أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
25945 72004

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر الفقه وأصوله

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-20-2009, 09:31 AM
أبو مصعب السلفي المغربي أبو مصعب السلفي المغربي غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Apr 2009
الدولة: المغرب
المشاركات: 463
افتراضي أقوال أهل العلم في مسألة قنوت الوتر

معني القنوت والمقصود به

جاء في لسان العرب مادة ( قنت ) ما نصه بتصرف يسير :
قنت : القنوت الإمساك عن الكلام وقيل الدعاء في الصلاة .
و القنوت الخشوع والإقرار بالعبودية والقيام بالطاعة التي ليس معها معصية وقيل القيام وزعم ثعلب أنه الأصل وقيل إطالة القيام وفي التنزيل العزيز وقوموا قانتين قال زيد بن أرقم كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت وقوموا قانتين فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام فأمسكنا عن الكلام فالقنوت هاهنا الإمساك عن الكلام في الصلاة .
وروي عن النبي  أنه قنت شهرا في صلاة الصبح بعد الركوع ، يدعو على رعل وذكوان وقال أبو عبيد أصل القنوت في أشياء فمنها القيام وبهذا جاءت الأحاديث في قنوت الصلاة لأنه إنما يدعو قائما وأبين من ذلك حديث جابر قال سئل النبي  أي الصلاة أفضل قال : ( طول القنوت ) يريد طول القيام ، ويقال للمصلي قانت ، وفي الحديث ( مثل المجاهد في سبيل الله ، كمثل القانت الصائم ) أي المصلي وفي الحديث ( تفكر ساعة خير من قنوت ليلة ) وقد تكرر ذكره في الحديث ويرد بمعان متعددة كالطاعة والخشوع والصلاة والدعاء والعبادة والقيام وطول القيام والسكوت فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه .
وقال ابن الأنباري : القنوت على أربعة أقسام الصلاة وطول القيام ، وإقامة الطاعة والسكوت ، و القنوت الطاعة هذا هو الأصل ، ومنه قوله تعالى ، و القانتين ، و القانتات ثم سمي القيام في الصلاة قنوتا ، ومنه قنوت الوتر و قنت يقنته أطاعه ، وقوله تعالى { كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أي مطيعون ، و القانت المطيع ، و القانت الذاكر لله تعالى كما قال عزوجل {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }
وقيل القانت العابد والقانت في قوله عز وجل{ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِين َ}
وقال الجصاص في أحكام القرآن الجزء الأول :
وأما قوله عز وجل : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }فإنه قد قيل في معنى القنوت في أصل اللغة إنه الدوام على الشيء . وروي عن السلف فيه أقاويل , روي عن ابنعباس ، والحسن ، وعطاء والشعبي : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } ( مطيعين ) وقال نافع عن ابن عمر قال : القنوت طول القيام ) وقرأ {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أفضل الصلاة طول القنوت ) يعني القيام . وقال مجاهد : ( القنوت السكوت والقنوت الطاعة ) . ولما كان أصل القنوت الدوام على الشيء جاز أن يسمى مديم الطاعة قانتا , وكذلك من أطال القيام والقراءة والدعاء في الصلاة أو أطال الخشوع والسكوت , كل هؤلاء فاعلوا القنوت . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قنت شهراً يدعو فيه على حي من أحياء العرب ) والمراد به : أطال قيام الدعاء . وقد روى الحارث بن شبل عن أبي عمرو الشيباني قال : ( كنا نتكلم في الصلاة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }فأمرنا بالسكوت ) فاقتضى ذلك النهي عن الكلام في الصلاة .
وقال ابن العربي في أحكام القرآن الجزء الأول :
{ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }اعلموا وفقكم الله تعالى أن القنوت يرد على معان , أمهاتها أربع : الأول : الطاعة قاله ابن عباس .
الثاني : القيام قاله ابن عمر , وقرأ : {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ }وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصلاة طول القنوت ) .
الثالث : إنه السكوت قاله مجاهد . وفي الصحيح قال زيد : " كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }فأمرنا بالسكوت " .
الرابع : أن القنوت الخشوع . وهذه المعاني كلها يصح أن يكون جميعها مرادا ; لأنه لا تنافر فيه إلا القيام فإنه يبعد أن يكون معنى الآية : وقوموا لله قائمين , إلا على تكلف . وقد صلى ابن عباس الصبح وقنت فيها , فلما فرغ منها قال : هذه هي الصلاة الوسطى وقرأ الآية إلى قوله تعالى : { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ }والصحيح رواية زيد بن أرقم ; لأنها نص ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلتفت إلى محتمل سواها .
إذاً : القنوت يرد بمعان متعددة كالطاعة ، والخشوع ، والصلاة ، والدعاء والعبادة والقيام ، وطول القيام ، والسكوت ، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه ، والذي يهمنا هنا أن القنوت في الوتر المقصود به الدعاء .
ثبوت القنوت في الوتر من عدمه وذكر أحاديث القنوت في الوتر والإشارة اليسيرة إلى ما قيل فيها
توطئـة :
قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد : "ولم يحفظ عنه  أنه قنت في الوتر إلا في حديث رواه ابن ماجة" وساق سنده وفيه: "كان يوتر فيقنت قبل الركوع" .
ونقل ابن القيم عن الإمام أحمد رحمه الله أنه قال : "لم يصح عن النبي  في قنوت الوتر قبل أو بعد شيء" وعندما سأله محمد الكحال في قنوت الوتر قال: "ليس يروى فيه عن النبي  شيء...".
وقال الألباني رحمه الله ، في كتابه (صفة الصلاة) :"وكان  يقنت أحيانا، وإنما قلنا أحياناً لأن الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه فلو كان الرسول  يفعله دائماً لنقلوه جميعاً عنه...".
فأقول : والذي يطالع حديث عائشة رضى الله عنها ، الذي في البخاري ومسلم وحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه ، في صلاة الرسول  واجتماع الناس إليه وصلاتهم معه ثم عدم خروجه إليهم خشية أن يفرض عليهم كما في البخاري ومسلم ، يلحظ أن زيداً رضي الله عنه لم يذكر لنا أن الرسول  قنت بالصحابة في الأيام التي صلى بهم وحديث سعد بن هشام في مسلم(1) في وصف عائشة  لصلاة النبي لم تذكر القنوت أيضاً ، أو أن الرسول  قنت ، رغم ذكرها لدقائق الصلاة التي سئلت عنها...وغير ذلك من الأحاديث ، مما يجعلنا نقول إن همم الصحابة رضي الله عنهم ، تضافرت على نقل ما لم يكن يداوم عليه الرسول  إلى درجة أن ابن مسعود رضي الله عنه ، نقل لنا أن رسول الله  كان يسلم عن يمينه في الصلاة حتى يرى بياض خده الأيمن ، وعن يساره حتى يرى بياض خده الأيسر كما عند أبي داود ، والنسائي ، والترمذي ، فما بالك فيما هو أبين من ذلك ، مما تتظافر الهمم على نقله ، فلما لم ينقل استنبطنا عدم فعله.
وإذا ما تأملت ما ذكره الحسن ، أن أبي بن كعب رضي الله عنه ، أمّ الناس في رمضان فكان لا يقنت في النصف الأول ، ويقنت في النصف الآخر ، فلما دخلت العشر أبق ، وخلا عنهم ، فصلى بهم معاذ القاري كما ذكر ابن نصر المروزي ، علمت أن أبيا لم يقنت إلا خمسة أيام فقط ، وقد تقل ، وعلمت أيضاً أن فراره عنهم بحثاً عن الأفضل ولعله ليتم صلاته في بيته لأفضلية ذلك.
قال ابن القيم في الزاد :"والرواية عن النبي  في قنوت الفجر أصح من الرواية في قنوت الوتر" كما في زاد المعاد.
ومع ذكر ما تقدم إلا أن السلف رحمهم الله ، اختلفوا في ذلك ، وتنازعوا في مشروعية القنوت في رمضان وغيره ، ونزاعهم مبني على اختلافهم في الأحاديث الواردة بهذا الشأن ، كحديث ابن ماجة السالف الذكر الذي ذكره ابن القيم ، وحديث الحسن الذي في المسند والسنن الأربع ، وكلا الحديثين قد تكلم فيهما أهل العلم من بين مضعّف ومصحح ، ونقل ذلك الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير.
وليُعلم أن حديث الحسن أصح من حديث ابن ماجة الآنف الذكر ، حيث ضعّفه البيهقي ، وقبله الإمام أحمد بن حنبل ، وابن خزيمة ، وابن المنذر ، وقال الخلال عن أحمد: "لا يصح فيه عن النبي  شيء".
وبالنسبة لحديث الحسن فإن الذين صححوه ردوا الزيادة التي تفرد بها أبو إسحاق عن بريد بن أبي مريم وتبعه ابناه يونس وإسرائيل وهي "في قنوت الوتر"، ومن الذين ردوا هذه الزيادة ابن خزيمة وابن حبان وقال الآخِر :"رواه شعبة وهو أحفظ من مأتيين من مثل أبي إسحاق ، وابنيه فلم يذكر فيه القنوت ، ولا الوتر ، وإنما قال: "كان يعلمنا هذا الدعاء" كما في تلخيص الحبير.
وقد ذكر الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله في كتابه ( الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين ) أن الدارقطني ألزم البخاري ، ومسلماً بإخراج حديث الحسن دون الزيادة المذكورة.
