّده باليقي. نعم.
[المتن] ((ودليل الإخلاص: قولُه تعالى: {أَلا للهِ الدينُ الخالِص}، وقوله -سبحانه-: {ومَا أُمِروا إلا لِيعبُدوا اللهَ مُخلِصين لهُ الدِّينَ حُنفاءَ} [البينة:5])).
[الشَّرح] نعم؛ ((ودليل الإخلاص: قولُه تعالى: {أَلا للهِ الدِّينُ الخالِص})) الخالص من الشِّرك، هذا هو الدين الذي مَن أتى به؛ قد صرف الدِّين لله -عزَّ وجلَّ- وحقَّق الدين، وهو الإسلام الذي لا يَقبل الله -عزَّ وجل- غيره: {ومَن يبتغِ غيرَ الإسلامِ دِينًا فَلَنْ يُقبَلَ مِنْهُ}، أما من لقي الله بدين غير خالص؛ فإن الله لا يَقبَله؛ كما جاء في الحديث؛ يقول الله -عزَّ وجل- في الحديث القدسي: " أنا أغنى الشُّرَكاء عن الشِّرك، مَن أشرك معي غيري؛ تركتُه وشِركَه"، لكن مَن لقيَه بالدِّين الخالص؛ فهذا هو صاحب الدِّين، واللهُ -عز وجل- لا يَقبل بعضَ الدِّين، إما أن يكون الدين [خالصًا] لله؛ فيَقبَله، وأمَّا إذا دخله شيءٌ من الشِّرك؛ فليس هذا بخالص، والله لا يَقبل إلا ما كان خالصًا، كما أنه لا يَقبل إلا ما كان صوابَا على هدي نبيِّه -صلَّى الله عليهِ وسلَّم-؛ كل الأدلة متظافِرة في تقرير هذه المعاني؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسلَّم-.
قول الله -عز وجل-: {ومَا أُمِروا إلا لِيعبُدوا اللهَ مُخلِصين لهُ الدِّينَ حُنفاءَ} يعني: ما أمرهم الله إلا بهذا، ما أُمروا إلا بعبادة الله، {لِيعبُدوا اللهَ} لا يعبدوا غيره، يعبدوا اللهَ -عز وجلَّ- وحده، {مُخلِصِين} أيضًا لو عبدوا اللهَ وعبدوا غيره؛ ما أخلصوا؛ فلا بُد من الإخلاص، {حُنفاءَ} يعني: عن الشِّرك، مائلين إلى التوحيد؛ فهذا دليل على الإخلاص في قول (لا إله إلا الله). نعم.
[المتن] ((ومن السُّنَّة: الحديث الثابت في الصحيح: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أسعدُ النَّاس بشفاعتي مَن قال (لا إله إلا الله) خالصًا من قلبه أو نفسه "، وفي الصحيح: عن عتبان بن مالك -رضي الله عنه-: عن النبي -صلَّى الله عليهِ وسلَّم-: " إنَّ اللهَ حرَّم على النَّار مَن قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجهَ الله عزَّ وجلَّ ")).
[الشَّرح] نعم، قال: ((من السُّنَّة: الحديث الثابت في الصحيح: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: " أسعدُ النَّاس بشفاعتي مَن قال (لا إله إلا الله) خالصًا مِن قلبِه أو نفسِه ")) فهؤلاء هم أسعد النَّاس بالشفاعة، وسبحان الله! هذه الأحاديث رد على المشركين -الآن- الذين يُشركون مع الله -عزَّ وجل- في الأولياء، ويقولون: نتقرب إلى الله بعبادتهم، نطلب شفاعتهم؛ فجاء الحديث؛ من أسعد الناس بالشفاعة؟ هل هم مَن يعبدون القبور؟ الذين يطلبون شفاعة الأموات؟ الذين يطلبون شفاعة النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بسؤاله عند قبره: (يا رسول الله! اشفع لنا!)؟ بيَّن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " أسعدُ النَّاس بشفاعتي مَن قال (لا إله إلا الله) خالصًا مِن قلبِه " وهذا فيه دليل على أن أولى الناس بالشفاعة مَن حقَّق هذا الشرط.
وقد لا يدعو الرجل بأن يقول: (اللهم شفِّع فيَّ نبيَّك -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)، وهذا لا يمكن أن يُخل به أن يكون أسعد الناس؛ لكنه إن حقَّق العبادة، وسأل الله -عز وجل- أن يشفع فيه النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ طلب هذا الأمر بنوعين: بعمَله وبلسانه، أما أن يَسأل النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الشَّفاعة بعد موته؛ فهذا سأل الشَّفاعة مَن لا يملِكها، وأما في حياة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ فنعم؛ سأل بعض الصحابة النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أن يَشفع لهم؛ كما في قصة عُكاشة بن محصن -رضي اللهُ عنه- قال: (ادعُ اللهَ أن يجعلني منهم)؛ قال: " أنتَ منهم "، فهذا طلب الشَّفاعة؛ لكن: بدعائه في حياته، أما بعد موته؛ فالشَّفاعة لا تُطلب منه، ومَن أراد الطلب؛ يطلب من الله: (اللهم شفِّع فيَّ نبيَّك -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)، ولكن لو لم يطلبها الإنسان بلسانه، وأخلَص في (لا إله إلا الله)، واجتهد فيها؛ فأسعد النَّاس بها هم هؤلاء الذين تحقَّق فيهم " خالصًا من قلبِه "، هو ما قال: (مُكثرًا سؤال الله بلسانه)، " خالصًا من قلبه "، مَن حقَّقها؛ هو أسعد الناس بالشَّفاعة؛ ولهذا: أولى النَّاس بشفاعة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- هم أهل التَّوحيد، وأبعد النَّاس عن هذه الشَّفاعة هم أهل الشِّرك.
وهؤلاء محرومون مِن الشَّفاعة؛ مِن جهة أنه لا يؤذَن للشُّفعاء أن يَشفَعوا فيهم؛ لقول الله -عزَّ وجلَّ-: {فَمَا تَنفَعُهُم شَفاعةُ الشَّافِعينَ}؛ يعني: لا يُؤذن لهم، ولو أُذِن لهم ما انتفعوا بشَفاعتهم، {فَمَا تَنفَعُهُم شَفاعةُ الشَّافِعينَ}، {مَن ذا الذي يَشفعُ عندَهُ إلا بِإذْنِه}؛ هذا دليل على الإذن، {فَمَا تَنفَعُهُم شَفاعةُ الشَّافِعينَ}؛ دليل على أنهم لو شفعوا؛ ما انتفع هؤلاء.
