أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
4843 32479

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منبر الموسوعات العلمية > قسم الأشرطة المفرغة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #11  
قديم 06-11-2012, 06:12 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-


[الـدَّرس التَّـاسـع]
(الجزء الأوَّل)

لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-



إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أما بعد:
25. وَالخَـطَـأْ والإِكْـرَاهُ وَالـنِّـسْـيَــانُ ... أَسْقَـطَـهُ مَعْبُــودُنَــا الـرَّحْـمَــنُ
26. لَكِـنْ مَـعَ الإتلافِ يَثْبُـتُ الْبَـدَلْ ... وَيَنْتَفِــي [التَّـأْثِيـمُ] عَنْـهُ وَالـزَّلَــلْ
فيقول النَّاظِم:
هذا البيتان من مباحث أصول الفقه، والمنظومة التي ندرسُها كما ذكرنا في الدرس الأول تحتوي على قواعد فقهية -وهي الغالب عليها-، وفيها بعض مباحث علم أصول الفقه.
وهذا المبحث يُذكر في كتب أصول الفقه تحت موضوع (عوارض الأهلية).
فالإنسان مكلَّف إن كان عاقلا مميِّزًا، ولذا يذكرون في الأمثلة الدارجة على ألسنة الناس -وهي من القواعد الفقهية في كتب أهل العلم- يقولون: (إذا أخذ ما أوهب؛ أبطل ما أوجب)؛ بمعنى: أن المجنون ليس عليه تكليف في الدنيا، أما حاله وحال المعتوه وحال أولاد المشركين كما صح عن سيد المرسلين -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في أحاديث عديدة صحيح، تُشعل لهم النيران يوم القيامة ويُقال لهم: اقتحِموها، فإن فعلوا؛ دخلوا الجنة، وإن أبَوا؛ هلكوا، وهذا الذي يُسمى عند العلماء: (الامتحان في عرصات يوم القيامة) ثبت بهذا أحاديث عديدة سردها واعتنى بها عناية قوية الإمام ابن القيم في آخر كتابه «طريق الهجرتين».
فهنالك عوارض للأهلية، فالمكلَّف المميِّز العاقل الله عز وجل يرفعُ عنه التكليف إن أخطأ، أو إن أُكره، أو إن نسيَ، ولذا قال النَّاظِم:
25. وَالخَـطَـأْ والإِكْـرَاهُ وَالـنِّـسْـيَــانُ ... أَسْقَـطَـهُ مَعْبُــودُنَــا الـرَّحْـمَــنُ
فالله عز وجل أحدث ذلك في [آيات] كثيرة؛ منها في قوله سبحانه: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} يخبرنا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إن قرأ القارئ هذه الآيةَ؛ فإن الله عز وجل يقول: «قد فعلتُ»، {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}؛ فالناسي والمخطئ غير آثم.
وكذلك يقول الله عز وجل: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} فالشيء الذي يُفعل خطأ؛ فالإنسانُ غيرُ محاسب عليه، فالتكليف يبقى قائمًا في ذمة المكلَّف ما لم تقع منه المخالفة بإكراه أو بنسيان أو فعل ذلك خطأ.
فالذي يَقتل خطأ لا يأثم عند الله عز وجل.
رجل يصيد فأطلق السهم ليصيد الرميَّة، أو الرصاصة من البندقية، فمرَّ رجل فأخذت منه مَقتلا فسقط فوقع فمات، فهذا الإنسان لا يأثم عند الله عز وجل، قاتل الخطأ لا يأثم.
والذي يصيد خطأ أو ناسيا أنه مُحرِم فصاد؛ لا يأثم.
فصيد البر من محظورات الإحرام، فإن نسي المُحرِم أنه محرِم فصاد وهو ناسٍ؛ فلا شيء عليه البتة.
25. وَالخَـطَـأْ والإِكْـرَاهُ وَالـنِّـسْـيَــانُ ... أَسْقَـطَـهُ مَعْبُــودُنَــا الـرَّحْـمَــنُ
26. لَكِـنْ مَـعَ الإتلافِ يَثْبُـتُ الْبَـدَلْ ... وَيَنْتَفِــي التَّـأْثِيـمُ عَنْـهُ وَالـزَّلَــلْ
إيش الذي ينتفي؟ أنه آثم، وأما الكفارة تَثبت.
وهنا مسألة مهمة:
أخرج ابن ماجه من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «إن الله وضع -أو قال: رفع- عن أمتي الخطأَ والنسيان وما استُكرِهوا عليه».
إن الله رفع عن أمتي الخطأ.
إن الله رفع عن أمتي النسيان.
إن الله رفع عن أمتي ما استُكرِهوا عليه.
هل الواحد من أمة محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يخطئ؟ ممكن واحد من أمة محمد يخطئ؟ هل يقع الخطأ في أمة محمد؟ إيش معنى الحديث: «إن الله قد رفع -أو وضع- عن أمتي الخطأَ .. »؟
هل يمكن أن ينسى؟ طيب؛ ليش ينسى والنبي يقول إن الله قد رفع عن أمتي النسيان، كيف ينسى؟
هل يمكن للواحد من أمة محمد أن يُستكره؟ لا شك؛ الجواب: نعم، لكن النبي يقول إن الله رفع الاستكراه عن هذه الأمة!
كلام العقلاء يُصان عن العبث، فإن كان الكلام لا يستقيم إلا بتقدير فلا بُد من تقدير، فالكلام على ظاهره ينتفي مع واقع أمته، النبي يقول: «إن الله رفع عن أمتي الخطأ» والأمة تخطئ، والأفراد يخطئون؛ فإذن: لا بد من أن يصان الكلام عن العبث، كلام العقلاء، لا يقولون كلاما عبثا، وهذا يقتضي منا حتى يستقيم الكلام أن نقدِّر محذوفا.
مثل تماما قول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إنما الأعمال بالنيات»، يمكن واحد يعمل عملا صالحا دون نية؟ يمكن؛ إذن لا بد من تقدير شيء محذوف: (إنما الأعمال المقبولة عند الله بالنيات)، فإذا عملت عملا صالحا دون نية؛ فيكون العمل غير مقبول، أو (إنما الأعمال المشروعة بالنيات) أيهما أوسع المشروعة أم المقبولة؟ المشروعة أوسع من المقبولة.
ولذا: لا يجوز للمسلم أبدا أن يحتاج للنية الحسنة إن فعل مخالفة.
لما واحد يصافح امرأة، ومصافحة المرأة الأجنبية حرام، يقول لك: أنا ما عندي نية سيئة! نقول: لا، أنت مش فاهم الحديث، الحديث: إنما الأعمال المشروعة، أو الأعمال المقبولة بالنيات، لا يجوز تنظر لامرأة أجنبية فيُقال لك: لماذا تنظر؟ تقول: أنا أتأمل خلق الله! تزني بامرأة، تقول: ليش تزني؟ تقول: أنا أريد أن أعفها! هذا أمر غير مشروع! إيش المراد «إنما الأعمال بالنيات»؟ إنما الأعمال المشروعة، خذ من الشرع الإذن بالعمل ثم انوِ النية الصالحة.
طيب؛ «رُفع عن أمتي الخطأ»؟
للعلماء تقديران: «رُفع عن أمتي الخطأ»؛ أي: الإثم والزلل، هذا هو المرفوع.
أو: رُفع عن أمتي المؤاخذة.
الإثم: خاص، والمؤاخذة: عام.
وهذه المسألة تسمى في علم أصول الفقه (هل للمُقتضَى عُموم أم لا؟).
وانظروا الآن حتى مما نمثِّل نفهم المسألة فهمًا جيدا، حتى لما ننظر في النصوص الشرعية ونقرأ كلام علمائنا رحمهم الله نقرأ بفهمٍ، ونعلم أن علماءَنا رحمهم الله أقاموا هذا الصرحَ العظيم -صرح الفقه- على أصول، وعلى قواعد، وأن الدخيل عليه يظهر، وسرعان ما تكشف عورته، وتُبان سوأته.
بعض العلماء كالحنفية قالوا: المرفوع فقط الإثم «رفع عن أمتي الخطأ»؛ فقط الإثم.
جماهير أهل العلم قالوا: لا، ليس المرفوع الإثم فقط، قالوا: الكلام ليس تقدير البعض أولى من بعض، وإنما المرفوع كل المؤاخذة -الإثم وما يترتب عليه-.
أمثِّل -وبالمثال يتضح المقال-كما يقولون-:
رجل يصلي، وهو في الصلاة نسي فتكلم بكلام دنيوي، ما هو حكم صلاته؟ رجل واقف يصلي، يسمع لَجَّة من أصحابه: وين مفتاح السيارة؟ فقال له: مفتاح السيارة في مكان كذا على الرف.. في الدرج، نسي أنه يصلي، وهو في الصلاة، فجاء يسأل: إيش علي؟ فإن أجابه مُجيب على خُصوص المُقتضِي أنه شيء حتى يستقيم الكلام فيقدَّر المقدار الذي يستقيم به الكلام فحسب دون غيره، والذي يقدر الإثم و«رُفع عن أمتي» أو «وُضع عن أمتي الإثم»، فيقول له: الإثم عنك مرفوع والصلاة باطلة، أن تعيد الصلاة والمرفوع عنك إيش؟ الإثم، ليش رُفع الإثم؟ لأن الكلامَ وقع منه خطأ.
فالحنفية عندهم التقدير للضرورة، الكلام عبث ولغو حتى يُقدَّر شيء، وهذا الشيء الذي يُقدَّر بعض العلماء عمَّم وبعض العلماء خصَّص، وهي المسألة التي تُسمى في علم الأصول (عموم المقتضي، وخصوص المقتضي)، فالذي خصص ذكر فقط المقدار الذي يستقيم به الكلام، والذي عمم هو مذهب الجماهير قالوا: ليس شيء أولى من شيء بالتقدير.
فالمرفوع إنما هو المؤاخذة، فيقول جماهير أهل العلم في حق من تكلم ناسيًا: الإثم عنه مرفوع، والمؤاخذة عنه مرفوعة.
بمعنى: لو قال سائل: هل علي أن أعيد الصلاة؟
فالجميع متفق أنه لا خطأ عليه
وَالخَـطَـأْ والإِكْـرَاهُ وَالـنِّـسْـيَــانُ ... أَسْقَـطَـهُ مَعْبُــودُنَــا الـرَّحْـمَــنُ
الله لا يؤاخذ بالخطأ، وهذه من رحمته بعباده.
لكن: لو انتقل معنا إلى سؤال أضيق فقال: أنا ما علي وزر، لكن إيش أعمل: أعيد الصلاة أو لا أعيد الصلاة؟ بماذا نجيبه؟ فنقول له: الصواب أنك لا تعيد الصلاة.
فالأحكام الأخروية الإثم والخطأ والنسيان مرفوع عن هذه الأمة من حيث الإثم ومن حيث المؤاخذة.
ولذا قال النَّاظِم في عجز البيت الثاني:
... وَيَنْتَفِــي التَّـأْثِيـمُ عَنْـهُ وَالـزَّلَــلْ
الزلل: المؤاخذة منتفية، والتأثيم أيضا منتفٍ.
لكن في الأحكام الدنيوية الذي يسمى عند علماء الأصول الخطاب الوضعي الذي يدخل فيه السبب والمسبَّب، من أتلف شيء فسبَّب إتلاف شيء؛ فعليه أن يضمنه، عليه غُرمه، ولا صِلة للغُرم وللضمان بالإثم.
يعني: ولد صغير غير مكلَّف كسر زجاج سيارة الجار، إيش على والده؟ يَغرم، إيش على والده شرعا؟ على والده مثل الزجاج الذي كسره، فإن لم يوجد المِثل؟ ننتقل لإيش؟ للقيمة، المِثل قبل القيمة؛ لحديث أم سلمة، ولعلي ذكرتُه لكم: لما كان عند عائشة أضياف فلم تجد عائشةُ ما تضيِّف به أضياف رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فكان عند جارتها أم سلمة -وهي ضرتها- كان عندها طعام، فأرسلتْ للنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- صَحْفة فيها طعام، فرأتها عائشة، فأخذت الصحفة وكسرتها، ضربتها بالأرض، أخذتْها الغيرة ما يأخذ النساء، فجمع النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الطعام في الصحفة وهي مكسورة، ودخل على أضيافه، وقدم لهم الطعام، وقال لهم: «غارت أمُّكم»، وأخذ الصحفة السليمة من عائشة وأرسلها لأم سلمة، وأبقى الصحفة المكسورة لعائشة.
فقال العلماء: الضمان أولا يكون بالمِثل، فإن تعذَّر المِثل؛ كان بالقيمة؛ فالنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بدَّل الصَّحفتَين، صحفة عائشة السليمة؛ لأنها كسرت صحفة أم سلمة، أخذ السليمة وأعطاها لأم سلمة، وأبقى المكسورة التي كسرتها عائشة أبقاها عندها.
فيقول ابن القيم في «الزاد»: «في هذا دليل على أن الضمان يكون بالمِثل قبل الثمن».
الشاهد: أن الولد كسر زجاج سيارة، أو أتلف شيئا وهو غير مكلَّف، إيش عليه؟ عليه ضمان الإتلاف.
وكذلك المجنون، وكذلك الناسي، وكذلك المخطئ.
ولذا قال النَّاظِم:
25. وَالخَـطَـأْ والإِكْـرَاهُ وَالـنِّـسْـيَــانُ ... أَسْقَـطَـهُ مَعْبُــودُنَــا الـرَّحْـمَــنُ
قال:
26. لَكِـنْ مَـعَ الإتلافِ يَثْبُـتُ الْبَـدَلْ
المراد بالبدل: المِثل، بدلا منه، فإن لم يوجد البدل المثيل؛ فحينئذ: ننتقل إلى قيمة البدل.
إنسان رأى امرأة فجأة ولم يتقصد، فالوزر عنه مرفوع، بعد النظرة الأولى إن نظر إليها وهو يعلم بوجود المرأة أو العورة؛ فهو يأثم.
وكذلك قتل الخطأ مرفوع الإثم عن صاحبه، لكن عليه الدية، وعليه كفارة، والكفارة في حق الله، والدية حق لأولياء الدم، فيجب على من قتل آخرَ أن يدفع دِيتَه، والدية ليس من مال القاتل، وإنما الدية من عاقلة القاتل، العاقلة: مَن تجتمع أنتَ وإياهم إلى الجد السادس.
ولما عمر رضي الله تعالى عنه وجد الإسلام قد انتشر ودخل فيه الأعاجم، والنسب لا يوجد عند الأعاجم، دوَّن دواوين لكل صنعة، وجعل الدية في الديوان، وجعل الذين يدفعون الدية أصحاب الديوان.
وهذا فيه نوع تكافُل مع أولاد الميِّت، فهو ليس من باب العقوبة؛ وإنما الغالب عليه النظر إلى حال من مات، وإلا الإثم مرفوع عنه.
رجل أكل أو شرب وهو صائم، إيش عليه؟ ولا شيء، النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: «من أكل أو شرب ناسيًا؛ فليتم صومه إنما أطعمه الله وسقاه» الله أطعمك وسقاك، لا شيء عليك.
طيب؛ هل من فرق بين صيام الفريضة وصيام النافلة؟ الجواب: لا؛ لأن النبي يقول: «من أكل أو شرب وهو صائم» ولم يحدِّد نوع الصوم، أطلق النبي الصوم، وهذا مذهب جماهير أهل العلم خلافا للمالكية، فجماهير أهل العلم لا يُفرقون، وهذا هو الصواب، إن أكلت وأنت في صيام فريضة، إن أكلت أو شربت في صيام نافلة؛ فإنما أطعمك الله وسقاك، فتُتم صومك.
ورد عند عبد الرزاق في «المصنف» أن رجلا شابًّا جاء لأبي هريرة فقال له: لقد أكلتُ وأنا صائم؟ فقال: إنما أطعمك الله وسقاك، ثم قال الشاب: ثم أكلتُ وأنا صائم؟ قال: إنما أطعمك الله وسقاك، ثم قال الشاب -في المرة الثالثة-: أكلت وأنا صائم؟ فقال له أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: إن الصيام ليس من شأنك يا ابن أخي!
والظاهر أنه كان صائما صيام نافلة، ولم يكن صائما صيام فريضة، يعني: هذا ليس من شأنك أن تصوم، كل شوي تأكل، كل حين تأكل، فالصوم ليس من شأنك.
لكن مع هذا قال له: أطعمك الله وسقاك، ولم يُفرِّق أبو هريرة رضي الله تعالى عنه بين صيام الفريضة وبين صيام النافلة، والنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أطلق ذلك.
أما الضمان وما يخص الأمور الدنيوية والقِيم والمِثل والبدل في الأمور الدنيوية لا الأخروية؛ فهذا ثابتة في ذمة المُتلِف.
ولذا يُذكر في قواعد الفقهاء: الإتلاف يستوي فيه المتعمِّد والناسي والمُكره.
الكتب المطولة في القواعد الفقهية يقولون قاعدة: الإتلاف يستوي فيه المتعمِّد والناسي والمُكرَه.
فإذن: الذي يرفع المؤاخذة وهي الزيادة على الإثم وهي الإثم والزلل على عبارة النَّاظِم، ولكن مع الإتلاف يثبت البدل، وكما ذكرتُ هذا مبحث (عوارض الأهلية) في علم أصول الفقه.
ثم انتقل النَّاظِم إلى قاعدة لها فروع فقال:
27. مَسـائِـلُ الْأَحْكَــامِ فِيها فِي التَّبَـعْ ... يَـثْـبُـتُ لا إِذَا اسْتَـقَــلَّ فَـوَقَــعْ
هذا البيت عبَّر النَّاظِم فيه عن قاعدة كلية مهمة، وهذه القاعدة تقول: (يثبت تبعًا ما لا يثبتُ استقلالا) هنالك أحكام تثبت بالتبع ما لا يثبت بالاستقلال.
فهذا الحكم إذا انفرد يكون له حكم، وإذا لم ينفرد وكان مع غيره؛ كان له حكم آخر.
النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- نهى عن بيع الثمار وهي على رؤوس الأشجار ما لم تصفارّ أو تَحمارّ.
يعني أنا أشتري منك بستان تفاح، والثمرة غير ظاهرة، وهي على رؤوس الشجر، ولم تصفار لم تنضج أو تحمار؛ فهذا بيع غرَر، ولا ندري هل تبقى الثمرة أم تفسد الثمرة، أم تسقط الثمرة، أو ما شابه، أو تأتي جائحة فتمنع من نُضج الثمرة، فهذا مجهول العاقبة.
لكن: العلماء يقرِّرون: لو أن بعض هذه الشجر اصفار أو اخضر، بعض هذه الشجر نضج؛ فيجوز أن تشتري الثمرة التي لم تنضج تبعا للثمرة التي نضجت.
وهذا مثل من أمثلة قاعدة: يثبت بالتبع ما لا يثبت بالاستقلال.. يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا.
لو واحد قال: أنا عندي شجر كله لم ينضج بعد، فجاءني رجل أراد أن يشتري هذه الثمرة، نقول له هذا نهى النبي عنه عليه الصلاة والسلام.
طيب لو قال: بعض الشجر نضج وبعضه لم ينضج؟ يجوز، الذي لم ينضج يلحق بالذي نضج، فالذي لم ينضج لولا الذي نضج؛ لكان حُكم بيعه الحُرمة، فجاز بيع الذي لم ينضج تبعًا للذي نضج لا استقلالا به.
وهذه قاعدة عامة، وقع خلاف في التفصيل في هذه الجزئية، فلو كان الشجر من جنس واحد؛ فتكاد تجمع كلمة العلماء أن الذي لم ينضج يلحق بالذي نضج.
لكن لو اختلفت أجناس الأشجار؛ هذا مما وقع فيه خلاف.
يعني لو واحد عنده بستان فيه مثلا إجاص وتفاح ومشمش أو دراق ونضج نوع والباقي لم ينضج، والذي لم ينضج من التفاح يلحق بالذي نضج من التفاح.
لكن هل الذي لم ينضج من الدراق أو من المشمش أو من الإجاص يلحق بالذي نضج من التفاح؟ فهذا وقع فيه خلاف، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه يلحق؛ وبالتالي قاعدة: يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالا في مثل هذه المسألة لا عبرة بالجنس.
يعني المعنى: أن المناخ صحيح، والأرض صحيحة، والسقي صحيح، ولا يوجد حشرات قاتلة، أو آفات مهلِكة لهذه الثمار، فكلها تعامَل معاملة واحدة، ولا فرق بين نوع ونوع، وبين جنس وجنس.
طيب؛ هل يجوز أن تشتري شيئا لم تره ولم تحدده ولم تعرفه؟
طيب؛ الحشوة التي توضع في الجاكيت، أو في بعض الفساتين أو في بعض الثياب، يجوز بيع الحشوة؟ وحدها لا تجوز، لكن مع الثوب؟ تكون تبعا، فيثبت بالتبع ما لا يثبت بالاستقلال.
طيب؛ يجوز واحد يشتري من آخر حليب شاة ويقول له: بكم تبيعني حليب الضرع؟ شاف ضرع شاة، فقال: ألا تحلب لي ما في هذا الضرع، أريد أن أشتري منك ما في الضرع. فواحد يظنه سمينًا، فلما يُحلب يكون عُشر ما قد ظنّ! فيقول: أنت ظلمتَني! أنت بعتَني شيئًا يسيرًا! وأنا الذي قد قام في ذهني أنه شيء كثير، فأنت قد خدعتَني، قد ظلمتَني! فهذا يوصل إلى المُشاحة، ويوصل إلى الخلاف والمقاطعة والمُدابرة بين المسلمين.
ولذا: يحرم شرعًا أن تشتري اللبن الذي في الضرع.
تشتري الكمية، بكم الأوقية؟ احلب أوقية وأعطيني، خرج نصف أوقية؛ أعطيتك ثمن نصف أوقية، خرج كيلو؛ أعطيتك ثمن كيلو، ما فيه مشكلة هكذا، لكن تبيعني ما في الضرع من حليب؛ هذا أمر غير معروف!
ولذا: نهى العلماء عن بيع اللبن الذي في الضرع، لكن لو أن رجلا اشترى الشاة بتمامها وكمالها ومن ذلك اللبن الذي في الضرع؛ فاللبن الذي في الضرع يثبت تبعًا ما ثبت استقلالا، لو اشترينا لبن الضرع ممنوع، لكن لما نشتري الشاة بتمامها؛ فيكون الضرع من ضمنها.
أساسات البيت: مرئية ولا غير مرئية، لما يشتري البيت يعرف أساسات البيت؟ لا يراها، والأصل فيمن يشتري سلعة أن يراها، أو أن توصف له وصفا يقطع الخلاف، فشراء البيت بالجملة يلحق به أساس البيت الذي لم يُر، فيثبت تبعًا..
يعني: في التبع الأمر واسع، ففيه أشياء الشرع منعها إلا إن كانت تبعا لغيرها.
مثلا: الجمع بين الصلاتين، الجماعة معتكفون في المسجد، وكل الموجودين معتكفون، وأذن المغرب والثلج نازل، والمطر نازل، هل يجمعون بين الصلاتين؟ لماذا يجمعون بين الصلاتين؟ هم في المسجد، سيؤذّن عليهم العشاء وهم في المسجد وهم لا يخرجون من المسجد أبدا هم معتكفون فيه.
طيب؛ لو سأل سائل فقال: يوجد عدد قليل من الناس معتكفون وأغلب الناس غير معتكفين، فهل يجوز للمعتكِف أن يجمع بين الصلاتَين أم لا؟ إيش نقول له؟ نقول: يجوز للمعتكِف في المسجد أن يجمع بين الصلاتَين تبعًا لغيره لا استقلالا به.
لو كان كل الموجودين معتكفون ما جمعوا، لكن هو يجوز له الجمعُ تبعًا لغيره الذي هو ليس بمعتكف.
فهنالك أشياء تجوز بالتبع ما لا تجوز بغير التبع.
التأمين على السيارة: عقد التأمين حرام، لكن السيارة أصبحت من الحاجيات، وما أحد يشتري السيارة وفي باله يؤمِّن، فعقد تأمين السيارة تبع، شيء ما هو خاطر في بال مشتري السيارة، لكن هو لا يملكها حتى يؤمِّنها، فيسهل موضوع التبع ما لا يسهل موضوع الأصل، فالذي يثبت في التبع أوسع من الذي يثبت بالأصل.
طيب؛ إن أكلتَ ملعقة عسل وفيه ذباب، إيش ذباب العسل؟ ذباب العسل عند العلماء: النحل، أنت تأكل في العسل فأكلتَ ذبابة، نحلة من نحل العسل، فذُباب العسل في العسل تبع، وهو أسهل من أن تأكل النحلة دون عسل، فإذا وقعت ذبابة، نحلة في العسل؛ فالعلماء يقولون: ذباب العسل إن كان مع العسل هذا تبعا يجوز أكله مع العسل، بل يقولون في دود الطعام، أكل الدود وحده حرام، لكن إذا كان مع الطعام؛ فيجوز تبعا للطعام ولا يجوز استقلالا به.
فيثبت بالتبع ما لا يجوز بالاستقلال.
فهذه هي القاعدة.
27. ومِن مَسـائِـلِ الْأَحْكَــامِ فِي التَّبَـعْ ... يَـثْـبُـتُ لا إِذَا اسْتَـقَــلَّ فَـوَقَــعْ
وأخونا مغيِّر البيت حتى لا يكون مكسورا؛ فقال:
27. مَسـائِـلُ الْأَحْكَــامِ فِيها فِي التَّبَـعْ ... يَـثْـبُـتُ لا إِذَا اسْتَـقَــلَّ فَـوَقَــعْ
البيت الذي بعده البيت الثامن والعشرون، وهو من القواعد أيضا المهمة التي لها تفريعات كثيرة، يقول النَّاظِم:
28. وَالْعُــرْفُ مَـعْـمُــولٌ بِـهِ إِذَا وَرَدْ ... حُكْمٌ مِنَ الشَّـرْعِ الشَّرِيفِ لَمْ يُحَـدْ
الشرع -إخواني-، الأحكام الشرعية شرعها الله لتكون عملية، الشرع الأصل فيه أنه يَقبل العمل في واقع حياة الناس، وكل فهم يجعل الشرع أو النص غير عملي؛ فهم خاطئ، فهم دخيل على الشريعة.
وكل احتمال لغوي محض، أو عقلي محض يمكن أن يُفهم من النص، وتواطأ فعل الصحابة على خلافه؛ فهذا الفهم أيضا مدخول على الشرع.
يعني مثلا: صلينا اليوم المغرب جماعة، فواحد من الناس قال: خلينا نصلي ركعتين سُنة المغرب جماعة! ليش يا حبيبنا نصلي ركعتين سُنة المغرب جماعة؟ قال: النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «صلاة الرجل في جماعة خيرٌ من صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة».
الاستدلال باللغة ممكن، معقول، صحيح؟ ممكن.
لكن هذا الحديث الذي قاله النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- هل النبي فعله في مثل الصورة التي يسأل عنها هذا الأخ؟ هل فهم الصحابة منه هذا الفهم؟
فكل فهم على خلاف ما تواطأ عليه العمل في زمن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وزمن الصحابة؛ هذا الفهم مغلوط.
فلو أن رجلا استدل بقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- -وهو في «الصحيحين» من حديث ابن عمر-: «صلاة الرجل في جماعة خيرٌ من صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجة»، وأصر أن يصلي سُنة الظهر البعدية جماعة، أو القبلية جماعة، أو سُنة المغرب جماعة؛ نقول: أنت مبتدع، وأنا لا أَقبل عقلك، ولا أَقبل فهمك! يجب أن ينضبط فهمُك بفعل النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
الدين جاء وطُبق، فكل دِين، كل فهم للدِّين يخالف واقع حياة الصحابة؛ فهذا فهم مغلوط للدين، فهم غير مقبول.
وكل الأباطيل التي تدخل اليوم للدين بعُقول الناس وباحتمالات لُغوية ممكنة، ولا يُمكن لأحد في الجانب الذي فيه الضلال والفساد أن يُقيم الذي يقول وينقله عن الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أو عن صحابته.
طيب؛ الدين علَّق أشياء وهذه الأشياء الشرعُ ما حدَّ لها حد، ولم يُعرف لها حدٌّ مضبوط في لغة العرب؛ هذه لإيش متروكة هذه الأمور؟ هذه متروكة لأعراف الناس.
ولذا: شرعُنا مظلوم من طرفين: من جامد أو جاحد، من رجل يريد أن يتوسع في الدين فيغير ثوابته، أو من رجل أراد أن يجمد على بعض الأشياء والشرعُ أذِن أن نتوسَّع فيها.
العُرف والعادة تخص المعاملات فيما بين الناس، وهذه المعاملات التي تواطأ عليها الناس أصبحت بمثابة الشيء الذي ينظم هذه المعاملات، وأصبحت في داخل الناس، وقامت بحكم شيوعها وذيوعها مقام الشرط الذي يُشترط في العقد.
يعني: مثلا أن اشتريت 2 طن إسمنت أو حديد من تاجر، ونزّله على ورشة البناء، وقع خلاف بيني وبينه: التحميل والتنزيل على من؟ لا أنا قلت علي ولا هو قال علي! ولما صار ينزِّل هو يقول: عليك! وأنا أقول: عليك! طيب؛ هذا لمن التحميل والتنزيل؟! أنت أيها التاجر لَما بِعتني؛ بعتين على ما قام في أعراف الناس، فالحَكَم بيني وبينك إيش؟ الأعراف العامة بين الناس، فإذا كان العُرف أنت الذي تدفع؛ أنت الذي تدفع، وإذا كان العُرف أنا الذي أدفع؛ أنا الذي أدفع.
عدم نطقنا بتنظيم الشرط من هذه الحيثية أجرة التحميل والتنزيل؛ فأنا وإياك سُكوتنا يدلِّل على قبولنا لما تعارف عليه الناس.
واحد جاءه رجل يخطب ابنته، فقبِل، ما قال له يسموا المهر، ثم حصل نزاع، أراد الزوج أن يطلق، إيش لها الآن قبل الدخول؟ لها نصف المهر، كيف نقول نصف المهر؟ العُرف، مهر المثل.
كم مهر أختها.. كم مهر بنت عمها.. مهر مثيلاتها من النساء، فصار مهر المثل هو الذي يحكم.
أنا اشتريت منك سيارة، السيارة فيها عجل (سبير) ما فيها عجل (سبير)... على إيش يعود الأمر؟ للعُرف.
اشتريت منك دراجة، دراجة معها منفاخ ما معها منفاخ؛ لإيش يعود؟ للعُرف.
إذن الذي يفتي في معاملات الناس يجب على المفتي أن يعلم أعراف الناس، فيحرم على المفتي أن يفتي في المعاملات الشائعة بين الناس القائمة على العُرف حتى يَعلم الأعراف.
ولذا: يقول القرافي رحمه الله: الذي يفتي الناس بجواب واحد على اختلاف عوائدهم كالطبيب الذي يصف دواء واحدا لأمراض مختلفة.
ما يجوز لطبيب حافظ نوع دواء أن يصفه لكل الأمراض!
والمفتي لا يجوز له إن عَرف عُرف بلد هو فيها إن قامت مسألة في رأسه ومدارها على العُرف وهو لا يعرف أعراف البلدة التي وقع فيها الخلاف؛ فشرعًا لا يجوز له أن يفتي، يقول: اسألوا علماء بلادكم، أو يستفصل عن أعراف بلادهم، فيعرف عُرف أهل البلدة ثم يجيبهم على أعرافهم هم، لأنهم حال تنظيمهم للعقد أقاموا الحُكم على المُتعارَف بينهم.
ولذا العلماء لما يقولون: تتغير الأحكام بتغير الأزمان، وبتغير الأحوال؛ فالنوع الذي يتغير من الأحكام هذا هو فقط، فقط هذا النوع الذي يتغير، ما فيه نوع آخر، مش ممكن الصلاة تصير في تونس بدل صلاة الظهر أربع ركعات تصير خمس ركعات، وتصير في الجزائر سبع ركعات، وتصير في نيجيريا ثلاث ركعات، وتقول: تتغير الأحكام بتغير الأحوال! مش ممكن!
العبادات والمسائل التي قامت عليها الأدلة؛ فالأدلة هي الحاكمة، والمسائل التي علَّقها الشرعُ للناس وعلَّقها على أحوال النَّاس؛ فمدارها ومردُّها إلى أعرافهم؛ لأن الشرعَ في موضوع المعاملات كما تبين معنا في قواعد سابقة وفصلنا ذلك تفصيلا طويلا، وقلنا أن الأصل في المعاملات الحِل.
فمتى يُرجع إلى العُرف والعادة؛ فكل أمرٍ علَّق الشرعُ الحُكم فيه على شيءٍ لم يضع له حدًّا، ولم يكن له حد في اللغة؛ فمردُّه إلى العُرف.
فربنا يقول مثلا: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} المولود له نفقة، والنفقة بالمعروف، إيش حد النفقة؟ أعراف الناس.
النبي يقول لهند زوجة أبي سفيان: «خذي ما يكفيكِ وولدَك بالمعروف» إيش تأخذ المرأة؟ العُرف، ما تعارف عليه أهل البيت فيما يحتاجونه، فتأخذ من غير إذن زوجها هذا المقدار إن كان زوجها مِسِّيكًا أو بخيلا -كما ورد في الأحاديث-.
الشرع أمر بتعريف اللُّقَطة، طيب؛ ما هي وسائل تعريف اللُّقَطة؟ إيش طريقة التعريف؟ طريقة التعريف متروكة لأعراف الناس، وقد تختلف هذه الطرق من زمن لزمن، ومن بلدة إلى قرية، ومن بدو إلى قرية، فطريقة تعريف اللُّقَطة الشرع أمر بتعريفها، ولم يحدد طريقة تعريفها، ممكن تُعرَّف بكتابة إعلان على باب محل سوبر ماركت كبير، ممكن تُعرَّف بأن تُذكر لمختار القرية.
الطريقة تختلف من زمن لزمن، وتختلف من مكان لمكان، بل تختلف من قِيمة لقيمة، قد يجب على الإنسان أن يعرِّفها بالجريدة: رجل وجد لُقطة ألماس وجواهر وقيمتها مئات الألوف هذا ما يُعرِّفها كما لو وجد عشر دنانير، هذا واجب عليه أن يبذل من الوسائل والطرق ما لا يبذله الأول.
فطريقة تعريف اللُّقَطة تختلف باعتبارات كثيرة، ومردُّها إلى أعراف الناس.
وسمعتُ بعض مشايخنا يقول: لو أنك فقدت كيف تُعرِّف فكذلك لو أنك وجدتَ كيف تُعرِّف.
الذي يفقد مبالغ طائلة ينشر في الجريدة: من وجد كذا وكذا، فالذي يجد ينبغي أن يفعل كما لو فقد.
لكن مع هذا: الشرعُ لم يحدَّ حدًّا لطرق التعريف؛ ولذا يقال أن الأمر العبرة فيه بالعُرف المعمول به.
28. وَالْعُــرْفُ مَـعْـمُــولٌ بِـهِ إِذَا وَرَدْ ... حُكْمٌ مِنَ الشَّـرْعِ الشَّرِيفِ لَمْ يُحَـدْ
إذا الشرع الشريف ما حد حدًّا؛ فحينئذ: يعود الأمر للعرف.
طبعا: لا بد للعرف أن يكون شائعا بين الناس، ولا بد للعُرف أن لا يُصرَّح بخلافه، وأن لا يُصادم نصًّا، وأن يكون موجودًا عند إبرام العقد حتى يكون هو المنظِّم عند وقوع الخلاف.
لا بد أن يكون: شائعا بين الناس، وأن يكون موجودا عند إبرام العقد، وأن لا يخالف وأن لا يصادم نصًّا من الشرع، وأيضا أن لا يعارض تصريح بخلاف.
يعني: أنا اشتريتُ إسمنت، والتحميل في أعراف الناس على البائع، فأنا أخذت سعرا خاصا، واتفقت مع بائع الإسمنت قال لي: ترى التحميل مش علي عليك، الأعراف على البائع، لكن أنا وإياه نظمنا المعاملة بطريقة تكون أجرة التحميل والتنزيل على من؟ اتفقنا على خلاف العُرف، فالعبرة إذا اتفقنا على خلافه ونصَّصنا.. [مداخلة]
إذا نحن اتفقنا على خلاف العُرف؛ فالعبرة باتفاقنا.
ولذا العلماء يقولون في قواعدهم: (المعروف عُرفًا كالمشروط شرطًا)؛ بل بعضهم زاد فقال: (المعروف عُرفًا كالمنصوص نصًّا) وبعضهم يَذكر: (التعيين بالعُرف كالتعيين بالنص).
ومن قواعدهم أيضا يقولون: (المعروف بين التُّجار كالمشروط بينهم) يعني: الشيء الذي يتعارف عليه التجار وهم لا يتكلمون يُنزَّل منزلة الشرط، (المعروف بين التُّجار كالمشروط بينهم)؛ كأنه شرط كل منهما ألزم غيرَه بهذا الشرط.
طيب؛ أنت وضعتَ عندي أمانة، وهذه الأمانة تلفت، أنا أضمن الأمانة ولا لا أضمنها؟ يُنظر: إن قصرتُ أضمن، وإن لم أقصر؛ لا أضمن، إذا أنا قصرتُ في حفظها؛ ضمنتُ، وإذا أنا ما قصَّرت؛ ما ضمنتُ.
أعطيتني أمانة وضعتها في مخزن أضع فيه أشيائي الثمينة، فجاء حريق فأكل الأخضر واليابس، أخذ الذي لي والذي لك، أنا لا أضمن، أنا ما قصَّرت حتى أضمن، وأنا هلك عندي الذي أملكه، فأنا ما قصرت في أمانتك.
لكن: لو قال قائل ما هو الحد في أني قصرتُ أو لم أقصر إيش الجواب؟ العُرف، ما يوجد حد، الشرع واللغة ما وضعوا حدًّا.
الفقيه يذكر قاعدة يقول: أنت أتلفت أمانة، وديعة فلان؟ نعم أتلفتها. أنت قصرتَ ولا ما قصرت؟ المُمسِك الضامن يقول: ما أتلفتُ، وذاك يقول: أتلفتُ. فحكَّموا رجلًا بينهما، فأراد أن يعرف هل قصَّر أم لم يقصِّر، فالذي يريد أن يفصل بينهما هل قصَّر أم لم يقصر؟ علام يعود؟ يعود على العُرف.
طيب؛ الرضا في العقود، الرضا لا يوجد له حد لا في الشرع ولا في اللغة، فكيف يُعتبر أني أنا رضيت أني أشتري أو ما رضيت أني أشتري، بإيش؟ بالأعراف.
يعني: أنا الآن أدخل على محل سوبر ماركت، أحمل عن الرفوف ما أريد، وأبقى أحمل هذه الرفوف وأضعها على الصندوق -يسمونه بتعبيرنا اليوم الكاش-، أضعها جنب الصندوق؛ أنا قَبِلتُ، صار عندي رضا أريد أشتري هذه الأغراض، صحيح؟ ولا أتكلم ولا كلمة، أرى شاشة المحاسبة أمامي أخرج الفلوس أدفع وأمشي، ولا نطقت لا إيجاب ولا قَبول ولا شيء، هذه العملية كلها عملية إيش؟ رضا، وهذا الرضا، له صُوَر الرضا، وهذه الصور مردُّها إلى أعراف الناس، مردُّ الرضا في إبرام العقود اللازمة والاختيارية، مردُّ الرضا إلى أعراف الناس، فالرضا لا يوجد له صورة معينة، ولا يوجد له طريقة معينة، ولا سيما اليوم قد تُبرم العقود على شاشات النت وما شابه، أمره عُرفي محض.
فإذن النَّاظِم يقول:
28. وَالْعُــرْفُ مَـعْـمُــولٌ بِـهِ إِذَا وَرَدْ ... حُكْمٌ مِنَ الشَّـرْعِ الشَّرِيفِ لَمْ يُحَـدْ
إذا وضع الشرع حدا معينا فعلى ما حدَّ الشرعُ، متى يكون البيعُ ملزما؟ هذا أمر عُرفي؟ لا، ورد فيه نص، هذا ورد فيه نص يقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، أنا جالس أنا وياك بدي أشتري منك سيارة بدي أشتري منك بيتا، لم نفترق..