وعلى العموم فإن مدار الأمر في قنوت الوتر وأحاديثه تدور تقريباً على ستة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين ، وهم على بن أبي طالب ، وعبدالله بن عباس ، وعبدالله بن مسعود ، وعبد الله بن عمر ، وأبي بن كعب ، والحسن بن على رضي الله عنهم .
وسوف أبين هذه الأحاديث ، وما فيها باختصار شديد ، وبأسلوب سهل ممتنع لا يصعب على المبتدئ في طلب العلم ، ولا يمجه طالب العلم ، فما ترك السابق للاحق شيء ، وما اللاحق إلا عالة على السابق ، إلا أن يشاء الله ، فماذا عساي أن أفعل سوى أن أنقل ما سطره جهابذة أهل العلم السابقين ، وأجمعه مختصراً له ، ليسهل على العاجزين من أمثالي تحصيله بيسر وسهولة .
قلت ذلك لعلمي أن هناك نزر ليس باليسير سوف ينقد هذا الاختصار ، وربما وصفه بأنه اختصار مخل ، وله ذلك ، إذ ليس أحد حجة على أحد ، إلا كتاب الله ، وما صح من سنة رسول الله  .
هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، قناعتي الأكيدة ، والتي تزداد يوماً بعد يوم في أن المحققين المتأخرين عالة على المتقدمين ، ورأس ما يفعله المتقدم في التحقيق ، هو جمع طرق الحديث ، ورواياته ، والبحث عن رجاله ، ليتوصل إلى ما توصل إليه المتقدمون ، بل من الجهل ، أن يقوم الإمام علي بن المديني ، أو أحمد ، أو الدارقطني ، أو الترمذي ، أو غيرهم بالحكم على رجل ، فيجنحوا إلى تضعيفه ، أو توثيقه ، ثم يأتي أحد المتأخرين في هذا العصر فيخالفهم في ذلك ، ويريد من الأمة أن تأخذ برأيه .!!
عجباً عجباً ، أيترك قول من عاشر الرجل المحكوم عليه ، بتضعيف ، أو توثيق وأكل ، وشرب معه ، وقابله ، وعامله ، وخالطه وعرفه حق المعرفة ، أو خالط وعرف من حكم عليه حق المعرفة ، ويذهب إلى قول من أتى بعد الرجل المحكوم عليه بتضعيف أو توثيق ، بمئات السنين ، سبحانك هذا بهتان عظيم .
إن قول ابن حبان صحيح أو ضعيف ، مقدم على مئات الأقوال ، الصادرة من المتأخرين ، حتى وإن قالوا ابن حبان متساهل في ذلك ، فلا تقبل منهم هذه الكلمة على ابن حبان ، لأنهم ليسوا ممن بدأها وعرفها إنما هم ناقلون ، ولكن تقبل ممن عاصر ابن حبان رحمه الله ، وممن حكم عليه من السلف ، وأما الخلف فهم نا قلون كما قلت ، فالنقل عن الناقل أمر مزعج أحياناً ، إن لم يكن دوماً .
فالسلف ، حفظوا فحكموا ، والخلف اقتنوا جهاز ( الحاسب ) فحكموا وغَلّطوا السلف فشتان بين الثرى والثريا ، وبين من شيخه العلماء ، وبين من شيخه ( حاسبه ) ومتى كان من ذوي الجرح والتعديل ، وتقويم الرجال ، والحكم عليهم ، من كان شيخه حاسبه كما قال صاحب الطلائع حفظه الله تعالى ، وعلى كل حال يصل الباحث الجديد إلى نتيجة قد سبق إليها بقرون ، ويدعى أنه هو صاحبها وفارسها ، ويا ليته يبدأ من حيث انتهى السابقون ، بل ينتهي حيث بدأ السابقون وللأسف .
لذا ولغيره مما لم أذكره ، آثرت الإختصار ، بالإشارة إلى من حكم على الحديث من المتقدمين ، جهابذة العلماء ، فما عسى أن أقدم بعدهم ، سوى التلصص على كتبهم والإفادة منها ، وإظهار فائدتها للآخرين ، والله المستعان وعليه التكلان .
فنبدأ أولاً : بحديث علي وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في آخر وتره ( اللهم إني أعـوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعـوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) قال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
والحديث عند الإمام أحمد ، وأصحاب السنن ، وعند البخاري في التاريخ الكبير ورواه البيهقي في السنن الكبرى والصغرى ، وأورده الدارقطني في علله ، و قد تكلم بعض أهل العلم في بعض رواياته ، وطرقه ، وقال الشوكاني في النيل ما نصه : وأما حديث علي المذكور , فأخرجه أيضا البيهقي ، والحاكم وصححه مقيدا بالقنوت ، وأخرجه الدارمي وابن خزيمة ، وابن الجارود ، وابن حبان في كتبهم ، وليس فيه ذكر الوتر , وفي الباب عن علي حديث آخر عند الدارقطني بلفظ ( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر ) وفي إسناده عمرو بن شمر الجعفي أحد الكذابين الوضاعين , وعن أبي بكر وعمر وعثمان عند الدارقطني أنهم كانوا يقولون ( قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الوتر , وكانوا يفعلون ذلك ) وفي إسناده أيضا عمرو بن شمر المذكور أ.هـ
والمحصلة أن هذا الحديث صحيح كما قال الحاكم رحمه الله ، ولا شك في كلام الحاكم ، فإن أصل الحديث عند مسلم في كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود كما سيأتي بعد قليل ، وعلى صحة الحديث فإن الاحتمال وارد عليه ، وهو احتمال كون المقصود آخر وتره ، نهاية الصلاة ، أو قبل نهايتها بيسير ، أو في السجود وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال على رأي بعض أهل العلم ، فليس كل احتمال معتبر ولكن الاحتمال إذا بني على دليل صحيح فهو معتبر، كما سيأتي الآن .
لذا قال صاحب تحفة الأحوذي ما نصه : قوله كان يقول في وتره ، وفي رواية أبي داود ، وابن ماجة في آخر وتره ، قال القاري :
أي بعد السلام منه كما في رواية قال : ميرك ، وفي إحدى روايات النسائي كان يقول إذا فرغ من صلاته ، وتبوأ مضجعه اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك ..... إلى آخر ما قال رحمه الله .
وأقول : يشهد لهذا القول حديث الإمام مسلم في كتاب الصلاة ، باب ما يقال في الركوع ، والسجود ، عن عائشة رضى الله عنها قالت : فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول ( اللهم إني أعـوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقـوبتك وأعـوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ) فهذا نص صحيح صريح يدل على أن هذا الدعاء كان الرسول يقوله في سجوده ، وهو عمدة في إيراد الاحتمال على المخالف الذي يقول بقنوت الوتر مستدلاً بحديث علي الذي مضى ذكره .
هذا بالنسبة لحديث علي بينت باختصار أن لا مستمسك فيه لمن يقول بقنوت الوتر .
الحديث الثاني : حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال : ( أوتر النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث يقنت فيها قبل الركوع ) أخرجه أبو نعيم في الحلية .
و عند محمد بن نصر المروزي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح بهؤلاء الكلمات )
قال الشوكاني في نيل الأوطار : وروى البيهقي عن ابن عباس وابن الحنفية أنهما كانا يقولان كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقنت في صلاة الصبح ، وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات ، وفي إسناده عبدالرحمن بن هرمز قال الحافظ وهو محتاج إلى الكشف عن حاله ، وقال ابن حبان : إن ذكر صلاة الصبح ليس بمحفوظ ، وقال ابن النحوي : إن إسنادها جيد ، وصرح الحافظ في بلوغ المرام أن إسنادها ضعيف , وأخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة بلفظ حديث الحسن  مقيدا بصلاة الصبح , وقال : صحيح . قال الحافظ : وليس كما قال وهو ضعيف ; لأن في إسناده عبد الله بن سعيد المقبري ولولاه لكان صحيحا , وكان الاستدلال به أولى من الاستدلال بحديث الحسن بن علي في قنوت الوتر وروى الطبراني في الأوسط من حديث بريدة نحوه , وفي إسناده كما قال الحافظ - رحمه الله تعالى - مقال .
من هنا يتبين لنا أن حديث ابن عباس رضى الله عنهما سنده ليس بالقوى ، ولا ينبغي أن يكون عمدة في الباب هذا باختصار شديد وتجنباً للإطالة ، إذ المراد بيان الطعن الذي وجه نحو حديث ابن عباس رضى الله عنهما .
الحديث الثالث : حديث ابن مسعود ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقنت في الوتر قبل الركوع ) والحديث عند ابن أبي شيبة في المصنف ، والدارقطني وفي إسناده أبان بن أبي عياش وهو ضعيف .
وفي الدراية تخريج أحاديث الراية قال : وفي الباب عن ابن مسعود  أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قنت في الوتر قبل الركوع ) أخرجه ابن أبي شيبة والدارقطني وفيه أبان وهو متروك ، وأخرجه الخطيب من وجه آخر ضعيف ، وأخرجه الطبراني من وجه آخر صحيح لكن موقوفا أن ابن مسعود كان لا يقنت في شيء من الصلوات إلا في الوتر قبل الركوع .
وقال أيضاً : وفي الطبراني من حديث ابن مسعود  قال صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر فما رأيت أحدا منهم قانتا في صلاة إلا في الوتر وفيه ضعف . أ.هـ
ولم أتعرض لرواية ابن أبي شيبة ، والدارقطني ، والبيهقي أنه صلى الله عليه وسلم " قنت قبل الركوع " لاحتمال أن يقصد قنوت النوازل .
وفي النهاية ، هذا الحديث مثل سابقه ليس حجة في محل النزاع لضعفه !!