فإذن: هم محرومون مِن الشفاعة؛ لأنه لا يُؤذَن للشُّفعاء الذين هم أولياء الله، ورسل الله وأولياء الله والصالِحون لا يؤذَن لهم أن يَشفَعُوا، هؤلاء هم أهل المكانة، هم أهل المنزلة، هم أهل الشَّفاعة الذين قال الله -عزَّ وجلَّ-: " شَفعت الملائكة، وشفع الأنبياء والمرسَلون والصالِحون "، هم الذين يشفعون، وهؤلاء هم أعظم الناس تحقيقًا للعبادة والإخلاص ولامتثال أمر الله -عز وجلَّ-؛ فهؤلاء لا يَشفعون للمشركين، ولا يأذن الله -عزَّ وجلَّ- لهم لو طلبوا أن يشفعوا فيهم، ولو شَفَعوا ما انتفعوا؛ {فَمَا تَنفَعُهُم شَفاعةُ الشَّافِعينَ}. نعم.
ثم ذكر -أيضًا- حديث عتبان بن مالك قال: " إنَّ اللهَ حرَّم على النَّار مَن قال (لا إله إلا الله) يبتغي بذلك وجهَ الله "؛ "يبتغي بذلك وجهَ الله"؛ يعني: مخلصًا لله -عزَّ وجلَّ- في عمله، قال: (لا إله إلا الله) مع الإخلاص، ما قالها يريد بها الدنيا -كالمنافقين-، ما قالها ليريد بها المغنَم؛ وإنما قالها يبتغي بها وجهَ الله.
[المتن] ((وللنسائي في "اليوم و الليلة": من حديث رجلين من الصحابة: عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، مخلصًا بها قلبه، يصدق بها لسانُه؛ إلا فتق الله لها السماءَ فتقًا، حتى يَنظرَ إلى قائِلها مِن أهل الأرض، وحق لعبدٍ نَظرَ اللهُ إليه أن يعطيَه سُؤلَه")).
[الشَّرح] نعم هذا الحديث في "النَّسائي" -في معنى ما تقدَّم-: " مَن قال: لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، له المُلك، وله الحَمد، وهو على كل شيءٍ قدير، مُخلِصًا بها قلبُه" هذا دليل على الإخلاص أنه في القلب، " يصدِّق بها لسانُه "هذا دليل على أن التَّصديق يقوم باللِّسان -كما أيضًا يقوم بالقلب-؛ لكن إذا ذُكِر التَّصديق مع الإخلاص؛ فدلَّ أنه -هنا- عمل اللِّسان؛ فالإخلاص هو صِدق القلب، وصدق اللِّسان: هو أن يكونَ مصدِّقًا لها، مُعتقدًا لها، يتلفَّظ بها وهو يعلم أنها صِدق.
" إلا فتق الله لها السَّماءَ فتقًا " والفَتْق: هو الخرقُ في الشَّيء؛ بمعنى: أن الله -عزَّ وجلَّ- يفتح لها أبواب السَّماء؛ كما جاء في بعض الأحاديث الأخرى في بعض أعمال البِر؛ أنها تُفتَح لها أبواب السَّماء؛ كما قال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الرَّجل الذي كان قال في صلاته: " اللهم ربَّنا ولك الحمد حمدًا كثيرًًا طيبًا .. " ثم أثنى على الله -عزَّ وجلَّ-؛ فقال: " رأيتُ كذا مِن الملائكة يَبتدرونها وقد فُتحتْ لها أبواب السَّماء " -أو كما قال-عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-.
قال: " حتى يَنظرَ إلى قائِلها مِن أهل الأرض "ثم إن الله يَنظر إلى قائِلها، ولا ينبغي أن يُفهم أن الله -عزَّ وجلَّ- لا يَنظر إلى قائِلها إلا عندما تُفتَق السَّماء وأن السَّماء تَحجب نظَر الله -عزَّ وجلَّ-؛ فالله -عزَّ وجلَّ- ينظر إلى عباده لا يحجبُه حجاب، ولكن العِباد لا يرَون الله -عزَّ وجلَّ-؛ لاحتِجابه بالحُجُب؛ فالحُجُب تَحجُبهم ولا تحجُبه؛ يعني: " حجابُه النُّور لو كشفه لأحرقتْ سُبُحات وجهِه ما انتهى إليه بصرُه "؛ فهي تَحجُب السُّبحات أن تُحرق الناس، تحرق الخَلق، ولكن بصرُه لا يحجبه شيء؛ يرى ما في بطون البِحار، وفي ظلمات البَر، وما في صدور العباد، يراهم ويطلع عليهم، وهو يعلم حالهم، ويرى مكانهم وما هم فيه، وهم لا يرونه؛ لأنه محتجب عنهم بحُجب، ويوم القيامة يَكشف الحجاب؛ كما جاء في الحديث: " فيكشف الحجابَ فيَنظرون إليه "؛ فهذا دليل على عِظَم مَن قال هذه الكلمة، وأنها تُفتح لها أبواب السَّماء، وأن الله يَنظر إلى قائلها؛ حتى أن الله -عزَّ وجلَّ- يعطي . . قال: " وحَقٌّ لعبدٍ نَظرَ اللهُ إليه أن يعطيَه سُؤلَه"؛ وهذا دليل على أن النَّظر -هنا- نظَر رحمة؛ يرحم عبادَه، ومَن نظر إليه نَظَرةَ رحمة؛ فإن اللهَ يغفر له.
نسأل الله التَّوفيق للجميع.
هذا والله أعلم، وصلى الله وسلَّم وبارَك على عبده ورسوله محمد . .




[انتهى تفريغ الشريط الثاني/1]
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 07-15-2010, 08:08 PM
عمارالفهداوي عمارالفهداوي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: May 2010
الدولة: العراق
المشاركات: 964
افتراضي

ننتظر ذلك منك وأسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناتك بمنه وكرمه آميـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــن ...........