انتهى (الجزء الأول) ويتبع (الجزء الثاني).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
التاسع الجزء الأول..
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #12  
قديم 06-11-2012, 06:12 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
[الـدَّرس التَّـاسـع]
(الجزء الثَّاني)

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
البيت التاسع والعشرون ذكر فيه الناظم قاعدةً، وهذه القاعدة فقهيَّة، وأيضا قاعدة تجري في سُنة الله الكونية في بعض مخلوقاته.
يقول الناظم:
29. [مُعـاجِـلُ] المَحْـظــورِ قَـبْـلَ آنِــهِ ... قَـدْ بَـاءَ بِالخُسْـرانِ مَـعْ حِـرْمـانِـهِ
[مُعـاجِـلُ] المَحْـظــورِ قَـبْـلَ آنِــهِ
أي: قبل وقته.
قَـدْ بَـاءَ بِالخُسْـرانِ مَـعْ حِـرْمـانِـهِ
هذا البيت عبر فيه عن قاعدة دارجة على ألسنة الناس، وهي قاعدة فقهية لها تطبيقات عديدة، وهذه القاعدة تقول: (من استعجل الشيءَ قبل أوانه؛ عوقِب بحرمانه).
لله عز وجل سُنن ولا سيما في التغيير، وله سُنن في مخلوقاته، بعض أنواع النباتات في أثناء نموها ماتت، من استعجل هذه النبة فمسَّها؛ أماتها.
وهنالك أحكام فقهية بعضُها منصوص عليه، وبعضها مستنبط على المنصوص، فثبت عند الإمام الترمذي في الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-:«القاتِل لا يَرِث».
رجل أراد مالًا وله أب غني، فاستعجل على تحصيل المال فقتل أباه، فهل القاتِل يرِث من مال أبيه؟ الجواب: لا، هذا استعجل الشيء قبل أوانه، وارتكب محذورا وهو القتل، فباء بالخسران في الدنيا والآخرة، وباء بالحرمان، فحُرم الميراثَ، فالذي يَقتل لا يَرِث.
هذا النص ورد في حق القاتل إن كان وارثًا، لكن يا ترى: ما هو حكم القاتل إن كان قد أوصيَ إليه بالمال.
رجل أوصى لآخر بالمال، فقال: لما أموتُ تعطوا فلانا عشرة آلاف دينار، وهذا -فلان- ليس بوارث «لا وصية لوارِث»، وهذه الوصية لا تبلغ أكثر من الثلث، لا يجوز للإنسان أن يوصي بأكثر من الثلث.
لما مرض سعد بن أبي وقاص، وخشي على نفسه الهلاك الوفاة، ولم يكن عنده ذُكور، وكان عنده إناث، فأراد أن يوصي بمالِه، فمنعه النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فأراد أن يوصي بشطره بنِصفه فمنعه النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فأوصى بثُلثه، فقال له النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- له: «الثُّلث والثلث كثير، إنك أن تذر -تترك- ورثتَك أغنياء خير من أن يتكفَّفوا الناس».
ولذا قال العلماء -وهذا شيء مهم ولعل من يسمع كلامي يستفد منه إن شاء الله فيعبد الله فيتوسع عليه باب الطاعة أو باب من أبواب الطاعة-، قال العلماء: النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال لسعد: «الثُّلث والثلث كثير، إنك أن تذر -تترك- ورثتَك أغنياء» ما يتركه صاحب المال لورثته إن نوى به خيرًا؛ فأجره أعظم عند الله من أجرِ التصدُّق به.
فالذي تتركه لورثتك، الذي تتركه لأولادك وبناتك، وتتقي الله في مقدار كل واحد منهم، لا تقول: أنا كيف أورِّث بنتي وزوجها غريب، كيف يأخذ مالي رجل غريب! ما هو زوجة ابنك غريبة وتأخذ مالك، زوجة ابنك امرأة غريبة عنك وتأخذ مالك أيضا، فأنت تُعطي ابنتك وتعطي ولدك، لا فرق بين الذكر والأنثى إلا فيما فرَّق الله عز وجل من حيث النصيب.
هل دائما المرأة -كما هو شائع على ألسنة كثير من الناس، وبعضهم يناظر ويتكلم كلاما كثيرا- قالوا: الشرع ورَّث المرأة نصف ميراث الذكر! هذه خرافة! هذه أكذوبة! كذبها أعداء الله وراجت على الناس! من قال أن الشرع ورَّث المرأة نصف ميراث الذكر؟ تعرفون [على] هذا دليل؟ أخشى تذكرون: {للذكَرِ مثلُ حظ الأُنثيَين}! هذا في صُورةٍ من الصُّوَر!
لكن أحيانا المرأة ترث أضعاف ما يرث الذكر.
رجل مات وعنده ابنتان وعنده عشرون أخًا، كيف نقسم الميراث؟ الابنتان لهما الثلثان، والعشرون أخا كم لهم؟ الثلث، نصيب البنت مع نصيب الذكر كم؟ أضعاف كثيرة.
أعداء الله يكذبون الكذبة ويشغلون الناس فيها، نصدقها ونشتغل فيها!
كم من خطيب، وكم من مدرِّس يقولون: الشرع أعطى المرأة نصف نصيب الذكر لأنه كذا..!! من قال لك أن أصلا الشرع أعطى المرأة نصف نصيب الذكر، من قال لك هذا!؟
لما يتحدون في القرابة ويكون أولاد ذكور وإناث؛ (فقط) في هذه الصورة -لا غير- تأخذ البنت نصيبًا ويأخذ الذكر نصيبان، فقط في هذه الصورة يأخذ الذكر نصيبين.
أما في صُوَر أخرى البنت تأخذ أكثر من الذكر، ولا يوجد نص في القرآن [...]
أنت يا طالب العلم؛ إن سمعتَ كلمة دقِّق فيها، لا تقطعها عن سياقها، ولا تقطعها عن سباقها، وما تسرح ولا أحد يمشي فيك لا يمين ولا شمال، افهم المسائل بهدوء وروية، وضع الأشياء في نصابها وفي أماكنها.
إيش العدل في الشرع؟ هل أتى الشرع بالمساواة بين الذكر والأنثى؟ لا، الشرع ما جاء بالمساواة بالذكر والأنثى، الشرع جاء بالعدل ما جاء بالمساواة.
فيه فرق بين العدل والمساواة؟ فرق كبير، إيش الفرق بين العدل والمساواة؟
نحن نفخر على الأمم كلها أن الشرع ما ساوى بين الذكر والأنثى، نفخر على الأمم كلها، ونقول: الشرع عدل، أتى بالعدل، العدل أن تضع الشيء المناسب في مكانه المناسب، المرأة مش مثل الذكر، الله قال: {ليس الذكر كالأنثى} ما فيه مساواة.
كيف نساوي بين الذكر والأنثى؟! يمكن عاقل يساوي بين الذكر والأنثى؟! مش ممكن! المرأة غير الذكر، الذكر غير الأنثى، إذا قلنا الذكر كالأنثى؛ خالفنا الفطرة، وخالفنا العقل، وخالفنا العُرف، وخالفنا الشيء الذي في أعماق قلبك، في أعماق كل الخلق، الذكر غير الأنثى، فنحن ما نسوي بين الذكر والأنثى، أبدا لا نسوي، ولا يمكن أن نسوي بين الذكر والأنثى، ولا يمكن عاقل أن يسوي بين الذكر والأنثى، المرأة غير الذكر.
لكن: نحن نعدل، الشرع أتى بالعدل، والعدل إيش؟ تضع الشيء المناسب في المكان المناسب، والله هو الذي خلق {ألا له الخلقُ والأمر}، هو الذي شرع، وهو الذي أمر، فوضع كل شيء سبحانه في مكانه بالعدل، فالشرع أمر بالعدل، ولم يأتِ بالمساواة؛ لأن المساواة بين الذكر والأنثى ليس من العدل.
طيب؛ حتى الأطباء، حتى الصُّوَر الطبقية للعقدل والدماغ، حتى تحليل البول عند الأطباء الذكر ليس كالأنثى، إن حللتَ بول الذكر غير بول الأنثى، إن عملتَ صورة طبقية لدماغ المرأة غير الصورة الطبقية لدماغ.. كيف نقول الذكر كالأنثى! يعني الأمور المشاهَدة المحسوسة الملموسة الداخلة في المختبرات والصُّوَر الطبقية فيه فرق بين الذكر والأنثى!
فهذه المساواة أكذوبة، الطب يُكذِّبها، وكل شيء يُكذِّبها!!
قلنا أن الشرع أتى بقاعدة، وتقول هذه القاعدة: (من استعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه).
ذكرنا مثل الميراث، من قتل وارثَه؛ فلا يعطى من الميراث: «القاتِل لا يَرِث» -قول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم--.
طيب؛ لو أوصى، رجل أوصى لفلان: إذا مت أعطوه عشرة آلاف دينار، وهو ليس من الورثة له، وعنده أكثر من ثلاثين ألفا، يعني دون الثلث، فالموصَى له تعجَّل، فقتلَ الموصي، فهل يأخذ الموصَى له -القاتِل- لموصيهِ ما أوصى به؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأن من تعجل الشيء قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.
والشرع منع القاتل من الميراث سدًّا لذريعة الاستعجال بالقتل، ومنع [الموصَى له] أن يأخذ المال مِمن قتَلَه وقد أوصى له سدًّا لذريعة القتل.
طيب؛ الإنسان في مرض الوفاة، يزداد قُربا من الله أم يبتعد عن الله؟ يزداد قربا من الله.
رجل بينه وبين أولاده مسائل كثيرة مشاكل ونكد -للأسف-، أو بينه وبين زوجته مشاكل ونكد، وهو في مرض الوفاة، والقرائن قائمة على أنه لا يحب لزوجته أو لأولاده أن يرِثوا، ما يحب أن الأولاد يأخذون الميراث منه، أو أن تأخذ الزوجة ميراثا منه.
وهو في مرض الوفاة دخلت عليه زوجته التي هو غضبان منها غضبا شديدا قال: أنت طالق! والعادة الرجل ما يطلق وهو في النزع، وهو في مرض الوفاة؛ فهل يُعتد بطلاقه ونحرم الزوجة من الميراث؟ أم أنه لا يُعتد؟
جيئ لعثمان برجل طلق زوجته في مرض الوفاة؛ فورَّثها! قال هذا ما أراد الطلاق، هذا أراد حرمان الزوجة.
فسد ذريعة الظلم، ومنع الزوجة من أخذ الميراث.
وكذلك -نسأل الله العفو والعافية- لو ارتد في مرض وفاته حتى يغيظ أولاده ويحرمهم من الميراث، وهو في النزع بدلا من أن يتقرب إلى الله بالطاعات-والعياذ بالله- ارتد، أعلن ردته عن الإسلام، إيش يُعمل فيه؟
يقول الشاطبي: «نعامله بفِعله، ونحكم في ماله بنقيض قصده» إيش يعني؟ نعامله معاملة المرتد، ونعطي أولاده الميراث.
نعامله في الميراث بنقيض قصده، هو يريد أن يرتد من أجل المال أن يحرم الورثة المال؛ فنعطي الورثة المال؛ قياسا على فعل عثمان، وإيش نعمل؟ ونعامله معاملة المرتد «إنما الأعمال بالخواتيم».
لماذا عاملْنا هذا في ميراثه فورَّثنا أولاده وهم مسلمون وهو كافر وأظهر الكفر، لماذا فعلنا هذا؟ لأننا نقول: من استعجل شيئًا قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.
استعجل بأن يمنع الورثة؛ فعوقب بحرمانه.
ويذكر العلماء أيضا: لو أن رجلا عقد على رضيعة، على بنت صغيرة، هل يصح عقده عليها؟ عند الأئمة الأربعة يصح، لكن لا يجوز أن يدخل بها حتى تحتمل الوطء، حتى تكبر تحتمل الوطء، فيقولون: لو جاءت زوجتُه فأرضعتها، إيش أصبح الحُكم الآن؟ أصبحت الرضيعة هذه إيش؟ ابنتَه! فهل له أن يتزوجها؟ الجواب: لا؛ ليش؟ من استعجل الشيءَ قبل أوانِه؛ عوقب بحرمانه.
فهذه قاعدة تُدلِّل على ضرورة التأني، و«الأناة من الرحمن، والعجلة من الشيطان»، فمع الأناة كما قالوا في المثل: (من تأنى نال ما تمنى)، والزلل والخطأ والمخالَفة دائما تقع مع من؟ مع المتعجِّل ولا سيما من يتعجل في الكلام، قال بعض السلف: الكلمة كالثور تخرج من الجُحر، فإن خرجت فلا تعود.
29. [مُعـاجِـلُ] المَحْـظــورِ قَـبْـلَ آنِــهِ ... قَـدْ بَـاءَ بِالخُسْـرانِ مَـعْ حِـرْمـانِـهِ
بذا نكون قد فرغنا من البيت التاسع والعشرين لنبدأ إن شاء الله في درسنا القادم بشرح قاعدة مهمة وهي: (هل النهي يقتضي الفساد) وهي تحتاج إلى تجميع ذهن، ودقة...

انتهى (الجزء الثاني).
تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
التاسع الجزء الثاني...
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #13  
قديم 06-13-2012, 11:36 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-

[الـدَّرس العـاشـر]
(الجزء الأوَّل)


لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-




إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أما بعد:
فوصل بنا المقامُ -وصلني الله وإياكم برحمته- إلى البيت الثلاثين من منظومة الشيخ السعدي، وهي تخص مبحثا من مباحث علم أصول الفقه، ولهذا المبحث أثر كبير على كثير من الفروع الفقهية.
وضبط هذا الأصل يترتب عليه ضبط صحيح مطرد منهجي قائم على استقراء الأدلة من الكتاب والسنة لا أقول لعشرات المسائل ولا أقول لمئات المسائل؛ بل أقول لألوف المسائل، وهذه ثمرة فائدة علم الأصول وعلم القواعد وإن لم تحصِّل الأصل المطرد فإنك تُحسن تقدير واعتبار الخلاف عند العلماء.
هذه المسألة صنَّف فيها كثير من أهل العلم مصنَّفات خاصة، وأَولوها اهتماما مهما، ووقع لبعضهم على بعض استداركات وتعقبات وردود وإفاضات وإضافات وإلزامات، ولذا لو أردنا أن نوفيها حقها باستقراء التمثيلات عليها لاحتجنا إلى وقت طويل، ولكن كما يقولون: ما لا يدرك كله لا يترك جله -من جهة-، ومن جهة أخرى نحن نشرح منظومة ولا بد أن نفرغ منها أو من شرحها في وقت قريب.
هذا الأصل يُبحث في علم أصول الفقه تحت عنوان: هل النهي يقتضي الفساد أم لا.
وقع في كثير من النصوص منهيات، ولكن ليست هذه المنهيات على درجة واحدة، واختلفت أنظار العلماء في الضابط الذي يترتب عليه متى يكون هذا النهي باطلا لا ثمرة له، لا تبرأ الذمة منه، ولا تترتب الآثار عليه من حيث حِل ملك السلعة في البيع مثلا، وحِل أخذ المال الثمن في حق البائع من جهة أخرى في فروع كثيرة لا بد أن نذكر الضوابط على عجل من حيث متى يكون النهي يقتضي الفساد ومتى يكون النهي لا يقتضي الفساد.
الناظم الشيخ السعدي قال في منظومته، واختار الضابط الذي مشى عليه جماهير الأصوليين، وعليه في التطبيقات جماهير الفقهاء، والكلام في تخريجات الفروع على الأصول من حيث النهي، وليس فيما يخص المسألة من نقول أو نصوص، فمتى خُرجت المسألة على نص شرعي أعني: قال الله قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ فلا اعتبار لكلام أحد مع نص الوحي، ومتى لم يرد نص في الكتاب والسنة؛ فحينئذ نأتي إلى التقعيد والتأصيل واللجوء للقواعد الفقهية.
يقول الناظم في البيت رقم (30) من المنظومة:
30. وَإِنْ أَتَى التَّحْريمُ فِي نَفْسِ الْعَمَـلْ ... أَوْ شَـرْطِــهِ فَـذُو فَسَـادٍ وَخَـلَـلْ
وَإِنْ أَتَى التَّحْريمُ
أي: النهي، إن جاء التحريم، والتحريم يثبت بالنهي، والأصل في النهي الحُرمة ما لم تَقم قرينة، فإذا كان هذا التحريم جاء في نفس العمل، ووقع على رُكن من أركانه، أو وقع على شرط من شروطه؛ فهذا العمل يكون ذا فساد وخلل.
بالمثال يتضح المقال، وأضرب أمثلة، ثم في أثناء ضرب الأمثلة أنوِّه إلى خلاف العلماء في الضوابط، وكذلك في تنزيل هذه الأمثلة على ما اختاره الناظم.
مثلا: رجل في الصلاة يصلي، وهو يصلي كان يلبس خاتم ذهب، فما حكم صلاة من يلبس خاتم الذهب؟ هل النهي عن لبس الذهب من نفس عمل الصلاة أم من خارج عمل الصلاة؟ هل لبس خاتم الذهب من شروط صحة الصلاة؟ هل لبس خاتم الذهب من أركان الصلاة؟ إذن إيش حكم لبس خاتم الذهب؟ حرام ما يتغير الحكم، لكن إيش حكم من يصلي وفي يده خاتم ذهب؟ صلاته صحيحة أم باطلة؟ النهي عن لبس خاتم الذهب هل يقتضي فساد صلاة من لبسه؟
طيب؛ إنسان يكذب ويصلي، صلاته صحيحة ولا باطلة؟ الكذب إيش حكمه؟ هل الكذب من أعمال الصلاة؟ هل من شروط الصلاة؟
طيب؛ نأخذ شيئا أقرب:
رجل يصلي ويلتفت كالتفات الثعلب، واقف يصلي ويلتفت بعينيه ولا ينظر مكان سجوده، وكان هدي النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في صلاته أن ينظر إلى مكان سجوده إلا في التشهد فكان يشير بالسبابة ويلقي بنظره إليها...
إنسان وهو يصلي يلتفت، ولا ينظر إلى مكان السجود، إيش حكم صلاته؟ النهي وقع في داخل الصلاة ولا خارج الصلاة؟ داخل الصلاة، هل النظر إلى مكان السجود من شروط صحة الصلاة؟ هل النظر إلى مكان السجود من أركان الصلاة؟ ليس ذلك كذلك، إيش حكم صلاة من يصلي ويلتفت؟ صلاته صحيحة، لكن هذا الالتفات حرام؛ لأن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- نهى عنه.
وفي الحديث الصحيح: أن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كان يلتفت في الصلاة، صحَّ عنه الالتفات، ومن فقه المأموم في المضايق يلتفت ولا يكون قد خالف.
يعني: الإمام قرأ سجدة ووقف وقال: الله أكبر، ويمكن أن يكون قد ركع، ويمكن أن يكون قد سجد للتلاوة، التفتْ؛ حتى تحسن المتابعة، لا حرج، فكان النبي يلتفت حديث صحيح ثابت عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، لكن كان يلتفت للحاجة.
الشاهد: أن الالتفات الصلاة ولو وقع على الوجه المكروه إيش الحكم؟ الصلاة صحيحة والالتفات إثم، تمام؟
طيب؛ هذا الالتفات إيش؟ كالتفات الثعلب، كيف التفات الثعلب؟ بعينيه.
طيب؛ رجل التفت بصدره، يعني إنسان واقف يصلي فعل هكذا استدبر القبلة وهو يصلي، إيش حكم صلاته الآن؟ صحيحة ولا باطلة؟ باطلة، ليش صلاته باطلة؟ إيش حكم استقبال القبلة في الصلاة؟ في أي الصلوات؟ في غير صلاة الراكب، كان النبي على الدابة ويُكبر تكبيرة الإحرام ويسير حيث توجهت به دابتُه في السفر، والحديث متفق عليه من حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وحديث من؟ فالحديث ثابت في «الصحيحين» عن ثلاثة من أصحاب النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
فإذن: الحديث في النوافل وهو راكب للمسافر، وفي الفرائض عند الحاجة لمن يركب الطائرة، أو يركب السفينة إذا كانت السفينة تلعب الأمواج بها، يعني الراكب في السفينة عليه الصلاة قائما، فما استطاع يصلي جالسا، وهو قائم انحرفت عن القبلة يتوجه للقِبلة حيث استطاع، ما استطاع؛ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
وفي مثل هذا -كما في حديث ابن عمر- نزل قول الله تعالى: {فأينما تولُّوا فثمَّ وجه اللهِ} نزلت والنبي راجع من مكة إلى المدينة عند خيبر -كما في بعض روايات الحديث في «صحيح مسلم»-، لما وصل النبي كان يصلي ويكبِّر على راحلته -وفي رواية: على ناقته-، وكان يستقبل حيث توجهت به ناقته -أو رحله-في الحديث-.
طيب؛ رجل واقف في الصلاة، فاستدبر القبلة، إيش حكم استقبال القِبلة يا طلبة العلم! يا طلبة الفقه؟ الفقيه دقيق [مداخلات] من الشروط ولا من الأركان؟ [من الشروط] شو الفرق بين الشرط والركن؟ الشرط قبل الصلاة، والركن داخل الصلاة، إيش ينبني على الشرط؟ ما لا ينبني على وجوده وجودٌ ولا عدم.
أنت مستقبل للقِبلة ما انبنى عليك القِبلة صلاة، أنت توضأت ما ينبني على الوضوء صلاة.
ما لا ينبني على وجوده وجودٌ ولا عدم، وينبني على عدمه العدم.
أنت مستقبل للقِبلة ما ينبني على استقبالك القِبلة صلاة، وإن لم تستقبل القِبلة فصلاتك باطلة.
فإن وقع المُصلي في نهيٍ في نفس العمل (وَإِنْ أَتَى التَّحْريمُ فِي نَفْسِ الْعَمَـلْ) ركن، أو في شرطه؛ قال: (أَوْ شَـرْطِــهِ فَـذُو فَسَـادٍ وَخَـلَـلْ).
طيب؛ نأتي بمثال آخر حتى نقرب المسألة ثم نبدأ نذكر كلام بعض أهل العلم.
رجل سرق عباءة، وصلى بها، إيش حكم صلاته؟ [صحيحة] لما نقول صحيحة ما حد يقول: الشيخ يقول حلال سرق العباءة! انتبهوا! بعض الناس يفعل هذا، فأنا أقول: الذي يسرق العباءة ويصلي فيها صلاته صحيحة، ليش؟
طيب؛ نضرب مثالا آخر: رجل سرق عمامة، ووضعها على رأسه، صحيحة ولا باطلة صلاته؟ صحيحة.
طيب؛ رجل سرق جوربين ولبسهما وصلى فيهما إيش رايكم؟ صلاته صحيحة ولا باطلة؟ صحيحة.
طيب؛ رجل سرق ثوبًا فستر به عورته، فكان ستر العورة بثوب مسروق، هل الثوب المسروق الذي سُترت به العورة حُكمه كحكم من سرق عمامة أو جوربًا أو عباءة؟ أم الحكم يختلف؟ الحكم يختلف؛ لماذا؟ لأن ستر العورة رُكن ولا شرط؟ شرط، ستر العورة من شروط صحة الصلاة.
إذا كان الإنسان فقير لا يستطيع لا شيء عليه، كذاك الرجل الذي أم الناس وهو صغير، فلما أمَّ الناس وهو صغير كان إذا سجد وكان أحفظ القوم معه البقرة وآل عمران، فكان إذا سجد بانت إسته، فكنَّ النساء يصلين خلفه فيرين إسته، فيقلن لأبيه: استُر عنا إست صبيكم، فكان لا يقدر، لا يملك ستر العورة، فكان لا يملك إلا الثوب الذي يلبسه، فستر العورة من شروط صحة الصلاة في حق المستطيع، الذي لا يستطيع يصلي على حاله.
طيب؛ إذن: بعض أهل العلم يقول: الذي يلبس ثوبا مسروقا ويستر به عورته تبطل صلاتُه، والذي يلبس عمامة أو عباءة أو جوربا أو نعلا أو خُفًّا وصلى فيه صلاته صحيحة مع الإثم في جميع الحالات، هذا من الحشو، نتكلم مع طلب العلم، الحشو أن مع الإثم في كل الحالات.
شو الفرق بين لبس العمامة أو العباءة أو الجورب المسروق ولبس الثوب الذي يستر العورة؟ لبس الثوب نهي في الشرط، ولبس العمامة والعباءة والجورب نهي مطلق، كلبس الذهب في المثال الأول، لابس الذهب تزيَّن بحرام، ولابس العمامة أو العباءة تزيَّن بحرام، الأول تزيَّن بحرام في أصله ووصفه، والثاني تزيَّن بحرام في وصفه دون أصله، في طريقة كسبه، وهو في أصله -حكم لبس العباءة في الأصل ولبس العمامة ولبس الجورب- الأصل الحِل.
رحم الله علماءنا وسادتنا علماء الحنفية، ريَّحونا، أريح مذهب في هذا الباب مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
عند أبي حنيفة شيء سهل تضبط الأمور، ومن سهولته في هذا الباب وقع شيء من هرج ومرج في بعض الفروع من جهة، ووقع سعة في كثير من الفروع ولا سيما في أبواب المعاملات من جهة ثانية.
ولذا: رأى كثير ممن درَّسنا من مشايخنا الذين درَّسونا الفقه رأوا سعةً في مذهب أبي حنيفة يتناسب مع سوء واقع الناس، ويتجارى مع أحوال الناس، فمالت جُل التقنينات التي قنَّنت الفقهَ على شكل مواد قانونية صاغتهُ على مذهب الحنفيَّة، وأول محاولة جادة وهادفة وقوية في تقنين مذهب الإمام أبي حنيفة على شكل مواد قانونية وحَكَمت جُل أصقاع الدنيا ما وقع في أواخر زمن الدولة العثمانية لما قنَّنوا مذهب الإمام أبي حنيفة في مجلة تُسمى «مجلة الأحكام العَدليَّة»، ورأيت -في فترة تردادي واستفادتي من أستاذي الشيخ مصطفى الزرقا-رحمه الله- رأيتُ عنده من كتبه تدوينًا للمذاهب الأربعة على شكل مواد قانونية، ولما أراد ضياء الحق -حاكم باكستان رحمه الله- وكان جادا في الحكم بالشريعة كان شيخُنا الأستاذ مصطفى الزرقا مدرِّسًا لنا، وكان استضافه وكذلك وضع له تقنينات كثيرة؛ لأن الحكم بالإسلام مع الأُطر الحياتية الجديدة تحتاج إلى معرفة الواقع الذي يجري على وجه في تفصيل وفيه تأصيل، ولكن الهوة بعيدة -ما زالت- بين الحديث والفقه، ونحن بحاجة إلى سواعد وهِمم جادة صادقة تكون هادفة موجَّهة توجيهًا علميًّا تربويا إيمانيا صحيحا لإحياء الربانية.
ينبغي أن نكون على قدر المسؤولية، وينبغي أن نعلم أن الفراغ الذي تُرك بسب عدم تطبيق الشريعة من أواخر الدولة العثمانية إلى هذا العصر ملاحِظين المستجدات الكثيرة التي وقعت في سائر ضروب الحياة تُتعِب كثيرا من العلماء، فالذي يحملون -كما يقولون- السلم بالعرض وينادون بالإسلام دون التأصيل العلمي الصحيح، فلو قيل لهم: احكموا بالإسلام فلن يستطيعوا الحكم بالإسلام إلا بتنميق الكلام.
يعني: لو الآن الذي ينادون بالإسلام وإلى آخره لو قيل لهم: احكموا بالإسلام؛ ما يحسنون!
والله عز وجل لطيف بعباده، ومن لطف الله بعباده أن لا ينصر قومًا هذا حالهم، فمن رحمة الله بنا أنه لا ينصرنا، وهذا كلام لا يدركه إلا العقلاء، وأرجو أن أُفهَم على وجه صحيح؛ فيشهد ربي أن كل شعرة من بدني تحب دين الله حبًّا لا يعلمه إلا هو.
الشاهد أن الإمام أبا حنيفة رحمه الله له أصل سهل في هذا التقعيد في هذا الباب فقال رحمه الله: (ما كان منهيًّا عنه بأصله؛ فهو باطل، وما كان منهيا عنه بوصفه؛ فهو فاسدٌ وتترتب عليه آثارها).
أعيد: فيه شيء منهي عنه بأصله، وفيه شيء منهي عنه بوصفه.
يعني: الخمر منهي عنه بأصله ولا بوصفه؟ بأصله. والخنزير منهي عنه بإيش؟ بأصله لا بوصفه.
الصلاة لغير القِبلة، والصلاة مع الحدث، أكل الميتة، صلاة الحائض، صلاة النفساء، صوم الحائض، صوم النفساء.. هذا كله إيش؟ منهي عنه بأصله ووصفه، يعني بأصله خلاص كله منهي، من باب أولى يكون منهيا عنه بوصفه.
طيب؛ رجل نذر أن يصوم يومي العيد أو يوم التشريق، هذا منهي عنه بأصله ولا بوصفه؟ رجل نذر لله نذرًا أن يصوم العيدين، رجل نذر لله نذرا أن يذبح لقبر؟
طيب؛ الذبح، الذبيحة مشروعة بأصلها وممنوعة بوصفها، والصيام مشروع بأصله، وصوم يوم العيد وأيام التشريق ممنوع بوصفه.
لو قلنا لجماهير العلماء: أفتونا -مأجورين-: نذر رجلٌ أن يصوم يومي العيد، ماذا يقولون؟ يقولون: صوم العيد هذا حرام في نفس العمل، إيش هذا؟ نذر باطل، لا يجوز لك أن تفيَ به.
طيب؛ نذهب نسأل عالما حنفيا من علماء الحنفية، فقلنا له: أفتنا -مأجورا-: رجل نذر أن يصوم العيد، أو أيام التشريق، ما قولك؟ إيش يقول لنا؟ يقول: يصوم، كم يوم نوى؟ قالوا: نوى يصوم يومي العيد، قال: يصوم يومين غير العيد؛ لأنه وقع في عبادة فاسدة وليست بباطلة؛ لأن المخالفة التي وقع فيها منهي عنها بالوصف مشروعة بالأصل، الصيام أصله مشروع.
والذبح بأصله مشروع، فاللي يذبح للنبي شعيب نقول: اذبح في بيتك ووزع للفقراء، اذبح لله، الذبح لغير الله شرك، وفي «صحيح مسلم»: «من ذبح لغير الله فقد أشرك»، اذبح في بيتك.
الجماهير ماذا يقولون له: نذرك باطل، فعند علماء الحنفية: الباطل ما لا يُشرع لا بأصله ولا بوصفه، والفاسِد الذي شُرع بأصله دون وصفه.
طيب؛ الربا {وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا} انظروا في كتب التفسير ولا سيما الكتب التي تعتني بالعربية، أو بالأصول؛ فستجدون هذه العبارة وهذه العبارة تحتاج إلى وقفة حتى نوجهها على ما نقول: العلماء يقولون في تفسير قول الله عز وجل: {وأحلَّ اللهُ البيعَ وحرَّم الربا} يقولون: قوله: {وحرَّم الربا} عطف الخاص على العام، إيش يعني؟ يعني الربا بيع، لكن بيعٌ حرام، بيع غير مشروع، الربا بيع غير مشروع، لذا: {وحرَّم الربا} هذا عطف خاص على عام، يعني الربا يدخل تحت البيع {وأحلَّ اللهُ البيعَ} البيع: مفرد محلى بالألف واللام،والمفرد المحلى بالألف واللام من ألفاظ العموم، {وحرَّم الربا} خرج الربا من عموم البيع.
طيب؛ إيش هذا يفيد؟
رجل اتفق مع آخر على قرض ربوي، قال له: أعطني ألف دينار أعطيك ألف ومائتين، إيش الحكم؟ كبيرة من الكبائر باتفاق العلماء، ما أحد يخرج يقول: فيه خلاف بين الحنفية وبين الجمهور، ما أحد من أهل العلم أحل الربا، لكن الآن نبحث في آثار هذا العقد، كل العلماء يقولون: الربا إثم وكبيرة من الكبائر ومن أكبر الكبائر الربا، لكن الجمهور: واحد قال: ألف وألف مائتين وماطل ما قبل يعطيه الفلوس، وكتبوا هذا الربا بوثيقة، أو أشهدوا شهودًا، فذهب للقاضي قال له: يا سيدي القاضي! أنا أعطيته ألف دينار واللي عنده ألف ومائتين..، قال: ليش ألف ومائتين؟ قال: ألف ومائتين ربا! بم يقضي القاضي إن كان من جماهير العلماء؟ يقول: الأمر باطل، كأن شيئا ما وقع، نلغيه.
طيب؛ القاضي الحنفي إيش يعمل؟ القاضي الحنفي يلزمه بدَين ألف دينار، ويلغي الماتي دينار، تقول تعطيه الألف ترجع له الألف، لأنكم اتفقتم على عقد مشروع بأصله دون وصفه، إيش الباطل في العقد؟ الزيادة، الأصل في العقد..
لذا الحنفية يُمشّون عقود الناس على تعبير إخواننا المصريين بالعافية، يعني: أي وجه يجدوا له تمشية عقود الناس يمشي.
حدثني بعض مشايخي ممن درَّسني الميراث -ومات مُسنًّا قبل عشر سنوات عن عمر يناهز المائة سنة-، يقول: أنا أذكر في أول نشأة المملكة، أجيء لقاضي من أقاربي لبائع باع آخر خمرًا، وحكمَ له على وفق مجلة الأحكام العدلية، كل الدول العربية في أول التنشئة كانت تحكم بمجلة الأحكام العدلية، الذي هو نظام الدولة العثمانية، القائم على الشريعة الإسلامية المذهب الحنفي، فقضى عليه على نحو مقنَّن عنده، إيش القضاء؟ ذمتك بريئة ولا شيء عليك، ليش؟ لأن الخمرَ محرَّم بإيش؟ بأصله ووصفه، فهذا إيش يترتب على ما كان حراما بأصله ووصفه إيش يترتب عليه؟ يترتب عليه البُطلان.
طيب؛ رجل توسع في شروط بعض الفقهاء فتزوج امرأة ووقع خلل في العقد، مثلا: استغفلها ودخل بها ولم يكن قد طلبها من أهلها بناء على مذهب أبي حنيفة مثلا، أبو حنيفة لا يرى اشتراط رضا الولي إذا كانت المرأة راشدة، امرأة تقدم بها السن فكبرت، فرجل من الرجال طلبها ودخل بها، اشتراط الولي رُكن، النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول في «سنن أبي داود»: «أيما امرأة أنكحت نفسها بنفسها؛ فهي زانية» وفي رواية عند أبي داود بإسناد صحيح: «ولها المهرُ مما أصيب من فرجها» إيش الآن؟ النبي جعل العقد باطلًا، ولا راعى الوصف دون الأصل؟ راعى الوصف، ولم يراعِ الأصل، قال: «فهي زانية» وقال: «ولها المهرُ مما أصيب من فرجها».
فإذن: وهنا لفتة وهي في فروع المسألة، وفروع المسألة كثيرة، نحن قلنا أن العلماء لا يُفرقون بين الفاسد والباطل، جماهير أهل العلم صحيح؟ لكن في مواضيع النكاح يُفرقون بين الباطل والفاسد، جماهير أهل العلم يُفرقون في مواضيع النكاح على الرغم أنهم لا يوافقون الحنفيَّة في مجمل المسائل إلا أنهم في النكاح يفرِّقون، لأن موضوع الفروج موضوع خطير للغاية.
كم ضابط أصبح عندنا في موضوع (هل النهي يقتضي الفساد أم لا) تكلمنا عن كم ضابط الآن؟
ضابطان:
الضابط الأول: ما ذكره المصنف وهو قول جماهير الأصوليين وقول جماهير العلماء: إذا كان النهي في نفس العمل أو في ركنه أو في شرطه اقتضى الفساد وإلا فلا.
الضابط الثاني: إذا كان النهي في أصل العمل اقتضى الفساد، وإذا كان في وصفه لا يقتضي الفساد، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة.
هذان أشهر مذهبان للعلماء في هذه المسألة.
ممن تكلم على المسألة بتفصيل طويل، وبتأصيل جيد عالم نحرير من علماء الأصول، وهو الإمام المازِري.
والإمام المازري له كتب أصولية كثيرة، وللأسف الذي طُبع منها قليل، له تقييدات وشروحات على «الرِّسالة» للإمام الشَّافعي، كتاب «الرِّسالة» أول محاولة هادفة جادة قوية في علم المصطلح وفي علم أصول الفقه، من مؤلف كتاب «الرِّسالة»؟ الإمام الشَّافعي.
وفي حدود علمنا أن شرح المازري على «الرِّسالة» مفقود، ونمي إلي من قريب أن منه نسخة في بعض مكتبات تركيا، وإذا وجدت هذه النسخة؛ فهذا يفيد العلم كثيرًا.
عبد الرحمن بن مهدي لما قرأ «الرِّسالة» للشافعي قال: منذ أن قرأت «الرِّسالة» ما من سجدة سجدتها لله إلا ودعوتُ فيها للإمام الشَّافعي بعد ما قرأت هذا الكتاب.
ويقول: لقد قرأتُ كتاب «الرِّسالة» للإمام الشَّافعي أكثر من خمسمئة مرة، وفي كل مرة أستفيد فائدة لم أستفدها في المرة السابقة!
رحم الله أئمتنا.
فالمازِري له مذهب لم يُعرف عمن قبله، ومذهبه أشغل العلماءَ، وبعضهم نقضه بكتاب ووقعت ردود عليه إلى آخره.
قول المازري؛ يقول-وهذا مذهب ثالث في المسألة-: إذا كان النهي في حق الله عز وجل اقتضى الفساد، وإذا كان النهي في حق العبد لم يقتض الفساد.
هذا قول المازري.
ممن نقل مذهبه وهو شافعي المذهب وناقشه ولم يَقبَله: الإمام العلائي، وألف كتابًا مطبوعا في دمشق عن دار الفكر سماه: «تحقيق المُراد في هل النهي يقتضي الفساد»، وشوش على كلام المازري بالآتي -وسأذكر كما ذكرت لكم رؤوس المسألة-، يقول العلائي للمازري: أنت تقول أن النهي إن كان لحق الله عز وجل اقتضى الفساد، وإن كان للعبد لم يقتض الفساد، قال: والحقوق متداخلة!
حق السرقة لله ولا للعبد؟ هو حق لله وحق للعبد.
حق الزنا؟ لله ولإيش أيضا؟ المرأة المسكينة التي تغصب بالزنا يُعتدي على حقها واعتدي على حق وليها، فهو حق لله وحق للعبد.
فالعلائي عكَّر وشوش ورد كلام المازري بأنه لا يوجد ضابط نميز فيه بين حق الله وحق العبد وحقوق الله مع حقوق العباد متداخلة، فجاء شيخ الإسلام ابن تيمية فنقل كلام المازري ونقل تعكير وتشويش العلائي عليه في «مجموع الفتاوى» (29/381 فما بعد)، فأخذ يناقش مناقشات طويلة، ويفصل تفصيلات بديعة، وقال بناء على كلام أيضا ذكره غيره من العلماء قال: التأصيل صحيح والتشويش والتعكير يُدفع، قال: بم يدفع؟ قال: هنالك ضابط في الفرق بين حق الله تعالى وحق العبد، بأن الحق إن كان يَقبل المسامحة والإبراء؛ فهو حق للعبد، وإن كان الحق لا يَقبل المسامحة ولا الإبراء؛ فهو حق لله.
طيب؛ السرقة: رجل سرق من آخر فهتك حرزا فتوفرت شروط إقامة الحد، فأراد المسروق منه أن يعفو عن السارق، هل له ذلك؟ ليس له ذلك.
طيب؛ رجل غش آخر غشا، باعه شيئا مغشوشا، وما سرق..
طيب؛ أنا اشتريت كتابا مغشوشا، طعاما مغشوشا، شيئا مغشوشا، ثوبا مغشوشا، إذا كان النهي يقتضي الفساد يحرم علي أن ألبسه، ويحرم علي الأكل والطعام، ويحرم على البائع المال الذي في يده.
طيب؛ أنا اشتريت شيئا مغشوشا وقلتُ: سامح الله من غشني! هل هذه المسامحة لها اعتبار؟ أو ليس لها اعتبار؟ هذا الأمر يقبل الإبراء والمسامحة أو لا يقبل؟ يقبل، فإن كان لا يَقبل فهو حق لله، وإن كان يَقبل الإبراء؛ فهو حق للعبد.
فإن كان النهي في حق الله؛ كان النهي يقتضي الفساد، وإن كان في حق العبد؛ لا يقتضي الفساد.
كأنكم ضيعتم؟ معي تمام ولا؟! إن شاء الله معي.
طيب؛ أكثر من الأمثلة ونخرِّج على الأصول الثلاثة، نتدرب، والجواب امتحانا للخاطر لا حرج فيه إن شاء الله، وأما الكلام بالظن والتخمين أمام غير الشيخ حرام في الشرع والفقه، أما أمام الشيخ من باب تقوية الملَكة وفهم المسألة، واحتمال الصواب والتصويب أمر لا حرج فيه.
مذهب أبي حنيفة رحمه الله، طريقة الإمام أبي حنيفة في التعليم كان يلقي المسألة على الطلبة، فيجيبون، فيُقنعهم أن جوابهم خطأ فيَقتنعون، ثم يقنعهم بأن الذي فهموه خطأ فيَقتنعون وهكذا، فكان يقلِّب لهم الأشياء!
لما سمع به الإمام مالك قال: هذا رجل لو أراد أن يقنعك أن أسطوانة المسجد من ذهب لا من خشب لاستطاع! أبو حنيفة لو أراد أن يقنعك أن هذه الأسطوانة مش من خشب من ذهب لاستطاع.
ولذا: يذكر في مرض وفاته غاب عن طلبته فجاءت امرأة تسأل فأمهلوها فاجتمعوا كبار تلاميذه: محمد بن حسن الشيباني وأبو يوسف القاضي وزُفَر بن هذيل كبار التلاميذ اجتمعوا واتفقوا على رأي، فلما برئ خرج، فقيل له: يا إمام! جاءت امرأة فتسأل، قال: بم أجبتموها؟ قالوا: بكذا وكذا، فقال: أخطأتم، فأقنعهم أن جوابهم خطأ، ثم أقنعهم أن خطأهم صواب، وقال: أصبتم فيما قلتم. رحمه الله تعالى.
لذا: لما الشَّافعي التقى بأبي حنيفة كان يقول: كل الناس عيال على أبي حنيفة في الفقه! رحم الله جميع علمائنا.
طيب؛ نذكر أمثلة وبناء عليها ننظر في الأحكام، نستحضر الضوابط الثلاث...
رجل سرق سكينا، فذكى بها شاة، فما حكم أكل الشاة؟ ذبح الشاة بسكين مسروقة أو مغصوبة، غصبها من رجل أخذها بالعنف والقوة، حكم أكل الشاة؟ [مداخلة: حلال]، على أي القواعد حلال؟ [مُداخلة: ذبح الشاة حلال من أصله، وسرقة السكين] حرام لوصفه، على أبي حنيفة حلال قولا واحدا، ذكّى، تذكية، رجل أكل ذبيحة من غير تذكية؛ حرام؛ لأنها حرام بأصله.
رجل أكل شاة من غير تذكية؛ حرام، ليش حرام؟ لأن النهي عن الأصل، حرام بأصله.
طيب؛ هذا الذي سرق سكينا ذكّى الشاة، نهر الدم، وقطع الودجين، أفرى الودجين، والنبي يقول في «الصحيحين» من حديث أبي ثعلبة الخشني: «ما أفريتَ الودجين وأنهرتَ الدم؛ فكُل» نهر الدم وأفرى الودجين؛ فحلال، هذا على مذهب أبي حنيفة حلال.
على القول الأول: إذا كان النهي في ركن العمل أو شرط العمل، والسكين ليست من ركن العمل ولا من شرط العمل، الركن هو إيش؟ الفري والنهر. على القول الأول.
[مداخلة] نتكلم الآن عن الشاة غير المسروقة! نتكلم عن السكين المسروقة.
طيب؛ نأخذ مثلا الشاة المسروقة، رجل سرق شاة فذبحها، فهل لك أن تأكل أم ليس لك أن تأكل؟ إيش قال العلماء؟ هل هي حق لله أم حق للعبد؟ حق لله، السرقة لا تقبل الإبراء؟ حرام أكلها، طيب إيش يعمل فيها؟ عند أبي حنيفة إيش يقول أبو حنيفة؟ يقول: كُل؛ لأن الحرام بالوصف، والعبرة بالذبح، وقع الذبح، الشاة لحم طيب أحلَّه الله.
طيب؛ لو ذكّيت خنزيرا؟ السكين حلال، ذكّيتَ خنزيرا أو كلبا -أجلكم الله-؟ الحمد لله على شريعة الإسلام، فإيش حكم الخنزير المذكّى أو الكلب المذكى؟ حرام عند الجميع، حق لله، وإيش أيضا؟ بأصله وأصل العمل حرام، أنه عند الجماهير يقوم مقام: نفس العمل أو شرط العمل أو ركن العمل.
طيب؛ نأخذ مثالا آخر، وللأسف المثال موجود عند كثير من الناس!
رجل يسرق الماء، ولا سرقة الماء حلال؟ يقول: المال للدولة وسرقة المال حلال، صحيح هذا الكلام؟ مش صحيح، لا القائل صحيح ولا المجيب صحيح, المال مش للدولة، طيب؛ الناس شركاء في ثلاث الحديث: «المسلمون شركاء في ثلاث» الماء في مصادره الطبيعية، والعشب الكلأ « المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والنار والكلأ» الكلأ: العشب يعني..
الناس شركاء في مصادره الطبيعية، إذا حزتَ الحطب لك أن تبيع، إذا حزتَ إذا ملك في مُلكك الماء، فنَقلتَه إلى إناء من آنيتك إلى مكان تحوزُه أنت فهو مُلكك ولك أن تبيعه.
طيب؛ رجل يسرق الماء، ويتوضأ أو يغتسل من الماء المسروق، إيش حكم صلاته؟ طيب هو توضأ ولا ما توضأ؟ صلاته صحيحة عند أبي حنيفة.
الماء في شرط العمل؟ يمكن الوضوء من غير الماء؟ في نفس العمل على وجهة، وليس في نفس العمل على وجهة.
وهذه مسألة لها نظير أتعبت الفقهاء، ونظيرها: الصلاة على أرض مغصوبة، لا يمكن تتصور صلاة بدون مكان!
لكن بعض أهل العلم -وهذا مذهب رابع من مذاهب (هل النهي يقتضي الفساد)-ذكرنا ثلاثة، هذا المذهب الرابع والأخير الذي نذكره-: قالوا: ننظر هل النهي ينفك عن العمل أو لا ينفك عن العمل، إذا كان النهي لا ينفك عن العمل فهو يقتضي الفساد، وإذا كان ينفك لا يقتضي الفساد، يعني: هل يلزم من صلاتك على مكان أن تملكه؟ هل يوجد انفكاك بين الصلاة في المكان والملك أم لا يوجد انفكاك؟ يوجد انفكاك، فمن نظر إلى الانفكاك قال: الصلاة على الأرض المغصوبة منفكة.
هل يلزم حتى يصح وضوؤك أو غسلك أن تملك الماء؟ يلزم ولا لا يلزم؟ لا يلزم، لو توضيت في المسجد وضوؤك صحيح؟ وضوؤك صحيح باتفاق، فلا يلزم صحة الوضوء أن تملك الماء، ولذا من توضأ بماء مسروق، أو أسقط الجنابة بماء مسروق فغُسله صحيح، ووضوؤه صحيح وعليه الإثم؛ لأنه يَقبل الانفكاك.
وحتى على قول من قال: حق الله وحق العبد؛ يَقبل الإبراء، شو الإبراء يعني؟ يعني لو صاحب الماء قال : أنا مسامحك، إيش المشكلة؟ هذا ليس فيه هتك ستر، وليست من السرقة التي تُقام عليها الحد، وهي تَقبل الإبراء، ليست حدا لله خالصا، ليست كل سرقة فيها قطع، من سرق شيئا من المسجد تقطع يده؟ باتفاق لا تُقطع يده، لكن يأثم إثما أشد من إثم الذي يسرق من خارج المسجد.
الشيء -وهذه آخر قاعدة تأتينا في القواعد، في أواخر الأبيات، في آخر المحاضرة-: الشيء المحرَّم بالطبع تركه الشرع للطبع ولم يُقم عليه الحد، لأن الطبع يَنفر منه.
يعني: مش ممكن واحد عنده أدنى خوف من الله يسرق من المسجد.
طيب؛ واحد مثلا شرب بولا أو أكل غائطا، واحد شرب خمرًا، الذي يشرب خمرا إيش عليه؟ عليه حد؟ طيب؛ من أشنع وأبشع في الطبع الذي يأكل الغائط ويشرب البول؟ ولا الذي يشرب الخمر؟ والله الذي يأكل الغائط ويشرب البول أشد من الذي يشرب الخمر، بس لماذا هذا يقام عليه وذاك لا يقام عليه؟ لأن طبعه ينفر منه.
الشرع جاء بأشياء قد تتعلق بها النفوس فردعها ليمنعها بالحد، والشيء الذي تنفر منه النفوس إيش جاء الشرع؟ قال: حرام، وما وضع حدا، لم يضع حدا.
طيب؛ من وطأ امرأة ميتة، رجل وطأ امرأة ميتة، عليه حد الزنا؟
من قتل ميتا؟ كيف يقتل ميتا؟ واحد ميت جاء بمنشار ونشر رأسه؛ عليه حد القتل؟ لا، ما عليه حد القتل.
والذي يطأ ميتة، ليس عليه حد الزنا؛ لماذا؟ لأن الحرام موجود بالطبع، طبع الإنسان يأنف أن ينشر رأس ميت، أو أن يردخ رأس ميت، أو أن يطأ امرأة ميتة، الإنسان العاقل بطبعه يأنف أن يتلذذ بامرأة ميتة، ما يقبل أن يتلذذ بامرأة ميتة، فالشرعُ أقام الطبعَ مقام الحد، وهذه تفيد في سُنة الله في شرعه وقدره، ومتى تلتقيان ومتى تختلفان، وماذا يترتب على هذا، وأظن هذه النظرية تحتاج إلى صياغة جديدة، وتحتاج إلى لملمة فروعها، وتفيد كثيرا، ولها آثار تربوية وإيمانية، وتحل مشكلة كبيرة في مشكلة القضاء والقدر، ولكن تحتاج إلى عقول وحسن تتبع.
طيب؛ رجل باع والخطيب يخطب يوم الجمعة، انتبهوا للمسألة هذه، بياع في السوق الخطيب على المنبر يخطب، ينتظر قال: لما يصلي أروح للمسجد أصلي ركعتين وأرجع لشغلي!
إيش حكم استماع الخطبة؟ فرض {فاسعوا إلى ذِكر الله} الخطبة يعني، يجب على المسلم أن يسعى إلى ذكر الله، فرجل والخطيب يخطب باع واشترى، نريد أن نعرف مذاهب العلماء.
نأخذ مذهب أبي حنيفة: البيع حلال بأصله حرام بوصفه بوقته، فمن اشترى السلعة فله أن يلبسها إن كان ملبوسا، وله أن يأكلها إن كانت مأكولا، وله أن يشربها إن كانت مشروبة ..إلخ، والمال الذي بيد البائع له أن ينتفع به، على مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.
على اختيار المازري واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية: حضور الجمعة حق لله ولا حق للعبد؟ حق لله، هذا القول أيضا في هذه المسألة بعينها هذا مذهب الإمام أحمد، الذي يبيع في وقت خطبة الجمعة عند الإمام أحمد، الذي يشتري السلعة يحرم عليه شرعًا أن يستفيد منها، وثمن هذه السلعة ليست حلالا بيد البائع.
إذن: من باع أو اشترى في وقت صلاة الجمعة فعلى القول بأن النهي إن كان حقا لله عز وجل؛ فهو يقتضي البطلان، ومع اقتضائه البطلان أن السلعة لا يملكها المشتري ويجب عليه أن يتخلص منها بأن يتصدق بها والبائع لا يحل له أن يستفيد من ثمنها إلا على قول من قال بالأصل والوصف.
فهذه بعض الفروع التي يلحق بها -كما أشرتُ في أول الدرس- مئات بل ألوف من الأحكام، لا تتعجلوا في التخريج، افحصوا خواطركم، واعرضوا ما ينقدح في نفوسكم على مقرَّرات العلماء فلا غنية لنا عن فهومهم، وإن استشكلتم شيئا فاحمدوا ربكم فإن الإمام القرافي رحمه الله كان يقول: «أول درجات العلم: الاستشكال» قد يهجم عليك شيء، فيقع عندك إشكال في التخريج؛ فهذا -ولله الحمد والمنة- بداية الفهم، هذا الاستشكال هو بداية الفهم.
بودي أن تبحثوا عن بعض هذه المسائل، أذكر لكم بعض المسائل حتى تبحثوا فيها لتكون تطبيقات عملية لما نحن بصدده، ولو زودتموني ببعض الأوراق وتكتبون شيئا يسيرا بالرجوع إلى كتب العلماء؛ لكان حسنا.
المسألة الأولى مثلا: صلاة الحاقن، رجل يصلي وهو يدافع الأخبثان، أو يدافعه الأخبثان، فهو حاقن، صلاته صحيحة ولا باطلة؟ هل النهي يقتضي الفساد ولا لا يقتضي الفساد. هذه مسألة.
المسألة الثانية: طلاق الحائض، رجل طلق زوجته وهي حائض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهل يقع طلاق الحائض أو لا يقع؟ هذا الذي طلق وهي حائض إيش عمل؟ وقع في محظور وقع في نهي، وهذا النهي خطير وليس بسهل.
عمر أمير المؤمنين لما أوصى لستة وسماهم في مرض وفاته، وقال لهم: واجعلوا السابع مرجِّحا ابني عبد الله، أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر، فقالوا له: اجعله واحدا منا، اجعل واحد من السبعة بحيث يقع عليه الاختيار يكون هو أمير المؤمنين، فقال: لم يحسن يطلق زوجته فكيف يكون أمير المؤمنين؟ ما طلق زوجته إلا وهي حائض فلم ينسها له، وهو في..
اليوم الطلاق نسأل الله العافية، اليوم المرأة لما تُطلَّق مثل المتاع تُحمل وتُرمى خارج البيت، وأعسر شيء الطلاق، وسآتي بجواب أفصِّل شيئا فيه، ولن أطيل عليكم إن شاء الله، سأخص الدرس بعد العشاء بالجواب على الأسئلة، أو على بعض الأسئلة، وسأختصر الوقت بإذن الله تعالى.
قلنا إيش المسائل التي نريد نبحثها؟
المسألة الأولى: صلاة الحاقن أو من تدافعه الأخبثان.
والمسألة الثانية: طلاق الحائض.
نقول الثالثة مثلا: حكم القاضي وهو غضبان، النبي يقول: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، طيب؛ لو قضى القاضي وهو غضبان يقع قضاؤه أو لا يقع؟ ينفذ قضاؤه أو لا ينفذ؟ فإذا حكم وهو غضبان يكون وقع في محذور، وقع في نهي، لكن هل يترتب على هذا النهي فساد لحكمه أم لا يترتب؟
هذه المسائل الثلاث بِوُدي أن تكتبوا فيها، وأنا ما نسيت، وجزى الله إخواننا بعضهم أشبع الفرق بين المخطئ والناسي والساهي، تذكرون الدرس الماضي... المخطئ مش الخاطئ..
إيش الفرق بين المخطئ والخاطئ؟ الخاطئ الآثم {لنفسعًا بالناصية . ناصية كاذبة خاطئة} شو يعني خاطئة؟ الخاطئ الآثم غير المخطئ، نحن أردنا أن نفرِّق بين المخطئ والساهي والناسي. ،
أفيدكم إن شاء الله بعد الصلاة، أبدأ بفائدة هي منكم وإليكم بما أرسله لي بعض الطلبة جزاهم الله خيرا، وأجيب على بعض الأسئلة، وأرجو منكم هذه الفروع الثلاثة تنتبهوا لها وتبحثوا فيها لتقوية المَلَكة، ولا بأس إذا وُجدت مسائل تُخرَّج على أصل وأردتم السؤال عنه لا بأس أن تكتبوا، وبوُدي لو كانت الأسئلة من جنس الدرس، تكون الأسئلة من نفس موضوع الشرح، لكن أغلب الأسئلة جاءت لها صلة يسيرة بموضوع الدرس.
أسأل الله أن يمن علي وعليكم بالعلم النافع والعمل الصالح، وأسأله سبحانه أن يُفقهنا بالدين وأن يعلمنا التأويل، وأن يجعلنا هداة مهديين، وأن يجعلنا من العاملين بدِين الله عز وجل الدَّاعين إليه، وأن يرزقنا الإخلاص والبركة في ذلك.
والله تعالى أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


انتهى (الجزء الأول) ويتبع (الجزء الثاني).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
العاشر ج1...
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #14  
قديم 06-15-2012, 02:29 PM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

[الـدَّرس العـاشـر]
(الجزء الثَّاني)


[قدَّم الشيخ -حفظه الله- الإجابة على الأسئلة، ثم قال-في الدقيقة (31:18)-:]
أشكر الإخوة الذين قدموا -جزاهم الله خيرا- الفرق بين الخطأ والنسيان والسهو، أذكر لكم على عجل الفرق بينهما من خلال ورقة لبعض إخواننا، طوَّل فيها الحديث ورجع لعدة مراجع؛ فجزاه الله خيرا.
يقول: الخطأ: من أراد الصواب فصار إلى غيره.
هذا خطأ، هذا مرفوع عنك، يعني: الجهل مع الإرادة، أن تريد شيئا لكن تجهل حُكم الله فيه، فأن تفعله وعندك إرادة إليه، فهذا إيش يسمى؟ خطأ، وأنت لا تعلم إلا الذي فعلتَ، هذا الخطأ.
النسيان: ضد الذِّكر، فيه شيء من الغفلة، فتفعل الشيء وأنت لا تذكره، مثل الذي ينسى الصلاة، يؤذن الظهر ويؤذن العصر وهو لا يصلي، فلا يوجد إرادة للترك، أما الأول يريد لكن لا يصيب الوجه الذي يحبه الله، هذا المخطئ.
الناسي: الإرادة غير حاصلة، يقول الأخ: وأما النسيان: ضد الذِّكر والحفظ، ولذا: آفة العلم النسيان، أن لا تَذكره -كما يقول الزهري-.
فالأول فيه إرادة مع عدم إصابة القصد بجهل، والثاني الناسي ما عنده إرادة.
أنا لا أتقصد أن لا أصلي، أنا نسيتُ ما تذكرتُ، النسيان ضد الذِّكر، فأذن العصر وما صليت الظهر، أنا تركت الصلاة ناسيا علي إثم؟ أنا ما علي إثم؛ لأني ناسٍ.
إنسان حديث عهد بإسلام، فشرب الخمر وهو لا يعلم حرمة الخمر، شرب الخمر مخطئا مرفوع عنه الإثم بالخطأ؛ لأنه لا يعلم حرمة الخمر، لم يبلغه حرمة الخمر، فهل نقول عن الذي يشرب الخمر وهو يعلم أنه يشرب خمرا لكن لا يعلم أن الخمر حرام، نقول عنه ناسٍ ولا مخطئ؟ مخطئ.
الذي فاتته صلاة الظهر وأذّن عليه العصر نقول عنه مخطئ ولا ناس؟ نقول: ناسٍ ما نقول مخطئ، فالخطأ مرفوع والنسيان مرفوع، هذا الفرق بين الخطأ والنسيان.
يبقى بحاجة لأن نعرف السهو.
طيب؛ الأخ يقول: السهو: زوال المعلوم، الشيء الذي تعلمه يزول عنك بحيث لو تذكرتَه بأدنى تنبيه، ولا يتبع تذكُّره شك، هذا السهو.
طيب؛ في الصلاة لما تصلي وتسهو في الصلاة، أنت تذكر صلاتك ولا ناسيها؟ طيب؛ لما تسهو فيها؟ تغفل عن شيء منها، فالسهو دون النسيان، النسيان نسيان أصل الشيء، والسهو في جزء منه، أن تقع في غفلة في جزء منه، أنت تذكر الشيء، لكن لما تطبقه تسهو في جزئية من جزئيات هذا الشيء.
طبعا أخوانا مطوِّل في الحديث عن النسيان، وذكر أحكاما طويلة عن سجود السهو، وأحكام سجود السهو فصلناها في أربع خمس دروس في شرحنا لصحيح مسلم.
لكن هذا مدار التفريق بين الخطأ والسهو والنسيان.
وأنتم إن شاء الله في المرة القادمة نحتاج منكم إلى تخريج الفروع الثلاثة التي ذكرتها لكم: صلاة الحائض، وصلاة من يدافعه الأخبثان، وحكم قضاء القاضي إذا كان غضبان...
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد...

انتهى (الجزء الثاني).
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #15  
قديم 06-15-2012, 02:36 PM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-

[الدَّرس الحادي عشر]

لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-

إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أما بعد:
فيقول الناظم في البيت الحادي والثلاثين:
31. وَمُتْـلِـفٌ مُـؤْذِيـهِ لَيْـسَ يَضْمَــنُ ... بَعْـدَ الدِّفـاعِ بِالَّتِـي هِـيَ أَحْسَـنُ
هذا البيت عبَّر فيه الناظم عن قاعدة كلية مهمة لها صلة بقاعدةٍ من القواعد المتَّفقِ عليها عند العلماء، وهي: (لا ضرر ولا ضرار).
هذه القاعدة تقول: ما آذى من الصائل يجوزُ دفعُه بالأقل فالأقل.
ما آذى من الصائل الذي يصول عليك ويعتدي، فيجوز لك أن تدفعه بالأقل فالأقل، وعبَّر الناظم عن الأقل بالأقل بقوله: (بِالَّتِـي هِـيَ أَحْسَـنُ) حتى قال الفقهاء: إذا كان الصائل لا يندفع إلا بالقتل؛ فلا دِية وجاز قتلُه، فلا دِية عليك، ولا كفارة عليك، وجاز لكَ أن تقتلَه.
ودل على هذه القاعدة كثير من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، ولهذه القاعدة شروط ولها كلام لاحب وتفصيل واسع، نحاول أن نُلم بكليات لهذه القاعدة حتى نحسن فهمها -إن شاء الله تعالى-.
العمدة في دفع الصائل قول الله عز وجل: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} فالمعتدي إن كان لا يدفع إلا بالاعتداء، وإن كان الاعتداء الأول حرام {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الاعتداء الأول حرام، فالله عز وجل يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} الثانية هذه فعل أمر، وهي تدور عند الفقهاء بين الوجوب والحق، ولها صُوَر، ففي بعض الصُّور: يجب أن تَدفع ويحرمُ عليكَ أن تترك، وفي بعض الصور هي حق لك أن تَدفع وإن شئت أن تترك؛ فتترك.
فالاعتداء الأولى في قوله سبحانه: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} تدلل على الحرمة، والثانية تكون للحق أو للوجوب، والله عز وجل يقول: {فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}، ويقول: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ} فالذي يظلم الناس ويريد البغي في الأرض بغير الحق فيجوز أن يُدفع بالتي هي أحسن بحيث يُدرأ شره ويُبعد خطرُه بالأقل فالأقل.
نظرية الدفاع عن النفس ورد الصائل لم تَعرفها القوانين الوضعية إلا في المائة الأخيرة، ولم تكنْ هذه النظرية نظريةً مقنَّنة على وجهٍ فيه تفصيل، وبقي فيه ثغرات في هذه النظرية في القوانين الوضعية، وليس همي أن أخوض في هذا الباب؛ وإنما همي أن نَفهم المسألة من وجهة نظر شرعية.
من المعلوم أن الشرع جاء للحفاظ على ضروريات الإنسان، فجميع تشريعات الشرع جاءت للمحافظة على النفس، وللمحافظة على العقل، وللمحافظة على المال، وللمحافظة على العِرض، فهذه التشريعات النصوص الشرعية إن حرَّمتْ فإنما تُحرم للمحافظة على أن يبقى الجسدُ سليما، والعقل سليما، والعِرض مصونًا، والمال محفوظًا، فجاء الشرعُ فجوَّز لمن أراد أن يعتدي على هذه الأمور الكُليَّة بأن يُدرأ وأن يُدفع بالتي هي أحسن.
في الحديث المتفق عليه عند البخاري ومسلم: ترافع إلى رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- رجلان، فعضَّ أحدُهما يد الآخر كالفحل، فنزع يده فسقطت ثنيَّتُه -مقدمة أسنانه-، عضه فسحب يده فسقطت ثنيَّتُه -مقدمة أسنانه-، فبلغ الخبر النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فقال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «يعض أحدُكم يدَ أخيه كالفحل؟ لا دِيةَ له» لا يوجد دِية لهذا الإتلاف الذي ترتَّب على نزع اليد.
وعند أحمد والترمذي في الحديث الصحيح يقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «من اطَّلع في بيتٍ بغير إذنِهم ففقؤوا عينَه؛ فلا دِية له ولا قَصاص».
هذا إيش؟ رد صائل.
فهل يا ترى رد الصائل يكون فقط على النفس أم أنه يكون أيضا على العرض وعلى المال؟ فبلا شك: أنه يكون أيضا على العِرض وعلى المال، بل الراجح أنه يكون على مقدِّمات حفظ المال، وعلى مقدِّمات حفظ العِرض، وعلى مقدِّمات حفظ النفس.
إذا مجرد النظر في البيت والتجسس على العِرض، فهذا لو فقئ عينه فيقول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «فلا دِية له ولا قَصاص».
درء أو دفع الصائل لا يكون شرعًا فقط على حفظ النفس، ومن حصره من أهل العلم على النفس؛ فهذا الحصرُ يرده حديث الترمذي: الاطلاع على بيت الغير، فالنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- صرَّح بقوله: «ففقؤوا عينَه؛ فلا دِية له ولا قَصاص»، وأصل الحديث عند البخاري في «الصحيح» بلفظ: «لو أن امرءًا اطلع عليك بغير إذن فحذفتَه بحصى ففقأتَ عينَه؛ لم يكن عليكَ جُناح» لكن رواية الترمذي ورواية أحمد تقول: «فلا دِية له ولا قَصاص»، والمراد: فليس عليك جُناح -برواية البخاري- هو ما فصَّلها رواية أحمد والترمذي، (ليس عليك جُناح) معناها: «لا دِية له ولا قَصاص»، إيش «لا دِية»؟ العين لها دِية، وهذه التي تُسمى عند الفقهاء (الأُروش)، دِية النفس تسمى دِيةً، ودية العُضو تسمى عند الفقهاء (أَرْشًا) أَرْش: همزة مفتوحة مع راء ساكنة مع شين، فالأرش هو دِية العُضو، كم أَرش العين؟ دِية العين نصف دِية الرجل، من فقأ عين رجل دَفَع نصف دِيته، إلا إن كان من فقئت عينُه إلا إن كان أعور، فدِية فقءِ عين الأعور الدِّية بتمامها وكمالها، ومن جبَّ ذَكَر رجل إيش دية الذكر؟ عليه الدية بكمالها، من جب ذكر رجل قطع ذكره عليه الدية بتمامها؛ لأنه حرمه من الولد، الإنسان بالولد الولد يحمل الاسم والرسم، لذا العوام يقولون: من خلَّف ما مات، الفقهاء يقولون: الولد يحمل الاسمَ والرسم، مجرد ينظر إليه يقول: فلان سبحان الله شبيه أبيه، يشبه أباه، ويحمل اسمه، فالذي يجب ذكر آخر عليه دِيته بتمامه.
دية الأصبع: عشرة من الإبل، وهكذا في كتاب عمرو بن حزم ورد التفصيل في دِية الأعضاء والأُرُش.
فإذن: الناظم يقول: (وَمُتْـلِـفٌ مُـؤْذِيـهِ) ليس فقط في القتل، لا يُحصر دفع الصائل بالقتل، وإنما يكون فيما جاء الشرعُ بالمحافظة عليه في الأمور كلها وفي مقدماتها.
فالنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول فيما صح عنه: «من قُتل دون ماله فهو شهيد» فالشرع يحث الرجلَ على أن يدافعَ عن ماله، إن أراد رجلٌ أن يأخذ منه المالَ عنوة وغصبا، وإن قُتل دون ماله كمن يُقتل دون عرضه، وكذلك من قُتل دون عرضه فهو شهيد، والشهادة كما تعلمون ثلاثة أقسام:
هنالك شهيد في الدنيا والآخرة.
وهنالك شهيد في الدنيا دون الآخرة.
وهنالك شهيد في الآخرة دون الدنيا.
أما شهيد الدنيا والآخرة: من مات في سبيل الله لإعلاء كلمة الله مقبلا غير مدبر خالصا ومات في المعركة ولم يتطبب ولم يأكل ولم يشرب، سقط في المعركة؛ فهذا شهيد في الدنيا والآخرة.
فإن وقع كذلك ولم تصح نيتُه، وكان يقاتل لمغنم، أو كان يُقاتل ليُقال شجاع؛ فهذا شهيد في الدنيا وليس بشهيد في الآخرة، نعامله في الدنيا معاملة الشهداء: لا نكفنه ولا نُغسِّله ولا نصلي عليه وجوبًا، ففي الدنيا شهيد، أما عند الله ليس بشهيد.
وشهيد الآخرة: هذا النوع؛ من مات دون ماله، من مات دون عرضه، المرأة التي تموت بجَمع التي تموت بنفاس، المبطون، الغريق، من مات بذات الجَنب، فهؤلاء كلهم شهداء في الآخرة، وأما في الدنيا فليسوا بشهداء، فمنزلتهم في الآخرة عند الله منزلة الشهداء، وأما حالهم في الدنيا فيجب أن يُغسَّلوا وأن يكفَّنوا وأن يُصلى عليهم.
فالنَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن إضاعة المال، نهى النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن كثرة السؤال، وعن قيل وقال وعن إضاعة المال، ومن مقتضيات إضاعة المال أن تحفظ مالك، حتى أن المال يجوز لك أن تقاتِل عليه، وإن قُتلتَ حتى تحافظ عليه؛ فإنك شهيد.
في «مسند الإمام أحمد» والحديث صحيح: قال رجل لرسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي، فقال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لا تُعطه» فقال الرجل: أرأيت إن قاتَلَني؟ فقال له النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «قاتِلْه».
وهنا وقع خلاف في حُكم الدرء درء من يأخذ المال، فمنهم قال بالوجوب؛ لأن النَّبي يقول: «قاتِلْه» وقاتِله: فعل أمر، لكن هذا أمر وارد بعد حذْر، إيش الحذر؟ حرمة دم المسلم، وحرمة مال المسلم، والأمر الوارد بعد الحذْر لا يدلل على الوجوب.
جنحَ جماهير أهل العلم إلى أن الأصل لا أريد أن أدخلَ في صُوَر وتفصيلات إلى أن الأصل في الدرء عن النفس وعن العِرض وعن المال الوجوب، قالوا: ومن قصَّر أثِم، قالوا: وهذا واجب.
يعني لو أنك رأيت رجلا يعتدي على زوجتك؛ فيجب عليك أن تدافع عنها، وأن تحفظ عرضك، إن رأيت رجلا يعتدي على مالك فيجب عليك كذلك، إن رأيت رجلا يعتدي على ولدك بلواط لا قدر الله فيجب أن تدفع عن ولدك، وإن لم تفعل؛ قد أثمتَ، هذا قول جماهير أهل العلم.
الإمام أحمد وهذا قال به بعض الشافعية وبعض المالكية قالوا: لا هذا حق، ليس هذا واجب، فلكَ أن تدرأ ولكن إن لم تفعل فكنتَ عبد الله المظلوم؛ فلا حرج، وهذا إن جاز فهذا يجوز في صُوَر دون صور، وفي حالات دون حالات، ومن أهم هذه الحالات أنك إن كنتَ في فتنةٍ عُمِّيَّة لا تعرف فيها الحق من الباطل فحينئذ يتنزل عليك قول نبيك -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «كُن عبد الله المقتول، ولا تكنْ عبد الله القاتل»، هذا يكون في الفتنة العُمية.
ويستدل الحنابلة ومن وافقهم على أن دفع الصائل حق لمن يُصال عليه، واستدلوا على ذلك بأن عثمان لما حوصِر وأراد جمعٌ قتلَه فقد أمر خدمتَه ومواليه ومُحبِّيه أمرهم أن يكفوا أيديَهم، فقالوا: هذا حق وليس بواجب، كان لعثمان حق أن يدفع لكنه رضي الله تعالى عنه تنازل عن حقه وليس بواجب.
ويقال: هو حق، ولكن إذا ترتب على ضياع هذا الحق اعتداء وترتَّب ضياع مال وضياع عيال وفساد وإفساد؛ فحينئذ يجب استخدام هذا الحق لمثل هذا الأمر، لكن إن آل الأمر في عدم استخدام هذا الحق إلى أن يؤثر الإنسان بنفسه ولا يترتب على ذلك كبير أمرٍ كما يُفهم من صنيع عثمان فحينئذ لا حرج لو أن الإنسان ترك ذلك كما ذكرتُ في الفتنة العُمِّية وما شابه.
إذن دفع الصائل معناه: واجب الإنسان في حماية نفسه أو نفس غيره، وحقه في حماية ماله أو مال غيره من كل اعتداء غير مشروع بالقوى اللازمة لدفع هذا الاعتداء.
هنالك شيء -إخواني- في الشرع يسمى الإحسان الإلزامي، يوجب الشرعُ على المسلم كما يوجب عليه أن يُحسن لنفسه فيوجِب عليه أيضا أن يُحسن لغيره.
يعني: تاجر عنده مستودعات، جاء حريق يلتهم البضاعة التي في المستودع، فرغ من نقل بضاعته وبقي فارغا، وهنالك تاجر آخر له بضاعة في نفس المستودعات، فيجب عليه شرعًا أن يحفظ مال غيره وأن ينقل المال الذي لغيره دون إذنه، إذا كان يترتب على عدم النقل أن يضيع هذا المال؛ فالواجب عليك أن تحفظ مال أخيك، وإن أنفقت شيئا من مال يعني أجرة العتالة وأجرة السيارة وأجرة المخزن الجديد وما شابه فيجب على صاحب المال أن يدفع هذه الأجرة بأجرة المثل ويحرم عليه أن يمسك، ويحرم على من يستطيع الإنقاذ أن لا يفعل، وهذا من محاسن ديننا، وهذا الذي يسمى عند الفقهاء بالإحسان الإلزامي، التاجر يحسن إحسانا إلزاميا إلى أخيه التاجر الآخر فيحفظ ماله دون إذنه.
ولذا دفع الصائل كل من يصول عليك فيجب عليك أن تحفظه بل يجب عليك أن ترد المعتدي لحديث أنس في «الصحيحين» لما قال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما» قالوا: عرفنا كيف ننصره مظلوما، لكن كيف ننصره وهو ظالم، كيف أنصر أخي وهو ظالم؟ فقال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أن تأخذ على يده» تنصر أخاك وهو ظالم أن تحبسه عن الظلم، أن تأخذ على يده، هذا واجب عليك إن رأيت أخاك يلوك في أعراض الناس ويخوض بالباطل ويعتدي على الخلق يجب عليك أن تجعله يكف، وأن تأمره، ولكن تدفع كما قال الناظم: (وَمُتْـلِـفٌ مُـؤْذِيـهِ لَيْـسَ يَضْمَــنُ) قال: (بَعْـدَ الدِّفـاعِ بِالَّتِـي هِـيَ أَحْسَـنُ).
الواجب الدفاع بالمقدار اللازم، ولا يجوز الاعتداء فيه، ولا يجوز رد الاعتداء بحرام، لا يجوز أن ترد الاعتداء بسِحر مثلا، فلا بد أن ترد الاعتداء بوسيلة مشروعة وبالمقدار الذي يندفع فيه الصائل، فإذا اندفع الصائل بالعصا فيحرم عليك أن تستخدم السيف، وإذا اندفع بالسيف فيحرم عليك أن تستخدم المسدس، بل قال بعض الفقهاء: لو دُفع بالإشهار؛ فيحرم عليك الضرب، بل قال بعضهم: لو دُفع بالوخز فيحرم عليك القطع، وهذا المراد من كلام الناظم قال: (بَعْـدَ الدِّفـاعِ بِالَّتِـي هِـيَ أَحْسَـنُ) الدفاع بالتي هي أحسن: وخز لا قطع، إشهار لا وخز، عصا لا سيف، سيف لا مسدس، مسدس لا بندقية، هذا هو المراد بالتي هي أحسن.
حتى قال العلماء: لو أن لصا جاءك فضربته على يده فهرب فلحقتَه فقطعتَ رجله؛ فأنت تضمن رجله ولا تضمن يده؟ تضمن قطع الرجل، ولا تضمن قطع اليد، كذلك لو أنه هرب فقتلته فإنك تدفع ديته، لأن الصائل قد هرب بعد الضربِ، فإذا هرب بعد الضرب فلا يجوز لك أن تلحقه حتى تصل إلى القتل، فيجب أن تستخدم في دفع الصائل وفي دفاعك عنه الأحسن فالأحسن.
تبين لنا من خلال كلام الناظم: (وَمُتْـلِـفٌ مُـؤْذِيـهِ لَيْـسَ يَضْمَــنُ).
مما يُتعارف عليه اليوم ولا سيما على ألسنة القانونيين يقولون: الصائل يُعفى من المسؤولية المدنية والمسؤولية الجنائية، يعني: لا يضمن مالا ولا يُقتص منه، فالذي يدفع الصائل ليس بجانٍ إذا استخدمه بطريقة شرعية صحيحة، وإذا أتلف مالا له فإنه أيضا ليس بضامنٍ لهذا المال، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ أو عضو أو ما أتلف من مالٍ، فالصائل لا يضمن أي شيء من هذه الأمور.
طبعًا ليس كل من يهددك يكون صائلا، ولذا العلماء يذكرون شروطا للصائل، حتى يكون المعتدي صائلا فلا بد أن تتوفر فيه شروط؛ بأن يكون مثلا للاعتداء مظهر مادي، يعني ليس كل من دخل علي يقول: هذا جاء يقتلني، وصائل وقتلته، لا بد أن يظهر أنه مثلا قد أشهر سيفا، قد أشهر مسدسا، أن يُظهر شيئا، فأنا لو وجدتُ رجلا مقتولا في فناء بيت آخر فقيل له: يا فلان لم قتلتَ فلان؟ قال: هو صائل! نقول: لا؛ القاضي لا يحكم بكلامك حتى يَظهر للاعتداء مظهر مادي، يحمل مسدسا، يشهر سيفا، يَظهر شيء، حتى تقوم البيِّنة على ذلك، فحتى يكون المعتدي صائلا فلا بد أن يكون للاعتداء مظهر واضح مادي يظهر منه الاعتداء.
والثاني: أن يكون فعل الصائل محرَّمًا، فلو أن ولدًا قتل أباه، قال: ليش قتلتَ أبوك، قال: يريد أن يؤدبني، يريد أن يضربني، فعل الوالد في ضربِه لولده ليس محرَّما، تأديب الوالد لولده من شرع الله {يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسَكم وأهليكم نارًا} قال علي بن أبي طالب: أي: أدِّبوهم، أدِّبوا أولادَكم، وكذلك السيد مع عبده، وكذلك الزوج مع زوجته، وكذلك الوالي على رعيته، لو مجرم جاء يُراد أن يُقام عليه الحد فَقَتل من يريد أن يُقيم عليه الحد، إيش يقال عن هذا؛ دفع صائل؟ لا؛ ليس بدفع الصائل، لماذا؟ لأن الفِعل ليس بمحرَّم، إقامة الحد أو إقامة القَصاص على المجرم من شرع الله، فلا يقال هذا الفعل محرم.
فإذن لا بد أن يكون للاعتداء مظهر مادي، الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يكون الفعل محرما، فإذا لم يكن الفعل محرما فلا يكون هذا دفع صائل.
والشرط الثالث: أن يكون الصائلُ أهلًا لتحمُّل المسؤولية، وهذا على خلاف بين العلماء.
لو صال عليك طفل، فهل لك أن تقتله؟ عند أبي حنيفة: الطفل والبهيمة هؤلاء دفعهم لا يجوز فيه القتل، قال هؤلاء لا يضرون، فالبهيمة لا تَعقل، والصبي لا يتمكن من القتل، ولذا هم ليسوا أهلا لتحمُّل المسؤولية، الصبي يُدرأ، يُنهر، يُشاح أي شيء في وجهه يهرب، فهو لا يقدر على أن يؤذي.
والشرط الرابع: أن يكون الخطرُ متحققا أو وشيك الوقوع.
يعني: لو واحد قال لك: افعل كذا، أو سأفعل فيك في قابل الأيام كذا وكذا، هذا لا عبرة بكلامه، فلا يجوز لك أن تقتله، ليش قتلتَه؟ قال: هذا اعتدى على عِرضي، اعتدى على نفسي، هددني بأنه سيقتلني! هذا ليس دفع صائل؛ لأن ضرره غير متحقق، ولا وشيك الوقوع، بخلاف ما لو حمَل سلاحا، أو أشهر سيفا، أو أشهر خنجرا، وكان بيده، وأنت قريب منه، ويتمكن من أن يُلحق الضرر بك، فحينئذ لك أن تدفع هذا الصائل، أما أن يهددك بكلام، أو أن تعلمَ أنه لا يقدر على أن أمثالك لا يُهدد من قِبل هذا الإنسان؛ فحينئذ: هذا معتدٍ، وهذا آثم، لكن لا يقال عنه أنه صائل، وأنه يجوز أن يُقتل.
هذه بالإجمال نظرية (دفع الصائل) عند العلماء.
31. وَمُتْـلِـفٌ مُـؤْذِيـهِ لَيْـسَ يَضْمَــنُ ... بَعْـدَ الدِّفـاعِ بِالَّتِـي هِـيَ أَحْسَـنُ
بعد هذا تطرَّق الناظم رحمه الله تعالى إلى الأبيات الآتية في مبحث مهم من مباحث علم أصول الفقه، يُذكر عند العلماء في العموم، اللفظ العام، ويستفيد منه طالب العلم في توجيه وربط الأحكام بالنص.
طالب العلم لما يستدل أولا يستدل بالآية بحق وعدل، ينزع الآية أو الحديث بعد أن يتثبت من دقة ألفاظ الآية، وبعد أن يتثبت من صحة قول النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ثم يُنزل الآية أو الحديث الصحيح في مكانهما، فالحق: أن تَنزع النص وأن تحرره أن الله قال هذا وأن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قد قال هذا، والعدل: أن تُنزله في مكانه الذي يخصه.
وطالب العلم يتميز عن غيره أنه إن استدل بآية أو بحديث فإنه يَذكر وجهة الدلالة، يوجِّه كيفية الاستدلال بهذه الآية أو بهذا الحديث على هذا الحُكم، فذِكر وجهة الدلالة هذا من صنيع ومباحث علم أصول الفقه، فطالب العلم إن استدل قال: قال الله تعالى؛ فينبغي أن ينتقي وأن يختار الألفاظ الدقيقة التي تُدلل على دقة فهم، ودقة استحضار لمباحث علماء الأصول.
من بين المباحث العويصة والطويلة والتي لها حضور ولها تطبيقات في كثير من الآيات والأحاديث مباحث العموم، مبحث (العام).
العام من ضمن مباحثه مبحث يسمى (صيغ العُموم) للعموم صِيَغ، العرب إن عبرتْ عن العموم فإنما تُعبر بصِيَغ وهذه الصِّيغُ محصورة معدودة معلومة عند العلماء.
فالناظم في الأبيات الآتية في البيت الثاني والثلاثين والبيت الثالث والثلاثين والبيت الرابع والثلاثين والبيت الخامس والثلاثين، خصها في ألفاظ العموم، أربعة أبيات جعلها في ألفاظ العموم، أحاول دون كبير تفصيل أن أبين مراد [الناظم] وأضرب أمثلة إن شاء الله تعالى، ليتبين لنا، وأن تقرأ أي آية أو حديث تفهم أن هذه الآية يراد بها العموم، معنى (يراد بها العموم)؛ أي أنها تشمل جميع الأفراد دفعة واحدة، ولا يجوز لك أن تُخرج أي فرد من الأفراد إلا بنص آخر، والنص الذي يخرج فردا من أفراد ألفاظ العموم يسمى (المُخصِّص)، والحُكم الذي يقع عليه يسمى (التخصيص)، و(الإطلاق) (المُطلَق) الشرع في الإطلاق لا يريد جميع الأفراد دفعة واحدة، وإنما يريد جميع الأفراد ولكن بالانتقال من فرد إلى آخر، فدلالة العُموم على ألفاظه مرة واحدة، ودلالة المطلَق على ألفاظه بالتناوب -المرة هذا، ثم هذا، ثم هذا، ثم هذا-، وهذا الفرق بين التقييد والتخصيص، وهذا الفرق بين المقيَّد والمخصَّص.
طيب، نبقى على ألفاظ العموم، نضرب الأمثلة على ألفاظ العموم، ونحاول أن نفهم مراد [الناظم] رحمه الله، قال:
أل: الألف واللام، قال:
(أَلْ) تُفِيـدُ الْكُـلَّ فـِي الْعُـمُــومِ ...
يعني: احذف (أل) وضع بدلها (كل) فتصبح من ألفاظ العموم، فالألف واللام الـ(أل) بمعنى (كُل)، (فـِي الْعُـمُــومِ) في مباحث (العام)
32. وَ(أَلْ) تُفِيـدُ الْكُـلَّ فـِي الْعُـمُــومِ ...
لكن إيش قال؟ قال:
فـي الجَمْــعِ وَالإِفْــرادِ كَالْعَــلِيـمِ
(أل) في الجمع و(أل) في الإفراد يشمل العموم، يعني لما تقول (العليم) أنت لا تريد شخصا خاصا، أنت تعرف عشرة علماء مثلا، حصرتَ العلماء بأنهم عشرة أو عشرين أو أربعين، فتقول (العليم) فالعليم يشمل هؤلاء العشرة، يشملهم مرة واحدة، إن مدحت من اتصف بالعليم أو ذممته فإنما المدح أو الذم يشمل كل من يتصف بصفة العليم، فالعليم الألف واللام جاءت على المفرد، فلما تقول (العليم) كأنك تقول (كل عليم) يعني تصبح الألف واللام في المفرد والألف واللام في الجمع تصبح الألف واللام كأنها (كل عليم)، فإذا أصبحت (كل عليم) فشملت جميع الأفراد مرة واحدة، فأصبح هذا من ألفاظ العموم.
إذن من صيغ العموم: المفرد المحلى بالألف واللام، والجمع المحلَّى بالألف واللام.
من صيغ العموم: الصيغة الأولى: اللفظ المفرد، المحلى: المسبوق بالألف واللام، والجمع المحلى بالألف واللام.
لكن هذا يتطلب منا شيئًا من التفصيل:
يوجد الألف واللام في كلام العرب ويُراد بها الاستغراق، ويوجد في كلام العرب الألف واللام التي يُراد بها العهد، فإذا أريد الألف واللام للاستغراق كانت هذه هي الألف واللام إن دخلت على المفرد أو على الجمع يُراد بها (كل)، وإذا كانت على المعهود لم ينصرف ذهنك إلا لشخص معهود بالسياق، فالألف واللام التي هي للعهد إن دخلت على المفرد أو على الجمع؛ فقطعًا ليست من ألفاظ العموم، يقول الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام: {إنَّا أرسلنا إليكُم رسولًا شاهِدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعونَ رسولًا} إيش الرسول الذي أرسل إلى فرعون؟ موسى، {إنَّا أرسلنا إليكُم رسولًا شاهِدًا عليكم كما أرسلنا إلى فرعونَ رسولًا} قال الله بعدها مباشرة: {فعصى فرعونُ الرسولَ} الألف واللام في {الرَّسولَ} هل فرعون أُرسل له أكثر من [رسول] أم أرسل له موسى؟ أرسلَ له موسى، الألف واللام في {الرَّسولَ} في قوله: {فعصى فرعونُ الرسولَ} الألف واللام للعهد أم للجنس؟ للعهد، إيش يعني للعهد؟ الرسول المعهود، الرسول الذي أُرسل إلى فرعون المعهود، من؟ موسى، فالألف واللام في قوله: {فعصى فرعونُ الرسولَ} الألف واللام ألف ولام للعهد، فلا تدل لفظة (الرسول) في هذه الآية على العموم، لا يقول: فعصى فرعون (كل) رسول! لأن فرعون ما عصى إلا موسى عليه السلام.
»لقد هممتُ أن آمر فتى من فتياني أن يؤذِّن بالصلاة، ثم أنقلب إلى أناسٍ فأحرق عليهم بيوتَهم لأنهم لا يشهدون الصلاة» الحديث متفق عليه.
طيب؛ «لأنهم لا يشهدون الصلاة» هؤلاء الذين يُصلون في بيوتهم لا يشهدون أي صلاة؟ الصلاة المعهودة ولا لا يشهدون جنس الصلاة؟ الصلاة المعهودة، أي صلاة معهودة؟ صلاة الجماعة، فالسياق يفيدنا في بعض الأحايين، في بعض الآيات والأحاديث يفيدنا السياق أن الألف واللام تكون ألف ولام العهد ولا تكون الألف واللام الجنس.
فالمفرد والجمع المحلى بالألف واللام إن كان الألف واللام للجنس وليست للعهد؛ فهي من ألفاظ العموم.
مثل: قول الله عز وجل: {أو الطِّفلِ الذين لم يظهروا على عوراتِ النساء} إيش (الطفل) مفرد محلى بألف ولام، أي طفل، هل تشمل أولاد أبي أحمد وأولاد أبي محمود.. هكذا تشمل؟ لا، أو (الطفل) فهذه إيش المراد بها؟ كل الأطفال الذين لا يُميزون ولا يعرفون العورات فلهم أن يدخلوا على النساء وأن يروا النساء في الزينة، للأطفال الذين لا يَظهرون على عورات النساء، ولا يُميزون عورات النساء، الولد الصغير ابن ثلاث سنوات، أربع سنوات، خمس سنوات، ست سنوات، لو كان بيد أمه ودخلت على جاراتها على صاحباتها، وكان النساء اللابسات المعتاد، اللباس الذي فيه حشمة، لكن يظهر منه الشعر، ويظهر منه شيء من اليدين والقدمين، وتظهر للولد هذا ما فيه حرج، شو الدليل؟ قول الله عز وجل: {أو الطِّفل} الله ما يريد طفلا معينا، لأن السياق ما دلَّ على أن الألف واللام في {الطِّفل} للعهد؛ وإنما هي للجنس فتشمل جِنس الأطفال، فكل طفل بغض النظر عن ذكائه بغض النظر عن جنسيته، بغض النظر عن جِنسه -ذكر أو أنثى- أو ما شابه، فكل هؤلاء لهم أن يظهروا على عورات النساء.
طيب؛ {على عوراتِ النِّساء} (النِّساء)؟ جمع محلَّى بالألف واللام، هل هذا يشمل امرأة معينة؟ ولا يشمل جميع النساء؟ يشمل الكبيرات والصغيرات؟ يشمل الجميلات والقبيحات؟ يشمل العربيات وغير العربيات؟ يشمل كل النساء، لو قيل لك: ليش يشمل كل النساء؟ تقول: لأن (النساء) جمع، حليت بالألف واللام، فكان ذلك من ألفاظ العموم.
هذه الكلمات تدلِّل على أنك طالب علم، وأنك تتكلم بلغة العلماء، وأن توجِّه، فلما تذكر حكمًا وتذكر النصَّ وتربط بين الحُكم والنص التي يسمونها العلماء وجهة الدلالة تعبِّر بألفاظ العلماء، ولغة العلماء ينبغي أن تبقى لغة قائمة، تسمع كلمات من وعاظ وخطباء تضحك! يخبِّص، يتكلم بحرقة ويصرِّخ بس يخبِّص زي اللي يأكل وجنبه شوية فواكه ومنسف وشوية عصير وحط البيبسي على المنسف وجاب لبن المنسف وحطه على الكنافة .. هكذا يصنع بعض الناس!!
بل بعض الصُّوَر أبشع!! تسمع كلاما خربطة، لا له ذوق ولا له شيء! حتى طالب العلم المكين إن سمع يتقزَّز، يجد لعبًا بآيات الله، يجد خروجا عن منهج العلماء، والخروج عن منهج العلماء ثقيل للغاية، واحد يتسنّم نقول: ليس هذا عشك فادرجي! ما ينبغي أن تتكلم! اسكت! استر على نفسك، استر عيبك، لا تظهر سوأتك، تتكلم في الدين تكلَّم بعلم، ثم الناس تُقبِّل رأسك والناس تحترمك! أما أن تتكلم شرق.. غرب.. يمين.. شمال..!! هذا أمر ما يجوز شرعًا.
وللأسف الشيء الشائع: الخربطة!! ما فيه مسلك متَّبع!
ولذا الذي ننادي به: أن نبقى على مسلك علمائنا، على مسلك التأصيل، على مسلك تأصيل علمائنا رحمهم الله تعالى، نبقى نسير في قافلة ولها جذور امتدت من زمن النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وستبقى إلى يوم الدين، ولكن هذه الجذور قد في يوم من الأيام تظهر وقد يطغى عليها تراب، وقد يطغى عليها ضباب.. قد تنشر .. قد .. قد، لكن البقاء لها، ولا بد أن يذهب كل شيء دونها.
طيب؛ نذكر مثلا آخر: الله عز وجل يقول: {وأحلَّ اللهُ البيعَ} البيع مفرد، والألف واللام للجنس، فدل هذا على حِل جميع أنواع البيوع، إيش يقال؟ الأصل في المعاملات: الحِل، لو قيل لك: ما الدليل على أن الأصل في المعاملات الحِل؟ تقول: {وأحلَّ اللهُ البيعَ} ليش {وأحلَّ اللهُ البيعَ}؟ (البيع) مفرد، محلى بالألف واللام للجنس؛ فدل ذلك على أن جميع أنواع البيوع حلال، وإذا أردتَ أن تقول في معاملة من المعاملات، أو في نوع من أنواع البيوع حرام؛ فأنت المطالَب بالدليل، إذا قال لك المفتي: حلال، فقلتَ له: إيش الدليل على هذا؟ أنتَ لستَ بطالب علم! إن قال لك: حرام؛ تقول له: أين الدليل على هذا، أعطني الدليل أنه حرام، أما إذا قال لك في المعاملات الأصل أنها حلال، فهذا الأصل؛ لأن الألف واللام الداخلة على (البيع) اللفظ المفرد للجنس؛ فدل على أن جميع أنواع البيع {وحرَّم الربا} ألف ولام دخلت على لفظ مفرد، فدل على أن جميع أنواع الربا حرام، فاللي يقول لك: الحرام الربا الجاهلي بس وربا البنوك اليوم مش ربا، هذا ما يفهم أن جميع أنواع الربا وأن الأحكام الفقهية لا تتعلق بالأشخاص وإنما تتعلق الأحكام الفقهية بالأفعال، والرِّبا من رَبا يربو رَبوةً، والربوة: المكان الارتفاع، والربا سُمي ربا لزيادته وارتفاعه بسبب الزمن، فكل زيادة بسبب الزمن ربا، فلفظة الربا دلت على حرمة جميع أنواع الربا، ولفظة البيع دلت على حل جميع أنواع البيع.
{والعصرِ . إن الإنسانَ لفي خُسر} أي الإنسان لفي خسر؟ الإنسان: لفظ مفرد محلى بالألف واللام، فدلت ذلك على أنه من ألفاظ العموم، فدلت الآية بلفظها على أن جميع نوع الإنسان خسران، كل الناس خسران، جاء الاستثناء: {إِلا} ثم ذكر الله تعالى أربع صفات، فلا يكون ناجيا إلا من اتصف بالصفات الأربع معًا: إيمان وعمل صالح وتواصٍ بالحق وتواصٍ بالصبر، دون اجتماع الأربعة الإنسان في خُسر، دون أن تكون مؤمنا عاملا داعيا إلى الحق متواصيا مع إخوانك بالحق والصبر؛ أنت لست بناجٍ، أنت خسران!
فـ{إن الإنسانَ} (الإنسان) هذا من ألفاظ العموم، هذا يشمل جميع ألفاظ العموم.
طيب؛ {إنَّما المشركون نجَسٌ} أي نوع من أنواع المشركين النجَس؟ كل المشركين، ليش كل المشركين؟ المشركون جمع محلَّى بالألف واللام، فكانت من ألفاظ العموم، فدلت على أن جميع أنواع المشركين من عبَدَ النارَ ومن عبدَ الشجر ومن عبد القمر ومن عبَد النجوم، كل من عبد غيرَ الله نجس {إنَّما المشركون نجَسٌ} فالألف واللام في (المشركون) دخلت على الجمع، فجمعٌ محلى بالألف واللام التي هي للجنس، هذه من ألفاظ العموم، فدلت الآية على أن جميع المشركين في نجس.
طيب؛ لما نقول في صلاتِنا: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين» (الصالحين) من ألفاظ العموم ولا لا؟ إيش من ألفاظ العموم يعني؟ كيف نوجِّه أن الصالحين من ألفاظ العموم؟ جمع محلى بالألف واللام، فكما يقول ابن حجر في «فتح الباري» يقول: «من ترك صلاةً واحدة؛ فقد آذى عباد الله الصالحين منذ أن خلق الله آدم إلى يوم الدين، بتركه السلامَ عليهم»، وإيش (الصالحين) تشمل من؟ تشمل الملائكة؟ نعم، تشمل الجن؟ لما تقول: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين»؟ يا من تؤذي عباد الله، يا من تؤذي الملائكة، يا من تغتاب إخوانك، بعد الصلاة أنت ما تفهم إيش تقول في الصلاة، أنت في الصلاة تقول: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين» وبعد الصلاة تؤذي إخوانك بالغيبة والنميمة، ما فهمتَ إيش قلتَ؟ فلما تقول: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين» (الصالحون) جمعٌ محلى بالألف واللام فكان من ألفاظ العموم، فيشمل جميع الصالحين من جميع العوالم الإنس والجن والملائكة، ولذا قال النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن مسعود قال: «إنكَ إن قلتَ: (السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين)؛ فقد سلَّمتَ على كل عبدٍ صالح في الأرض والسماء» كل عبد صالح في الأرض والسماء لما تقول في صلاتك: «السلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين»؛ دل هذا على أنها من ألفاظ العموم.
فإذن: استفدنا من البيت الثاني والثلاثين أن المفردَ المحلى بالألف واللام وأن الجمعَ المحلى بالألف واللام شريطة أن لا تكون الألف واللام للعهد وإنما تكون للجِنس؛ فهذه من ألفاظ العموم التي تشمل جميع أفرادها مرة واحدة.
نكتفي بهذا القدر، ونتكلم إن شاء الله في البيت الثالث والثلاثين في درسنا القادم.