الحديث الرابع : حديث عبدالله بن عمر رضى الله عنهما (أن النبي  كان يوتر بثلاث يجعل القنوت قبل الركوع ) أخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف ، قال ذلك صاحب الدراية وهو كما قال ، وأيد ذلك الشيخ عبد القادر الأرنؤوط ، وشعيب في تحقيقهما لزاد المعاد ، وعلى كل فالحديث مثل سابقه ليس حجة في محل النزاع لضعفه .

الحديث الخامس : حديث أبي بن كعب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ( قنت قبل الركوع ) أخرجه النسائي ، وابن ماجة من حديث أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان يوتر فيقنت قبل الركوع ) لفظ ابن ماجة وفي رواية النسائي ( كان يوتر بثلاث يقرأ في الأولى بسبح ......الحديث ) وفي آخره ( ويقنت قبل الركوع ) وذكره أبو داود تعليقا ، وذكر الاختلاف فيه على ابن أبزي ، وضعف أبو داود هذا الحديث ، ومن المتأخرين الشيخ عبدالقادر الأرنؤوط ، وكذا شعيب . فالحديث على كل حال ليس بحجة مثل سابقه ولكن هذا الحديث وما سبقه وما سيأتي بعده على ضعفها تقوي بعضها البعض ، وبمعنى أصح يشهد بعضها لبعض .

الحديث السادس : حديث الحسن  ، وهو مربط الفرس ( والصيد في جوف الفرى ) وهو عمدة من تمسك تأكيد سنية القنوت ، وفيه الحسن بن علي  قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر ( اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت تباركت ربنا وتعاليت ) رواه أحمد ، والأربعة ، وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني ، والبيهقي .
وهذا الحديث رواه عن الحسن ثلاثة وهم عائشة رضي الله عنها وأبي الحوراء وعبدالله بن علي بن الحسن .
أما الرواية التي عن عائشة عن الحسن  : ففي سندها عبد الله بن شبيب وهو أبو سعيد الربعي ، وهو ضعيف بل قال الذهبي عنه واه ونقل صاحب طبقات الحفاظ عن أبي أحمد الحاكم قوله عن عبدالله بن شبيب : ذاهب الحديث
وقال الألباني من المتأخرين رحمه الله في تخريجه لكتاب السنة لأبي عاصم : وهو كما قال الذهبي ، ومن فوق ثقات ، والحديث محفوظ من طريق بريد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء عن الحسن بن علي .
وللحديث هذا طريق آخر قال عنه الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، إلا أن محمد بن جعفر بن أبي كثير قد خالف إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة في إسناده .
والمحصلة أن هذه الرواية ضعيفة ومغموز في إسنادها .
وأما رواية أبي الحوراء عن الحسن : وهي العمدة في البحث ومن أشهر الروايات إلا أنها لم تسلم من الطعن ، وإليك ما قاله الحافظ ابن خزيمة رحمه الله قال : نا بندار ، نا محمد بن جعفر ، نا شعبة قال سمعت بن أبي مريم ، وثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني ، نا يزيد بن زريع ، نا شعبة ، وثنا أبو موسى ، نا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن بريد بن أبي مريم ، عن أبي الحوراء قال : سألت الحسن بن علي رضي الله عنهما علام تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : كان يعلمنا هذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت بمثل حديث وكيع في الدعاء ، ولم يذكر القنوت ، ولا الوتر ، وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق ، وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد ، أو دلسه عنه ، اللهم إلا أن يكون كما يدعي بعض علمائنا ، أن كل ما رواه يونس عن من روى عنه أبوه ، أبو إسحاق هو مما سمعه يونس مع أبيه ، ممن روى عنه ، ولو ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بالقنوت في الوتر ، أو قنت في الوتر لم يجز عندي مخالفة خبر النبي ولست أعلمه ثابتا أ.هـ
وقال الحافظ بن حجر رحمه الله :
رواه أحمد والأربعة ، وابن خزيمة وابن حبان ، والحاكم ، والدارقطني ، والبيهقي من طريق بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء عنه وأسقط بعضهم الواو من قوله وإنه لا يذل وأثبت بعضهم الفاء في قوله فإنك تقضي وزاد الترمذي قبل تباركت سبحانك ولفظهم عن الحسن رضي الله عنهماعلمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في قنوت الوتر ، ونبه بن خزيمة ، وابن حبان على أن قوله في قنوت الوتر تفرد بها أبو إسحاق عن بريد بن أبي مريم ، وتبعه ابناه يونس ، وإسرائيل كذا قال : قال : ورواه شعبة وهو أحفظ من مائتين مثل أبي إسحاق ، وابنيه فلم يذكر فيه القنوت ، ولا الوتر وإنما قال كان يعلمنا هذا الدعاء ، قلت ويؤيده ما ذهب إليه ابن حبان ، أن الدولابي رواه في الذرية الطاهرة له والطبراني في الكبير من طريق الحسن بن عبيد الله عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء به وقال فيه وكلمات علمنيهن فذكرهن ، قال بريد : فدخلت على محمد بن علي في الشعب فحدثته فقال : صدق أبو الحوراء هن كلمات علمناهن نقولهن في القنوت ، وقد رواه البيهقي من طرق قال في بعضها قال بريد بن أبي مريم ، فذكرت ذلك لابن الحنفية فقال إنه للدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر ، ورواه محمد بن نصر المروزي في كتاب الوتر أيضا وروى البيهقي أيضا من طريق عبد المجيد بن أبي رواد عن بن جريج عن عبد الرحمن بن هرمز ...... إلى آخر ما قال رحمه الله .
والحديث بهذه الرواية فيه كلام طويل يطول المقام بذكره ، إلا أن مدار هذا الكلام حول الزيادة التي فيها لفظة : ( في قنوت الوتر ) حيث تفرد بها أبو إسحاق عن بريد بن أبي مريم وتبعه ابناه يونس ، وإسرائيل ، وعلى العموم الحديث بهذا الوضع ليس فصلاً في محل النزاع مثله مثل غيره من الأحاديث المذكورة آنفاً . وأبي إسحاق متهم بالتدليس خصوصاً إن عنعن كما قال ذلك أهل الجرح والتعديل .
وأما الرواية عن عبدالله بن علي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما فهي عند النسائي ، والحاكم ، وابن حبان ، والطبراني ، ولكنها معلولة بالانقطاع ، لأن الصواب أن عبدالله بن علي لم يسمع من عمه الحسن بن علي رضي الله عنهما ، وعلى كلٍ فإن هذه الرواية ليست حجة في محل النزاع مثلها مثل سابقها .
ومع عدم قيام الحجة الناصعة في ثبوت قنوت الوتر ، إلا أن العلماء اختلفوا في ذلك ، كما سيأتينا الآن .
ذكر أقوال أهل العلم في ثبوت قنوت الوتر من عدمه وخصوصاً في رمضان