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 07-17-2010, 12:07 AM
محمد نوفل محمد نوفل غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Dec 2009
المشاركات: 324
افتراضي

ولأكون أكثر تعاونًا ونفعًا؛ فإني سأفرّغ الشريط الثالث -إن شاء الله تعالى-، وسأترك تفريغ القسم الثاني من الشريط الثاني لأم زيد؛ فلا أدري: ربما تكون قد بدأت به...
رد مع اقتباس
  #10  
قديم 07-17-2010, 07:28 AM
الصورة الرمزية عمر الخالدي
عمر الخالدي عمر الخالدي غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: العراق
المشاركات: 5,947
افتراضي

الشريط الثاني/2
تفريغ/أم زيد


الحمد للهِ رب العالمين، والصَّلاة والسَّلام عَلى أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه أجمعين.
تتمة الأدلة لشُروط (لا إله إلا الله):
قال المؤلف -رحمهُ اللهُ-:
[المتن] ((ودليل الصِّدق: قولُه -تَعالَى-: {الم - أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ - وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت:1-3]، وقولُه -تَعالَى-: {وَمِنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ - يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ - فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [البقرة:8-10])).
[الشَّرح] الحمد لله، والصَّلاة والسَّلام عَلى رسول الله:
هذان الدَّليلان من كِتاب الله -عزَّ وجلَّ- ذكرهما المصنِّف للاستدلال عَلى الصِّدق في شهادةِ أن لا إله إلا الله، وفي غيرِها مِن الأعمال، وهو أنَّه لا بُدَّ من الصِّدق في القَولِ والعملِ والاعتقاد.
قول الله -عزَّ وجلَّ-: (({الم - أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ})) هُنا فيهِ بيان أنَّ الفِتنةَ هي في بيان صِدق دعواهم، (({أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}))؛ إذا قالُوا: (آمنَّا)؛ لا بُدَّ أن يُفتَنوا؛ ولهذا: قالَ بعض أهل العِلم في الأسئلةِ التي تكون في القَبر: هي لمن ادَّعى الإيمان -سواء يدَّعيهِ بِصدقٍ، أو بغيرِ صِدق-؛ فقيل: إنَّ كل مَن ينتسب إلى هذه الأمَّة، إلى هذه الملَّة؛ أنَّه يُفتن في قبرِه ويُسأل، وأمَّا الكافر الذي لا يدَّعي هَذا لا يُفتَن، لا يُمتَحن، وهذا معروف حتَّى في امتحان الدُّنيا -في الدراسة وفي غيرِها-؛ إنما يُمتحن من ادَّعى شيئًا -أنَّه بلغ مرحلة يُريد أن يحصل عَلى شهادة فيها-؛ فإنَّه يُمتحن؛ ليُعلم الصَّادق مِن غيره.
(({أَحَسِبَ النَّاس أَنْ يُتْرَكُوا}))؛ يَعني: لن يُتركوا في دعوى الإيمان، (({أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}))؛ ولِهذا: دخل في الإيمان -هُنا- النُّطق بالشَّهادتَين وسائر خصال الإيمان، ثم قال: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}؛ وهذا فيهِ بيان أن هذه سُنَّة الله؛ يعني: في الأمم الماضية فُتِن السَّابقون، وهؤلاء سيُفتَنون؛ هذا دليل عَلى أن الإيمان، وأن هذا الدِّين لا بُدَّ مِن فتنة، ولا بُدَّ مِن تبيُّن الصَّادق مِن غيره، (({وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}))؛ عِلمُ الله -هُنا- قالَ العُلماء: يَعلمُه موجودًا فيه؛ وإلا فاللهُ يعلم الصَّادق من الكاذِب قبل الفِتنة، لكن: العُلماء قالُوا: هَذا العِلم يعلمه موجودًا فيهم؛ يَعلم الصِّدق موجودًا فيهم.
والعِلم عَلى قِسمَين: عِلم بالوجود . . نحن نتكلَّم في حق المخلوق، ونذكر هذه القِسمة؛ نقول: عِلم في الذِّهن، و عِلم في خارج الذِّهن -في الأعيان-؛ فعِلم الذِّهن: هو العِلم بالشَّيء قبل وجوده؛ مِثل: أن يَعلمَ [فلان] أنَّ [فلانًا] سيأتي لفلان في ساعة كذا؛ لأنَّه أخبره بِه؛ فهذا يسمَّى [عِلمًا ذهنيًّا]، لكن عِلمُه به -عندما يراه يقرع بابَه، ويدخل بيته، ويجلس معه- هَذا عِلم به موجودًا فيه؛ ولِهذا العِلم الأول في المخلوق قد لا يتحقق؛ يعلم أن [فلان] سيأتي لفلان؛ لكن قد لا يأتي، لكن لما رآه يدخل بيته ويجلس معه؛ عرف أن هَذا العِلم بهِ موجود؛ ولهذا: يقولون: العِلم قد يكون في الذِّهن، وقد يكون في الوجود.
في حق رب العالمين: هُناك عِلم في عِلم الله السَّابق قبل أن توجد الأشياء، وهذه معلومة لله، ومِن هذا: أنه يَعلم الصَّادقين من الكاذبين؛ لكن هُناك عِلم يعلمه الله موجودًا فيهم عندما يوجَد فيهم؛ فهذا الذي عليه مَدار الثَّواب والعِقاب -وليس العِلم الأول-؛ ولكن: عِلم الله لا يقال فيهِ مثل عِلم العبد أنه (قد يتحقَّق)؛ فكل ما عِلم الله أن يوجَد؛ سيوجد، وكل ما عِلم الله أنه يُعدَم؛ سيُعدَم -ليس له وجود-، فعِلمُ الله متحقَّق، وعلم الله لا يمكن أن يُقاس بعلم المخلوق؛ لأنَّ عِلم الله -عزَّ وجلَّ- يعلم الأشياء قبل وُجودها كعِلمِه بها عند وجودها، وهذا لا يكونُ إلا لله؛ يَعني: ما هُناك مخلوق يعلمُ الأشياء قبل وجودِها كعِلمه بها . . قد يعلمُها -نعم- قبل وجودِها؛ مثل النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: ما أعلمه الله مِن أنه سيحصل كذا وكذا؛ فيعلم به قبل وجودِه -بما أعلمَهُ الله-عزَّ وجلَّ-؛ لكن: علمُه -أيضًا- يوصَف له هَذا العِلم بقدر ما وُصف له، كَما وَصفَ مَن يهدم الكعبة قال: " إني أراهُ أُصيلِع أُفَيْدِع ينقُضُها بمِسْحاتِه "؛ يَعني: كأنَّه يراه؛ لأنَّ الله -عزَّ وجلَّ- أخبره بصِفاته؛ لكن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قد يخبره الله -عزَّ وجلَّ- ببعض الأمور فلا يَصفُها النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وصف الذي يراها؛ لأنَّه لا يعلم إلا ما أطلعه اللهُ عليه، وقد يعلم هذا ويُطلعه الله عليه ولكن لا يَصفُه؛ ومع هَذا: فكل ما أطلع الله -عزَّ وجلَّ- خَلقَه عليه مِن العلم؛ فهذا عِلم بالشَّيء قبل وجوده؛ لكن مهما بلغ هَذا العِلم؛ لا يمكن أن يكون كعِلم النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-مثلًا- لو أنه يحصل في حياة النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يرى هَذا الرَّجل يهدم الكعبة؛ لأنَّ فيهِ هُناك أشياء قد تخفى عَلى المخلوق ولا يُدرِكها -ولو وُصف له-؛ ولهذا يقولون: (ليس مَن رأى كمِن سَمِع)، يَعني: ليس مَن رأى هَذا الشيء يحصل كَمن سمِع.