انتهى (الدرس الحادي عشر).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
الحادي عشر
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #16  
قديم 06-17-2012, 10:30 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم


شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-

[الدَّرس الثَّاني عشر]

لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-
إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أما بعد:
فوصل بنا المقام إلى مبحث أصولي مهم، يكثر دورانه، وتلهج الألسنة به في كتب التفسير وفي كتب شرح دواوين السنن، فضلا عن كتب الفقهاء والأصوليين، وهذا المبحث هو صِيَغ العموم.
فالنص إن شمل جميع أفراده دون خروج أي فرد من الأفراد؛ فلهذا النَّص صِيَغ معلومة اعتنى بها الناظم في ثلاثة أبيات، وفاتته أشياء يأتي التنبيه عليها في حينه إن شاء الله، قال الناظم في البيت الثاني والثلاثين -وقد فرغنا منه في الدرس الماضي-، قال:
32. وَ(أَلْ) تُفِيـدُ الْكُـلَّ فـِي الْعُـمُــومِ ... فِي الجَمْــعِ وَالإِفْــرادِ كَالْعَــلِيـمِ
العليم: مفرد محلى بألف ولام، فالألف واللام التي تفيد الجنس لا العهد إذا دخلت على لفظ مفرد، أو دخلتْ على جمع؛ فإنها تشمل جميع الأفراد ولا يخرج فرد منها لأنها من صِيَغ العموم.
ذكرنا أمثلة كثيرة على هذا.. تذكرون.. إيش ذكرنا من الأمثلة؟
[مداخلة: قوله -عزَّ وجلَّ-: {فعصى فرعونُ الرسولَ}] قلنا: الرسول هذه للعهد، وهذه لا يراد بها إلا موسى، هذه ليست للجنس فهي من ألفاظ العموم، لأن الشرط في المفرد أن تكون الألف واللام للجنس لا للعهد.
نريد الألف واللام للجنس حتى يكون الأمر عاما.... [مداخلة]
{ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم}، {والعصر. إن الإنسان لفي خسر} الإنسان: مفرد محلى بالألف واللام يشمل جميع الإنسان.
{وأحل اللهُ البيعَ وحرَّم الربا} البيع -قلنا- مفرد محلى بالألف واللام، والربا مفرد محلى بالألف واللام؛ فجميع البيوع مشروعة.
بيع المعاطاة: اليوم كل البيوع بيع اسمه بيع المعاطاة، إيش يعني بيع المعاطاة؟ يعني تحمل السعلة وتضع الثمن وتمشي دون عقد ودون كلام، أغلب البيوع اليوم اللي على الكاش في السوبر ماركت وتحمل السلة ولا العرباية تجمع مجموعة أغراض تضعها على الصندوق ويحسب، وترى على الشاشة الرقم، تدفع المال وتمشي، تم عقد؟ تم إيجاب وقبول؟ فيه كلام؟ ما فيه كلام، بس تم إيجاب وقَبول؟ نعم، فيه إيجاب وقبول، إيش إيجاب وقبول؟ القرينة. القرائن لها اعتبار.
تخيل: ترى واحد شاب يركض وبيده شماغ، وخلفه ختيار كبير يركض وراءه ورأسه مكشوف، إيش تقول؟ من القرائن إيش تقول؟ أنت ما شاهدت شيئا! أن تقول: الشاب سرق شماغ الختيار، والختيار يركض وراه يريد الشماغ.
فالقرائن لها اعتبار.
عثمان جلد رجلا لأنه قاء الخمر، وعمر رجم امرأة لأنها جاءت حُبلى، يعني حبلى وما زنت! ورجل قاء الخمر وما شرب خمرا!
فالقرائن لها اعتبار.
ولما فتح النبي خيبر كان كعب بن أُبَي -رئيس اليهود- كان عنده أموال كثيرة جدا، والنبي باغتهم، فقال النبي للمقداد وعلي أدِّباه وخذا ماله، أخرِجا مالَه، فهدَّداه بالضرب، فأبى أن يظهر ماله، وقال: لقد أنفقتُها، فقال له النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «المال كثير والعهد قريب» إيش يعني؟ يعني: القرائن معتبرة.
لذا العلماء يذكرون: هل يجوز في الشرع أن يضرب الشُّرَطي المتهم، يجوز ولا لا يجوز؟ إيش رايكم؟ حسب القرائن: إذا جاء إنسان متهم لأول مرة ولا يُعرف له أسبقية لا يُضرب، لكن جاء رجل وقد سرق مرات ومرات يُضرَب وهو برئ، هو مش بريء بحُكم الأسبقيات، فالقرائن لها اعتبار.
طيب؛ {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} إيش المؤمنون؟ جمع محلى بالألف واللام، كل من كان مؤمن بالله ورسوله كلهم أولياء بعضهم بعضا، هذه الآية تهدم الحزبية، إذا كنتَ في حزبي معي، وإذا ما كنت في حزبي مش معي! المؤمنون كلهم، لفظ عام، كل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كل المؤمنات بعضهن أولياء بعض، ما فيه ولاية خاصة وولاية عامة، المؤمنون يحبون بعضهم بعضا وينصر بعضهم بعضا إلخ.
إذن: من ألفاظ العموم: اللفظ المفرد المحلى بالألف واللام إن كانت للجنس، ولفظ الجمع المحلى بالألف واللام.
هاتان صِيغتان، نأتي لصِيَغ أخرى، يقول الناظم في البيت الثالث والثلاثين، شرحنا البيت الثاني والثلاثين بالتفصيل، نأتي الآن للثالث والثلاثين:
33. وَالنَّـكِـراتُ فـِي سِـيَـاقِ النَّـفْــيِ ... تُعْطِـي الْعُمُومَ أَوْ سِيـاقِ النَّهْــيِ
فإذا عندنا نكرة جاءت في سياق نفي -بغض النظر عن أداة النفي: لن، لم، لا- أو نكرة في سياق النهي -فالنهي يشمل النفي وزيادة-، ونحن نضيف من عندنا شيئا فات الناظم فنقول أيضا: (أو في سياق الشرط).
فالنكرة يعني غير المعرَّفة، التعريف عند العرب يكون أحيانا بالإضافة، وتكون أحيانا بالألف والله، فالذي يسبقه ألف ولام معرَّف، والذي لا يسبقه ألف ولام يكون نكرة، وإذا أضفتَه يكون معرَّفًا، وإذا لم يُضَف يكن نكرة.
فالنكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق الشرط: هذه كلها من صِيغ العموم بلا خلاف.
والعموم فُهم عقلًا لا وضعًا، ولا أريد التفصيل، أريد أن أبقى في الكليات حتى نفهم الأمر على وجهٍ حسن.
فمثلا: الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (لن) إيش هذه؟ لن نفي، وأقوى أنواع النفي الـ(لن)، و(الكافرين) غير محصورين غير معروفين هم نكرات من أي جنس كانوا، {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} (سبيلا) نكرة ولا معرَّفة؟ نكرة، طيب؛ السبيل المَنفِي للكافرين على المؤمنين ما هو؟ كل أنواع السبيل، إيش يعني كل أنواع السبيل؟ هل للزوج على زوجته سبيل؟ لك قوة على زوجتك؟ الزوج بالقوة؟ له ولا ما له؟ هل يمكن أن نستدل بهذه الآية على حرمة تزوج المسلمة من كافر؟ يمكن؟ عند من يمكن؟ عند الأصولي يمكن، هل يجوز أن تستعين بالكافر على المسلم؟ يجوز ولا لا يجوز؟ ليش؟ عند الأصولي، الكافر ما يكون له سبيل على المؤمن.
هل يجوز أن يعمل المسلم عملا ذليلا فيه إهانة له عند الكافر؟ يعني تعمل كناسا خادما ذليلا كأنك متاع أو سقط، ولا رأي لك ولا وزن، يجوز للمسلم أن يعمل هذا النوع من العمل عند الكافر؟ لا يجوز ليش؟ لأن من عمل هذا العمل يصبح للكافر عليه سبيل، والله يقول: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} فالسبيل نكرة، وهذه النكرة جاءت في سياق النفي، فهي تشمل وتعم كل نوع من أنواع السبيل.
هل يجوز تمكين الكافر من المصحف على غير وجه الهداية؟ أنه يهتدي للدين؟ ليس له علينا سبيل، ليس له أن يتمكن من ديننا وأن يكون له سبيل في كتابنا، ولذا نهى النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن السفر بالقرآن إلى أرض الكفار، فليس لهم سبيل، أي نوع من أنواع السبيل مَنفي في شرع الله -عزَّ وجلَّ- عن الكافرين؛ لأن الله في سُنته في كونه وشرعه أراد العِزَّة للمؤمن، المؤمن عزيز، لا يَقبَل للكافر أن يكون له عليه سبيل.
فكل ما يخطر في بالك من سبيل -مادي أو معنوي- لأي كافر على المسلم ممنوع ومنفي، فيشمل جميع أنواع السبيل.
الله يقول: {ولم تكنْ له صاحبةٌ} من صاحبتك؟ أنت من صاحبتك؟ لك صاحبة؟ الزوجة في القرآن هي الصاحبة بالجنب، وين ما لفيت جنبك صاحبتك جنبك، ما أجمل الزوجة أن تكون زوجةً وصاحبة، الرجل يحتاج للمرأة في الأوائل على حال وفي النهايات على حال، لذا قال الله تعالى: {وَجَعل بينكُم مودَّةً} في الأوَّل {ورحمةً} في الآخِر، أوَّل الحياة تحتاج للمودَّة: حب وعواطف، وفي آخِر الحياة إيش ينبغي أن يكون بين الأزواج؟ {الرَّحمة}، وليش قال الله: {وجعَل} ولم يقل: وخَلَق؟ لأنها تأتي شيئًا فشيئًا، لو قال: خلق؛ جاءت مرة واحدة، لكن قال: {وجعَل} حتى تحصِّل الرحمة والمودة درجة درجة شيئًا فشيئًا، فالأصل في الأزواج كلما تقدم بهم الوقت تكون العلاقة بينهما أمتن وأهنأ وأمرأ وأفضل وأقرب إلى الله -عزَّ وجلَّ-.
طيب؛ نعود للآية، الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {ولم تكنْ له} الكلام عن (له) لمن؟ لله سُبحانه، {ولم تكنْ له صاحبةٌ} (لم) نفي، و(صاحبة) نكرة، إيش المنفي عن الله؟ أي نوع من أنواع الصحبة -صحبة مساعدة، صحبة حاجة، صحبة شهوة- أي نوع من أنواع الصحبة مَنفية عن الله -عزَّ وجلَّ-.
ولذا الذي يُهنئ النصارى بعيدهم لَما تقول للنصراني: مبروك ميلاد الله -عزَّ وجلَّ-! الله ولد اليوم مبروك! لذا العلماء يعتبرون تهنئة النصراني بعيده كُفر، انتبهوا: ما يعتبرون أن المهنئ كافر، ليس كل من وقع في الكفر كافر.
يقول ابن القيم في «أحكام أهل الذمة»: «تهنئة النَّصراني في عيدِه أبغض عند الله من الزنا واللواط وشرب الخمر والسرقة مجتمعات» أوه! مصيبة! تهنئة النصراني بِعيدِه أبغض عند الله من هذه الكبائر مجمتعة، لما تقول له: مبروك! شو يعني مبروك؟! يعني ولم تكن له صاحبة منفية، هذه لا وجود لها، فإيش يعني {ولم تكنْ له صاحبةٌ}؟ جميع أنواع الصحبة منفية عن الله -عزَّ وجلَّ-، فـ(صاحبة) لفظ عام يشمل نفي جميع أنواع الصحبة.
الآن لما فهمنا القاعدة اتسعت مداركُنا، {ولم تكنْ له صاحبةٌ} (صاحبة) نكرة (لم) نفي، نكرة في سياق النفي، فتنفي عموم أنواع الصحبة.
طيب؛ الله يقول: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ} (لا) إيش اللا هذه؟ نفي، و(شيء) نكرة، (ولا يحيطون) إيش تحيط أنت بشيء من علم الله؟ عِلمك بالنسبة إلى عِلم الله لا شيء، هذه الـ(شيء) هذا الاسم (شيء) يعم كل شيء، يعم كل ما يخطر في بالك، فالإحاطة ممتنعة، لا يمكن لعبد مهما كان -سواء كان نبيا مرسلا أو ملَكا مقرَّبا- لا يمكن أن يحيط بعلم الله، فالإحاطة بعلم الله -سُبحانه وتعالى- منفية بالكلية.
{لا يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها} (لا) نافية، و(نفسًا)؟ نكرة، طيب؛ {لا يكلفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها} تشمل من؟ تعم جميع الخلق، جميع الخلق من الأنبياء من الصالحين الفاسدين ما فيه نفس تكلَّف تشمل وتعم جميع المكلَّفين -الجن الإنس-، كل المكلَّفين، {لا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها} فـ(نفس) نكرة جاءت في سياق النفي فعمَّت جميع ما يشمله اسم (النفس).
{لا ظُلمَ اليوم} (ظلم) نكرة (لا) نافية، أي نوع من أنواع الظلم منفي؟ تعم جميع أنواع الظلم، يوم الآخرة ما فيه ظلم، الدنيا يقع ظلم.
رجل أعرابي، والأعراب على السجية، رأى رجلا مظلومًا، وقف على مظلمته، فمات ولم يَقتص من ظالِمه، فقال: والله؛ إني تيقَّنتُ على اليوم الآخر! ما دام أنت مظلوم، ومت وأنت مظلوم إذن لا بد فيه حياة أخرى؛ لأن الله -عزَّ وجلَّ- عادل.
فالدنيا يقع ظلم، أما في الآخرة الله -عزَّ وجلَّ- ماذا قال في الآخرة؟ قال: {لا ظُلمَ اليوم} يقتص الناس يوم القيامة من حسناتهم، «أتدرون من المفلس؟» قالوا: من لا درهم له ولا متاع يا رسول الله! قال: «لا، المفلس من جاء وضرب هذا وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته وهذا من حسناته» فالقصاص يوم القيامة بالحسنات.
الله يقول: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا} (أحد) نكرة، (لا) ناهية، فالنكرة في سياق النهي تفيد العموم فتشمل جميع المنافقين، جميع من تيقن النبي على نفاقهم فلا يجوز له أن يصلي على قبره.
{وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا} (شيء) نكرة، و(لا) ناهية، إيش {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} يشمل كل شيء، أي شيء في المستقبل تريد أن تعمله قُل: إن شاء الله؛ لأن (شيء) نكرة في سياق النهي، والنكرة في سياق النهي تفيد العموم.
{واعبُدوا اللهَ ولا تُشرِكوا به شيئًا} (لا) ناهية، (شيئا) نكرة، تشمل كل أنواع الشرك، الشرك اللفظي ممنوع، تقول: (ما شاء الله وشئت) ممنوع، والأمانة؟ هذه عبارة كثيرة على ألسنة الناس، النبي يقول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «ليس منا من حلَف بالأمانة»، لا تقُل: (بالأمانة)، لا تحلف إلا بالله، والحلف بالله إن خرج من القلب على وجه التعظيم له فهذه عبادة، فتعظيم الله عبادة من العبادات، ولذا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أكثر من الحلِف.
{ولا تُشرِكوا به شيئًا} يشمل شِرك اللسان، شِرك القول، شِرك العمل، شِرك القلب، فـ{ولا تُشرِكوا به شيئًا} تشمل جميع أنواع الشرك؛ لماذا؟ لأن (شيئًا) نكرة جاءت في سياق النهي وهي تدل على العموم.
في «الصحيحين» لما سقط رجل وكان مُحرِمًا في الحج عن دابته، فقال النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لمن أراد يغسِّله: «ولا تمسُّوه بطِيب» هذه الـ(لا) ناهية، والـ (طيب) نكرة، أي نوع من أنواع الطيب ممنوع أن يمس المُحرم إن مات في تغسيله؟ جميع أنواع الطيب، كل أنواع الطيب ممنوعة.
فقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «ولا تمسُّوه بطِيب» تشمل كل شيء، الملاحظ أن أداة النفي وأداة النهي تدخل أحيانا على النكرة مباشرة، وأحيانا تدخل على عامل النكرة، وكلاهما في الحُكم سواء.
طيب؛ نأخذ مثلا جملة من الأدلة في نكرات في سياق الشرط، وهذا الذي أهمله الناظم رحمه الله.
الله يقول -عزَّ وجلَّ-: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} يعني: أي الأمور تُرد عند النزاع إلى الله والرسول؟ الأشياء الفخمة، الأشياء الكلية، الأشياء الكبيرة؟ ولا كل الأشياء؟ إيش الجواب؟ كل الأشياء، لماذا كل الأشياء؟ لأن (شيء) نكرة جاءت في سياق الشرط، إيش الشرط؟ {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ} (إنَّ) للتأكيد، أما (إنْ) حرف شرط، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} (شيء) نكرة جاءت في سياق الشرط فتعم كل الأشياء المنازَع فيها، كل شيء تنازعت أنتَ وأخوك فيه؛ فحقُّه أن يُرد إلى الله ورسوله.
{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} (وما) هذه الـ(ما) أيضا من ألفاظ العموم كما سيأتينا في البيت الذي بعده، هذه (ما) الموصولة التي هي بمعنى (الذي)، {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ} الذي اختلفتُم فيه فردوه إلى الله ورسوله.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول عن الكفار: {وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ} {وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً} (آيةً) نكرة، و(إن) شرطية، أي الآيات إن رآها الكفار يُعرضوا؟ أي آية، الكافر لو رأى الجبال تتناطح بين يديه يُعرِض ولا يؤمن؛ لأن الكفر عناد، الكافر معاند، فالله -عزَّ وجلَّ- أخبرنا عن الكفار فقال: {وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً} أي آية، آية نكرة في سياق الشرط فتعم فتشمل جميع الآيات مفردة مجتمعة جميع أنواع الآيات.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} الكلام عن الزوجات الناشزات، المرأة لما تنشز توعَظ، ثم تُهجر في الفراش، ثم تُضرب ضربًا غير مبرِّح لا يكسر عظما ولا يعلم ولدًا بما يجري بين الأزواج، كله في غرفة النوم كما يقولون اليوم، ما أحد يعلم ماذا يجري بين الزوجين، فإن بقيت المرأة ناشزا ثم أظهرت الطاعة، فماذا يقول الله -عزَّ وجلَّ-؟ يقول: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} إيش (إن) هذه؟ شرطية، يقول: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} إيش السبيل الذي لا يجوز للرجل أن يستخدمه في حق المرأة الناشز إن عادت للطاعة؟ كل أنواع السبيل، إيش السبيل؟ الكلام الخشن يُمنع استخدامه، الضرب يُمنع استخدامه، التعنيف التأنيب، أي نوع من أنواع السبيل الذي هو للزوج منفي عنه إن أظهرت المرأة النشاز الطاعةَ لزوجها، {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} الزوج النشاز إن أطاعت فالله يقول للأزواج إيش: {فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} تشمل إيش (السبيل)؟ تشمل الطلاق، إذا كان زوجتك ناشزًا وعادت للطاعة حرام عليك تطلقها، الأصل في الطلاق الحُرمة، الأصل في الطلاق الحظر، لكن لا يَلزم ممن أوقع الطلاق أن يُخبر عن السبب -حتى لا يقع إخواني في إشكال- لا يَلزم لمن أوقع أو لمن أراد أن يوقِع أن يُخبر، هذه حياة خاصة بالأزواج، ما أحد يعرف ماذا يجري، لكن الموجود في أعماق كل مسلم أنه لا يجوز له أن يضار زوجته، ولا يجوز أن يكون ذواقًا، يطلق اليوم وبكرة يتزوج وبعده يطلق.. هذا ممنوع شرعًا، لأن الله يقول: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ} ما دامت المرأة على الطاعة إذا كان هذا الحُكم بعد النشاز، فكيف إن كان الحُكم قبل النشاز؟ إذا كان الحُكم قبل النشاز من باب أولى صحيح؟ فإذا كانت المرأة طائعة، فلا يجوز أن تستخدم السبيل عليها، والواجب عليك أن تعاشرها بالمعروف، {وعاشِروهُنَّ بالمعروفِ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا} شو (السبيل) هذه؟ من ألفاظ العموم، ليش من ألفاظ العموم؟ لأنها نكرة في سياق الشرط فتعمُّ، فأي نوع من أنواع السبيل ممنوع في حق الرجل.
طيب؛ الآية التي دائما نقرؤها أو نمثِّل بها: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} (تجدوا) فعل، فاعل (تجدوا) إيش؟ الواو، الواو نكرة أم معرَّفة؟ نكرة، مش معروفين، هذه نكرة، جاءت في سياق (الشرط) (فإن لم..) [تنبيه: الشيخ -حفظه الله- ذَكَر الآيةَ على أنَّها (فإن لم تجدوا..) وليست كذلك].
فكل أنواع عدم الوصول للماء ووجود الماء سواء وجود حسي أو وجود معنوي، نتحول من الماء إلى التيمم، قد أجد الماء حسيا لكن لا أستطيع أن أستخدمه لمرض أو برد فأنا لستُ واجدًا للماء، فيكون إيش هنا؟ عموم جميع أنواع الوجود، فكل الأنواع داخلة تحت الآية (فإن لم تجدوا الماء) [سبق التنبيه على أن الآية: {فلم تجدوا ماءً}] هؤلاء إن لم يجدوا الماء، إن وجد بينهم وبين الماء سبع، إن عُرض عليهم بأضعاف كثيرة من سعره المعتاد هذا لم يجد الماء، إن وَجده لكنه كان بعيدًا جدا عنه؛ هذا لم يجد الماء، قد يقال للإنسان بعد 20 كيلو فيه ماء؛ أنت ما وجدت الماء؛ لأنها من ألفاظ العموم.
طيب؛ النكرة في سياق الإثبات إيش تفيد؟ النكرة في سياق الإثبات تفيد الإطلاق، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
إذن استفدنا من البيت السابق والبيت اللاحق أن من ألفاظ العموم عند الأصوليين:
1- المفرد المحلى بـ(أل) إذا كانت الألف للاستغراق.
2- الجمع المحلى بـ(أل).
3- النكرة في سياق النفي.
4- النكرة في سياق النهي.
وأضفنا صيغة خامسة:
5- النكرة في سياق الشرط.
هذه خمس صيغ من صيغ العموم.
نأتي الآن لصيغ أخرى ذكرها الشارح أيضا، وهي الأسماء المبهمة.
فالأسماء المبهمة مثل: (من) و(ما) هي من ألفاظ العموم.
يقول الناظم:
34. كَذاكَ (مَـنْ) وَ(مَـا) تُفيـدانِ مَعَـا ... كُلَّ الْعُمـومِ يَـا أُخَــيَّ فَاسْمَـعَــا
(كَذاكَ (مَـنْ) وَ(مَـا) تُفيـدانِ مَعَـا ... كُلَّ الْعُمـومِ) تفيد (كل) بمعنى: العموم (يَـا أُخَــيَّ فَاسْمَـعَــا)
إيش الفرق بين (مَن) و(ما)؟ الغالب في استخدام (مَن) للعاقل، واستخدام (ما) لغير العاقل، هل هذا أمرٌ مُطَّرد؟ غير مطرد، طيب؛ هل مِن شواهد؟ [مُداخلة: {إن الله لا يغيِّر ما بقومٍ}] (ما بقومٍ) هذا لغير العاقل. نريد (ما) للعاقل؟ [مداخلة: {ولله ما في السماوات..}] هذه (ما) للعموم تشمل كل شيء، ولا نريد أن نعمل مشكلة: هل الملائكة عقلاء أم غير عقلاء!
تعرفون المشكلة التي جرت بين العلماء في الملائكة هل هم عقلاء أم غير عقلاء؟
جرت قطيعة وردود شديدة بين إمامين من أئمة العصر: الشيخ أحمد شاكر والشيخ محمد حامد الفقي، فالشيخ حامد الفقي كان يقول: الملائكة لا نصفهم بأنهم عقلاء، والشيخ أحمد شاكر كان يقول: نصفهم بأنهم عقلاء، وكتب بعضهم على بعضٍ ردودا لسنا بحاجة لهذا المثال، حتى لا يُقال أننا مع فريق دون فريق!
لكن الله -عزَّ وجلَّ-: {وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ} إيش هذه (ما)؟ بمعنى (مَن) للعقلاء، الله قال: {فانكِحوا ما طابَ لكم من النساء} هذه (ما) إيش تفيد؟ هي بمعنى (مَن)، والله -عزَّ وجلَّ- يقول بعد أن ذكر المحرَّمات من النساء قال: { وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (ما) هنا بمعنى (مَن).
فهذه مواطن ثلاثة في كتاب ربنا جل في علاه جاءت فيها (ما) للعاقل.
الغالب في استخدام (مَن) أنها للعاقل، والغالب في استخدام (ما) أنها ليست للعاقل، ولكن قد تأتي (ما) للعاقل كما في الآيات الثلاثة التي سمعناها.
نعود لكلام الناظم، يقول:
34. كَذاكَ (مَـنْ) وَ(مَـا) تُفيـدانِ مَعَـا ... كُلَّ الْعُمـومِ يَـا أُخَــيَّ فَاسْمَـعَــا
فـ(مَن) الشرطية و(مَن) الموصولة، و(مَن) الاستفهامية كلها من ألفاظ العموم.
متى وجدت هذه (مَن) وكذلك (ما) في الآيات والأحاديث فهي تشمل كل الخلق.
فربنا يقول -سُبحانه وتعالى- في (مَن) الشرطية يقول: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} {فَمَنْ شَهِدَ} تشمل إيش هذه؟ كل مكلًَّف عاقل بالغ يجري عليه القلم، يشهد هلال رمضان؛ الواجب عليه الصيام، حتى قال بعض العلماء بناء على العموم الذي في الآية: من شهد الشهرَ ولو شهد يومًا واحدًا فمات ولم يصمهُ فعلى أوليائه أن يدفعوا كفارة الشهر كاملًا.
{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} والمسألة قائمة على أصل: هل رمضان يتجزأ أو لا يتجزأ، هل نحتاج لنِية في كل يوم أم أن النيَّة الواحدة عن كل الشهر تجزئ، فمن قال: النية تجزئ والشهر لا يتجزأ ولا يتبعَّض؛ قال: من شهد يومًا فمات فيجب على أوليائه أن يدفعوا كفارة الشهر كاملًا.
ومن قال أن كل يوم يحتاج لنِيَّة وهذا هو ظاهر الحديث لقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لا صيام لمن لم يُبيت الصيام من الليل» قال: بمقدار ما أفطر ندفع الفِدية، ولو دُفعت الفدية عن كل الشهر؛ حسَن، ليش حسن؟
طيب؛ أسألكم: كم مقدار صدقة الفطر؟ 3 كيلو إلا قليل من الأرز، صاع، لو الإنسان دفع 5 كيلو أرز صدقة فطر جائز ولا غير جائز؟ [مداخلة: جائز]
طيب؛ إنسان معه ألف دينار، كم زكاة الألف دينار؟ 25، دفع أربعين دينارا، جائز ولا غير جائز؟ [مداخلة: جائز] جائز؟
طيب؛ إنسان صلى الظهر خمس ركعات بدل أربع ركعات؟ [مداخلة: غير جائز] طيب شو الفرق؟ ليش في الزكاة الـ(25) تجوز الأربعين، وفي الصلاة بدل ما تصلي أربع ركعات نصلي ست ركعات ليش خمسة؟ فيه فرق؟
طالب العلم يقول دائما حديث عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
فلو قال لك قائل: صدقة الفطر صاع، فأنت قدمتَ صاعين، وبعض الناس يكون عن نفسه أو هو وزوجته وأولاده يقدم [...]، عليهم مثلا: عشرة كيلو أو أقل أو أكثر يقدم خمسين كيلو، مشروع ولا ممنوع؟
ما نريد من ثمرة هذا الدرس أن البعض يمتنع عن الخير، لا؛ يجوز تقدِّم وتزيد في صدقة الفطر، ويجوز تزيد في زكاة المال، لكن لا يجوز لك أن تزيد في الصلاة، شو الأصل إخواني يا طلبة العلم؟ إيش الأصل؟ تفضل! [مداخلة: العبادات توقيفية] ما هي الزكاة عبادة توقيفية...
العبادات توقيفية، والزكاة عبادة ولا مش عبادة؟ [مداخلة: عبادة] صدقة الفطر؟ [مداخلة: عبادة] فلو احتج عليك الذي يمنع الزيادة في صدقة الفطر والزكاة بقوله: هذه عبادة، والأصل في العبادات التوقيف، فإيش جوابك؟ أنت انتبهتَ للصلاة فأصبتَ، لكن بقي عليك أن تجاوب على صدقة الفطر والزكاة.
طيب؛ نسمع من عنده جواب؟... [مداخلة: شيخنا إذا كان النفع متعديا أو قاصرا، نفرق في العبادة ما إذا كان النفع متعديا أو قاصرا، فالصلوات النفع قاصر على المرء وفي الزكاة يجوز الزيادة بنِيَّتين يعني في الزكاة هذه نية، والزيادة تنوي لها] تقصد أن تقول: أن الذي يدفع هو ما نوى الأربعين دينارا زكاة، هو نوى (25) زكاة و(15) صدقة، مثل من يريد أن يصلي ست ركعات، نقول له: صل أربع ركعات فريضة، بعد ما تفرغ من أربع ركعات فريضة قم وصل ركعتين سنة، فيه مشكلة؟
حتى نساوي بين المسألتين: واحد قال: أنا أصلي الظهر ست ركعات، نقول: لا؛ ما يجوز لك شرعًا، وإذا اعتقدت أن ست ركعات فرض الظهر أنت كافر ؛ لأنك خالفت المتواتر من الدين، لكن بدّك تتطوع صلِّ أربع ركعات، وسلِّم من أربع ركعات فرض الظهر، وبعد ما تفرغ من أربع ركعات قم وصلِّ ركعتين، فيه مشكلة هنا؟ ما فيه مشكلة.
لو اعتقدت أربعين دينارا زكاة غلطان أنت، ما يجوز لك شرعًا، حرام، تقول: الواجب في ذمتي أدفع زكاة الله كلَّفني بأربعين دينارا، أنت آثم بهذا الاعتقاد؛ لأنك خالفتَ دين الله، لكن أنت تقول: الله أوجب علي أدفع (25) والله جل في علاه أطلق لي الصدقة، فالله كلَّفني بـ(25) دينارا، هذه (25) زكاة، والـ(15) صدقة، فيه مشكلة هنا؟ ما فيه مشكلة.
مثل: إنسان يريد بعد ما صلى الفريضة بالمقدار الذي أمره الله تعالى بها يقوم ويتطوع ما شاء، على أن لا يتخذ ذلك عادة حتى لا يغتر الناس به، وهذا الذي يسمى في القواعد الفقهية -وذكرناه أكثر من مرة- الذي يسمى: المتصل والمنفصل، فيه أشياء تَقبل الاتصال وفيه أشياء لا تقبل الاتصال.
في الزكاة: إن زدنا عليها؛ كانت منفصلة، وأما الصلاة: فهي متصلة، ولا يَقبل أن يوصَل بها غيرُها.
يعني أضرب لكم أمثلة، وهذه الأمثلة مشهورة جدا عند العلماء، يقولون: إنسان ينظر، فوقعت عيناه على امرأة جالسة على بلكونة، ولم يرَ منها إلا شعرها، ما رأى من المرأة إلا شعرها، هل يجب عليه أن يغض بصره عن شعرها؟ يجب غض البصر.
طيب؛ امرأة قطعت شعرها فرمتْهُ، فرأيتَ شعرها في الزبالة، فهل يجب عليك أن تغض بصرك عن شعرها؟ لا، شو الفرق؟ هناك متصل، وهنا منفصل.
هذا العلماء يقولون (المتصل والمنفصل)، أحكام الاتصال غير أحكام الانفصال.
وأكثر مثل يذكرونه الفقهاء في هذا الباب: مسألة الطلاق، الفقهاء جميعا يُفرِّقون بين من يقول لزوجته: يدك طالق، رأسك طالق، رجلك طالق، يقولون: هذه تطلق.
وبين من يقول لها: ثوبك طالق! يقولون: هذه لا تطلق؛ لأن الثوب منفصل عنها، الثوب طالق؛ خلعنا الثوب ورميناه! وخلاص! أزال الطلاق.
أما اليد والرأس والقدم؟ لا يمكن الانفكاك عنه، فاليد والقدم متصل، والثوب منفصل.
ولذا: العلماء يفرقون بين أحكام الاتصال وأحكام الانفصال، فيقولون: المتصل لا يُعطى حُكم المنفصل.
فالزكوات قائمة على الانفصال، وصدقات الفطر قائمة على الانفصال، ما فيش فرق، تقول: هذه 3 كيلو صدقة فطر، وهذه 10 كيلو فوقهم أو 7 كيلو فوقهم عبارة عن صدقة مطلقة، فلو حَمَلت العشرة كيلو أرز مع بعض ووديته للفقير فأنت: 3 كيلو صدقة فطر، و7 كيلو.. فهذا يَقبل الاتصال.
والصلوات الخمس ركعات والست ركعات لا تَقبل الاتصال، فلا بد لها من انفصال، لا بد تؤدي الأربع ركعات الأول وبعد الأربع ركعات تؤدي الركعتين.
مثل ستر العورة، إنسان فيه خرم في ثوبه تبان عورته، وله لحية طويلة، فيستر هذا الخرم بلحية طويلة جدا، والأمر ممكن، فهل ستر العورة باللحية الطويلة تجزئ؟ لا تجزئ، ليش لا تجزئ؟ لأن اللحية متصلة به، لكن لو سترها بشعر منفصل؛ لأجزأ.
فالاتصال والانفصال له أحكام كثيرة.
[مداخلة: لعل في الصلاة الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «وتحليلها التسليم» فهنا يكون فيه انفصال... أما في الزكاة لا يوجد هذا]
بلا شك، لا يلزم الاتصال فقط النص، أحيانا العقل والفهم كما ذكرنا في الثوب والرأس، ما فيه نص، لكن عقلا يقبل هذا الانفصال، وهذا لا يقبل الانفصال وهكذا.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ} هذه (مَن) إيش؟ شرطية، تشمل من؟ تشمل كل مكلَّف، كل إنسان، كل من يعمل سوءًا لا بد أن يجزى به، كل من مكر وفعل سوءا لغيره لا بد أن يجازيه الله به، إما في الدنيا وإما في الآخرة، فـ(مَن) هذه شرطية، وهي من ألفاظ العموم، تعم جميع المكلَّفين.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} هذه (مَن) إيش؟ شرطية، تشمل تعم كل المكلفين، كل من يقتل فجزاؤه جهنم، كل من يقتل مؤمنا متعمدا، طبعا ما لم يكن حلال الدم، فهذا جزاؤه جهنم.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ . وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ} هذه تشمل كل من يعمل خيرًا أو شرًّا.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا} هذه (مَن) تشمل كل متَّقٍ مهما ضاقت به الأمور إن اتقى الله -عزَّ وجلَّ- لا بد أن يجعل له مخرجا، فهذه (مَن) شرطية من ألفاظ العموم.
الله يقول: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} هذه (مَن) تشمل من؟ تشمل كل معتدٍ، كل من يعتدي عليك فلك شرعًا أن تعتدي عليه بالمثل {بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}، فهذه (مَن) شرطية من ألفاظ العموم.
(مَن) أحيانا تأتي بمعنى (الذي)، وهي التي تسمَّى في العربية (الموصولة)، فـ(مَن) الشرطية و(مَن) الموصولة كذلك من ألفاظ العموم، كقوله -عزَّ وجلَّ-: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} الذي في السماوات والذي في الأرض، فكل الناس عباد لله بالاضطرار، فالسعيد من كان عبدا لله بالاختيار أيضا، كُن عبدًا لله بالاختيار كما أنك عبد لله بالاضطرار.
فـ(مَن) هذه تشمل جميع من في السماوات وجميع من في الأرض، هم عبيد لله -سُبحانه وتعالى-.
الله يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} هذه إيش (مَن)؟ من ألفاظ العموم.
{مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} من ألفاظ العموم.
فإذن: (مَن) من ألفاظ العموم، وكما يقول الناظم: (كَذاكَ (مَـنْ) وَ(مَـا))، و(ما) أيضا تكون من ألفاظ العموم سواء كانت شرطية أو كانت الموصولة بمعنى (الذي)؛ كقوله -عزَّ وجلَّ-: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} هذه (ما) إيش؟ (ما) شرطية، فأي شيء تعمله الـ(ما) تشمل كل عمل فهي من ألفاظ العموم تعم جميع الأعمال التي تعملها فإن الله -عزَّ وجلَّ- يعلمها، علم الله يشمل كل شيء، يشمل العلم في الكليات والجزئيات، هذا مذهب أهل السنة.
طيب؛ إيش نرد على من قال: {[الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا]} في «الأنفال»؟ المعتزلة قالوا: علم الله يشمل الكليات ولا يشمل الجزئيات؛ لأن الله يقول لأهل بدر: {[الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا]}، إيش جواب أهل السنة عليهم؟ قالوا: هذا علم ظهور، ظهر الضعفُ الآن، فالعلمُ الآن علم الله؛ ظهَر الضعفُ، أما علم الله -عزَّ وجلَّ- به كان سابقًا، فعِلمه سُبحانه يشمل الكليَّات والجزئيَّات؛ لعموم قوله تعالى: {وما تفعلوا مِن خيرٍ يعلمه الله}.
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} في «البقرة» إيش (ما) هذه؟ لعموم الآيات، كل آية نُسخت فالله -عزَّ وجلَّ- يأتي بخير منها أو مثلها.
كذلك الـ(ما) الموصولة، الله يقول: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} تشمل جميع من في السماوات ومن في الأرض {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} وهذه (ما) تشمل كل شيء؛ فهي من ألفاظ العموم.
{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ} أي شيء تقدمه، تشمل كل شيء، فهذه الـ(ما) والـ(مَن) من ألفاظ العموم.
فمتى جاءت هذه الأسماء المبهمة وما يحلق بها فهي من ألفاظ العموم، وللكلام تتمة نُكمله إن شاء الله تعالى في درسنا القادم.