مما مضى ذكره يتضح لنا ضعف الأحاديث المثبتة لقنوت الوتر سواءً في رمضان أو غيره ، حيث لم يثبت أو يصح فيه حديث استقلالاً وإنما ما قيل وذكر من أحاديث تقوى بروافدها وطرقها وشواهدها _ تتقوى ولم أقل تثبت ـ وخير شاهد على ذلك خلاف العلماء رحمهم الله تعالى في الأحاديث المذكورة آنفاً ، خلافاً ليس باليسير أو المتقارب أو المتنوع ، بل خلاف تضاد في بعض جوانبه ، إن لم يكن كلها .
وعموماً أذكر أقوال أهل العلم في ثبوت القنوت ، وعدمه ، على ضوء قول الترمذي بعد سياقه لحديث الحسن :"ولا يعرف عن النبي  في القنوت شيء أحسن من هذا".
القول الأول: للحنفية والحنابلة :
قالوا بالقنوت في الوتر دوماً من غير فرق بين رمضان وغيره ونقل ذلك عن عمر وعلي رضي الله عنهما وحكاه ابن المنذر عن الحسن البصري والنخعي وغيرهم وقد أغرب بعض الحنفية وحكى وجوبه وهذا لاشك في بطلانه، وذلك لشبه الإجماع الذي حصل على عهد عمر رضي الله عنه حيث لم يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان في محضر من الصحابة رضوان الله عليهم فلم ينكر أحد كما ذكر ابن قدامة رحمه الله في المغني .
القول الثاني: وذهب إليه الشافعي وابن سيرين والزهري وهو مروي عن علي رضي الله عنه ، ورواية عن الإمام أحمد ، ونسب لمالك رحمه الله :
قالوا : لا يقنت إلا في النصف الأخير من رمضان لحديث أبي داود ، وفيه أن عمر رضي الله عنه ، جمع الناس على أبي بن كعب رضي الله عنه ، وكان يصلي لهم عشرين ليلة(1) ولا يقنت إلا في النصف الباقي من رمضان.
القول الثالث : للإمام مالك رحمه الله ،فيما حكاه النووي في شرح المهذب وهو وجه لبعض الشافعية على مشروعية القنوت في شهر رمضان دون بقية السنة.
وقلت فيما حكاه النووي ، لأن الإمام مالك اختلف النقل عنه ففي المدونة الجزء الأول في قنوت رمضان ووتره قال : وقال مالك في الحدث الذي يذكره : ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان , قال : ليس عليه العمل ولا أرى أن يعمل به ولا يقنت في رمضان لا في أوله ولا في آخره , ولا في غير رمضان ولا في الوتر أصلا قال مالك : والوتر آخر الليل أحب إلي لمن يقوى عليه . قلت لمالك : لقد كنت أنا أصلي معهم مرة فإذا جاء الوتر انصرفت فلم أوتر معهم انتهى .
لذا جاء في المنتقى شرح الموطأ الجزء الأول :
[ قوله ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان يريد بالناس الصحابة ومعنى ذلك أنهم كانوا يقنتون في رمضان بلعن الكفرة ومحل قنوتهم الوتر وعن مالك في ذلك روايتان : إحداهما : نفي القنوت في الوتر جملة وهي رواية ابن القاسم وعلي . والثانية : أن ذلك مستحب في النصف الآخر من رمضان وهي رواية ابن حبيب عن مالك ]
القول الرابع : وهو مروي عن عبدالله بن عمر وأبي هريرة وعروة رضي الله عنهم حيث كان ابن عمر لا يقنت فـي شيء من الصلاة كما ذكر ابن نصر المروزي وقال أبو الشعثاء الفقيه:"سألت ابن عمر رضي الله عنهما عن القنوت فقال: ما رأيت أحداً يفعله"، وذكر ابن المهزِّم قائلاً: صحبت أبا هريرة رضي الله عنه عشر سنين فما رأيته يقنت في وتره وكان عروة لا يقنت في شيء من الصلاة ، ولا في الوتر، وقال مالك: لم أسمع أن رسول الله  قنت ولا أحداً من أولئك وما هو من الأمر القديم وما أفعله أنا في رمضان ولا في غيره ولا أعرف القنوت قديماً، وقال : الحديث لم يصح ، يقصد حديث الحسن ، وقال والصحيح عندي تركه إذا لم يصح عن النبي فعله ولا قوله كما في الفتح الرباني.
القول الخامس: لطاووس رحمه الله ، حيث يرى أن القنوت في الوتر بدعة (1) نقل ذلك عنه الشوكاني في نيل الأوطار فتأمل ، وهو للمالكية في المشهور ، وهو رواية عن ابن عمر رضي الله عنهما : أنه لا يشرع القنوت في صلاة الوتر من السنة كلها , وعن ابن عمر : أنه لا يقنت في صلاة بحال , ومشهور مذهب مالك كراهة القنوت في الوتر . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى:"ورد فيه ثلاثة أقوال:
(1) لا يستحب بحال لأنه لم يثبت (2) يستحب (3) يستحب في النصف الأخير من رمضان ، ثم قال ـ رحمه الله ـ وحقيقة الأمر أن قنوت الوتر من جنس الدعاء السائغ في الصلاة فمن شاء فعله ومن شاء تركه(2)...إلى أن قال: وكذلك يخير في دعاء القنوت فإن قنت جميع الشهر فقد أحسن وإن قنت النصف فقد أحسن وإن لم يقنت بحال فقد أحسن".
ولو تأمل الإنسان هذا الخلاف لعلم حال الذين يصرون على دوام القنوت في رمضان أو في غيره.
والصواب والله أعلم ، وبعد التأمل في الأحاديث التي لا تخلو من مقال ، وبعد الإطلاع على أقوال أهل العلم المتعارضة ، وتأملها ، وأدلتها ، تميل النفس إلى ما ذهب إليه الألباني رحمه الله ، من فعله أحياناً(1) استئناساً بفعل الصحابة رضوان الله عليهم ، لأنه لا ينبغي أن يغفل عن فعلهم ، مع ملاحظة عدم المبالغة في الدعاء ، وتطويله ، وملاحظة العبث الذي يحدثه كثير من الأئمة ، الذين لا يرون دعاء ختم القرآن داخل الصلاة فيجعلون بصورة قنوت مخادعين أنفسهم ، أم الله ؟!! لا أدري !!!! فجزاهم الله خيراً على ترك بدعة دعاء ختم القرآن داخل الصلاة ، ولكنهم أخطاؤا في التحايل إذ صوروه صورة قنوت ، والله أعلم بالنيات ، فكانوا كمن صام طويلاً ، فأفطر على بصل()
وبعد هذا البيان الموجز ، أين إخواننا المصرين ، على سنية القنوت في الوتر سنية مؤكدة ، ألم يتأملوا خلاف العلماء ، المذكور آنفاً ، بل خلافهم فيما هو أدق ، وما ذكره البيهقي ، والنووي رحمهما الله في مسألة أفضلية صلاة الليل بالبيت سواء في رمضان أو غيره جماعة أو فرادى كما نقل ذلك صاحب المرقاة رحمه الله ، إضافة إلى فعل أبي بن كعب رضي الله عنه من الفرار عند دخول العشر كما ذكر ذلك محمد بن نصر في كتابه قيام الليل .
وما ذكره الطحاوي في شرح مشكل الآثار حيث قال : حدثنا أبو بكرة , قال : ثنا مؤمل , قال :
ثنا سفيان , عن أبي حمزة , عن إبراهيم , قال : لو لم يكن معي إلا سورة واحدة لكنت أن أرددها , أحب إلي من أن أقوم خلف الإمام في رمضان . حدثنا يونس وفهد قالا : ثنا عبد الله بن يوسف , قال : ثنا ابن لهيعة , عن أبي الأسود عن عروة ، أنه كان يصلي مع الناس في رمضان , ثم ينصرف إلى منزله , فلا يقوم مع الناس .
حدثنا أبو بكرة قال :
ثنا أبو داود , قال : ثنا أبو عوانة , قال : لا أعلمه إلا عن أبي بشر , أن سعيد بن جبير , كان يصلي في رمضان في المسجد وحده والإمام يصلي بهم فيه . حدثنا يونس قال :
ثنا أنس , عن عبيد الله بن عمر , قال : رأيت القاسم وسالما , ونافعا ينصرفون من المسجد في رمضان , ولا يقومون مع الناس . حدثنا ابن مرزوق , قال : ثنا أبو داود قال :
ثنا شعبة , عن الأشعث بن سليم , قال : أتيت مكة وذلك في رمضان , في زمن ابن الزبير فكان الإمام يصلي بالناس في المسجد وقوم يصلون على حدة في المسجد . بهؤلاء الذين روينا عنهم ما روينا من هذه الآثار كلهم يفضل صلاته وحده في شهر رمضان , على صلاته مع الإمام , وذلك هو الصواب . أ.هـ
هذا الخلاف في أفضلية الصلاة في البيت إذا كانت نافلة ، فضلاً عن الخلاف في ثبوت القنوت ، أو عدمه إضافة إلى فعل أبي بن كعب رضي الله عنه من الفرار عند دخول العشر كما ذكر ذلك محمد بن نصر في كتابه قيام الليل .