أما ربُّ العالمين؛ فعِلمُه بالأشياء قبل وجودها كعِلمه بها بعد وجودها؛ يَعني: لا يتغير شيء في العِلم، وليس فيهِ نقص؛ لأنَّ عِلم الله أحاط بكل شيء.
فإذن: هُنا هذه المسألة قد تُشكل عَلى بعض النَّاس؛ يقولون: كيف يُقال أن الله -عزَّ وجلَّ- يعلم الصَّادِقين مِن الكاذبين وهو يعلم هَذا في الأجَل؟ نعم يَعلَم؛ لكن قالَ العُلماء في تفسير هذا؛ قال: (حتَّى يَعلم هَذا موجودًا فيهم)، يَعني: عِلم بالوُجود عِلم بالشيء موجودًا فيهم، قالوا: وهذا العِلم هُو الذي يترتب عَلى الثَّواب والعقاب، وأمَّا العِلم الأول؛ فإنَّه لا يترتب عليه الثَّواب والعقاب -وإن كان العِلم هُو العلم-؛ لكن النَّاس: هَل يُجازَون بما في اللوح المحفوظ؟ يُجازون بما في صحفهم؛ لكن هذه الصُّحف موافقة تمامًا لما في اللوح المحفوظ.
فإذن: قالَ الله -عزَّ وجلَّ-: (({فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}))؛ هَذا هُو العِلم الذي يكون موجودًا فيهم، وبه تقوم الحُجَّة عليهم؛ لأنَّهم لو خوطِبوا يوم القيامة بأنكم ستفعلون هَذا، وهذا من عِلم الله بهِ؛ لقالُوا: يا ربَّنا! لو أمرتَنا لأطعنا! فهنا قامت عليهم الحُجة؛ أنهم أُمِروا فَعَصَوا.
فقال: (({فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}))؛ لاحظوا: (({صَدَقُوا}))، قال: (({وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}))؛ وهَذا فيهِ دليل عَلى أن الذي يدَّعي الإيمان أنه بعد الفِتنة أنهم يكونون عَلى قِسمَين: منهُم مَن يصدُق ومنهم مَن يَكذِب، منهُم مَن يكون صادقًا، منهُم من يكون كاذبًا، وهذا دليل عَلى أنَّ (لا إله إلا الله) لا بُدَّ أن يصحبَها الصِّدق، فإن كان صادِقًا محقِّقًا للصِّدق فيها؛ فهو مِن الصَّادقين الذين يُثبِّتهم الله -عزَّ وجلَّ- بعد الفِتنة.
كذلك قول الله -عزَّ وجلَّ-: (({وَمِنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}))، يقولُون هَذا بألسنتهم، لاحظوا: هُنا عِلم يقولونه، وعِلم يعلمُه الله -عزَّ وجلَّ- من قلوبهم.
(({وَمِنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}؛ {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}))؛ لم؟ هَل لأنهم لم يقولوا؟ ما نفى الله -عزَّ وجلَّ- عنهم القَول: {وَمِنَ النَّاس مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}؛ يُخبر الله -عزَّ وجلَّ- أنهم يقولُون: (({آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}))؛ لكن قالَ الله -عزَّ وجلَّ-: (({وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ}))؛ لماذا نُفي عنهم الإيمان؟ لأنَّه لم يتحقَّق في قلوبهم، يقولون: (آمنَّا)، وهم كاذِبون لم يؤمنوا. المُؤمن: هو الذي يقول: (آمنتُ)، وهو مؤمِن بقلبه، والمنافق: هو الذي يقول: (آمنت)، وهو مُكذِّب بِقلبِه.
ثم قال: (({يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}))؛ يَعني: هَذا القَول إنَّما يقولُونه مخادَعة، بعد أن بيَّن الله -عزَّ وجلَّ- أنهم ليسوا بمؤمنين؛ كأن [قائلًا] يقول: إذن: لم قالُوا؟ فبيَّن الله -عزَّ وجلَّ- أنهم ما قالُوا هَذا إلا خِداعًا؛ (({يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ})) هذه -حقيقة- من الحُجج القويَّة عليهم، هُم يظنون أنهم يخادِعون الله -يقولون: (آمنَّا)- وهم في الحقيقة يخادعون أنفسَهم؛ لأنَّ هَذا لا يضرُّ النَّاس؛ إنما يضرُّهم، قال: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} ثم بيَّن السَّبب -في هَذا- والعلَّة والدَّاء؛ وإلا؛ هَل يُقْدِم عَلى هَذا عاقل؟!! يَعني: يقول: (آمنتُ) وهو غير مؤمن؟!! قالَ الله -عزَّ وجلَّ-: (({فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}))؛ سبحان الله! كلام الله لو تأمل النَّاس فيه!