انتهى (الدرس الثاني عشر).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
الثاني عشر..
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #17  
قديم 06-19-2012, 10:36 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-

[الدَّرس الثَّالث عشر]

لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-
إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
أما بعد:
فما زال الكلام موصولا -وصلني الله وإياكم برحمته- عن ألفاظ العُموم، وألفاظ العموم منها ما عُرف وضعًا أي في اللغة العربية، ومنها ما عُرف عقلا.
وذكرنا فيما مضى من ألفاظ العموم، الأمر الأول [مداخلة..].
1. المفرد المحلى بالألف واللام [التي تفيد الجنس وليست التي للعهد].
2. والجمع المحلى بالألف واللام.
والصيغة الثالثة: النكرة في سياق الشرط.
والرابعة: النكرة في سياق النفي.
والخامسة: النكرة في سياق النهي.
والسادسة -كما وصلنا في الدرس الماضي-: (مَن) و(ما)، قال:
34. كَذاكَ (مَـنْ) وَ(مَـا) تُفيـدانِ مَعَـا ... كُلَّ الْعُمـومِ يَـا أُخَــيَّ فَاسْمَـعَــا
فـ(مَن) التي هي للاستفهام، و(مَن) التي هي للشرط، و(مَن) التي هي بمعنى (مَن) الموصولة، وكذلك (ما) هذه كلها تفيد العموم وضعًا -أي: لغة-، فهي كذلك عند علماء اللغة.
تلحق بـ(مَن) و(ما) أشياء، فـ(مَن) التي بمعنى الذي يلحق بها (الذين) من باب أولى، ويلحق بها (التي) ويلحق بها (اللواتي) ويلحق بها (اللوائي)، فهذه كلها إن وردت في كتاب ربنا أو في أحاديث نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فهي تفيد العموم.
والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} هذه إيش؟ عدة المتوفى عنها زوجها، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} العدة حق لمن؟ حق للرجل، ولذا لَما كان حق النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عظيمًا ما أحل الله تعالى نساءه لأحد من المؤمنين بعده، ولذا مَن تزوجت في عدَّة وفاةٍ دون إتمامِها؛ فالواجب أن تُطلَّق ثم تكمل العدة الأولى عدة الوفاة.
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} (الذين) هذه تشمل كل الأزواج، {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} هذه تشمل جميع الأزواج من غير خلاف من العلماء -سواء الزوج قد بنى ودخل بزوجته، أو كان الزوج قد عقد ولم يدخل بزوجته-.
رجل عقد على امرأة فمات بعد العقد وقبل البناء، مات وقد عقد ولكنه لم يدخل بالمرأة، فجاءتنا زوجته، زوجته ولا خطيبته؟ نحن نقول في أعرافِنا: (خطيبته)، لكن عند الله -عزَّ وجلَّ-: (زوجته)، فجاءتنا زوجتُه، فاستفتتْ فأفتاها جاهل -مثلا-، أفتاها جاهل، وكانت هذه المرأة تفهم في اللغة، والحُكم الشرعي مبني على فهم اللغة، ولا يجوز لِمُفتٍ أن يفتي بخلاف اللغة إلا إن ورد نصٌّ ولا يوجد نص خلاف اللغة، فالمرأة ليست فقيهة لكنها تفهم في اللغة، فأفتاها جاهل فقال لها: أنتِ لم يدخل بك زوجك، وبالتالي ليش العدة؟ العدة حتى تطهر المرأة، وحتى تبرأ بالرحم!
طيب؛ المرأة التي دُخل بها ويئست من المحيض، عليها عدة ولا ليس عليها عدة؟ عليها عدة.
طيب؛ المرأة التي دُخل بها ويئست من المحيض؟ ما فيه الآن حمل.
امرأة نُزع رحمُها، امرأة زوجها مجبوب عقيم، امرأة عقيم..إلخ.
فالأحكام لا تدور مع هذه الأشياء، فالله يقول: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} قال لها المفتي: أنتِ لستِ بحاجة لعِدة. طيب؛ لم؟ فاستشكلت عليه فقالت: الله يقول: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} وهذا زوجي مات وتركني، فبماذا تجيبني؟ وأنا التي لم يُدخل بي بعد؟ أدخل تحت عموم: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا}.
ولذا: مما أجمع عليه الفقهاء أن المراد بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} سواء الزوجة تَحمل أو لا تَحمل، حائض أو يائسة من الحيض، عقيم أم تَلِد، دُخل بها أو لم يُدخَل بها، فأنت أيها الولي، أيها الأخ الكريم، إذا مات زوج بنتك قبل ما يدخل ببنتك؛ فيجب على بنتك العِدة، من غير خلاف بين الفقهاء، ابنتك وهي لم يُدخل بها بعد، وهي في بيتك عليها عدَّة الوفاة، تمكث أربعة أشهر وعشرا، كيف أربعة أشهر وعشرا؟ كيف نحسب الأربعة أشهر وعشرا؟ لنقلْ مثلا: [مات] في العاشر من رجب، تمكث: عشرة رجب، عشرة شعبان، عشرة رمضان، عشرة شوال، صار كم عندنا؟ أربعة أشهر، متى تنتهي عدتها؟ تنتهي عِدتها عشرين شوال، الأشهر تكون بالهجري بالقمري لا بالميلادي، وهذا مما لا خلاف فيه بين الفقهاء، نعد أربعة أشهر عربية في مثل اليوم الذي [مات] فيه، ونزيد على هذه الأربعة أشهر عشرة أيام، فبانتهاء اليوم العاشر نقول: انتهت عدتها، إيش عدتها؟ عدتُها لا تخرج من بيتها إلا للضرورة.
أم السنابل بنت بعكك [بل الصحابية هي: سبيعة بنت الحارث، والصحابي: أبو السنابل بن بعكك] قصتها في «الصحيح» مات زوجها، فخرجت بعد وفاته تستفتي النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فقال لها النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأقرها على خروجها للفتوى، قال لها: «امكثي في بيتك» فقال العلماء: كل حاجة، كل ضرورة تجعلها تخرج لا حرج، حتى لو تعود أمها أو أباها الكبير المريض تتفقده في الرعاية، امرأة موظفة لا تستطيع أن تأخذ إجازة، فتخرج للعمل ثم ترجع، كل حاجة، كل ضرورة، تخرج فقط بمقدار الحاجة، ثم لا تطلب الأزواج، لا تكتحل إلا تطبُّبًا لا تجمُّلا، لا تختضب يعني تتحنَّى بتعبيرنا اليوم إلا تطبُّبًا لا تجملا، لا تتطيَّب، لا تلبس المنمَّق من الثياب والزاهي منها، لا تتشوَّف للأزواج.
أم السنابل.. الصحابيات رضي الله تعالى عنهن آدميات وعندهن كمال العفَّة وكمال الحياء، و-أيضًا- كمال الوضوح والصراحة، لما انتهت عدتها اكتحلت وخرجت، إيش يعني اكتحلت وخرجت؟ يعني لعل امرأة تنظر إليها فتعجبها فتطلبها لأخيها ما أقول لزوجها! طيب.
فأقول -بارك الله فيكم-: الشاهد أن قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} هذه لفظ عموم يشمل كل زوجة حتى الزوجة التي لم يُدخل بها.
وكذلك قول الله -عزَّ وجلَّ- مثلا: {واللائي تَخافون نُشوزَهُنَّ فعِظُوهنَّ} هذه تدخل تحت كل نساء، أي امرأة تنشز فالواجب على الزوج أن يعِظها، فالمرأة الناشز التي لا تطيعك من حقها عليك أن تُعلِّمها، ومن حقها عليك أن تحلم بها، ومن حقها عليك أن تُذكِّرها بالله، لعل الرجل يعيش ويموت ولا يُذكِّر امرأته بالله بكلمة! بعض الناس يعيش ويموت ولا يُذكِّر زوجته ولا أولاده ولا بناته بكلمة يقول فيها: يا فلانة اتق الله، أنا جنتكِ وأنا نارك، فإن بقيتِ على المعصية لا تدخلين الجنة، فطاعتكِ إلي أوجبها الله -عزَّ وجلَّ-، فيُذكِّرها، يعظها، هذا يشمل كل امرأة تنشز.
وكذلك قول الله -عزَّ وجلَّ-: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} كل من يئست من المحيض، كل امرأة يائسة من المحيض فهذه إن طُلقت فتنقلبُ عدتُها من الحيضات إلى الشهور {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ} فـ(اللائي) تُدلِّل على العموم.
وكذلك من ألفاظ العموم: عموم أسماء الاستفهام، كل اسم استفهام يُدلِّل على العموم، {متَى نصرُ الله} هذا عام، في أي نوع من أنواع نصر الله، {أين المفرُّ} هذا عام -أيضًا-.
وكذلك يلحق بـ(مَن) و(ما): (حيث) و(أين) فهذه تُدلِّل على عموم الأمكنة، كقول الله -عزَّ وجلَّ-: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} فهذه (أينما) تشمل عموم المكان، و(حيثما) كذلك؛ لقول -عزَّ وجلَّ-: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ}.
فـ(حيثُ) و(أين) تلحق بـ(مَن) و(ما) من حيثية عُموم المكان.
إذن: من ألفاظ العموم: (مَن) و(ما) وما يلحق بها، وكذلك عموم أسماء الاستفهام (متى، وأين) وكذلك (حيث وأين)، (متى وأين) (أين) التي هي للاستفهام وأين التي هي للمكان.
بقي البيت الخامس والثلاثون في ألفاظ العموم، والبيت الخامس والثلاثون فيه -أيضًا- صِيغة من صِيَغ العموم ويُستدرك عليه -أيضًا- صيغة أخرى قال الناظم رحمه الله في البيت الخامس والثلاثين:
(وَمِثْـلُـــهُ) أي: مثل ما سبق من ألفاظ العموم.
35. وَمِثْـلُـــهُ المـُفْـــرَدُ إِذْ يُـضـــافُ ... فَافْهَـمْ هُدِيتَ الرُّشْـدَ ما يُضــافُ
المفرد المضاف من ألفاظ العموم، لفظ المفرد إذا أضيف فهو من ألفاظ العموم.
وكذلك من ألفاظ العموم مما يستدرك على الناظم: الجمع المُضاف، فالمفرد إذا كان مضافًا وأُلحق به مضاف إليه، أو الجمع إذا كان مضافًا وأُلحق به مضاف إليه؛ فهاتان صيغتان من صِيَغ العموم في كتاب ربنا وفي حديث نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
الله يقول: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} إيش النِّعمة؟ مفردة، وهي مضافة، (وربِّك) مضاف إليك، أي نعمة تحدث يا عبد الله؟ بأي نعمة، العموم، إن كنتَ سليمًا صحيحًا فحدِّث بنعمة الصحة، وإن كنتَ غنيًّا فحدِّث بنعمة الغنى، وإن كنتَ وجيهًا فحدِّث بنعمة الوجاهة، وإن كنتَ مسلمًا؛ فاحمد الله وحدِّث بنعمة الإسلام.
{الذين أنعمتَ عليهِم}، {اليومَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} يا الله! تمام النعمة أن يقول الله {دِينَكُمْ} ولم يقل: اليوم أكملتُ لكم (الدين)؛ يعني من تمام النعمة أن يُضيف الدِّين لكم، ما قال: أكملتُ لكم (الدين)، قال: {أكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} أنتم يا من تشعرون بهذه النعمة، يا من تحمدون الله -عزَّ وجلَّ- على نعمة الإسلام، فهذه نعمة هي لكم، هذا الدين هو لكم أنتم، مع أن الدين دِين الله، فاللهُ أضاف الدِّينَ للمخاطَبين، وقال: {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} قال: {نِعْمَتِي} فالنعمة نسبَها لنفسه، ولكن -أيضًا- قال: (لَكُم).
{وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (نعمة ربك) تشمل جميع أنواع النِّعَم، من الغنى، من الجاه، من الصحة، من سلامة الدِّين، سلامة المنهج، سلامة المعتقَد، هذه كلها نِعَم لله -عزَّ وجلَّ- على العبد المؤمن.
الله يقول: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} (نعمة الله) مفرد مضاف، تشمل كل نعمة، فنِعَم الله جل وعلى تترى وغزيرة.
الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} (الأمر) مفرد، والهاء: مضاف إليه، أمر مَن؟ الهاء تعود إلى مَن؟ فليحذر الذين يخالفون عن أمر رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فمخالفة أي أمر؛ هذه تشمل جميع أوامر الرسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
لذا لو قرأنا أدلة علماء الأصول في مبحث الأمر، لما قالوا: الأمر يفيد الوجوب يستدلون بهذه الآية قالوا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ} فـ(أمره) مفرد مضاف، والهاء مضاف إليه، فهي دالة على جميع أوامر النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فأي أمر من أوامر النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تدل على الفرض، وتدل على الوجوب؛ لأن الله حذَّرنا أن نخالفَها، هذا الأصل في الأمر إلا إذا جاءت قرائن ذكرنا لكم مثلا الأمر الوارد بعد الحظر، وهنالك قرائن كثيرة مذكورة، لكن الأصل في الأمر أنه للوجوب.
كذلك في الحديث الحديث النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وهذا الحديث فيه فوائد جميلة وكثيرة:
جاء مجموعة من الملاحين ممن يعملون في البحر، فسألوا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن الماء، لا يجدون الماء، يكون معهم ماء قليل، الماء العذب ليشربوه، فهل لهم أن يتوضؤوا بِماء البحر؟ فبماذا أجابهم النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؟ قال: «هو الطهور ماؤُه، الحِل ميتته» (ماؤه) إيش يعني؟ البحر «الطهور ماؤُه، الحِل ميتته».
طيب؛ أسأل: هل هم سألوا عن ميتة البحر؟ لم يسألوا، قال الإمام النووي رحمه الله في مقدمة «المجموع»: يُسن للمفتي إن سُئل عن فتوى أن يُجيب عنها وما يلحق بها من مثيلاتها مما يحتاجه السائل.
فالنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- علِم من حالهم أنهم اليوم سألوا عن حِل الماء، وغدا ستقفز سمكة في السفينة فتموت فسيسألون عن ميتة البحر، فالنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أجابهم عن سؤالهم وما يلحق به مما يحتاج المُستفتي.
فالذي يحتاجه المستفتي يُسنُّ أن يُجاب على سؤاله وإن لم يَسأل عنه.
إذا سُئلتَ عن مسألة فالأجدرُ بك أن تجيب عنها وعن ملحقاتِها، وعما يحتاجه الإنسان، فإن فعلتَ ذلك؛ فإنك تكون قد أصبتَ هدي نبيِّك -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
طيب؛ نرجع للحديث، وللتطبيق على القاعدة، قلنا القاعدة: المفرد المضاف، والجمع المضاف من ألفاظ العموم.
النبي يقول: «هو الطهور ماؤُه» (ماؤُه) إيش؟ مفرد مضاف، أي ماء من مياه البحر؟ كل أنواع المياه، ما دام الماء اسمه ماء بحر إذن إيش؟ ما لم يُسلب أوصافه، إذا كان طعمه ورقَّته ولونه ورائحته ماء؛ فالماء الكثير لا يحمل الخبَث، النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: «إذا بلغ الماءُ قُلَّتين لم يحمل الخبث».
لذا أعجبني الإمام الذهبي لما تكلَّم عن أئمَّة الإسلام مثل الإمام البُخاري محمد بن إسماعيل ومثل الإمام علي بن المَدِيني شيخ البخاري ترجمهم في كتابه «ميزان الاعتدال في نقد الرجال»، البخاري طُعن فيه، الله! البخاري إمام الدنيا طُعن فيه! والإمام علي بن المَدِيني طُعن فيه، وشرطه في كتابه أن لا يدع أحدا إلا ويَذكره فيه، فلما طُعن في البخاري والمديني ترجَمهم، وترجم لعددٍ كبير -كالنسائي وكأحمد بن صالح جزرة- ترجم لعدد كبير من كبار الثقات من الأئمة النُّقاد، لماذا؟ الإنسان لا يُصبح إماما حتى يُطعن فيه، لذا قال ابن عيينة رحمه الله: إذا رأيتُم الناسَ قد أجمعوا على مدح رجل؛ فاتَّهموه هذا منافق، وإذا رأيتم الناس قد أجمعوا على قدح رجل؛ فاتهموه، فالمؤمن بين مادح وقادح.
فإذا سمعتَ قدحًا، وسمعتَ مدحًا، ورأيت علمًا؛ فقل هذا على السابلة، هذا على الطريق، هذا على طريق العلماء، هذا شأن العلماء، فالعلماء ما من أحد إلا وطُعن فيه حتى البخاري.
فالشاهد: أن الإمام الذهبي لما كان يذكر البخاري وعلي المديني ومَن في طبقتهم كان يتكلَّم كلامًا كثيرًا ثم يذكر فضلَهم وحِفظهم ودِينَهم ويختم المقولة بقوله: (هؤلاء بَلغُوا القُلَّتَين، لا يَحملون الخبَث)! هؤلاء لا يُقبل كلام الطاعن فيهم، أنتَ يا من تطعن من أنت؟ من يعرفك؟! من يسمع بك؟! ما مقدار عِلمك حتى تَطعن؟! فطعنُك في أمثال هؤلاء يزيدهم رِفعة، واللهُ يرفعهم بِمثل كلامِك..
وإذا أراد اللهُ نشر فضيلةِ طُويتْ ... أتاح لها لسانَ حسودِ
فالحُسَّاد هؤلاء يتكلمون كي يضع الله -عزَّ وجلَّ- الذِّكرَ لهؤلاء مِمَّن رفع الله -عزَّ وجلَّ- ذِكرَهم، وهذا سُنة لله، من سُنن الله في كونِه أنه يَنشر فضائل المحقِّين على ألسنة المُبطِلين، هذه سُنة لا تتخلف لله سبحانه وتعالى.
الشاهد: هذا الماء إذا بلغ القُلتين فأكثر، يعني كان كثيرا، والقلة والكثرة كما قال النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- القُلتين خمسة قلال من قلال هجَر القِلال الكبيرة، الحنفية يقولون: إذا حُرِّك أحد طرفَي الماء لا يتحرك الطرف الثاني، إذا بلغ الماءُ لهذه الكثرة؛ فهو لا يحمل الخبث، «هو الطهور ماؤُه» ماؤه يشمل كل ماء، البحر، النهر..إلخ.
لو صُب في الماء، فأصبحت تأخذ من البحر فتجد الماء غير الماء، لا تجد رقة الماء، لا تجد له طعم الماء، لا تجد له لون الماء، لا تجد له رائحة الماء، كأن يكون مثلا ماء أصبح كله كبريت، أو ماء كله ملح أجاج، فهذا ليس بمُطهِّر، هذا طاهر لكنه ليس بمطهِّر.
مثل ماء البحر اليوم مثلا اليوم، لو تأخذ شيئا من البحر الميت وتفحص الماء هل يكون ماء البحر الميت ماء خالصا من حيث الرقة واللون والطعم والرائحة؟ الجواب: لا، لو أخذت كوبًا فجعلتَ أربع أخماس الكوب أو ثلاث أرباع الكوب ملحا، ثم سكبتَ عليه ماء، هذا ما أصبح ماء خالصا، صار مثل العصير، العصير مُطهر ولا طاهر؟ يعني لو جاء على ثوبك تصلي؟ صلاتك صحيحة، لكن هل يجوز لك أن تتوضأ بعصير؟ ليس لك أن تتوضأ بعصير، طاهر ليس بمُطهِّر.
النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول عن ماء البحر فما دام على وصفه لا تضره النجاسة، لو ألقيت فيه جيفة، بول، براز، ماء البحر طهور ماؤه لا تؤثِّر فيه «هو الطَّهور ماؤه».
و-أيضًا-: «الحِل ميتَتُه» إيش يعني «الحِل ميتَتُه»؟ يعني: أي ميتة من ميتات البحر حلال، سواء كان سمكا صغيرا، سمكا كبيرا، مهما سُمِّي؛ عجل البحر، فرس البحر، مهما سُمِّيَ.
الحيوان البرمائي هذا ليس له حُكمه، الكلام على ميتة البحر، فميتة البحر، فإن ماتت حتف أنفِها دون تذكية ما لم تُنتِن، كما ورد في المرفوع وهو ضعيف، وورد في المقطوع والموقوف، فالميتة ما لم تُنتِن، يعني ما لم تكن ضارة؛ فهي حلال؛ لعموم قول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن البحر: «هو الطَّهور ماؤه، الحِل ميتَتُه».
هذا بالنسبة إلى صيغة المفرد المضاف.
وأما الجمع المضاف، فورد -أيضًا- في أحاديث كثيرة، وفي آيات كثيرة، ونصوص كثيرة، وسأذكر بعض النصوص، وأذكر نصا فيه مجموعة من الصِّيغ، فأرجو منكم أن تنتبهوا:
فمثلا: ربنا يقول: {فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ} (آلاء) إيش؟ جمع مضاف، آلاء: مضاف، واسم الجلالة سبحانه وتعالى: مضاف إليه، فإذن: آلاء الله؛ اذكروا جميع الآلاء، جميع النعم، النِّعم الظاهرة والباطنة.
الله -عزَّ وجلَّ- يقول: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} من مات ذكرًا كان أم أنثى وله أولاد إيش نصيب أولاده؟ {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.
رجل تزوج امرأة ثم طلَّقها، ثم الثانية وماتت، ثم ثالثة، وله أولاد من الثلاثة، وترك وعنده مال، أي الأولاد الذين يرِثون؟ الأولاد من النساء الثلاثة، لماذا؟ لأن الله يقول: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} (أولادكم): جمع مضاف، فتعم جميع الأولاد.
كذلك المرأة: امرأة عندها مال، تزوجت الأول فمات، ولها منه أولاد، وتزوجت الثاني وطلَّقها ولها منه أولاد، وتزوجت الثالث، ثم ماتت هذه المرأة وهي على ذمة هذا الزوج الثالث، من الذي يرثُها من أولادها؟ كل الأولاد، يرثها أولادها من الذي مات، وأولادها من الذي طلَّق، وأولادها ممن هي على ذمته حال وفاته فـ{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} إيش هذه؟ العموم، ما دام اسمه ولد، من الأب أو الأم؛ فهي تشمل، تعم جميع الأولاد مرة واحدة {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ}.
هل قاعدة: أن الذكر يرِث مثل حظ الأنثيين صحيحة بإطلاق؟ قطعًا ليست صحيحة بإطلاق.
كثير من المبشِّرين، كثير من الطاعنين في الدين يواجهونا بأشياء لجهلِنا لا نحسن الكلام، يقولون: ليش الإسلام ورَّث المرأة نصف الرجل؟ نقول: من قال لك أن المرأة ترِث نصف الرجل؟ هذا الكلام غير صحيح في ديننا، ليس في شرعنا المرأة ترِث نصف الرجل، في شرعِنا: أن من مات وله ذكور وإناث فإن الأنثى تأخذ نصف الذكر فقط، أما المرأة لا تأخذ دائما نصف الرجل.
يعني: رجل مات وعنده ابنتان وعنده عشرون أخًا، كيف نوزِّع الميراث؟ الابنتان لهما الثلثان، والعشرون أخا؟ لهم الثلث، من يأخذ أكثر؟ [البنتان].
طيب؛ رجل مات وعنده بنت واحدة وعشرون أخا شقيقا، البنت كم تأخذ؟ النصف، والعشرون شقيقا؟ يأخذون واحد على عشرين من المرأة، العشرون ولدًا كل واحد يأخذ.. النصف الآخر يوزَّع على العشرين، إذا لم يكن له والدان.
فقاعدة أن المرأة تأخذ نصف الذكر، غلط، قاعدة ما أنزل الله بها من سلطان، قاعدة غير موجود في دين الله -عزَّ وجلَّ-، نعم البنت تأخذ نصف أخيها فقط، إذا كانت لها إخوة تأخذ نصف إخوانها، نصف أخيها، أما إذا أعمام لا، تأخذ أكثر من أعمامها، وهكذا.
فطالب العلم دقيق، لما يسمع الكلمة يدقق فيها ولا يعمِّمها، يُنزِّلها في المكان التي أرادها الله -عزَّ وجلَّ-.
وذكرتُ لكم أن الشرعَ لم يأتِ بالمساواة، والمساواة ليست من دينِنا -نقولها ونحن رافعو رؤوسنا فخرًا-، الإسلام جاء بالعدل، فراعى حال كل إنسان وأعطاه نصيبه، المساواة مذهب غربي، ليس من ديننا، إسلامنا جاء بالعدل، والعدل أن تضع كل شيء في مكانه، وأما المساواة تجعل الفاجر مثل التقي.
شرعُنا مش قائم على الانتخابات والديمقراطية، شرعُنا قائم على أهل الحَل والعقد، مَن أهل الحل والعقد؟ العلماء والصلحاء، بصيرة وعلم وعقل رجل أحسن من عقل أمَّة، وهؤلاء هم أهل الحل والعقد.
لو أتينا بألف عقل حمار فجمعناهم إيش يظلوهم؟ نفس الحاجة، ما زادوا ولا نقصوا!
فشرعنا جاء بالعدل ما جاء بالمساواة، شرعُنا لا يسوِّي بين التقي والفاجر، وبين المؤمن والكافر، ونقول هذا تيهًا وفخرًا، لا نقول هذا ذبًّا ودفاعا.
طيب؛ الله يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} أي أموال التي يأخذها الساعي لبيت مال المسلمين؟ {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} كل ما يسمى مالا يؤخذ، ليش؟ لأن (أموالهم) إيش تشمل؟ جمع مضاف، ولذا هذا كان هذا دليل جماهير أهل العلم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، قالوا: عروض التجارة مال، وهي تدخل تحت عموم قوله سبحانه: {أَمْوَالِهِمْ} فلا يلزم للأموال أن تكون الذهب.
اليوم الذين يقولون الدنانير والدراهم التي بين أيدينا لا يوجد فيها رِبا هم مُلزَمون بأن يقولوا: لا زكاةَ فيها، وهي بلا شك بمعنى الذهب، فكما أن الإنسان لا يشبع إن كان عنده وادٍ من ذهب حتى يكون له واديان، وإن كان عنده واديان حتى يكون ثلاثة، وكذلك المال، فلا فرق بين المال والذهب من حيث تعلُّق النفس بها، فهي في معنى {الْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ} في «آل عمران»، فقد زُينت للنفوس، وجُبلت النفوس على حُبها، {وتُحبون المالَ حبًّا جمًّا} سواء كان معدنا أو كان ورقًا أو كان ذهبًا، فكله مال، وكله يدخل تحت {خُذ من أموالِهم}، فـ(أموالهم) في الآية: جمع مضاف، والجمع المضاف من ألفاظ العموم، فيشمل جميع أنواع الأموال، والمال كل ما له قيمة في أعراف الناس إلا ما استثنى الشرعُ، فالشرع إن استثنى شيئا فعلى العين والرأس، فالأصول لا زكاة فيها: سيارتك الخاصة، وبيتك الخاص، وآلات الحدادة، وآلات الصناعة، ورفوف المحل، وديكور المحل، وخلو المحل، هذه ما فيها زكوات، أما أي مال الشرع ما يريد يقول لك: إذا عندك كذا وعندك كذا وعندك كذاوعندك كذا وعندك كذا؛ زكِّ! الشرع قال: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فتشمل جميع الأموال المعروضة للبيوع، أو الأموال النقد التي بين يديك، بغض النظر عن نوع المال.
يعني: لو واحد قال: يا شيخ شو الدليل على أن أنا والله عندي عشرة آلاف دولار، وعندي عشرة آلاف جنيه إسترليني وعندي عشرة آلاف دينار أردني، إيش أزكِّي فيهم؟ إيش نقول له؟ زكيهم كلهم، طيب ليش؟ لأنها كلها تخضع تحت (أموالهم)، وكل هذه الأشياء تخضع تحت {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ} فهذه (أموالهم) تشمل جميع الأموال.
طيب؛ وأرجو الآن أن نُخرج -بكلام أصولي في دقة الأصوليين- ألفاظ العموم في هذه الآية:
{إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} كم صيغة أصولية في هذه الآية؟ كم لفظ من ألفاظ العموم في هذه الآية؟ ثلاثة، تمام.
اللفظ الأول: (عِبَادِي) ليش عام؟ جمع مضاف، {إنَّ عِبَادِي} يعني: جميع عباد الله الصادقين المخلِصين المتَّقين هؤلاء جميعهم بغض النظر عن جنسياتهم، عن أماكن وجودهم، بغض النظر عن أمصارهم، عن أعصارهم، عن هل هم ذكر أم أنثى، هل هم أصحاء أغنياء فقراء علماء غير علماء، (عِبَادِي) من يحقق عبودية الله، هذه عامة جميع العباد.
{لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} أي سلطان منفي؟ أي نوع من أنواع السلطان المنفي بحيث لا يتمكن الشيطان أو إبليس وأعوانه من التحكم بعباد الله -عزَّ وجلَّ-؟ كل أنواع السلطان، لماذا؟ لأن (سلطان) نكرة في سياق النهي.
{إنَّ عِبَادِي} (عبادي) جمع مضاف، {لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} (سلطان) نكرة في سياق النفي فعمَّت جميع أنواع السلطان، لا يستطيع أن يلعب بهم، لا يستطيع أن يصرعهم، لا يستطيع أن يحرفهم، ما دمت أنك متحصن بالله -عزَّ وجلَّ- بالحصون الشرعية فالشيطان ليس له عليك سبيل، ليس له عليك أي مدخل من مداخل الغواية، ولا أي مظهر من مظاهر أن يلعب بك، فليس له عليك سلطان.
{إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الغاوين) إيش؟ جمع محلى بالألف واللام، فجميع أصحاب الغواية، والغِواية عكس الهداية، فكل غاوٍ هو متَّبع للشيطان، فكل الغاوين متَّبعون للشياطين {إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ}، طيب؛ {إِلَّا مَنِ} (مَن) إيش هذه؟ هذه (مَن) الموصولة بمعنى (الذي)، فالذي يتبع الشيطان من الغاوين، فالغاوون الشيطان له عليهم سبيل، ومَن اتَّبع الشيطان فله عليه سبيل.
فهذه الصيغ الواردة في الآية.
إذن: هذه صِيَغ العموم التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى في البيت الخامس والثلاثين.
نأتي إلى البيت السادس والثلاثين، يقول الناظم:
36. وَلا يَتِــمُّ الحُكْــمُ حَتَّـى تَجْتَمِــعْ ... كُلُّ الشُّـرُوطِ وَالمَـوانِـعْ تَـرْتَـفِــعْ
الحكم على الشخص المتلبِّس بمعصية، أو الذي يريد أن يفعل فعلا ما، سواء كانت هذه الأحكام أصولية أو فروعية في التصورات أو في التطبيقات، فالأحكام الأصولية والفروعية لا تتم إلا بأمرين:
الأمر الأول: وجود الشروط.
والأمر الثاني: انتفاء الموانع.
فالأحكام لا تتم أبدا حتى تتحصل الشروط وتنتفي الموانع.
وعليه -وهذا من الأمور المهمة عند العلماء-: (ليس كل من وقع في الكُفر كافر).
لو سمعتم عالما أو طالب علم يقول: فلان قال كُفرا، أو فعَلَ كُفرًا، فخرج رجل فقال: اليوم الشيخ كفَّر فلانا! إيش نقول عن هذا الناقل؟ نقول عنه: جاهل!
يعني: لو قلنا: فلان فعَلَ كُفرًا، فخرج واحد يقول: الشيخ اليوم كفَّر فلانا، نقول هذا الذي يتكلم جاهل لم يفهم كلام العالِم، فلا يَلزم من الوقوع في الكُفر أن يكون الواقعُ كافرًا، ولا يلزم من الوقوع في الفِسق أن يكون الواقع فاسقًا، ولا يلزم من الوقوع في البدعةِ أن يكون الواقعُ مبتدِعًا، وهكذا.
بل لا يَلزم من الوقوع في الظلم أن يكون الواقع ظالمًا.
أنا أكلتُ حقكَ وأنا متيقِّن أني مصيب، أنا وقعتُ في ظلم لكن لستُ بظالم؛ لأني متأوِّل، أنا مُخطئ، واقع في الظلم، لكن أنا غالب ظني أن مُحق، وأنت ترى ديانتي، وترى عِلمي، وتحس وتتيقن على أني وقعتُ في الظلم، فإذا أردتَ أن تكون دقيقا فإيش تقول؟ تقول: فلان وقع في الظلم، لا تقول: فلان ظالم، فلان وقع في الفسق..
واحد درس في المسائل إلى آخره؛ فقال: حلق اللحية مش فسق، اللحية ليست واجبة، قال: ليش؟ قال النبي يقول: «خالِفوا المشركين» والمشركون لهم لِحى، والنبي يقول: «خالِفوا المشركين» فلازم نخالف المشركين فالنصارى اليوم والرهبان لهم لِحى، تارك الواجب فاسق، فليس كل من حلقَ لحيتَه نقول عنه: فاسق، حتى تتوفر الشروط وتنتفي الموانع.
طيب؛ أنا يا حبيبي في الجيش لا أستطيع أربي لحية، أقول: عندك مانع، فلا يتم الحكم في حقكَ.
أنا مريض أتعالج وتقتضي المعالجة أن أحلق لحيتي مثلا، فهذا مانع.
فلا يتم الحكم على عبد حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع.
نقول هذا لمن يقول مثلا: يا جماعة النبي يقول: «خالِفوا المشركين»، والكفار لهم لِحى، نقول: الكفار عدد قليل لهم لحى، أولا، ثانيا: لو الكفار لهم لِحى، النبي قال حتى يقطع عليك هذا الاستدلال قال: «خصال الفطرة عشر» وقال: «اللحية»، اللحية من الفطرة، فإذا وافقَنا الكافرُ في الفطرة فلا يجوز لنا أن نخالفَه في الفطرة، النبي يريد أن يقول: «خالِفوا المشركين» المشركون خرجوا عن فطرة الله، فخالفوهم وابقوا على الفطرة، وإلا لو كان «خالِفوا المشركين» بإطلاق، مُطلَق، هذا المشرِك إذا دخل الإسلام لازم نحن نكفر! لَما المشرك يدخل الإسلام النبي يقول «خالِفوا المشركين»؛ فهل يجوز لنا أن نكفر؟ نقول: لا، طيب؛ لماذا لا نَكفُر إن دخلوا الإسلام؟ لأنهم وافَقُونا في الفطرة، طيب؛ لو التحوا؟ وافَقونا في الفطرة، فإن وافَقونا في الفطرة فلا يجوز لنا أن نخالفهم.
فانتبهوا لهذه النقطة، هذه نقطة مهمة جدا.
الذي يقول: «خالِفوا المشركين» والمشركون لهم لِحى، نقول: نعم، لهم لِحى، لو وُجد الأحبار وغيرهم لهم لِحى فهم رجعوا للفطرة، فنحن أسعد بالفطرة منهم، فلا يجوز لنا أن نخالفهم فيما وافقوا فيه الفطرةَ.
لذا: الحكم لا يتم في شرع الله سبحانه وتعالى حتى تتحقق الشروط وتنتفي الموانع.
الأمثلة كثيرة جدا، فمثلا: رجل فعل معصية، فعل كبيرة من الكبائر؛ لا يجوز لي أن أسقط نصوص الوعيد عليه؛ لاحتمال انتفاء الموانع؛ لعله تاب، لعله أصيب بمصيبة فتكفِّر عنه، لعله استغفر، فملَك اليمين ومَلَك الشمال، ملَك الشمال إذا فعل الإنسان المعصية كما أخبر النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لا يكتب حتى يبقى يستأذن ملَك اليمين ست ساعات فإن استغفر لم يَكتب، وإن لم يستغفر؛ كَتب، فالحسنات يُذهبن السيئات، فمن وقع في نص من نصوص الوعيد لا يَلزم أن نحكم عليه [...]، لعله تاب، لعل مصيبة قد أصابته، لعله استغفر، لعل له من الحسنات الكثيرة ما تغفر له، لعل الله -عزَّ وجلَّ- يعامله بعدلِه.
عقيدة أهل السنة والجماعة عقيدة الوعد والوعيد، فإذا وعدك الله بخير فعقيدتنا لا بد أن يتم هذا الخير، وإذا أوعدك الله بشر فعقيدة أهل السنة الأمر إليه، فأن يُخلفَ الله شرًّا خوَّفك به من كرمه، وليس نكوث الوعد.
كذلك: إنسان عنده مال، وبلغ النصاب، وحال عليه الحول، ولم يزكِّ، فلا يجوز لنا أن نقول هو فاسق حتى تنتفي الموانع، لعل عليه دَينا يستغرق ماله.
يعني: إنسان عنده 10 آلف دينار وحال عليه الحول وبلغ النصاب، وعليه 20 ألف دينار، ما عليه زكاة، فلا يجوز أن نحكم على من ملَك النصاب وحال عليه الحول بأنه ارتكب كبيرة حتى تنتفي الموانع.
مسلم حديث عهد بالإسلام شرب الخمر وهو في بلاد بعيدة عن بلاد المسلمين ولا يعرف حُرمة الخمر لا نقول أنه ارتكب كبيرة ولا نقيم عليه الحد لماذا؟ حتى يقع الشرط أنه يعلم حكم الله في الخمر، فإن لم يكن يعلم حكم الله في الخمر؛ فلا نحكم عليه بالفسق.
رجل مات أبوه فهل يرِث من أبيه؟ نعم، لكن بشرط انتفاء الموانع، إيش انتفاء الموانع؟ فيه موانع من الميراث، مثلا: المانع الأول أن لا يكون قاتلا، فإن كان قد قتل أباه فتأتي القاعدة التي ذكرناها سابقا: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، فليس كل ولد يرث من أبيه حتى تنتفي الموانع.
كذلك: تغيُّر الدِّين، رجل ارتد وأبوه مسلم، لا يرث من أبيه، الكافر لا يرث المسلم.
فلا يتم الحكم بالميراث حتى تنتفي الموانع.
كذلك إذا أصبح رقيقا، فالرقيق لا يرث الحُر، وهكذا.
كذلك: الصوم مثلا، المرأة قد تُفطر، تراها تأكل في نهار رمضان، لا يجوز لها أن تقول: هي فاجرة فاسقة تاركة أوامر الله حتى تنتفي الموانع، فالشرع حرَّم على النفساء أن تصوم، وحرَّم على الحائض أن تصوم، فإن رأيت امرأة تأكل في نهار رمضان ما يجوز لك أن تحكم بفسقها ومخالفتها أو إثمها حتى تنتفي الموانع من الحكم.
حتى الرجل إن رأيتَه يأكل، تقول: لعله مسافر، لعله مريض، فبعض الأمراض يبقى صاحبها متماسكا يمشي ويذهب ويجيء لكن هو يحتاج إلى الشراب الدائم، أو القرحة نسأل الله لنا ولكم العافية يحتاج للطعام الدائم.
فليس كل من أفطر، ليس كل مَن أكل لا نحكم عليه بالفسق حتى تنتفي الموانع في حقه.