العلم في صيغة الدعاء والطريقة الواجب احتذاؤها وذلك لمن يرى القنوت وفيه خلاف أهل
تمهيـــد:
ومما ينبغي علمه قبل الدخول في الخلاف أن الإمام أحمد رحمه الله لما سئل عن فعل النخعي حيث كان لا يزيد في الدعاء أكثر من قدر سورة {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}
قال هذا قليل يعجبني أن يزيد ، فقيل له : تختار من القنوت شيئاً ، قال : ما جاء في الحديث فلا بأس به (1) .
وكان الحسن البصري رحمه الله كما في مصنف عبدالرزاق يدعو بالسورتين اللتين في مصحف أبي بن كعب رضي الله عنه (2) وبعد ذلك يدعو على الكفار ويدعو للمؤمنين ولا يزيد على هذا شيئاً، وكان بعض ممن يسأله عن الزيادة يقول : لا أنهاكم ولكن سمعت أصحاب رسول الله  لا يزيدون على هذا شيئاً ، ويغضب إذا أرادوه على الزيادة.
وذكر الكرخي رحمه الله تعالى : أن مقدار القيام في القنوت مقدار سورة{إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ}, لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه كان يقرأ في القنوت : اللهم إنا نستعينك ...... إلخ ) " اللهم اهدنا فيمن هديت ...... إلخ " وكلاهما على مقدار هذه السورة . وليس في القنوت دعاء مؤقت , كذا ذكر الكرخي في كتاب الصلاة لأنه روي عن الصحابة أدعية في حال القنوت , ولأن المؤقت من الدعاء يجري على لسان الداعي من غير احتياجه إلى إحضار قلبه ، وصدق الرغبة منه إلى الله تعالى , فيبعد عن الإجابة , ولأنه لا توقيت في القراءة لشيء من الصلوات , ففي دعاء القنوت أولى , وقد روي عن محمد بن الحسن أنه قال : التوقيت في الدعاء يذهب رقة القلب , وقال – أي الكرخي - بعض مشايخنا : المراد من قوله : ليس في القنوت دعاء مؤقت ما سوى قوله : " اللهم إنا نستعينك . " لأن الصحابة اتفقوا على هذا في القنوت , فالأولى أن يقرأه ولو قرأ غيره جاز , ولو قرأ معه غيره كان حسنا , والأولى أن يقرأ بعده ما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي رضي الله عنهما في قنوته " اللهم اهدنا فيما هديت إلى آخره ".
ومن لا يحسن القنوت بالعربية أو لا يحفظه , ففيه ثلاثة أقوال مختارة قيل : يقول " يا رب " ثلاث مرات , ثم يركع , وقيل : يقول : اللهم اغفر لي ثلاث مرات , وقيل : يقول : اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة , وقنا عذاب النار , قال ابن نجيم بعد أن ذكر الأقوال الثلاثة : والظاهر أن الاختلاف في الأفضلية لا في الجواز , وأن الأخير أفضل لشموله , وأن التقييد بمن لا يحسن العربية ليس بشرط , بل يجوز لمن يعرف الدعاء المعروف أن يقتصر على واحد مما ذكر لما علمت أن ظاهر الرواية عدم توقيته .. ... إلى آخر ما قال رحمه الله .
إضافة إلى ذلك ما مر معنا في حاشية الصفحة السابقة من نقل ابن القيم رحمه الله سؤالاً أورد على الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ مما يدل على أن من أجاز الزيادة - ولم أقل سنّ - على دعاء القنوت الوارد في حديث الحسن ، رغم إعلال أهل العلم للزيادة المذكورة آنفاً ، فإنما بما أثر عن السلف ، وتلقي بالقبول ، وكان مداره على الأحاديث الوادرة في عموم الدعاء من غير إطالة ، ولا تكلف كما هو هدي السلف ، وإليك الآن الخلاف الوارد في ذلك:
(1) ذهب ابن حزم في المحلى إلى عدم الزيادة على حديث الحسن رضي الله عنه قائلاً بعد ذكر أثر الحسن بسنده : وهذا الأثر وإن لم يكن مما يحتج بمثله فلم نجد فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره , وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله : ضعيف الحديث أحب إلينا من الرأي , قال علي : وبهذا نقول ؟ وقد جاء عن عمر رضي الله عنه القنوت بغير هذا والمسند أحب إلينا ؟ فإن قيل : لا يقوله عمر إلا وهو عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قلنا لهم : المقطوع في الرواية على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أولى من المنسوب إليه عليه السلام بالظن الذي نهى الله تعالى عنه ورسوله عليه السلام فإن قلتم : ليس ظنا , فأدخلوا في حديثكم أنه مسند , فقولوا : عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فإن فعلتم كذبتم , وإن أبيتم حققتم أنه منكم قول على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن الذي قال الله تعالى فيه : { إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ }..... إلى آخر ما قال، حيث شنّع على من دعا بغير حديث الحسن رغم عدم التسليم له ببعض دقائق ما قال، وقال الترمذي ـرحمه الله ـ لا يعرف في القنوت عن النبي  شيء أحسن من هذا.
(2) وذهب فريق آخر إلى مشروعية الزيادة على ما مضى ذكره ولكن بما أثر عن عمر رضي الله عنه حيث جعل أبي بن كعب رضي الله عنه يقنت بالسورتين المذكورتين آنفاً ، وكان عمر رضي الله عنه إضافة إلى ذلك يدعو للمؤمنين والمؤمنات ويدعو على الكافرين بما لا يزيد عن تسعة أسطر.(المصنف 4969).
(3) وذهب فريق ثالث إلى جواز الدعاء بأي شيء معللاً ذلك بأنه دعاء من جنس الدعاء في الصلاة فلا يوقت فيه شيء ، لذلك قال النووي في المجموع ناقلاً عنه صاحب الفتح الرباني: والصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه لا يتعين بل يحصل بكل دعاء كما قال سفيان الثوري رحمه الله : وليس فيه شيء موقت.
وهذه الآراء الثلاثة هي جملة ما يدور عليه كلام أهل العلم رحمهم الله في ذلك ، وقبل أن أبين الأولى ينبغي أن نعرف ما يلي :
(أ) الجميع متفق على أفضلية الاقتصار على الوارد الثابت، لذلك قال صاحب الفتح الرباني: قال أصاحبنا يستحب الجمع بين قنوت عمر رضي ا لله عنه وبين ما سبق ( يعني حديث الحسن ) فإن جمع بينهما فالأصح تأخير قنوت عمر رضي الله عنه وفي وجه يستحب تقديمه وإن اقتصر فليقتصر على الأول، وإنما يستحب الجمع بينهما إذا كان منفرداً أو إمام محصورين يرضون، والله أعلم.
(ب) الجميع متفق على عدم جواز الإطالة على المأمومين في الدعاء وغيره للمشقة التي نهى عنها الرسول  .
(ج) الجميع متفق على جواز فعل القنوت أحياناً وتركه أحياناً أخرى.
(د) الجميع متفق أيضاً على وجود الخلاف في هذه الأدعية ؛هل هي مخصوصة أم عامة؟ كما قال سفيان الثوري والنووي رحمهما الله ليس فيه شيء موقت، وإذا تبين ذلك فيحسن أن نقول:
إن الصواب في ذلك والله أعلم عدم ثبوت دليل واحد على تخصيص دعاء الحسن أو غيره في القنوت ، باستثناء حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي عند أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة " وأصله في مسلم ،كان النبي  يقول في آخر وتره: ( اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك......الحديث )
ومع ذلك فقد وقع الخلاف فيه هل المقصود في آخر الصلاة أم في آخر الدعاء وقد تُكلم أيضاً في صحته(1) .
إذا تبين هذا ، فمن الأفضل عدم تخصيص دعاء معين بعينه للقنوت ، لعدم ثبوت ذلك الثبوت القاطع ، وإنما يدعى بما أثر عن الرسول  ، وثبت صحته من الأدعية العامة كالأحاديث التي في المسند ، والبخاري ، ومسلم ، وأصحاب السنن وغيرهم مع مراعاة ما يلي:
(1) عدم الاعتداء في الدعاء لقوله تعالى: { إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِيْنَ } وذلك بأن يأتي بالجوامع، ففي الحديث الصحيح عند أبي داود عن أبي نُعامة عن ابن لسعد رضي الله عنه أنه قال: سمعني أبي وأنا أقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا، فقال : يابني إني سمعت رسول الله  يقول: "سيكون قوم يعتدون في الدعاء" فإياك أن تكون منهم أ الجنة أعطيتها وما فيها وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من الشر.