(({فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ})): هَذا المرض الذي هُو بسبب معاصيهم جاء في قلوبهم، ثم لما قالُوا هذه الكلمة -يَعني: في قلوبهم مرض قبل هذه الكلمة-؛ فزادهم الله مرضًا بِخداعهم (({فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}))؛ هذا بيان العذاب (({وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}))؛ فبيَّن أن هَذا -كلَّه- مرجعه إلى الكذب؛ فدلَّ عَلى وجوب الصِّدق في قول هذه الكلمة، والحذر مِن مخادعة النَّفس؛ ولهذا الناس -الآن- يقولون: (يخادِع نفسَه)؛ هَذا شاهدُه قول الله -عزَّ وجلَّ-: (({وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ}))؛ يحذر العاقل أن يخادع نفسَه، يقول: (آمنتُ)، وهو غير مؤمن! يقول: (أنا مُتَّبع للنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-)، وهو غير متَّبع! الإنسان ما يخادع إلا نفسَه، يخادع النَّاس؟ يخادع الله -عز وجلَّ-؟! الله يعلم ما في قلبِه، نعم؛ النَّاس يخادعهم، وأمَّا رب العالمين لايمكن أن يخادَع؛ لأنَّه يَعلم ما في قلبك؛ ولهذا الإنسان يراقب الله -عزَّ وجلَّ- في كل ما يقول؛ لأنَّه سيسأل عن هذه الشَّهادة يوم القيامة. نعم.
[المتن] ((ومِنَ السُّنَّة: ما ثبت في "الصَّحيحين": عن معاذ بن جبل -رضيَ اللهُ عنه-: عن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " ما من أحد يَشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا عبدُه ورسولُه، صادِقًا مِن قلبه؛ إلا حرَّمه اللهُ عَلى النَّار ")).
[الشَّرح] نعم هَذا الحديث -أيضًا- ظاهر الدَّلالة عَلى المسألة: ((" ما مِن أحدٍ يَشهدُ أن لا إله إلا الله، وأن محمَّدًا عبدُه ورسولُه "))، هَذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمَّدًارسول الله، كلمتان عظيمتان، مَدار الدِّين على هذه الشهادة.
(شهادة أن لا إله إلا الله): أن لا يُعبد إلا الله مع البراءة مِن الشِّرك، عبادة للهِ والبراءة من الشِّرك -بكل صُوَره-، ومِن أهله.
(شهادة أن محمَّدًا رسول الله -عليهِ الصَّلاة والسَّلام-): مُتابعة للنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في سُنَّته.
فالشَّهادة الأولى: تقتضي التَّوحيد وإخلاص العِبادة لله، والشَّهادة الثَّانية: تقتضي المُتابَعة وإفراد النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بالمُتابَعة.
ولهذا: أعظم ما يُخذل النَّاس؛ إمَّا في فقدان الإخلاص والوقوع في الشِّرك، أو فقدان المُتابَعة والوقوع في البِدَع. فمَن وقاه الله الشِّرك والبِدع؛ فهو عَلى استقامة وعلى خَير، قد توجد المعاصي لكنها دون الشِّرك والبِدع.
ولهذا: الانحراف الذي وقع في الأمَّة بالشِّرك والبِدع أعظم مِن الانحراف الذي وقع في الأمَّة بالمعاصي.
فمَن الذي قتل الخلفاء؟ مَن الذي قتَل الصَّحابة؟ ومَن الذي سبَّ الصَّحابة؟ مَن الذي لعنهم؟ ومَن الذي خرج عَلى الأمَّة؟ ومَن الذي يطعن في العُلماء؟ هُم أهل البدع، ما تجد الزُّناة وشُراب الخمر يخرجون ويقاتلون، وما قيل أن زانيًا لعن أصحاب النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، أو أن شاربَ خمر خرج عَلى ولاة الأمر.
لاحظوا أثر البِدع! المبتدع يُعاديك في دين الله -عزَّ وجلَّ-، وأما صاحب المعصية -ولو بلغ ما بلغ مِن المعصية-؛ فهو يستحي من أهل الخَير والفضل؛ ولِهذا: كثير منهُم إذا عَرف صِدق الرَّجل في دينه؛ فهو يستحيي منهُ؛ بل إن بعضهم عنده فراسة؛ إذا رأى الرَّجل، ورأى عليه السَّمت؛ فإنَّه يستحيي منهُ؛ كثير منهُم تَرى في يده دخان -أو كذا- إذا رأى أهل العِلم والفضل؛ يستحيي؛ لأنَّ فيهم [دينًا وإيمانًا] ومحبَّة، بخلاف المبتدع قد يَراك ويسبُّك ويشتِمك، وقد يفعل بك ما هُو أعظم من هَذا!
فأمر البدع عظيم، وخطرها جسيم؛ فدلَّ عَلى أن الدِّين مَداره عَلى هذين الأصلين العظيمين.
ولهذا: مَن اعتنى بالشَّهادتَين -صِدقًا في قولهما، وقبل ذلك: الفهم لمعناهما، وامتثال ذلك، والاشتغال بِهما، والانقياد والقبول لهما، والاجتهاد في تأدية حقِّهما-؛ فهو من الموفَّقين، وهذا الذي دلَّت النُّصوص عَلى فضله وعلى مكانته وعلى أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- يُحرِّمه عَلى النار -كَما جاء في الحديث-.
قال: ((" صادِقًا مِن قلبِه "))؛ يَعني: يقول هَذا عن صِدق في القلب وفي اللِّسان، فهُو بِلسانه يقولها، وهو [...] صحيح؛ لكن: هَل وافق صِدق القلب؟ لا بُدَّ أن يصدُق في قلبه.
قال: ((" إلا حرَّمهُ اللهُ عَلى النار ")) وهذا لا يدخل النَّار -أبدًا-، ودخوله الجنَّة ابتداءً مقطوع به؛ لكن بهذا الشَّرط: الصِّدق مع الله -عزَّ وجلَّ-.
وواللهِ؛ ما صدق أحد -الصِّدق الذي يتحقَّق بهِ الإيمان الواجب- إلا صَدق في أعمالِه، فإذا صدق في أعمالِه؛ غفر اللهُ له، وإلا: الكمال لا يحصُل لأحد؛ لكن: إن عِلم الله منه الصِّدق والاجتهاد في طاعةِ الله؛ [...]؛ فهؤلاء هم الذين ورد أن شهادة أن لا إله إلا الله تُكفِّر ذنوبهم، ويدخلون الجنَّة -إن شاء اللهُ-، ولا تمسهُم النَّار؛ لكن مع هَذا الشَّرط.
[المتن] ((ودليلُ المحبَّة: قولُه -تَعالَى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ})).