انتهى (الدرس الثالث عشر).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
الثالث عشر
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #18  
قديم 06-19-2012, 10:37 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
بسم الله الرحمن الرحيم

شـرح
«منظومة القواعد الفِقهيَّة»
-للإمام السَّعدي-
-رحمهُ الله-

[الدَّرس الرَّابع عشر -والأخير-]
(الجزء الأول)

لفضيلة الشَّيخ
مشهور بن حسن آل سلمان
-حفظه الله-
إن الحمدَ لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا ومِن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَن يضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شَريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه.
إلهي لا تعذب لسانا يدل عليك، ولا يدًا تكتب حديث رسولك -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، ولا عينا تنظر إلى علوم تدل عليك، ولا قدما تمشي إلى خدمتك.
أما بعد:
فبلغ بنا المقام في شرح منظومة العلامة الشيخ السعدي رحمه الله إلى البيت السابع والثلاثين، يقول الناظم رحمه الله تعالى:
37. وَمَـنْ أَتَى بِمَـا عَـلَيْـهِ مِـنْ عَمَــلْ ... قَـدِ اسْتَحَـقَّ مَـالَـهُ عَـلَى الْعَـمَــلْ
هذه قاعدة جرى عليها العُرف في الإجارات والمعاوضات، وهذه القاعدة تقول: من لزِمه عملٌُ وأتى به؛ فلزمَ له الوفاءُ بأجرِه.
وهذه القاعدة مأخوذة من نصوص شرعية، منها ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح إلى ابن عمر -رضيَ اللهُ تعالى عنهُم-ا قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أعطوا الأجيرَ أجرَه قبل أن يجف عرقُه» فالذي يعمل ما وجب عليه؛ فله ما لزِم له.
ومن أدلة القاعدة أيضا: ما أخرجه البخاري في «صحيحه» إلى أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بيَّ ثم غدر، ورجل باع حُرًّا وأكل ثمنَه، ورجلٌ استأجر أجيرًا فاستوفى منهُ ولم يُعطِه أجرَه» استوفى منه عملَه، وأدى العاملُ الذي عليه، ولم يأخذ هذا العاملُ الذي له.
ولذا: القاعدة عند العلماء في عقود الإجارات، وفي عقود المعاوضات، وفي العقود غير اللازِمات: أن من بُذل له شيء مقابِل عمل فأدى هذا الإنسان الشيءَ الذي طُلب منه؛ فلزِم من بذل أن يُعطي.
ربنا يقول عز وجل في الجُعالات على لسان يوسف، قال عز وجل: {ولِمَن جاءَ به حِملُ بعير} والجُعالة: يقول صاحبُها من يعمل كذا أجعل له كذا وكذا، وهذا يدخل فيه المسابقات والجوائز التشجيعية، فصاحب السوبر ماركت وصاحب السلعة يقول: من يشتري بمبلغ كذا أجعل له كذا، من يشتري بمبلغ كذا أعطيه بطاقة، نعمل سحبا وتكون جائزة على سيارة، فهذه الأمور إن أدى الإنسانُ الذي له؛ وجب له الذي بُذل.
طيب إيش حكم الجوائز التشجيعية؟ الجوائز التشجيعية مشروعة بثلاثة شروط: الشرط الأول: يعود للسلعة، والشرط الثاني يعود للمشتري، والشرط الثالث: يعود للبائع.
أما الشرط الذي يجب أن يتوفر للسلعة: أن لا يُزادَ في سعرها بعد الجائزة.
فإذا كانت السلعة سعرها دينار قبل بذل الجائزة فأصبح سعرها دينارا وعشرين قرشا بعد الجائزة؛ فأصبح الناس يتقامرون بالعشرين قرشا!
إذا كان سعر السلعة دينار قبل الجائزة ودينار وعشرون قرشا بعد الجائزة فأصبح من يشتري يلعب قمارًا بعشرين قرشًا!
كل المسلمين أو جُلهم يُدعَون إلى القمار بصُوَر كثيرة، ولعلِّي دُعيت عشرات المرات أنا وإياكم للقِمار عبر الجوال ونحن بين يدي الله: أرسِل رسالة بسبعين قرشًا بأربعين قرشًا -الآن جاءت رسالتان لعل واحدة منها تكون قمارًا!!-، أرسِل رسالة بسبعين قرشًا بأربعين قرشًا، بسبعين قرشا، بستين قرشًا، بنصف دينار، ويوجد سحب على جائزة سيارة ما أدري إيش! هذا قمار! الكل يلعب قمارا بنصف دينار!
كيف تدفع النصف دينار؛ برسالة، بإشارة، بشيك، بسحب من حساب، ببطاقة، بأي طريقة، المهم أنك دفعتَ النصف دينار!
لعبة القمار التقليدي كان بمجرد الضامه أو الشدة أو الكوتشينه، أو الدواليب، أو أوراق اليانصيب، اليوم نفس أوراق اليانصيب ونفس الدواليب التي هي إيش؟ رسالة الجوال، تدفع رسالة الجوال إشارة: احسبوا علي نصف دينار، تعطيهم إشارة رقم: احسبوا علي أربعين قرشا سبعين قرشًا.
فالجوائز التشجيعية جائزة بثلاثة شروط: الشرط الأول: يعود للسلعة، السلعة ينبغي أن يكون سعرها قبل الجائزة وبعد الجائزة هو هو، فإن زِيد على سعرها أصبح القِمار بمقدار الزياة.
والشرط الثاني يعود للمشتري، يجب على المشتري أن يشتري السلعة لأنه يريدها، أما إن اشتراها لأنه يريد الجائزة.. يعني مثلا: أول ما بدأت الجوائز التشجيعية بدأت على البيبسي كولا، فكان بعض الناس حاجته مثلا لبيته 4، 5 زجاجات، يشتري 4، 5 صناديق، شراؤه لهذه الصناديق هذا قمار، إذا اشترى السلعة وهو لا يريدها، وإنما هو يريد الجائزة، والله يعلم من قلبِه أنه لا يريد هذه السلعة، ولا يحتاج هذه السلعة؛ هو يقامِر.
والشرط الثالث: يعود على البائع، ويُشترط في البائع لما ينظِّم الجوائز أن لا تكون نيَّتُه الإضرار بغيرِه؛ وإنما نيَّتُه ترويج سِلعتِه، همُّه من الجائزة أن يُروِّج سلعتَه، لا أن يضرر بغيره.
فإذن: القاعدة عند العلماء أن من لزمه عملٌ وأتى به لزمهُ الوفاءُ أو لزمَ الوفاءُ له بأجرِه.
وهذه كما قلتُ تشمل عقود المعاوضات وعقود الجُعالة والإجارة والوَكالة، يمكن أن تكون الوكالة بأجرة: أنا أقول لك: بِع لي كذا ولك كذا، فإذا بعتَ فأتيتَ بالذي التزمتَه؛ فوجبَ لكَ الذي جُعل لك.
الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه «الأم»: «الإجارة بيع»، إيش حقيقة الإجارة؟ تمليك منفعة.
طيب؛ الرقبة من يملكها؟ رقاب الأشياء من يملكها؟ الله عز وجل، لأن المآل إلى الله عز وجل.
فالإجارات تمليك منافع.
ولذا كما أنك لو اشتريتَ مثمَّنًا سلعةً فوجب عليك أن تدفع ثمن السلعة حتى تَقبضها، وكذلك سائر الأشياء.
فهذه القاعدة ظاهرة بينة، عليها الأدلة ولا خلاف فيها بين العلماء.
نأتي للقاعدة الثامنة والثلاثين.
القاعدة الثامنة والثلاثون يقول الناظم:
38. وَيُفْعَــلُ الْبَعْــضُ مِــنْ المَـأْمُـورِ ... إِنْ شَــقَّ فِعْــلُ سَــائِـرِ المَـأْمُــورِ
هذا البيت عبَّر فيه الناظم عن قاعدة مهمة تقول: (الميسور لا يسقط بالمعسور)، وفي الحقيقة هذه القاعدة لا يعمل بها إلا في المحل الذي جوَّز الشرعُ فيه تجزئة العمل.
فالشرع بالنسبة إلى سائر العبادات جعل بعضها يَقبل التبعض وبعضها لا يَقبل التبعض، بعضها يقبل أن تجعله أجزاء أبعاضا، والبعض أراد الشرع منه وحدة واحدة، لا يريد الشرع منه التبعض.
مثل الصوم: الصوم يَقبل التبعض أو لا يقبل التبعض؟ إيش الصوم؟ الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لو إنسان استطاع أن يصوم ست ساعات، أو سبع ساعات، أو ثمان ساعات، فهل له أن يُبعِّض الصيام؟ قال: الصيام 12 ساعة، أصوم اليوم 6 وأصوم غدا 6، وأحسب يومًا، فأصوم 15 يومًا ويبقى علي 15 يومًا، هذا صحيح ولا غير صحيح؟ لماذا غير صحيح؟ لأن الصيام عبادةٌ لا تَقبل التبعُّض، الصيامُ أرادهُ الشرعُ عبادة تامة.
طيب؛ الصلاة تَقبل التبعض أو لا تَقبل التبعض؟ الصلاة تَقبل التبعض، ودليل ذلك ما أخرجه البخاري في «صحيحه» عن عمران بن حُصين رضي الله تعالى عنه قال: قال لي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-وكان بي الناسور-، والناسور -أسأل الله لي ولكم العفو والعافية- هو أشد من الباسور، ومرض الباسور: داء كان علماء الشافعية مبتَلَون به، حتى قيل في داء الباسور أنه داء الشافعية، أُصيبَ به جمعٌ من علماء الشافعية-، فكان عمران به داء شديد.. فكان النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول لعمران، فقال لي النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «صلِّ قائما، فإن لم تستطع؛ فصلِّ جالسًا، فإن لم تستطع؛ فعلى جَنب» زاد النسائي بإسنادٍ صحيح: «فإن لم تستطع؛ فمُستلقيًا» إن لم تستطع أن تصلي على جَنب؛ فصلِّ مستلقيًا.
إيش حكم القيام في الصلاة؟ الرُّكنية في الفريضة؛ لقول الله تعالى: {وقوموا للهِ قانِتين} ومن صلى جالسًا في غير الفريضة صحت صلاتُه وله النصف من صلاة القائم -كما عند ابن حبان-.
لو أن رجلا ما استطاع أن يصلي قائما فأصبح قراءة الفاتحة والركوع والسجود ميسورا في حقه، والقيام معسور في حقه، فماذا يجب عليه؟ الميسور لا يسقط بالمعسور، إيش يعني الميسور؟ يعني: الركوع أو الإيماء، أو السجود، لا يقدر أن يقوم يقدر يقرأ الفاتحة فيجب عليه قراءة الفاتحة، وتكبيرة الإحرام، فالميسور الذي يقدر عليه يجب فِعله، والميسور الذي يقدر عليه لا يجوز إسقاطه بالمعسور الذي لا يقدر عليه.
ولذا -ذكرتُ لكم وأعيد، وأرى أن هذه الجزئية من المهمات، وأحب أن تُحفظ وتُنشر-:
من يصلي على الكرسي، ويستطيع السجود، ولا يستطيع القيام، ويستطيع أن يمكِّن جبهته وأن يسجد وصلى على الكرسي ولم يسجد؛ فصلاتُه باطلة بإجماع أهل العلم.
أعيد وأزِيد:
من استطاع السجود فصلى على الكرسي فأومأ إيماء في السجود وباستطاعته أن يسجد ولكن أخذته الأنفة أو الكِبر، كيف يصلي جالسا، لأنه لو صلى جالسا لسجد، هو لا يستطيع القيام، لكن يستطيع السجود، فصلى على الكرسي ولم يسجد؛ فهذا فاتته ثلاثة أركان: السجدة الأولى، وجلسة الاستراحة بين السجدتين، والسجدة الثانية الركن الثالث.
فهذا صلى صلاة ليست فيها ثلاثة أركان وهذا صلاته باطلة.
ولهذا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-كما في «البخاري»- لما سقط عن فرسِه فجُحِش جنبُه، فصلى متربِّعًا.
من الذي يصلي على الكرسي؟ الذي يصلي على الكرسي واحد من اثنين:
الأول: رجل لا يتمالك قواه، يغلب عليه الهزل والتعب، ولا يستطيع أن يتمالك قواه، يبقى جالسا ولا يستطيع إلا أن يومئ إيماء، فهذا يصلي على الكرسي.
والنوع الثاني: الذي يعجز عن القيام ويعجز عن السجود، لا يقدر على القيام ولا يقدر أن يسجد؛ فهذا يصلي على الكرسي.
أما رجل يستطيع أن يسجد ويصلي على الكرسي؛ لماذا تفوتك هذه الأركان؟ (الميسور لا يسقط بالمعسور)، السجود في حقك ميسور، والقيام في حقك معسور، فالميسور وهو السجود لا يسقط بالمعسور وهو القيام.
فإذن: الشرع ينظر إلى ما لا يتبعَّض على أنه كلٌّ واحد، وينظر إلى ما يتبعَّض على أنه أجزاء.
يعني: إنسان أصابته شجَّة في رأسه، فالاغتسال يتبعَّض أو لا يتبعَّض؟ وقع فيه خلاف، فمن قال: يتبعَّض؛ قال: يَغسل سائر جسده ولا يتيمم، ومن قال: لا يتبعَّض، قال: يجزئه التيمم.
وفي الحديث الذي عند أبي داود: لما كان رجل مع أصحاب النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فأصابته جنابة وكان شجة في رأسه، فاستفتاهم فلم يُفتوه بالتيمم، أفتوه بالاغتسال، فاغتسل فمات، فقال النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إنما شِفاء العِي السُّؤال، قتلوه قاتلهم الله، إنَّما كان يُجزئه..» وذَكَر التيمم.
ماذا يُستفاد من الحديث؟ الحديث فيه فائدة مهمة أحب أن تُنشر أيضا:
النبي يقول: «إنما شِفاء العِي السُّؤال» إيش عكس الشفاء؟ المرض، الشفاء لا يكون إلا من مرض، فالجاهل مريض، ودواء الجاهل السؤال «إنما شِفاء العِي السُّؤال»، فالجاهل مريض، وأقل واجب على المريض: السؤال، والأرفع: أن يجالس العلماء، وحضور مجالس العلماء، وأن يلازمهم، وأن يأخذ منهم.
لكن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «قتلوه قاتلهم الله» فظاهر هذا الحديث أن الاغتسال لا يقبل التبعُّض، فالذي لا يستطيع أن يوصل الماء إلى رأسه، ويستطيع أن يوصل الماء إلى سائر بدنه إيش الواجب عليه؟ التيمم.
لكن وقع خلاف بين العلماء: هل التيمم أصيل أم بديل؟ الظاهر أنه أصيل في محله، فمتى استطعنا أن نستخدم الماء فلا يجوز التيمم، واستخدام الماء تظهر المسألة في بعض الصُّوَر وهي التي تُسمَّى (التداخل) عند العلماء.
رجل أصبح جنُبًا، ولا يستطيع أن يغتسل، ولكنه يستطيع الوضوء، فماذا عليه؟ التيمم لرفعِ الحدث الأكبر، والوضوء لرفع الحدث الأصغر، فيجب عليه يتيمم بنِية رفع الحدث الأكبر، هو يستطيع أن يتوضأ، يستخدم الماء على أعضاء الوضوء، ولكنه لا يستطيع أن يستخدم الماء على أعضاء الغُسل، فما الواجب عليه؟ الواجب عليه: أن يتيمم لرفع الحدث الأكبر، ثم بعد تيمُّمه ماذا يفعل؟ يتوضأ بالماء لأن الماء الآن بإمكانه أن يستخدمه.
وقع خلاف في هذه المسألة فيما يسمى عند الفقهاء بالتلفيق، قد يستطيع الإنسان أن يُلفِّق أشياء.
مثلا: الواجب في كفارة اليمين تحرير رقبة، فإن لم يستطع فإطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، هو لا يَقدر على الإطعام، ولا يقدر على الكسوة، أسألكم: أيهما أفضل الإطعام أم الكسوة؟ أيهما الأحب إلى الله عز وجل أن نُطعم العشرة أم أن نكسوهم؟ [الإطعام] أنا ذكرتُ لكم الجواب في أكثر من مرة، لكن أنتم تنسون!
الجواب: دائما في التفضيل إيش؟ التفصيل، الأفضل ما يسد الحاجة، فإذا يسد حاجة الفقير الكسوة الكسوة أحب، وإذا يسد حاجة الفقير الإطعام فالإطعام أحب، فلو سُئلت أيهما أفضل: الكسوة أو الإطعام؟ الجواب: الأحب إلى الله ما يسد حاجة الفقير، فالأمر يتفاوت من فقير لفقير.
لكن لو عندنا رجل لا يقدر على إطعام العشرة، ولا يقدر على كسوة العشرة، ولكنه يقدر إطعام خمسة وكسوة خمسة.
هذه التي تسمَّى عند الفقهاء: التلفيق، تلفيق الكفارة: يطعم خمسة أشخاص، ويكسو خمسة أشخاص، فغير واحد من الفقهاء -وهم فقهاء الشافعية- جوَّزوا التلفيق لأن الأمر على التخيير، فكأن الأمر بالتخيير خصلة واحدة, وهذا يدخل تحت (ما يُلحق بالطبع).
ولذا: من فروع أو من ضوابط قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) قاعدة بيناها لكن الفقهاء يعبرون عنها بقولهم: (ما لا يتبعَّض فاختيار كله كاختيار بعضه، وسقوط بعضِه كسقوط كله)، هذا من ضوابط قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور).
نأتي إلى البيت التاسع والثلاثين، والبيت التاسع والثلاثون أيضا سبقت الدندنة والشنشنة حوله، ونعيد الكلام بالتفصيل، ونذكر أمثلة عليه.
يقول الناظم:
39. وَكُــلمَــا نَشَــا عَــنِ المـَـأْذُونِ ... فَــذَاكَ أَمْــرٌ لَيْــسَ بِـالمَضْـمُــونِ
القاعدة تقول: (الجواز الشرعي ينافي الضمان).
إن كنتم تذكرون: تكلمنا عن الصائل، لو صال عليك حيوان -أجلكم الله- فأراد أن يقتلك، وكانت له قيمة، ولا تستطيع أن تدفع أذاه إلا بِقتله، فأنت لا تضمنه، فالذي يجوِّز لكَ الشرعُ فِعلَه؛ فأنت لا تضمنه.
الشرع يقول بقطع يدِ السارق، الشرع يقول بالقصاص، فأقيم حد على من سرق، فقُطعت يدُه، فسرت الجناية إلى سائر بدنه فهلك فمات مِن أثر قطع اليد، القاطع لم يتعدَّ، القاطع فقط قطع اليد ولم يتعدَّ، لكن ترتَّب شيء زائد عن شيء مأذونٍ فيه في الشرع، فهذا الذي قُطعت يده سرت على إثر القطع سرى ضرر فهلك بسببه، فهل القاطع يضمن ويدفع ديته؟ الجواب إيش؟ لا، لماذا؟ لأن (الجواز الشرعي ينافي الضمان).
أنت تصلي، مر رجل من بين يديك، فدفعتَه، فسقط فكُسرت رجله، فسقط فمات، قدّر الله أن يسقط فيموت، فهل الآن عليك القصاص أو عليك الأرض؟ ليس عليك ذلك.
أنت يُؤذن لك أن تعمل في بيتك في أرضك، أن تحفر حفرة، بئرًا، حفرةً عميقة، ما أحد يمنعك، فأنت تعمل حفرة في بيتك، وهذا أمر يجوز لك شرعا أن تفعله، فسقط فيها رجل غريب، فهل أنت تضمن؟ لا تضمن.
لكن: أنت قصدتَ أن تحفر حفرة خلف باب رجل في ملكه هو، هل يؤذَن لك هذا؟ لا يؤذَن لك، فالرجل خرج من بيته أو دخل على بيته فسقط في الحفرة فمات، هل أنت تقتل أم لست بقاتِل؟ أنت قاتل، ونوع القتل هذا القتل بالتسبُّب، والقتل بالتسبُّب لا يقول به إلا علماء الحنفية.
لكن المهم: أنك إن حفرتَ حفرة أو فعلتَ شيئا في أرضك في ملكك ويؤذن لك فيه، ولا تمنع منه؛ فـ(الجواز الشرعي يمنع الضمان) مع الجواز الشرعي لا يوجد ضمان.
لكن أنت تتقصد أن تحفر في أرض خفية، وليست الأرض أرضك، تتقصد الإضرار، تتقصد إيقاع إنسان فيها، فوقع فمات؛ فهذا أنت قاتل، وأنت عليك الدية، وأنت تضمن، على تفصيل طويل في أنواع القتل عند الفقهاء.
وهذه أشياء في الحقيقة أشياء كثيرة يذكرها الفقهاء في هذا الباب.
فيه شيء يسمى عند الفقهاء (الأُروش)، كل عضو من الأعضاء له (أرش) له قيمة:
الأصبع: بعشرة من الإبل.
العين: ديتُها نصف دِية الرَّجُل، حتى قال بعض أهل العلم كابن القيم قال: «من قلع عين أعوَر؛ فيجب عليه أن يدفع دِيتَه بالكلية».
طيب؛ حتى من تدقيقات الفقهاء رحمهم الله تعالى يقولون للبِكر في بكارتها أَرش، الرجل لما يأتي أهله وهي بِكر ليس عليه هذا الأَرش إن فض بكارتها، بخلاف ما لو أن رجلا دفع امرأةً فوقعتْ فسقطت على شيء ففض بكارتها؛ فهذه عليها إيش هذه الصورة الثانية؟ يضمن أو لا يضمن؟ يضمن. في الصورة الأولى؟ لا يضمن، لماذا لا يضمن؟ الجواز الشرعي لا يجتمع مع الضمان، ما دام أن الشرعَ أذِن للرجل أن يطأ أهله؛ فحينئذ لا يوجد ضمان للبكارة.
لكن لو أن امرأة دفعتْ أخرى، لو أن رجلا دفع امرأة فسقطت على شيء ففض بكارتها؛ فهذا يضمن.
فالمقصود أن الجواز الشرعي ينافي الضمان.
تبقى مسألة دقيقة ووقع فيها خلاف، والخلاف فيها عند العلماء خلاف زمان وأوانٍ وليس بخلاف دليل وبُرهان، وهذا النوع من الخلاف يحتاج لتأصيل وتمثيل، ويحتاج في الحقيقة لدراسة مستقصاة عميقة مهمة.
أنتَ لما تُعطي ثوبَك لمن يخيطه، أو تسلِّم نفسك للطبيب، أو تعطي نعلَك لمن يُصلحه، أو ثوبك لمن يكويه -دراي كلين هذه الأيام!- أو للكوي، فأفسده، الخياط أعطاك ثوبا ما يأتي على قياسك، أراد يصلِّح ثوبَك أفسده، أراد يكوي ثوبَك حرقه، هل العُمال يضمنون أو لا يضمنون؟ الأصل في يد العامل يد أمان؟ أم يد ضمان؟ الأصل في يد العامل أنها يد أمان وليست يد ضمان.
أنا عندي أجير يشتغل في محل، هلك مَحلِّي بآفة، بنارٍ، بماء، بغرق، فأتلف البضاعة، إيش نعمل للأجير؟ إن قصَّر الأجير يضمن، وإن لم يُقصِّر الأجيرُ لا يَضمن، ولأن الأجيرَ لا يغرَم فهو لا يَغنَم؛ لأن القاعدة عند العلماء: (الغُرمُ بالغُنم).
يعني: أنا عندي مصلحة، عندي أجير، أرسلت الأجير للمطار، يتابع لي مصلحتي، يخلِّص على البضاعة في المطار.. إلى آخره، قدر الله في الوقت الذي يذهب فيه للمطار له قريب يريد أن يسافر، أراد واحد يوصله فخرج معه، ما دفع مالا، فهل له شرعًا أن يحاسبني على وصوله المطار وهو لم يدفع شيئا؟ طيب؛ هو يَغرَم أو لا يغرَم؟ وبالتالي هو إيش؟ هو لا يَغنم، الغُرم بالغُنم.
يعني: امرأة قالت لجارتها: اشترِ لي 2 كيلو بندورة، أنت رايحة على السوق اشترِ لي كذا، صار حادث في السيارة تلفت البضاعة التي اشترتها، تغرمها؟ ما تغرمها، ما قصَّرت.
طيب؛ هل يجوز لها أن تَربح من جارتها؟ ليس لها أن تَربح من جارتها، لأن يدها يد أمانة، لكن: لو وكَّلتها في أعراف الناس أن هذه الوكالة ببيعٍ، وهذه المرأة تبيع و تشتري، فلو تلفت في حادث سيارة في الطريق، صاحب السلعة [...] أنت ما شاء الله تاجرة تبيعين وتشترين وتربحين، أنا ما أتحمل أنتِ خسرت، الأمر عليك، أنا ما لي خص، أنا ما أعطيك الثمن حتى تعطيني السلعة لو كانت لها أو وكيلة لامرأة أخرى في البيت، لكن ما دامت أن يدها يد أمانة؛ فهي لا تَغرم وبالتالي هي لا [تغنم].
فالأجير الأصل فيه أن يده يد أمانة.
إلا أن عليًّا ومَن بعده من أصحاب النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- رأوا أن هذا مع انتشار فساد الذِّمم يجعل بعض الأُجراء يأكلون حقوق الناس، فضمَّنوا -فقط- الصُّنَّاع الذين يصنعون، جعلوا يدَهم يدَ ضمان لا يدَ أمان، الصُّنَّاع فقط: الذي يكوي الثوب، الذي يخيط الثوب، هذا مع فساد الذِّمم كل ما واحد أعطاه قال له: سرقت! ضاعت..! فهذا يفتح باب فساد، ويفتح باب أكل أموال الناس بالباطل.
ولذا الصحابة -رضيَ اللهُ تعالى عنهُم- من عهد علي بدؤوا يضمِّنون الصُّناع لما رأوا فساد الذِّمم، وهذا الخلاف الذي يذكره الفقهاء ويقولون عنه أنه زمان وأوان لا خلاف دليل وبُرهان.
البيت الأربعون يقول فيه الناظم:
40. وَكُــلُّ حُكْـمٍ دَائِــرٍ مَــعْ عِلَّتِــهِ ... وَهْـيَ الَّتِي قَـدْ أَوْجَبَـتْ لِشِـرْعَتِـهِ
هذه القاعدة مهمة، وهذه القاعدة تقول: (الحكم الشرعي يدور مع علته وجودًا وعدمًا، فحيث وُجدت العلة وجد الحُكم، وحيث انتفت العلة انتفى الحُكم).
من المعلوم عند العلماء أن العِلة معناها: وصفٌ ظاهر منضبط، بخلاف الحِكمة؛ فالحكمة: هي وصف غير منضبط وغير ظاهر.
فالأحكام الشرعية تدور مع عِللها، ولا تدور مع حِكَمها؛ لأن الحُكم الشرعي ينبغي أن يكون ظاهرا منضبطا.
إيش يعني؟
يعني: المسافر لما يفطر في رمضان، ولما يقصر، ولما يجمع، ما هي عِلة الفِطر والجمع والقصر؟ السفر، السفر وصف ظاهر منضبط، واضح مش باطن، ومنضبط بمعنى أن الناس يضبطونه ولا يختلفون فيه، بخلاف المشقة.
لا تقل، إياك أن تقول: أن السبب في القصر والفطر والجمع هو المشقة.

انتهى (الجزء الأول) ويتبع (الجزء الثاني).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة
الرابع عشر ج1
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #19  
قديم 06-24-2012, 11:16 AM
حامد بن حسين بدر حامد بن حسين بدر غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 1,107
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة أم زيد مشاهدة المشاركة
[الدَّرس الرَّابع عشر]



(الجزء الثاني)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَن لا نبي بعده، أما بعد:

يقول النَّاظم:
41. وُكُــلُّ شَــرْطٍ لَازِمٌ لِلْـعَــاقِـــدِ ... فِي الْبَيْــعِ وَالنِّـكَـاحِ وَالمْقَـاصِـــدِ
42. إِلَّا شُـرُوطًــا حَـلَّلَـتْ مُحـَـرَّمَــا ... أَوْ عَكْسَــهُ فَبَـاطِـلاتٌ فَـاعْـلَـمَـا
قُلنا هذان البيتان فيهما قاعدة مهمَّة وهي أن الأصلَ في الشروط الوفاءُ بها، فمَن تعامَل مع آخرَ معاملةً فيها -كما قال النَّاظم- بيع أو نكاح، أو قصد ما يقصده المتبايعان أو المتناكحان، سواء في العقود المبنية على المسامحة كالنكاح، وعلى المشاحَّة كالبيع، وهذا يشمل الإجارة والشَّرِكة وغير ذلك، فالأصل في العقود أن يَفيَ بها المتعاقدان ما لَم تُصادم نصًّا من النصوص الشرعية، أو تخالف مقصدًا أصليًّا من مقاصد الشريعة في تشريع هذا الحُكم.
وأما الأدلة على أن الأصل في الوفاء بالعقود هو الواجب؛ فمن كتاب ربنا وأحاديث نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأقوال الصحابة وأئمتنا الكبار.
فالله عز وجل يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}، ويقول الله عز وجل: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} فأوجب الله في هاتين الآيتين الوفاء بالعهد وأن الإنسان يحاسب ويسأل يوم القيامة عن الوفاء بعهده.
وأما الأحاديث: فقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- -فيما أخرجه الإمام الترمذي بإسناد صحيح-: «المؤمنون عند شروطِهم إلا شرطًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالًا» فيجوز في النكاح والبيع والشركة والإجارة -وغيرها من العقود- أن يشترط أحد المتعاقدَين أي شرط بشرط أن لا يصادم نصا؛ أن لا يحلل حرامًا ، أو يحرِّم حلالا، فالمسلمون والمؤمنون عند شروطهم.
والشروط تدخل في كثير من العبادات، حتى في اشتراط العبدِ على ربِّه كما علَّم النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الضُّباعة بنت زُبير، وكانت امرأة سمينة ثَبِطةً، امرأة ثقيلة، ففي الميقات، وكان الناس يريدون الإحرام، فقال لها النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أحرِمي واشترِطي»؛ أي: قولي عند الإحرام: «اللهمَّ مَحِلي» أي: مِن إحرامي «حيث حبستني» فمتى حبستَني وطرأ طارئ عليَّ لا أستطيع أن أفيَ بإتمام مناسك الحج أو العمرة فإحلالي من إحرامي حيث حبستَني يا ربي.
اليوم الناس في أداء مناسك الحج والعمرة يركبون الطائرات والسيارات وقد يُحبَسون بشيء لا يَقدِرون عليه فيجدر بالمعتمر أو الحاج عند الميقات أن يقول: «اللهمَّ مَحِلي حيث حبستني» فمتى يا رب حبستَني عن إتمام عُمرتي، أو عن إتمام حجتي؛ فأنا أحل، أشترط أني متى حُبست أحل، فإن فعلَ فلا شيء عليه، وإن لم يشترط فلا يجوز له أن يتحلل حتى يُقدِّم نسكًا، حتى يذبح ذبيحة.
فالاشتراط، الشرط يدخل في كل العبادات، وهذه المسألة شائكة والخلاف فيها طويل وكثير عند العلماء، والذي حرَّره المحقِّقون منهم، وهنالك مبحث قوي جدير بالنَّظر -[لمن] أراد التوسع في موضوع الشروط- في «إعلام الموقِّعين» قرَّر فيه الإمام ابن القيم أن الشروط الأصلَ فيها الحِل والمشروعية والجواز ما لم تصادم نصًّا، وأنَّنا إذا استقرأنا ما ورد في سُنة نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- القولية أو العملية وما جرى على ألسنة أصحابه؛ علِمنا أن الشروط تدخل في كل الأمور، وفي أعظم الأمور.
أعظم الأشياء التي تُناط بالمسؤولين والإمامة الكُبرى التي ينبني عليها تنظيم شؤون حياة الناس فإن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أدخل الشرطَ فيها، فقال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في معركة مؤتة: «أميركم فلان، فإن قُتل ففلان، وإن قُتل ففلان» فأدخل النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- الشرط في الإمامة الكبرى على الجيش.
والإمامة الكبرى من الأشياء العظيمة فيجوز أن يَدخل الشرط فيما دونها.
واشترى النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- من جابر اشترى جملًا، واشترط أن يستلمه في المدينة.
واشترى سعد بن أبي وقاص حطبًا من نَبَطي، واشترط أن يُسلِّمه في قصره.
وعمر يقول -كما في «صحيح البخاري»-تعليقًا-: «الشروط مقاطع الحقوق»، فالشرط يقطع الحق.
فكل من له مقصد في معاملة من المعاملات، ومن مثل ذلك يقول النَّاظم سمى النَّاظم البيعَ والنكاح، ثم قال بعدها: (والمقاصد) أي مقصد لأي متعاقِد أراد أن يُدخل عليه شرطًا؛ فهذا الشرط الأصل فيه الحِل، والأصل فيه الوفاء ما لم يصادم نصًّا، والواجب على من قبِله أن يفيَ به.
وفي «صحيح البخاري» يقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إن أحقَّ ما وفَّيتُم به من الشروط ما استحللتُم به مِن الفروج» فالشرط الذي يؤخذ على الناكح هو ألزم شرطٍ يجب الوفاء به.
يعني: كأن يقال: نحن نزوجك بنتنا لكن ما تجعلها تترك وظيفتها، نزوجك بنتنا بشرط أن لا تسافر بها إلى ديار الكفر، نزوجك بنتنا بشرط أن تسكن بجانبنا -مثلا-، وقَبِلَ، فحينئذ إيش يقال؟ «إن أحقَّ ما وفَّيتُم به من الشروط ما استحللتُم به مِن الفروج».
طيب؛ لو صار فيما بعد اتفاق على خلاف الشرط؟ اتفقوا على خلافه؟
العلماء يقولون في قواعدهم: «الاتفاق اللاحقُ كالشَّرط السابق».
لو اتفق المتعاقدان على خلاف الشرطِ، وانشرحت صدورهما بهذا الاتفاق؛ فيُصبح الاتفاق اللاحق كالشرط السابق، والشرط هذا لتنظيم الأمر، لوفاء حقوقهم، فإذا هو أسقط حقه، وقَبِل به؛ فما يتفق عليه المتعاقدان لاحقًا يكون بمثابة الشرط السابق، ينسخ الشرطَ السابق.
هم بينهم شرط، لكن بعدين قالوا: لا، صاحب الشرط قال: أنا أسامح، أنا أريد تحويل هذا الأمر إلى أمر آخر، استجد شيء لم يكن في الحسبان، وهذا المُستجَد لمصلحة الطرفين أن يتغير الشرط بشرط آخر، أو يُتنازل عن الشرط؛ فلا حرج في ذلك، هذه حقوق العباد، وحقوق الناس.
(وُكُــلُّ شَــرْطٍ لَازِمٌ لِلْـعَــاقِـــدِ):
نحن ما نتكلم -يا إخواني- عن الشروط التي أوجبها الشرع -شروط الصحة، وشروط الوجوب، وشروط الصلاة كاستقبال القِبلة-، لا ما نتكلم عن هذا، هذا واجب بالنص، شروط الصحة، وشروط الوجوب، الشروط التي يجب أن تتوفر في الصلاة وفي غيرها، هذه أمور أوجبها الشرع، نتكلم عن الشرط الزائد عن هذا الذي هو أصله مباح ولكن هو وُجد لتنظيم شؤون الناس، لتنظيم مصالح الناس، فالمتعاقدان لهما الحرية يشترطان ما شاءا على بعضهما البعض إلا إن خالف الشرعَ.
واحد اشترط على آخر شرطًا ويُلزمه بِشيء حرَّمه الله كأن يقول: المال الذي يؤخذ من الشركة يوضع بالربا في البنك.
هذا شرط خالف نصًّا، فهذا لا وزن له.
أو أن يقول: والله أنا شرطي تكون عندي سكرتيرة في العمل! هذا شرط خالف نصًّا، فهذا شرط لا وزن له.
لكن: أنا أشترط أنه والله أنا يكون لي مقابل تنقُّلاتي راتب، مقابل أتعابي، فاتورة الهاتف على الشركة.. أي شرط يتفقان عليه في الترتيب الذي يرونه فيما بينهم؛ فالأصل في مثل هذه الشروط الأصل فيها الحل، إلا الشرط الذي يصادم المقصد الأصلي من التشريع.
يعني: أنت لما تأكل خبزا، أو تشتري خبزا، أو تشتري فاكهة، لماذا اشتريت خبزا والفاكهة؟ للأكل، فلو البياع قال لك: أنا أبيعك خبزا أو فاكهة بشرط أن لا تأكله! هذا الشرط إيش؟ باطل؛ لماذا هذا الشرط باطل؟ لأنه يخالف المقصد الأصلي ولا فائدة للمُشتَرَى، والذي يشتري الخبز والفاكهة ما يشتريه إلا للأكل، فهذا شرط باطل لا وزن له، ولا يجب الوفاء به.
كمن يقول: أنا أنكحك ابنتي على أن لا تطأها! هذا يخالف المقصد الأصلي من النكاح؛ فهذا شرط باطل لا وزن له.
فإذا كان الشرط يخالف المقصد الأصلي من النكاح فهذا الشرط باطل لا وجود له.
وأما الشروط الجائزة في أصلها التي تنظم علاقات الناس وتنظم طبيعة العلاقة بين المتعاقدين فالأصل في مثل هذه الشروط الأصل فيها الحِل لا الحرمة، والله تعالى أعلم.
نأتي للذي بعده:
43. تُسْتَعْمَــلُ الْقُـرْعَــةُ عِنْـدَ المُبْهَـمِ ... مِـنَ الحُقُــوقِ أَوْ لَـدَى التَّـزَاحُـمِ
رجل لقط لُقطة فيجب عليه أن يردها لمن يُعرِّفها، فعرَّفها اثنان بأوصافها، فأصبح صاحب هذه اللقطة مبهمًا، هذا أو هذا.
يقول:
43. تُسْتَعْمَــلُ الْقُـرْعَــةُ عِنْـدَ المُبْهَـمِ ... مِـنَ الحُقُــوقِ أَوْ لَـدَى التَّـزَاحُـمِ
صار فيه تزاحم: هذا أو هذا صاحب اللقطة، فأنا الذي عرَّف لي اللقطة التي وجدتُها عرَّفها لي اثنان وأصاب الاثنان، أنا مُلزم بأن أردَّها، لكن هي قطعًا ليست للاثنين، هي لواحد من الاثنين، فأنا أردَّها لِمن؟ عند تزاحم الحقوق، أو عند أن يكون المبهم هو صاحب الحق؛ فحينئذ: تأتي القُرعة.
القُرعة مشروعة في كتاب ربنا وحديث نبينا -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فالقُرعة مذكورة في آيتين من كتاب الله، في قوله عز وجل: {وإذْ يُلقون أقلامَهم أيُّهم يكفُل مريم}، والمراد بإلقاء الأقلام: القُرعة، وفي قول الله عز وجل عن يونس: {فساهمَ فكان من المدحَضين}.
والنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كان إذا سافر -كما تخبر عائشة في المتفق عليه- أقرع بين أزواجه، وحق السفر مع الزوج حق شخصي، يجوز للمرأة أن تتنازل عليه، لكن إن تزاحمت وكل امرأة أرادت أن تسافر مع زوجها؛ فكل واحدة لها الحق، فتزاحمت الحقوق ماذا يفعل الزوج؟ يبدأ بالقُرعة، يعمل القُرعة بين الزوجات.
وذكرتُ لكم فرقًا دقيقًا بين القُرعة والقِمار، وقديما بعضُ الناس لم يضبط الفرقَ بين القُرعة والقمار فقيل للإمام أحمد: هنالك رجل يقول القرعة قِمار؟ قال: إنه رجل سوء، يقول عما ثبت في كتاب الله وفي أحاديث رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قمار؟ إنه رجل سَوء.
الشرعُ إن أثبتَ الحقَّ لمجموعة من الناس ثم فصلت القرعةُ فيه؛ هذه هي القُرعة المشروعة.
وأما إن لم يثبت الحق لأحد، وإنما القُرعة هي التي تَمنح أو تمنع، هي التي تعطي أو تحرم؛ فهذا هو القِمار.
يعني: أصحاب اليانصيب المشتركون يأخذون بالقرعة وليس لهم حق سابق.
سفر الرجل مع زوجته: لكل زوجة حق، تزاحمت الحقوق، والحق ثابت، فالقرعة تفصل الحق الثابت، فإن لم يسبق القُرعةَ حقٌّ ثابت؛ فهذا هو القِمار، وأما إن سبق القرعةَ حقٌّ ثابت؛ فحينئذ: هذه هي القرعة الشرعية.
فالقرعة المشروعة يسبقها حق ثابت مشترك لمجموعة من الناس.
معاذ بن جبل ماتت زوجتاه في يوم واحد، ولكل منهما حق عليه في التكفين والتغسيل والدفن، فأقرع بينهما، عمل قرعة: من يُغسِّل قبل من؟ ويكفِّن من قبل من؟ ويدفن من قبل من؟
دخل ثلاثة من الناس المسجد الصف الأول، وجدوا فجوة واحدة، متسع لرجل واحد، هؤلاء الثلاثة لو كانوا متيقنين على فضل الصف الأول؛ لما قبِل واحد منهم أن يتنازل عن هذه الفجوة، ولاقترعوا بينهم.
ثلاثة تقدَّموا للأذان، ولا يوجد مؤذن راتب، لو هؤلاء يعلَمون فضل الأذان معرفةً شرعية كاملةً وافية تامة؛ لما قبِل أحدُهم أن يتنازل عن الآخر.
لذا قال النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لو يعلم الناسُ ما في التبكير والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهِمُوا -أي: يقترعوا- عليه لاقترعوا».
فلما تزدحم الحقوق، فلم تبق إلا القرعة؛ فالقرعة حينئذ مشروعة.
قال:
43. تُسْتَعْمَــلُ الْقُـرْعَــةُ عِنْـدَ المُبْهَـمِ ... مِـنَ الحُقُــوقِ أَوْ لَـدَى التَّـزَاحُـمِ
لما تتزاحم الحقوق فحينئذ نحن نستخدم القرعة لفصل هذه الحقوق، نفصل بالقرعة صاحب الحق من غيره، فالقرعة هذا مجالها.
الإمام ابن رجب في كتابه العظيم «القواعد» ذكر قاعدة القُرعة وأدخلها في جميع أبواب الفقه -من الطهارة إلى الميراث-، فكل أبواب الفقه أدخل فيها القُرعة، وأذكر فاته فرعان أو ثلاثة يسر الله لي أن استدركتُهما عليه في هوامش الكتاب.
فالشاهد أن القرعة مجالها لاحب، ومجالها واسع.
فالقرعة عند التزاحم أو تكون عند المُبهم، إيش المُبهَم؟ أنا أُبهِم عليه من أعطي هذا أو ذاك اللقطة.
رجل طلَّق زوجته، وعنده زوجات أربع، ولم ينوِ واحدة منهن، ما وقع النِّية، ووقع الطلاق، فعلى من يقع الطلاق؟ بالقرعة يقع الطلاق.
وهذه الصورة بخلاف صورة: رجل طلق ونوى امرأة بعينها ثم نسيها، فجماهير أهل العلم يقولون: لا يطأ واحدة منهن لأن الأصل في الفروج الحُرمة -كما ذكرنا في قاعدة سابقة- لا يطأ واحدة منهن حتى يغلب على ظنه أنه يريد فلانة من الأربع.
أما لو أنه طلق ولم ينوِ، وقال أنا ما نويت، وتيقن أنه لم يَنو، فحينئذ يصبح الآن إبهام، ما علِمنا مَن المطلَّقة، وهذا لا تتعين واحدة من الأربع إلا بالقرعة.
البيت الرابع والأربعون، يقول النَّاظم:
44. وَإِنْ تَسَـاوَى الْعَمَــلانِ اجْتَمَعَــا ... وَقُم بفِعْـل واحـدٍ فاسْـتَمِـعَـا
هذا البيت يُشرح على وجهين:
الوجه الأول: ما يسمى باختلاف التنوع.
فإذا وُجد وثبت عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في المحل الواحد فعلٌ فعلهُ على أكثر من وجه؛ فحينئذ نقوم بفعلِ واحدٍ، والأحسن أن نُنوِّع كما نوَّع النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
العبارات التي شُهرت وأشهرها شيخُ الإسلام في «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» أن الاختلاف: اختلاف تنوُّع واختلاف تضاد، وهذه العبارة وجدتُ أول من استخدمها ابن قُتيبة الدِّينَوَري -أديب أهل السنة، المتوفى سنة 276-.
اختلاف التنوُّع: مثل اختلاف دعاء الاستفتاح، النبي كان يقول في أدعية الاستفتاح أكثر من صيغة.
مثل اختلاف أذكار الركوع، وأذكار السجود: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، كان يقول: «سبحان ربي العظيم وبحمده» -يزيد-، «سبحان ربي الأعلى وبحمده»، أحيانا كان يقول في الركوع والسجود: «سبُّوح قدوس رب الملائكة والروح»، أحيانا كان يقول: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي»، فهذه الأفعال كلها تساوت، يقول:
(وَإِنْ تَسَـاوَى الْعَمَــلانِ) الأعمال والأقوال، ما قال: (الفعلان)، قلنا العمل يشمل الفِعلَ والقول، الفعل مقابله: قول، والعمل يكون فعلاً وقولا.
فإذا تساوت الأعمال، وكلها ثبتت في السُّنة، يقول: قُم بفعل واحدٍ (فاسْـتَمِـعَـا)، افعل واحدًا منها، والأحسن أن تُنوِّع كما نوَّع النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
النبي بعد الصلوات كان يُسبح عشرا، يقول: سبحان الله -عشرا-، الحمد لله -عشرا-، الله أكبر -عشرا-، يقول: سبحان الله -إحدى عشر-، الحمد لله -إحدى عشر-، الله أكبر - إحدى عشر-، يقول: سبحان الله -ثلاثا وثلاثين-، الحمد لله -ثلاثا وثلاثين-، الله أكبر -ثلاثا وثلاثين-، تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وكان يقول تارة: الله أكبر -أربعًا وثلاثين-، وكان تارة يقول: سبحان الله -خمسا وعشرين-، والحمد لله -خمسا وعشرين-، والله أكبر -خمسا وعشرين-، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير -خمسا وعشرين-.
طيب؛ أيها الأفضل من هذه الأمور الأربع، هذه الصيغ؟ الأفضل أن تُنوِّع كما نوَّع النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
واحد مدرِّس بعد الصلاة وقبل الدرس يقول: سبحان الله -عشرا-، الحمد لله -عشرا-، الله أكبر -عشرا-، ويجلس يدرِّس، فيجمع الخير.
إنسان صائم، عنده وليمة، مدعو، سبحان الله -عشرا-.. أو إحدى عشر ويمشي.
إنسان فارغ البال، ما عنده شيء، جالس، يجلس بهدوء يقول: سبحان الله -خمسا وعشرين-، والحمد لله -خمسا وعشرين-، والله أكبر -خمسا وعشرين-، لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير -خمسا وعشرين-، هذا أطول صِيغة، هذه الصيغة تأخذ أكبر وقت، فتحتاج لأطول وقت.
فأنت تنوِّع.
ويقول الحافظ ابن حجر في شرح كتاب الدعوات من «صحيح البخاري» في «فتح الباري» يقول: «اختلاف التنوُّع في الأذكار: له أثر على القلب كأثرِ اختلاف تنوُّع الطعام على البدن» البدن إن أكلتَ الطعام اللذيذ الطيب وأدمنتَ عليه مللتَه، وإن نوَّعتَ في الطعام بقيت لذتُه بين أسنانك -كما يقولون-.
فبعض الناس يقول لك: أنا في أول صلاتي كنتُ أجد خشوعًا، ثم فقدتُ هذا الخشوع؟ لأنك ما نوَّعت، بقيتَ تذوق طعمًا واحدا، وهذا الطعم طيب، لكنك أدمنتَ عليه، ويقولون: كثرة المساس تفقد الإحساس! فنوِّع.
إما أن هذا البيت يُحمل على هذا الوجه، ويحمل على وجه آخر الذي يسمى التداخل.
الشيء لا يريد شيئا لذاته، يريده لغيره، فتداخَلَ مع غيره، فلو فعلتَ واحدًا، فِعلٌ واحد بالنٍِّيّتين جائز:
44. وَإِنْ تَسَـاوَى الْعَمَــلانِ اجْتَمَعَــا ... وَقُم بفِعْـل واحـدٍ فاسْـتَمِـعَـا
الفعل الواحد تقوم بالنيَّتين.
مثل: الشرع أراد من تحية المسجد تعظيم المكان، ما أراد الركعتين لأنهما واجبتان لذاتهما، لذا: أجمع أهل العلم أن من دخل ووجد الإمام يصلي الفريضة يبدأ بالفريضة ولا يصلي تحية المسجد، ولا يقضي تحية المسجد؛ لأن المكانَ قد بدئ في حق الداخل فيه بالصلاة، فالشرع لا يريد تحية المسجد لذاتها، يريد تعظيم المكان، لذا من الحُسن للداخل أن يبدأ بالتحية قبل تحية الناس، وقبل الكلام مع الناس، ودل على ذلك حديث المسيئ صلاته، دخل فصلى فجاء فقال للنبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: السلام عليكم، فقال له النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «وعليكم السلام، ارجع فصلِّ فإنك لم تصلِّ».
يقول الإمام ابن القيم في الهدي في «زاد المعاد»: هذا الرجل بدأ بالتحية ثم سلم على النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فأدى حق المكان قبل حق الناس، قبل حق سيد الخَلق بالسلام.
فيحسن للقادم للمسجد أن لا ينشغل بالناس، يؤدي تحية المسجد أولا، ولكن تحية المسجد لا تُراد لذاتها وإنما تُراد لغيرها.
العِدة تُراد لذاتها؛ لذا العِدد لا تتداخل.
لو أن امرأةً تزوجت في عدتها؛ يفصل بينها وبين زوجها، وتعتد من الثاني بعد طلاقها، ثم تعود فتعتد من الأول، العِدد حق للزوج، حق للميت، لا تَقبل التداخل، بخلاف الأشياء الأخرى، بخلاف الحدود.
لو أن رجلا سرق، ثم قتَل، فقُبض عليه بعد قتله، إيش نعمل فيه؟ نقطع يده ثم نقطع راسه؟ ولا نقطع رأسه ويكفي؟ شو الفائدة من قطع اليد كما قال ابن مسعود؟ نقتُله ويكفينا قتلُه.
لو أن رجلا أفسد صومَه بوطء أهله، لو وطئ أهله أكثر من مرة في اليوم؟ إيش عليه؟ كفارة ولا كفارتان؟
طيب؛ أعيد السؤال:
رجل وطئ زوجته في يومين من رمضان، إيش عليه؟ كفارتان -قولا واحدا-.
طيب؛ وطئ مرتين في يوم؟ كفارة بإجماع؟ لا، بتفصيل.
إن وطئ وكفَّر ثم وطئ بعد التكفير في ذات اليوم؛ عليه كفارة جديدة.
وإن وطئ ولم يكفِّر ثم وطئ؛ فتجزئه الكفارة.
هذا يسمى التداخل.
رجل حلف على شيء واحد عدة مرات، إيش عليه؟ في مجلس واحد حلف عشرين مرة على شيء واحد؟ عليه كفارة واحدة.
طيب؛ حلف على شيء واحد في عدة مجالس، أيمان متعددة إيش عليه؟ فيه خلاف بين أهل العلم.
لكن لو حلف على شيئين منفصلَين؟ فعليه كفارتان، وهكذا في أشياء كثيرة مذكورة عند الفقهاء فيما يسمى عندهم بموضوع: التداخل.
نعيد قراءة البيت، فهمنا البيت على النحو الأول، نفهم البيت على النحو الثاني، يقول:
(وَإِنْ تَسَـاوَى الْعَمَــلانِ اجْتَمَعَــا)
العملان متساويان، يعني: تعظيم المكان والفرض حصل بالفرض، يقول: (وَقُم بفِعْـل واحـدٍ فاسْـتَمِـعَـا)..
طيب؛ رجل قَتل بسبب واحد فمات ثلاثة في حادثة واحدة، إيش الواجب عليه؟ لكل ولي دم من الثلاثة دِية، هذه ما تَقبل الاجتماع، كل صاحب دم، كل ولي دَم له دِيَة، لكن الخلاف بين الفقهاء: إذا اتحد سببُ القتل؛ فهل عليه كفارة واحدة في حق الله، يصوم ستة أشهر عن كل واحد شهران ولا شهران تجزئ؟ هذا مما وقع فيه الخلاف، الجماهير يقولون كذلك: عن كل واحد يصوم شهرين، وهذا لا يَقبل التداخل، والأعمال ليست من باب التداخل أبدا.
فهذه المسائل المرجِّحات فيها الفهم والنظر، وقلَّ أن نجد فيها الخبَرَ والأثر، وهذه على حسب الملَكات، لكن إذا الشرع ما أراد العمل لذاته وإنما أراد العمل لغيره؛ فحينئذ يقع التداخل -قولًا واحدا-.
البيت الذي بعده، يقول النَّاظم -في البيت الخامس والأربعين-:
45. وَكُــلُّ مَشْغُــولٍ فَــلَا يُشَـغَّـــلُ ... مِثـالُــهُ المَـرْهُــونُ وَالـمـُسَـبَّــلُ
هذه قاعدة دارجة على ألسنة الناس في عباراتهم، وفي شؤون حياتهم وهي مأخوذة من كلام الفقهاء، القاعدة تقول: المشغول لا يُشغَل.
المرأة إذا تزوجت لا يجوز أن يتزوجها غيرُ زوجها، والنبي يقول: «لا يخطب أحدُكم على خطبة أخيه» فالمرأة المخطوبة لا يجوز أن تُخطب، ويقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لا يَبِعْ أحدُكم على بيع أخيه» السلعة إذا بيعت و»البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا» وتم الاتفاق، فلا يجوز لآخر أن يأتي ويبيع على سلعة أخيه.
فمتى كانا العقدان في محل واحد، في مكان واحد، في جهة واحدة؛ فهذا العقدُ لا يَقبل أن يُعقد عقد آخر في محله، في مكانه، في جهته، ولكن: إذا كان في محله ولكن على غير جهته وإنما من جهة أخرى؛ فلا حرج، ولا ينطبق قاعدة: (المشغول لا يُشغَل) عليه.
مثلا: رجل عقد على امرأة فخطبها، فعقدت هذه المرأةُ عقدا مع مدرسة لتدرِّس فيها، فهذا عقد في محل واحد، لكن على جهة أخرى، وليس على جهة واحدة، فعقدُها في التدريس لا يجعل عقدَها في الخِطبة يمنعها من أن تعقد عقدًا على التدريس؛ لأن الممنوع إجراء عقدَين في محل واحد، في مكان واحد، في جهة واحدة، فإن تعددت الجهة؛ جاز أن يُعقد أكثر من عقد.
بيع العربون: من جهتين، ليس من جهة واحدة، عقدان من جهتين مختلفتين، وبيع العربون جائز، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد، الأئمة الثلاثة يمنعون بيع العربون، الإمام أحمد يجوِّز، الأئمة الثلاثة يعتمدون على حديث: «نهى النبي عن بيع العُربان»، وقد بوَّب الإمام ابن ماجه في «سننه»، في كتاب التجارات، باب النهي عن بيع العُربان، والحديث صحيح لم يثبت عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وصحَّ أن عمر اشترى دارًا بالعربون وجعلها سجنًا.
فبيع العربون لا حرج فيه على أرجح الأقوال، فقد يتم البيع مع العربون، وهذا لا يمنع، هاتان جهتان، عقدان في محل واحد على جهتَين مختلفتين، إن تم البيع حُسب من الثمن، وإن لم يتم فهذا عقد آخر على جهة أخرى، فالمشغول لا يُشغَل.
يقول النَّاظم:
45. وَكُــلُّ مَشْغُــولٍ فَــلَا يُشَـغَّـــلُ ... مِثـالُــهُ المَـرْهُــونُ..
إن رهنتَ أرضا على أرض، فإن أخذت قرضا آخر لا يجوز لك أن ترهن المرهون.
(وَالـمـُسَـبَّــلُ): المُسبَّل: الوقف، فلو أوقفتَ بناءً على الفقراء، فلا يجوز أن توقفه على العلماء، فالشيء الذي يوقف لوجه الله لجهةٍ لا يكون هذا المكان بعينِه بوقتِه، الموقوف لا يوقَف، والمرهون لا يُرهن؛ لأن المشغول لا يُشغل.
فالمشغول في الشرع لا يُشغل.
البيت الذي بعده يقول فيه النَّاظم:
46. وَمَـنْ يُـؤَدِّ عَـنْ أَخِـيــهِ وَاجِـبَــا ... لَــهُ الـرُّجُـوعِ إِنْ نَـوَى مُـطـالِبَــا
هذا في حقوق العباد وليس في حقوق الله، وهذا يسمى الإحسان الإلزامي.
أخي غاب، وله عائلة، واحتاج أولادُه، فأنفقتُ عليهم النفقة الواجبة اللازمة لأولاده، فأنا إن نويتُ أن أطالبَه بالنَّفقة، واللهُ يعلم من قلبي أني أُنفق عنه وأنا أنوي مطالبتَه؛ فيجب عليه شرعًا أن يعطيني ما أدَّيتُ عنه من واجب، يقول:
(وَمَـنْ يُـؤَدِّ عَـنْ أَخِـيــهِ وَاجِـبَــا ... لَــهُ الـرُّجُـوعِ) فيما أدى، بشرط: (إِنْ نَـوَى مُـطـالِبَــا) إن نويتَ المطالبة.
طيب؛ أنا أدَّيتُ عنه والله يعلم في نيَّتي أني أحسن إليه، أني أتصدق عنه، أقول: ما أدري حال أخي، لعل أخي في ورطة ماليَّة، في أزمة، فأنا الله متفضل ومُنعم علي، أنفقُ على أولاده احتسابًا وأجرًا، فلا يجوز لي شرعًا أن أطالبَه، وهذه صورة من صوَر القاعدة الأولى التي تنص تقول أن الأعمال بالمقاصد، الأعمال بمقاصدها.
حقوق الله لا يجوز فيها أن تؤدي عني دون علمي؛ لأن حقوق الله تحتاج لنية.
يعني واحد يقول: والله يا أبا عبيدة! أنا أديت عنك زكاة مالك، ما تؤدي زكاة المال! -وأنا ما أدري- والله أنا أعطيني الزكاة التي دفعتُها عنك! دفعتَ زكاة مالي دون أن تخبرني!
لكن لو كان لي شريك لي مال عنده، وشريكي قال لي: ترى يا أبا عبيدة أنا أريد أن أزكِّي مال الشركة، واستأذنني [...] وقلتُ له: زكِّ مال الشركة، فلما أجلس أتحاسب أنا وإياه فيظهر ربح كل واحد، فيخصم عليَّ الزكاة، يقول: أنت حقك عشرون ألفا في الربح، أديتُ عنك زكاة خمسة آلاف، فأنت تفضل 15 ألفا. هذا حقه.
لكن أن يؤدي عني الزكاة دون أن يخبرني ويقول لي: ترى ربحنا في الشركة عشرون ألفا، وأنا أديتُ عنك خمسة آلاف زكاة؛ لا، أعطني العشرين ألفا، وأنا الزكاة لا تُجزئ ولا تسقط عن ذِمتي إلا بِنِيَّتي، حقوق الله في العبادات تحتاج لنِيَّة مني قبل أن أؤديها، ومن غير نِيَّة لا تبرأ ذمتي، أما إن أدَّيتَ عني واجبًا من الواجبات التي تتعلق بذمتي في الدنيا من الدَّين..
واحد لسانه طويل، لا يتقي الله، يتكلم كلاما كثيرا، يقول: أنا مديون لفلان، والدَّين له أجل، مثلا لنقلْ الدَّين شهر 10، ومن شهر 8 بدأ يطلق الصواريخ والكلام البذيء والشيء السيئ، فليَ صديق حبيب قال: إيش مالك؟ ماذا تريد من أبي عبيدة؟ قال: أنا لي عنده ألف دينار وما أعطاني ألف دينار. والدَّين بعده ما حلَّ، يعني هو بدأ يتكلم من شهر 8، والدَّين يحل في شهر 10، فأعطاه الألف دينار الدَّين، فيُنظر في نِيته، إن نوى أن يطالبني بشهر عشرة يجب علي أن أعطيه الدَّين، هذا دَين حق البشر، هذا حقوق الناس، وليست هذه في حق الله.
كذلك حقوق العباد في النفقة، قصَّرتُ في نفقة أولادي، غبتُ عن أولادي، فأنفَق على أولادي من بعدي، أنفقَ على عمالي، أنفقَ على مصلحتي، دفع استئجار محلاتي التي استأجرتُها في مصالحي؛ فأنا يجب عليَّ شرعًا أن أؤدي إليه، لكن بشرط أن ينويَ حال الدفع أن يُطالب، فإن لم ينوِ المطالَبة فهذا إحسان منه إلي.
البيت الأخير في المنظومة -وبعدها ختم ببيتَين فيهما الحمدلة والصلاة على النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، بيت مهم، يقول فيه النَّاظم:
47. وَالْـوَازِعُ الطَّبْعِـي عَـنِ الْعِصْيـانِ ... كَـالـوَازِعِ الشَّـرْعِـي بِـلَا نُـكْـرَانِ
الوازع الطبعي كالوازع الشرعي، هذه القاعدة.
لا إله إلا هو سبحانه، له الخلق وله الأمر، الله الذي خلق هو الذي أمر، هو الذي شرعَ سبحانه، ففي أشياء تنفر منها الطِّباع؛ فهي حرام بالوازع الطبعي، الوازع الجِبلي، الوازع الموجود في صدور الناس، واعظ الله الذي وضعه في القلوب، فالوازع الذي في قلوب الناس كالوازع الشرعي.
إلا أن هنالك فرقا دقيقا بين الوازع الشرعي والوازع الطبعي: فالوازع الشرعي قد تميل إليه النفوس فنفَّر الشرعُ منه بالحدود، وأما الوازع الطَّبعي فالنفوس السويَّة لا تَقبَلُه فلم يجعل الله فيه الحدَّ.
الوازع الطبعي لا حد فيه، الشيء الذي وُضع في النفس، وتنفر منه النفسُ؛ فهذا حرام، لكن ليس فيه حد.
أضرب لكم أمثلة: الخمر فيه حد، الخمر وأكل الحشيش كما ذكرنا: (وكل حُكم دائرٌ مع عِلَّته).
طيب؛ أكل الرَّوث والغائط وشرب البول، إيش هذا؟ هذا النفوس تَنفر منه، لذا الشرع ما جعل فيمن شرب بولًا بأن وضع له حدًّا، ما وضع الحد، ليش ما وضع حدا في شرب البول مع أنه أشد من الخمر؟ لأن النفسَ تنفر منه.
طيب؛ من قتَل قتيلا، رجل ميِّت، فجاء آخر فقطع رقبته وهو ميِّت، هذا ما فيه حد، لكن في طبع الإنسان أن الميت يُرحم حتى لو كان عدوًّا، فلم يجعل اللهُ حدًّا في حق مَن فعَل فِعل قتلٍ في حق من مات.
وكذلك فيمَن زنا في امرأة ميتة، رجل رأى ميتة فزنى بها، أولج ووقعت شروط الزنا، إيش عليه هذا؟ آثم، لكن هل عليه حد الزنا؟ الجواب: لا؛ لأن هذا حرام بالوازع الطَّبعي، وليس حراما بالوازع الشرعي.
طيب؛ هل يُشترط فيمن يُقر على نفسِه بحدٍّ، هل يشترط في حقه العدالة؟ الأصل فيمن يُقر على غيره أنه فعلَ حدًّا من الحدود -سرقة، شرب خمر- الأصل فيه أن لا تُقبَل إلا إن كان عدلًا، طيب؛ هل يُشترط فيمن يُقر على نفسِه أن يكون عدلًا؟ لا؛ لماذا؟ لأن الوازع الطبعي يمنع الإنسانَ أن يُقر على نفسِه بحدٍّ، الإنسان فيه عنده وازع يمنعه أن يقر أن يقول أنا فعلتُ الكبيرة الفلانية التي يترتب عليها الحد الفلاني، فالوازع الطبعي عنده يمنعه أن يكذب، فإن أقرَّ نَقبَل إقرارَه مع فِسقه، نَقبل إقراره مع عدم عدالته.
هل يَلزم في حق من أقامه مقام نفسِه بالوكالة أن يكون عدلًا؟
يعني: أنا إن أردتُ أن أقيم رجلا مقام نفسي فأعطيه وكالة عامة يقوم عني بالبيع والشراء إلخ، هل يلزم أن يكون عدلًا؟ الجواب: لا، لأن الإنسان بطبعه لا يَقبَل أن يُقيم مقامَه من يأكل مُلكَه، الإنسان بطبعه إذا أراد أن يُقيم رجلا مقام نفسِه فلا يَلزم منه أن يكون فاجرا أو أن يكون غير أمين، هو يحتاط.
فالوازع الطبعي الموجود في نفوس الناس من الحرص على أشيائهم والحرص على مصالحهم والحرص على دنياهم اكتفى به الشرعُ، فلم يُلزم الشرعُ توفُّر العدالة في حق مَن تُنيبه مقامَ نفسك.
فالوازع الطبعي يقوم مقام الوازع الشرعي.
وبهذه القاعدة ختم النَّاظم رحمه الله تعالى منظومته، ولم ينسَ في النهاية كما أنه بدأ بحمدِ الله سبحانه في البدايات فإنه أيضا ختم بالحمد فقال:
48. وَالـحَـمْــدُ للـهِ عَـلـَى التَّـمَــامِ ..
فنحمد الله عز وجل أن أعاننا وأتممنا نظم هذه المنظومة -يقول النَّاظم-.
ونحن نقول: الحمد لله الذي أعاننا أن شرحنا وأتممنا شرح هذه المنظومة (في البدء)، فحمدناه في البدء، ونحمده سبحانه في الختام، ونحمده سبحانه على الدوام.
وكما ذكرتُ لكم: أعظم كلمة وأحب كلمة يقولها الإنسان يحبها الله: (الحمد لله)، لذا أهل الجنة وهم في الجنة يُقلبون، كل يوم تزداد النعمُ عليهم، تزداد لذتُهم في الجنة، فيقلِّبون ماذا يفعلون، ماذا يقولون، كيف يؤدون هذا الحق الذي أعطاهم الله إياه، فكما قال الله عز وجل: {وآخرُ دَعواهُم أن الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين} آخر دعوى أهل الجنة: (الحمد لله) لأن كما يقول أهل العلم يقولون: أعظم كلمة وأحب كلمة إلى الله: (الحمد لله)، يقول النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أفضل الدعاء: (الحمد لله)»، فـ(الحمد لله) أحب إلى الله من (سبحان الله)، وأحب إلى الله من (الله أكبر).
أفضل الكلام: (لا إله إلا الله)، ولذا النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- يقول: «أفضل ما قلتُ أنا والنبيُّون من قبلي» أفضل الذِّكر وأفضل الدعاء «لا إله إلا الله» أفضل الذِّكر، «وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد» وهو أفضل الدعاء، فأفضل الكلام: ما جمَع بين أفضل الذِّكر وأفضل الدُّعاء، قال: {وآخرُ دَعواهُم أن الحمدُ للهِ} فـ(الحمد لله) دعاء، لكن دعاء ثناء، فالدعاء قسمان: دعاء ثناء، ودُعاء مسألة، فـ(الحمد لله) دعاء ثناء، وأحب القسمَين إلى الله: دعاء الثناء، وأحب دعاء الثناء إلى الله: (الحمد لله).
فيقول النَّاظم:
48. وَالـحَـمْــدُ للـهِ عَـلـَى التَّـمَــامِ ... فـِي الْـبَـدْءِ وَالـخِـتـامِ وَالــدَّوامِ
49. ثُـمَّ الصَّــلاةُ مَـعْ سَـلامٍ شَـائِــعِ ...
فكذلك صلَّى وسلم على النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وبيَّنا في الأول ما معنى الصلاة والسلام على النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
عَلَى النَّبِــي وَصَحْـبِــهِ وَالتَّـابِــعِ
ولم يذكر الآلَ في الختام، وذكرهم في البدء؛ لأن (الآل) في الختام يدخلون مع قوله: (وَالتَّـابِــعِ)، فيشمل التابع الذي يتبع هؤلاء هم (الآل)، وآل الرجل: أتباعُه، وإذا ذُكر الآل فقط مع الأصحاب يكون المراد بهم هم الذين تَحرم عليهم الصدقة، وإلا الأصل في (الآل) الأتباع.

بذا نكون -ولله الحمد والمنة- قد فرغنا من شرح هذه المنظومة، ونحمد الله سبحانه وتعالى على ذلك.


انتهى (الجزء الثاني).

تفريغ : أم زيد

من هنـا تجميع روابط الدروس المفرَّغة


وبهذا انتهيت -بحمد الله ومنَّته- من تفريغ هذه السلسلة الطيبة، وأسأل الله أن يجزي الناظم والشارح خير الجزاء، وينفع بهما وبعِلمهما، وأعتذر للجميع عن أي نقص أو خطأ في التفريغ، وأستغفر الله وأتوب إليه.



وَالـحَـمْــدُ للـهِ عَـلـَى التَّـمَــامِ ... فـِي الْـبَـدْءِ وَالـخِـتـامِ وَالــدَّوامِ

ثُـمَّ الصَّــلاةُ مَـعْ سَـلامٍ شَـائِــعِ ... عَلَى النَّبِــي وَصَحْـبِــهِ وَالتَّـابِــعِ
الرابع عشر الجز الثاني
وبهذا ينتهي تفريغ هذا الشرح ، جزى الله خيراً من قام بهذا التفريغ وجعله في ميزان حسناتهم...


-----------
ومن هنا لتحميل "شرح المنظومة.." -كاملًا- على ملف ( وورد ):
http://www.ballighofiles.com/umzayd/shar7-alqawa3id-mashhoor.doc
__________________
قال العلامة صالح آل الشيخ: " لو كان الفقه مراجعة الكتب لسهل الأمر من قديم، لكن الفقه ملكة تكون بطول ملازمة العلم، بطول ملازمة الفقه"
وقال: "ممكن أن تورد ما شئت من الأقوال، الموجودة في بطون الكتب، لكن الكلام في فقهها، وكيف تصوب الصواب وترد الخطأ"
"واعلم أن التبديع والتفسيق والتكفير حكم شرعي يقوم به الراسخون من أهل العلم والفتوى ، وتنزيله على الأعيان ليس لآحاد من عرف السنة ، إذ لا بد فيه من تحقق الشروط وانتفاء الموانع، حتى لا يصبح الأمر خبط عشواء ،والله المستعان"
رد مع اقتباس
  #20  
قديم 06-26-2012, 05:18 AM
عمر الزهيري عمر الزهيري غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2012
المشاركات: 2,010
افتراضي

جزاكم الله خيرا ونفع بكم وبكم من أعان على هذا العمل الرائع.
ليتكم تضعون كل ما لديكم في ملف ورد حتى نحمله بوركتم.
ولدي سؤال بوركتم ليتكم توصلوه للأخت أم زيد وهو أني وجدت سلسلتين احدها صوتية في موقع الشيخ مشهور والأخرى صوت وصورة في اليوتيوب فأيهما قامت بتفريغه ولماذا؟
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:18 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.