وعن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله  يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك. رواه أبو داود ، فأين واقع الأئمة الآن من ذلك()؟!!
(2) عدم رفع الصوت في الدعاء كما يحصل من بعض الأئمة لقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}
وقوله تعالى:{ادْعُوْا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخِيْفَةً} وقوله تعالى:{ وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيْلاً} وقوله تعالى:{ وَإذَا سَأَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَإنِّيْ قَرِيْبٌ أُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِيْ إِذَا دَعَانِ} ولحديث " اربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً إنكم تدعون سميعاً بصيراً..." الحديث ، كما عند البخاري ، ومسلم من حديث أبي موسى ولأن رفع الصوت مذهبة للخشوع مدعاة للرياء .
قال الجصاص في أحكام القرآن الجزء الثالث : ومن سورة مريم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله تعالى : {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً}مدحه بإخفاء الدعاء , وفيه الدليل على أن إخفاءه أفضل من الجهر به ، ونظيره قوله تعالى :{ادْعُوْا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخِيْفَةً} وروى سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم : { خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي } . وعن الحسن أنه كان يرى أن يدعو الإمام في القنوت ويؤمن من خلفه , وكان لا يعجبه رفع الأصوات . وروى أبو موسى الأشعري { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فرأى قوما قد رفعوا أصواتهم بالدعاء فقال : إنكم لا تدعون أصما ولا غائبا إن الذي تدعونه أقرب إليكم من حبل الوريد }() .
(3) عدم السجع المتكلف في الدعاء ولأنه من عادة الكهان، ففي وصية ابن عباس لعكرمة رضي الله عنهما كما في البخاري ونهايتها : وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه فإني عهدت الرسول  وأصحابه لا يفعلون ذلك.
(4) عدم الإطالة لعموم الأحاديث في النهي عن إطالة الصلاة مراعاة لمصالح الناس فما بالك بكلام البشر وهذا لا يخفى على عاقل.
(5) إن استفتح الداعي الدعاء بثناء يسير غير مخصص وحُمد الله ثم صُلي على النبي  ثم دعا بما شاء دون تقيد بهذا فذلك أمر حسن لحديث أبي داود في الرجل الذي دعاء في صلاته ولم يمجد الله تعالى ولم يصل على النبي  قال : عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره: إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه جل وعز والثناء عليه ثم يصلي على النبي ثم يدعوه بما شاء وإن كان الثناء وسط الدعاء أو آخره بدون تقيد بوتيرة معينة فلا مانع لعموم الأحاديث الدالة على ذلك .
وغير ذلك من الآداب التي ذكرها أهل العلم مستدلين عليها بكتاب الله وسنة رسول الله  ما مضى من أهمها، وإذا تأملت هذه الآداب الخمسة التي سقتها لك باختصار وجدت كيف خرقها كثير من أئمة هذا الزمان والله المستعان وعليه التكلان.



















القســـم السادس

مسالة رفع اليدين في قنوت الوتر ومسح الوجه بهما بعد الفراغ من الدعاء

هذه المسألة قد تنازع فيه أهل العلم نزاعاً لا يقل عن نزاعهم في قنوت الوتر ، ويرجع السبب في ذلك إلى أنه لم يرد دليل صحيح صريح لا في المنع ولا في الإباحة ، وإن كان المانع معه الأصل ولا شك ، وعلى كل حال ، فالعلماء في هذه المسألة على رأيين اثنين لا ثالث لهما :
الرأي الأول المانعون من الرفع والمسح :
وقال بهذا الرأي ، إمام دار الهجرة مالك ، والشافعي في أحد القولين عنه ، وقال به الأوزاعي ، و أحمد في رواية ذكرها عنه ابن قدامة في المغني قال رحمه الله قال : قال أحمد:لم أسمع فيه بشيء .
عمدتهم في ذلك أنه لم يثبت عن رسول الله في قنوت الوتر شيء ، وما يذكر من أحاديث ، في رفع اليدين فليست صحيحة ، وما صح منها فليس بصريح ، وعلى سبيل المثال : حديث أبي داود , وابن ماجة ( إذا دعوت الله فادع ببطون كفيك , ولا تدع بظهورهما , فإذا فرغت فامسح بهما وجهك ) وحديث أبي داود من رواية ابن لهيعة ( كان إذا دعا رفع يديه , ومسح بهما وجهه ) وحديث الترمذي ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه ) وغيرها من الأحاديث المغموز في إسنادها ، وأما الاحتجاج بما وردمن أحاديث عامة في الصحيحين في رفع اليدين في الدعاء ، فلا يجوز أن تعمم في الصلاة لأن للصلاة أحكاماً أخص .