[الشَّرح] نعم، الأدلة عَلى المحبة؛ على محبَّة هذه الكلمة، وعلى محبَّة الرَّب -عزَّ وجلَّ-، وعلى محبَّة الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ قالَ: (({وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا}))؛ قالَ: (({مِنَ النَّاسِ}))، وقال من المسلمين.. من المؤمنين؛ فدلَّ عَلى أن هَذا الفعل ليس هو فِعل المسلمين؛ (({مِنَ النَّاسِ})).
(({وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا})): والأنداد: هُو كل مَن اتُّخذ مِن دون الله -عزَّ وجلَّ-، من جعله نظيرًا وشبيهًا ومثيلًا للهِ -عزَّ وجلَّ-، يُنازع بها اللهَ في حقِّه -إمَّا في الأسماء والصِّفات، أو في الرُّبوبيَّة، أو في الألوهيَّة-؛ اتخذه نِدًّا من دون الله -عزَّ وجلَّ-.
ثم بيَّن أنهم يتَّخذونهم أندادًا من دون الله؛ يصرفون لهم العِبادة، يتقرَّبون إليهم بالعِبادة، يَدْعونهم، يَستغيثون بهم، يخافونهم، يحبُّونهم؛ قال: (({يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}))؛ هُنا بيَّن حقيقة اتخاذهم أندادًا من دون الله؛ (({يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}))؛ هَذا هُو حبُّ الأنداد (({يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}))، يحبون هذه الأنداد كحب الله. قالَ بعض أهل العلم: (هُنا التَّشبيه في النَّوع والكيفيَّة)، هَذا ذكره الشَّيخ ابن عثيمين في "شرح كِتاب التَّوحيد"؛ قال: (هَذا التَّشبيه في النَّوع والكيفيَّة)؛ وهذه مِن التَّقسيم؛ يَعني: في النَّوع والكيفيَّة، يَعني: في نوع المحبَّة؛ يعني: نوع هذه المحبَّة لا تكون إلا لله، المحبَّة التي للهِ لا يجوز أن يشاركه فيها غيرُه من المخلوقين؛ بل تكون خالصًا للهِ؛ لأنَّها محبَّة تستلزم الخوف والتَّعظيم والانقياد، هذه لا يجوز صرفُها لمخلوق؛ هَذا: (النَّوع).
و(الكيفيَّة): أنَّ هذه المحبَّة تساوي محبَّة الله -عزَّ وجلَّ-، جعلوها مُساويةً لمحبَّة الله -عزَّ وجلَّ-.
فلاحظوا هؤلاء: جعلوا محبَّة هؤلاء كمحبتهم للهِ؛ يعني: كانوا يحبون الله محبَّة مُوازية لمحبَّة أندادهم، ومع هَذا ما انتفعوا بها! وصفهم الله -عزَّ وجلَّ- بأنَّهم ممن اتَّخذ الأنداد من دون الله -عزَّ وجلَّ-؛ لأنَّ هذه المحبَّة لا تكون إلا للهِ -عزَّ وجلَّ-.
ثم قالَ الله -عزَّ وجلَّ-: (({وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}))؛ اختلف العُلماء في معنى (({أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ}))؛ قالُوا: أشد حبًّا للهِ مِن أهل الأنداد لأندادهم، يحبون الله أشد حبًّا من محبَّة أهل الأنداد لأندادهم، وقيل: أشد حبًّا من محبَّة أهل الأنداد لربِّهم، ولعلَّ هَذا هُو الصَّحيح؛ لأنَّ المقارنة بين محبتِهم لأندادهم -لا مجال للمُقارنة-؛ لكن محبَّة هؤلاء للهِ . . لهم محبَّة للهِ؛ فأهل الإيمانِ أعظم محبَّةً؛ لأنَّ محبتهم خالصة، ومحبَّة أهل الأنداد ليست خالصة، يحبون اللهَ ويحبون معه غيرَه، وأهل الإيمان أحبُّوا الله وأخلَصوا المحبَّة له.
ولهذا: كذلك يُقال في كل عبادةٍ؛ لا يَستوي مَن يعبد الله ويَعبد غيرَه ، لا يستوي مَن يسجد للهِ ويسجد لغيره -كالمحبين-، لا يستوي من يَدْعُوا الله ويدعوا غيرَه؛ كهؤلاء: يدعون اللهَ ويَدعُون غيرَه، والمؤمنون يَدعون اللهَ وحده، هؤلاء يَسجدون للهِ ويسجدون لغيرِه، والمؤمنون يَسجدون للهِ وحده، أولئك يحبُّون الله ويحبُّون غيرَه؛ يَعني المحبَّة الشِّركيَّة.
أما المحبَّة الطبيعيَّة لا تُضاد هذه المحبَّة؛ ولهذا: هنا يتميَّز النوع.
الآن: في المؤمنينَ مَن يحبُّ غيرَ الله، كلُّنا-الآنَ-نُحبُّ بعضَ المخلوقِين؛ هذه المحبَّة قد تكونُ عبادة -محبَّة في الله-، وقد تكون محبَّة طبيعيَّة، لكنها ليست مُضادَّة لمحبَّة الله؛ لأنَّ محبَّة الله نوع، وهذا نوع.
ولهذا: لا يمكن أن يغلب تلك المحبَّة هذه المحابِّ، فكلُّها تتلاشى أمام محبَّة الله، إذا تعارضتْ رغباتُ هؤلاء مع دينِ الله -عزَّ وجلَّ-؛ تخلَّى المحِبُّ عن حبيبِه لأجل ربِّه -عزَّ وجلَّ-.
ولهذا: كل محبَّة تَحمِل صاحبَها عَلى التَّخليط في دِين الله؛ فهي نقص، فإذا كان المُحبُّون مَن يحبون ولا ينقص مِن دينهم؛ فهي محبَّة طبيعيَّة، وإذا كانت هذه المحبَّة تنفعهم في دينهم؛ فهي محبَّة إيمانيَّة -مثل: محبتهم في الله-.
وأمَّا إذا كانت محبَّة مُضادَّة لمحبَّة الله -عزَّ وجلَّ-؛ فهذه تَذهب بأصلِ دِينِهم، إذا أحبُّوا غير الله المحبَّة التي لا تكون له؛ فهذه تذهب بأصلِ دينهم، ويكونون بها من أهل الشِّرك. نعم.
[المتن] ((وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرين يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ . . .} الآية [المائدة:54])).
[الشَّرح] نعم، في قول الله -عزَّ وجلَّ-: (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ}))؛ يَعني: هَذا فيهِ وعيد وفيه تحذير أن مَن ارتدَّ عن دينِه (({فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ}))؛ يعني: بقومٍ خير مِن هؤلاء الذين يرتدُّون؛ هذا فيهِ تحذيرٌ: أنَّكم إذا ارتدَدْتُم عن دينِكم؛ فإنَّ اللهَ غنيٌّ عنكم؛ سَيأتي بقومٍ غيرِكم، هُو غنيٌّ عن العِباد؛ ولِهذا: يُدرِك -هُنا- العبدُ الضَّعيف أنَّ الله -عزَّ وجلَّ- غنيٌّ عنه، وأنه لو ارتد؛ فإن الله قادر على أن يأتيَ بقومٍ يحبهم ويحبونه.
ولِهذا قالَ العُلماء هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ} في المرتدِّين الذِين ارتدُّوا، قال: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} قالُوا: أبو بكر وأصحابُه -من كانوا معه-، فهؤلاء هُم القوم الذين جاهَدوا المُرتدِّين، {يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}، وإن كان هَذا التَّفسير عن السَّلف هُو تفسير الشَّيء ببعض أفرادِه؛ وإلا فهي عامَّة في كل مَن ارتدَّ؛ فمَن جاهد المرتدِّين وقام بِدِين الله -عزَّ وجلَّ- فهو ممن يُحبُّ اللهَ -عزَّ وجلَّ- ويحبُّه اللهُ.
(({فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ})): لاحِظوا -هُنا- المعاني العظيمة: {يُحِبُّهُمْ} يحبهم ربُّهم -عزَّ وجلَّ-؛ لأنَّهم أهلُ إيمان، {وَيُحِبُّونَهُ}، محبَّة من الرَّب للعبد، ومحبَّة مِن العبد للرَّب، هَذا أعظم ما يكون العَبد عَلى درجة؛ أن يكونَ مُحبًّا للهِ وأن يكونَ محبوبًا لله، مُحبًّا للهِ -هو في نفسه-، ومحبوبًا لله -محبوبًا من الله-عزَّ وجلَّ-؛ فهي مرتبة عظيمة.
وهذه المسائل -أيضًا- ممكن أن يقال فيها بالتَّقسيم -القِسمة الرُّباعيَّة-؛ يَعني: هذه أعلى درجة -يحبهم الله ويحبونه-، مَن يحبُّ الله -عزَّ وجلَّ-، ثمَّ يأتي درجة مَن يحبُّ الله -عزَّ وجلَّ- ولا يحبُّه؛ يَعني: فيهِ محبَّة للهِ -عزَّ وجلَّ- لكن لا تصِل محبَّة الله -عزَّ وجلَّ- له أن يكونَ محبوبًا للهِ، لكن الله -عزَّ وجلَّ- يحبُّه عَلى قدر ما فيهِ من الطَّاعة، لكنها ليست المحبَّة المطلَقة؛ ولِهذا جاءت المحبَّة مُضافة للمُؤمنين، للصَّابرين؛ فمَن هُو المُؤمن الذي يحبُّه الله -عزَّ وجلَّ-؟ هو الذي كمَّل الإيمان.
لكن: الفاسِق ما ورد أن الله يحبه، لكن بقدرِ ما فيهِ مِن الإيمان؛ فالله -عزَّ وجلَّ- يحبُّ أهل الطَّاعة عَلى قدر ما فيهم.
فإذن: فيهم مَن يكون مُحبًّا للهِ؛ لكن فيهِ نقص في هَذا.
ولهذا: فالرَّجل الذي كان يشربُ الخمر قالَ فيهِ النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " لا تَلعَنْهُ فإنه يُحبُّ اللهَ ورسولَه "، وما قال: (يحبه الله ورسوله)، ولما قالَ فيمَن يُعطيه الرَّاية -عشية خيبر-، قال: " يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويحبُّه اللهُ ورسولُه "؛ لاحظوا الفَرق.
فإذن -هُنا-: قد يحبُّ العبد؛ ولهذا قالَ العُلماء: (ليس الشَّأن أن تحبَّ اللهَ، وإنَّما الشَّأن أن يُحبَّك الله)، ومَن أحبَّه الله؛ فلا بُدَّ أن يكونَ هُو مُحبًّا لله.
ولهذا: القِسمة الرُّباعيَّة -وقد تنخرم في هَذا الأصل؛ لأنَّه لا يمكن أن اللهَ يحبُّ العبد والعبدُ لا يحب الرَّب-، القِسمة الرُّباعيَّة مِن حيث التَّصوُّر؛ كَما قالَ شيخُ الإسلام: (كل مسألةِ مُتفرِّعة عن أمرَين ممكن أن تُقسَّم قسمةً رباعيَّة؛ مثل العِلم والعمل -في تخلُّفِهما، في وجودهما- قسمة رباعيَّة.
لكن هنا ما قلنا أن هذه مستقيمة؛ لأنَّ -هُنا- قد يوجد العبد يحبُّ الرَّب -عزَّ وجلَّ- ولا يحبُّه الله -عزَّ وجلَّ-؛ لوجود [معاصٍ] -المحبَّة التي يوصَف بها-.
وأما القِسمة الثَّالثة: وهو أن الرَّب -عزَّ وجلَّ- يحبُّ العبد ولا يحبُّه العبدُ؛ فهذه غير موجودة؛ لأنَّ اللهَ لا يُمكن أن يحبَّ مَن لا يحبُّه؛ فإنَّ مَن لا يحب الله -عزَّ وجلَّ-؛ هذا ذهب الإيمان مِن أصل قلبِه؛ والله لا يحبُّ الكفَّار [...].
لكن: فيه القِسمة الرَّابعة: أنه لا يحبُّ الله ولا يحبُّهم الله -والعِياذُ باللهِ-، هؤلاء هم الكفَّار؛ بل كثير مِن المشركين يحبُّون الله -مثل محبة الأنداد-، لكن -والعياذُ باللهِ- إذا بلغت الفِتنةُ برجل أن لا يحبَّ الله -عزَّ وجلَّ-ونحن نقول: هذه صورة؛ لكن: قد توجَد بسببِ الخذلان-والعِياذُ باللهِ-؛ أنه تذهب محبَّة الله -بالكليَّة- مِن قلبه.