الرأي الثاني المجيزون للرفع والمسح :
قال بذلك ابن مسعود وأبي هرة ، والحنفية ورواية عن الشافعي ، وأحمد .
عمدتهم في ذلك ، تصحيح الأحاديث المذكورة آنفاً ، والاستدلال بالأحاديث العامة الصحيحة في هذه المسألة كحديث الإمام مسلم عن أبي هريرة  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وقال يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ) وحديث مسلم أيضاً وعلقه البخاري عن أنس  (كان النبي يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه ) وحديث أحمد ، و أبي داود ، والترمذي ، والحاكم ، وابن حبان واللفظ له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الله جل وعلا يستحيي من العبد أن يرفع إليه يديه فيردهما خائبتين ) وفي رواية ( إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً ) قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه وفي موضع آخر قال : هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ، وقد وصله جعفر بن ميمون عن أبي عثمان النهدي .
والمتأمل للقولين ، يرى أن لا غضاضة ولا تثريب على أصحاب القول الثاني خصوصاً في مسألة رفع اليدين - إن قلنا بمشروعية القنوت في الوتر ، وأنه من باب قنوت النازلة ، وهو الصواب - لعموم الأدلة المثبتة رفع اليدين في دعاء الاستسقاء ؛ ودعاء القنوت من جنسه ، ومن جنس دعاء قنوت النوازل الثابت فيه رفع اليدين بل هو كما عند الإمام أحمد بسند صحيح ، عن أنس وفيه قصة قتل القراء قال أنس  : فلقد رأيت رسول الله  في صلاة الغداة ( رفع يديه فدعا عليهم ..... الحديث ) وإن كان الراجح الرأي الأول ، لوضوحه ، ولكن لا يثرب على أصحاب القول الثاني لقوة بيانهم .
وأما مسألة مسح الوجه بعد الدعاء ، فليست بقوة مسألة رفع اليدين فالأولى تركها ، حيث لم يثبت المسح ، ولم يصح في مسح الوجه بعد الدعاء حديث ، إلا في ورد النوم عندما ينفث الإنسان في كفيه بـ قل هو الله أحد ، وبالمعوذتين ، ثم يمسح بهما وجهه ، وما بلغت يداه من جسده لثبوت ذلك في حديث البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ قل هو الله أحد وبالمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه ، وما بلغت يداه من جسده قالت عائشة رضى الله عنها: فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به )
وهنا مسألة يجدر الإشارة إليها ، وهي مبالغة كثير من الناس في رفع أيديهم في قنوت الوتر حتى تجاوز صدورهم ، وهذا جهل فاضح إذ العلماء مختلفين في أصل الرفع وهل يجوز أو لا يجوز فضلاً عن المبالغة في الرفع ، وما أروع ما قاله ابن حبان رحمه الله تعالى قال :
ذكر البيان بأن رفع اليدين في الدعاء يجب أن لا يجاوز بهما رأسه
قال أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ابن وهب قال أخبرني حيوة وعمر بن مالك عن ابن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن عمير مولى أبي اللحم أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أحجار الزيت قريبا من الزوراء ( يدعو رافعا كفيه قبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه ) والحديث صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي ، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي لذا ينبغي الحذر من المبالغة في ذلك .

المـراد مـن البـحث والخـاتمـة
من المسلمات البدهية لدى الجميع أن الإنسان لا يقوم بعمل شيء إلا وله مراد ويختلف هذا المراد باختلاف الأعمال والأشخاص وإلا لعد عمل هذا الشخص عملاً غير سوي، وفراراً من ذلك أبين ما أردته من هذه الوريقات علّ الله أن ينفعنا بها في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
(1) شحن الهمم التي تطلع على هذه الوريقات ودفعها إلى أن تراجع أقوال أهل العلم في ذلك لقوله تعالى: {فَاسْألُوْا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُوْنَ} ولحـديـث الرسول  : "إنما شفاء العي السؤال".
(2) بيان أن الألفة على الشيء لا تكون يوماً من الأيام دليلاً شرعياً البتة وليحذر من ذلك، قال تعالى:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُوْنَ}.
(3) محاولة تذكير كثير من الناس بأمر معلوم لديهم ضرورةً ، ألا وهو أن أقوال الرجال يستدل لها ولا يستدل بها ، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فلقد عانينا من هذا أشد المعاناة فلا تكاد تقول قال الله وقال رسول الله  مريداً بذلك إقناع من حولك بالحكم الشرعي ، إلا ويقال لك : ماذا قال الشيخ فلان ، وفلان ؟ فإذا ما أخبرتهم سلموا لك ، وأذعنوا ، لا للدليل ، ولكن لقول الشيخ ، فرحماك اللهم {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المُؤْمِنِيْنَ إِذَا دُعُوْا إِلَى اللهِ وَرَسُوْلِهِ لِيَحْكُمِ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُوْلُوْا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوَلئِكَ هُمُ المُفْلِحُوْنَ} وإنني والله أخشى أن ينطبق على كثير من الناس ، إلا من رحم الله قول التابعي الجليل أبي العالية رحمه الله عند قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}
الآية، قال : أما إنهم لو قالوا اعبدونا لما فعلوا ولكنهم قالوا لا نسبق علماءنا بشيء ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا.(1)
(4) محاربة التبعية الشوهاء ، لكائن من كان ، سوى الدليل الشرعي كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم وقبله قوله تعالى:{اتَّبِعُوْا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوْا مِنْ دُوْنِهِ أَوْلِيَاءِ قَلِيْلاً مَا تَذَكَّرُوْنَ} وقوله تعالى:{اتَّبِعُوْا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ}.
(5) توضيح سنة الرسول  وإظهارها للعمل بها ، قال تعالى:{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوْ اللهَ وَاليَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيْراً}.
(6) بيان أن قنوت كثير من الأئمة ـ هداهم الله ـ في هذا الوقت خلاف المشروع إلا من رحم الله وقليل ما هم وخير دليل على صحة ذلك ما نسمعه في كثير من الأشرطة.












الـخاتمـة:

مما يجدر الإشارة إليه أن هذه الخاتمة لن تكون على النسق المألوف حاوية لخلاصة البحث وإنما توجيه لمن تسقط هذه الوريقات بيديه أن يتقي الله عز وجل ويترك أي قول اعتاد عليه أو ربي عليه وفيه مخالفة لقول الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فلقد تُعبدنا لله عز وجل وحده .
ويعجبني في ذلك ما ذكره ابن وهب قال : سمعت مالكاً سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء قال : ليس ذلك على الناس قال: فتركته حتى خفّ الناس فقلت له: عندنا في ذلك سنة، فقال : وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد ، وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعارفي ، عن أبي عبدالرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: رأيت رسول الله  يدلك بخنصره بين أصابع رجليه، فقال: إن هذا الحديث حسن وما سمعت به قط إلا الساعة ثم سمعته بعد ذلك يسأل فيأمر بتخليل الأصابع(1) ، فأين نحن من ذلك ؟!!.
ولا أظنه يخفى على الجميع ما قاله أبوحنيفة رحمه الله في مسألة اتباع ما ورد وترك ما عدا ذلك وما أثر عن الشافعي وأحمد وعن كثير من الأئمة رحمهم الله مما يطول المقام بذكره وجماع ذلك قول ابن عباس رضي الله عنهما ، يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء ، أقول قال الله وقال رسول الله وتقولون قال أبوبكر وعمر، وإني سائلكم بالله من الذي يقارن من البشر كائناً من كان بأبي بكر وعمر ومع ذلك رأيتم ما قال ابن عباس رضي الله عنه .
وما أجمل ما سطره ابن القيم في إعلام الموقعين في الرد على حجج القائلين بالتقليد إذ يقول في بض المواطن من الكتاب المذكور ما نصه :
( ثم خلف من بعدهم خلوف فرقوا دينهم ، وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ، وكل إلى ربهم راجعون ، جعلوا التعصب للمذاهب ديانتهم التي بها يدينون ، ورءوس أموالهم التي بها يتجرون ، وآخرون منهم قنعوا بمحض التقليد وقالوا : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون ، والفريقان بمعزل عما ينبغي اتباعه من الصواب ، ولسان الحق يتلوا عليهم ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب قال الشافعي - قدس الله تعالى روحه - أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس ، قال أبو عمر وغيره من العلماء : أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودا من أهل العلم ، وأن العلم معرفة الحق بدليله ، وهذا كما قال أبو عمر - رحمه الله تعالى - فإن الناس لا يختلفون أن العلم هو المعرفة الحاصلة عن الدليل ، وأما بدون الدليل فإنما هو تقليد ، فقد تضمن هذان الإجماعان ، إخراج المتعصب بالهوى والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء ، وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء فإن العلماء هم ورثة الأنبياء ، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما ، وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر ، وكيف يكون من ورثة الرسول صلى الله عليه وسلم من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه ، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى ، ولا يشعر بتضييعه ، تالله ، إنها فتنة عمت فأعمت ورمت القلوب فأصمت ربا عليها الصغير ، وهرم فيها الكبير ، واتخذ لأجلها القرآن مهجورا ، وكان ذلك بقضاء الله وقدره في الكتاب مسطورا ، ولما عمت بها البلية وعظمت بسبها الرزية بحيث لا يعرف أكثر الناس سواها ، ولا يعدون العلم إلا إياها ، فطالب الحق من مظانه لديهم مفتون ومؤثره على ما سواه عندهم مغبون ، نصبوا لمن خالفهم في طريقتهم الحبائل وبغوا له الغوائل ورموه عن قوس الجهل والبغي والعناد ، وقالوا لإخوانهم إنا نخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد ، فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة ألا يلتفت إلى هؤلاء ، ولا يرضى لها بما لديهم ، وإذا رفع له علم السنة النبوية شمر إليه ولم يحبس نفسه عليهم ، فما هي إلا ساعة حتى يبعثر ما في القبور ويحصل ما في الصدور وتتساوى أقدام الخلائق في القيام لله وينظر كل عبد ما قدمت يداه ويقع التمييز بين المحقين والمبطلين ويعلم المعرضون عن كتاب ربهم وسنة نبيهم أنهم كانوا كاذبين
وقال في نفس الكتاب 2/177 ما نصه :
الثالث التقليد بعد قيام الحجة ، وظهور الدليل على خلاف قول المقلد والفرق بين هذا وبين النوع الأول أن الأول قلد قبل تمكنه من العلم والحجة وهذا قلد بعد ظهور الحجة له فهو أولى بالذم ومعصية الله ورسوله وقد ذم الله سبحانه هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُون َ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} وقال تعالى{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ} وهذا في القرآن كثير يذم فيه من أعرض عما أنزله وقنع بتقليد الآباء فإن قيل إنما ذم من قلد الكفار وآباءه الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ولم يذم من قلد العلماء المهتدين بل قد أمر بسؤال أهل الذكر وهم أهل العلم وذلك تقليد لهم فقال تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وهذا أمر لمن لا يعلم بتقليد من يعلم فالجواب أنه سبحانه ذم من أعرض عما أنزله إلى تقليد الآباء وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله وخفي عليه بعضه فقلد فيه من هو أعلم منه فهذا محمود غير مذموم ومأجور غير مأزور .
وقال في موضع آخر ما نصه :
الوجه الحادي والعشرون أن الله سبحانه ذم الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم بخلاف أهل العلم فإنهم وإن اختلفوا لم يفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعا بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق وإيثاره عند ظهوره وتقديمه على كل ما سواه فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدهم وطريقهم فالطريق واحد والقصد واحد والمقلدون بالعكس مقاصدهم شتى وطرقهم مختلفة فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق .
الوجه الثاني والعشرون أن الله سبحانه ذم الذين تقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ، والزبر الكتب المصنفة التي رغبوا بها عن كتاب الله وما بعث الله به رسوله فقال تعالى يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعلمون عليم وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فأمر تعالى الرسل بما أمر به أممهم أن يأكلوا من الطيبات وأن يعملوا صالحا وأن يعبدوه وحده وأن يطيعوا أمره وحده وأن لا يتفرقوا في الدين فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك ممتثلين لأمر الله قابلين لرحمته حتى نشأت خلوف قطعوا أمرهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فمن تدبر هذه الآيات ونزلها على الواقع تبين له حقيقة الحال وعلم من أي الحزبين هو والله المستعان .
الوجه الثالث والعشرون أن الله سبحانه قال ولتكن منكم أمة يدعون إلى خير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله لا الداعون إلى رأي فلان وفلان .
الوجه الرابع والعشرون أن الله سبحانه ذم من إذا دعي إلى الله ورسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره وهذا شأن أهل التقليد قال تعالى وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقون يصدون عنك صدودا فكل من أعرض عن الداعي له إلى ما أنزل الله ورسوله إلى غيره فله نصيب من هذا الذم فمستكثر ومستقل .
وقال صاحب تيسير العزيز الحميد في من يرد قول الله وقول رسول الله  بقول الرجال ذاكراً أعذارهم الباطلة ، والتي منها قولهم:
(1) إن الأخذ بالحديث اجتهاد والاجتهاد قد انقطع منذ زمان.
(2) وقولهم إن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني فهو لا يقول ، إلا بعلم ، ولا يترك هذا الحديث إلا عن علم.
(3) وقولهم: إن هذا اجتهاد ، ويشترط في المجتهد أن يكون عالماً بكتاب الله عالماً بسنة رسول الله  وناسخ ذلك ، ومنسوخه ، وصحيح السنة ، وسقيمها عالماً بوجود الدلالات عالماً بالعربية ، والنحو ، والأصول ، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها ، لا توجد تامة في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما .
ويقال لهؤلاء كما ذكر الشيخ سليمان (1) : وهذا إن صح فالمراد بذلك المجتهد المطلق أما أن يكون ذلك شرطاً بجواز العمل بالكتاب والسنة كذب على الله وعلى رسولوعلى أئمة العلماء بل الفرض ، والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسول الله وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من خالفه فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ونبينا وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم. ا.هـ وهذا على وقته رحمه الله ، أما في وقتنا فقد آل بنا المآل إلى أننا لا نأخذ الحق من الرجال فحسب بل من الرجال الذين نهوى إلا من رحم الله ويخشى علينا انطباق ما ذكره ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم وحديثه عن المغضوب عليه قائلاً: فلما جاءهم الناطق به من غير طائفة يهوونها لم ينقادوا وأنهم لا يقبلون الحق إلا من الطائفة التي هم منتسبون إليها...إلى أن قال : وهذا يبتلى به كثير من المنتسبين إلى طائفة معينة في العلم أو الدين من المتفقهة أو المتصوفة أو غيرهم أو إلى رئيس معظم عندهم في الدين غير النبيفإنهم لا يقبلون من الدين رأياً ورواية إلا ما جاءت به طائفتهم ثم إنهم لا يعملون ما توجبه طائفتهم مع أن دين الإسلام يوجب اتباع الحق مطلقاً: رواية ورأياً، من غير تعيين شخص أو طائفة غير الرسول(2).
فلله دره ، وفقهه ، وكم نحن بحاجة إلى مثله ، رجاعاً إلى كتاب الله عز وجل وإلى سنة رسوله صلوات الله وسلامه عليه ، ولا نضفي عليه العصمة بحال من الأحوال.
وللشيخ الشنقيطي رحمه الله كلام جميل ونافع للغاية في مسألة التقليد عند قوله تعالى{ أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } كتب في هذه المسألة في أضواء البيان ما يقارب180صفحة فليراجع هناك فإنه مفيد .
وقبل نهاية المطاف وهذه الرحلة التي قضينها مع سلف الأمة فيما سطروه من علم زاخر ، وهدىً فاخر ، أوصي جميع من تسقط بيده هذه الوريقات أن يراجع كلام الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب في كتابه تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد من الصفحة الثانية والثمانين بعد المائة الرابعة ، إلى الصفحة السابعة والثمانين بعد المائة الرابعة ، فإنه كلام نفيس للغاية نقله عن كثير من أهل العلم في مسألة اتباع الدليل وترك ما دون ذلك مهما كان إن لم يكن مستنداً إلى أساس شرعي.
هذا وما حصل في ما مضى من صواب وحق دعّم بالدليل وجب المصير إليه بغض النظر عن قائله كائناً من كان كما هو منهج أهل السنة والجماعة وما حصل فيه غير ذلك فيرد على صاحبه ويبحث عن الحق أين ما كان لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها لكن ينبغي أن نتقي الله ونتجرد من الهوى ونخلص نفوسنا لله عز وجل وحده.
وأخيراً لا آخراً:
ولست بمستبق أخاً لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:25 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.