قال: (({يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}))؛ يحبهم الله ويحبونهم.
(({أَذِلَّةٍ عَلى الْمُؤْمِنِينَ}))؛ لاحظوا أوصافهم؛ يعني: فيهم ذُل مِن غير ذل، يعني: ذُل للمؤمنين مِن غير ذلٍّ حقيقي، يذلُّون للمؤمنين محبَّةً لهم؛ كَما قالَ الله -عزَّ وجلَّ-: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جِناحَ الذُّلِّ مِن الرَّحمة}؛ يعني: مَن يخفض جناح الذُّل من الرحمة للأبوَين؛ ذلَّ مِن غير ذُل، ولو كان ذليلًا ما قيل إنه [بارٌّ] بوالديه، وكذلك المُؤمن يَذلُّ للمؤمنين مع عِزَّته، ولو كان ذليلًا ما أُجِر عَلى هذا.
(({أَذِلَّةٍ عَلى الْمُؤْمِنِينَ}))؛ ولهذا: لاحظوا لم قُلنا هذه المذلَّة من غير ذُل؟ قال:(({أَذِلَّةٍ عَلى الْمُؤْمِنِينَ}))، ثم وصفهم بأنهم: (({أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرين}))؛ كيف يكونون أذلة هُنا وأعزة هنا؟ بهذه الأوصاف؛ ذَلوا للمؤمنين، يخضعون لهم، يذلون لهم، يتهاونون معهُم، يرحمونهم، ويعزُّون على الكافِرين؛ فدلَّ عَلى أن هذه لا تتعلَّق بالعِزِّ والجاه؛ وإنما تتعلَّق بهذه الأوصاف، {أَعِزَّةٍ عَلى الكافِرين}.
والفِتنة تكون -والعياذُ بالله- أشد عندما يكون العكس: (يعزون على المؤمنين، ويذلون للكافرين)! كَما هُو حال بعض المفتونين.
قال: (({يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}))؛ هذه أوصافهم، هذه أوصاف مَن يحبهم الله ويحبونه، يحبُّون الله ويحبون عباد الله؛ يذلون لهم ويعبدون الله -عزَّ وجلَّ-، ويخضعون لِعباد الله ويذلون لهم، وهم أعزة على الكفَّار؛ كَما قالَ الله -عزَّ وجلَّ- في الصحابة: {أَشِدَّاءُ عَلى الكُفَّار رُحماءُ بَينَهُم}؛ يَعني: فيهم رحمة للمُؤمنين فيما بينهم، وهم أشدَّاء عَلى الكفار؛ وهذا -أيضًا- في معنى العِز والذُّل -هُنا-.
قال: (({يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}))؛ هذه من صفاتهم {وَلَا يَخافُونَ لَومَةَ لائِمٍ}؛ جهاد في سبيل الله مع هذه المرتبة العظيمة: (({لَا يَخافُونَ لَومَةَ لائِمٍ}))؛ هَذا جهاد يكون بالسَّيف والسِّنان وأسلحة الحرب، وجهاد بالحجَّة والبرهان.
(({وَلَا يَخافُونَ لَومَةَ لائِمٍ}))؛ لاحظوا: (اللَّوم) -هنا- أكثر ما يكون في جهاد الكلام؛ وأما في الحرب؛ فلا يأتي إنسان ويقول: لم تقاتل بكذا؟ فأكثر ما يحصل اللَّوم -الآن- عَلى الجهاد بالبرهان وبالحجَّة، وهذا يدخل في عُموم الجهاد، الجهاد بنوعَيه-، نعم.
[المتن] ((ومِنَ السُّنَّة: ما ثبت في "الصَّحيح" عن أنس -رضيَ اللهُ عنهُ- قال: قالَ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: " ثلاث مَن كُنَّ فيهِ وَجَدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ الله ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، وأن يكرهَ أن يعودَ في الكُفر بعد إذ أنقذه اللهُ منهُ كَما يكره أن يُقذفَ في النار ")).
[الشَّرح] نعم؛ هَذا -أيضًا- دليل المحبَّة؛ قال: ((" ثلاث مَن كُنَّ فيهِ وَجَدَ حلاوةَ الإيمان: أن يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما "))؛ هذا دليل عَلى المحبَّة، " أحبَّ إليه مما سواهما "؛ يَعني: وليس في قلبه محبَّة لغير الله ورسوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
المحبَّة التي تكون للهِ -عزَّ وجلَّ- هي محبَّة العبادة، والمحبَّة التي تكون للنَّبي -صلى الله عليه وسلم- هي المحبَّة في الله، وقد توجد محبَّة طبيعيَّة، ومِن هُنا جاءت المفاضَلة: ((" أحبَّ إليه مما سواهما ")) فيما يُحبون مِن المحبَّة الطبيعيَّة -وليس الشِّركيَّة-، والمحبَّة الشِّركيَّة غير موجودة -حتَّى يقال بالمفاضلة فيها-؛ لكن هُناك محبَّة طبيعيَّة؛ ولهذا: قُلنا أن هذه لا تقوَى عَلى محبَّة الله، يحبُّون محبَّة طبيعيَّة؛ لكن: إذا تعارضت محبَّة الله ورسوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ قدَّموها؛ قدَّموا محبَّة الله، ومحبَّة رسوله-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عَلى محبَّة هؤلاء المَحبوبِين.
قال: ((" وأن يُحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله "))؛ يَعني: لا يحب المرء إلا للهِ -عزَّ وجلَّ-لا لدُنيا، ولا لمصلحة، ولا لنفع يتعلَّق به.
((" وأن يكرهَ أن يعودَ في الكُفر بعد إذ أنقذه اللهُ منهُ كَما يكره أن يُقذفَ في النار ")): هَذا دليل عَلى عِظم محبتِه؛ لأنَّ مفهوم المخالفة: أنه يحب الإيمان -هذه المحبَّة-، ويَكره أن يرتدَّ عن هذه الكلمة كَما يكره أن يُلقى في النَّار؛ فدلَّ عَلى عِظم [محبَّته] للإيمان، وأنَّه [مُحبٌّ] للإيمان، وأنَّه يَكره أن يُسلَب هَذا الإيمان كَما يكره أن يُلقى في النَّار ، نعم.
يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
تفريغات أم زيد, تفريغات محمد عماد نوفل

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:49 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.