عرض مشاركة واحدة
  #49  
قديم 05-20-2021, 02:21 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,263
افتراضي

اللِّقاء التَّاسع والأربعون
( 8 شوال 1441 هـ)



[الرَّد على استِنتاجات مغلوطة في أن البدعة تصير شركًا أصغر ثم يصير تكفيرًا، وكلمة حول التمذهب]
أحببتُ أن أطرح موضوعًا طرحناه كثيرًا -وكثيرًا جدًّا-؛ لكنَّ الكثيرين -إلى الآن- يُجادلون.
وأنا أطلعني -اليوم- بعض الإخوة الكرام مِن طلبة العلم على مُراسَلة -لا أدري هل هي خاصَّة أم عامَّة- بينه وبين بعض طلبة العلم -أيضًا-، فصار النِّقاش حول موضوع البدعة.
واحد منهما يردُّ على الآخر يقول له: أنتم -يا مَن تتكلَّمون في البدعة-..وهذا سمعتُه -أنا- من عدَّة أطراف-.. هذه البدعة تنتقل من البدعة إلى أن تُصبح شركًا أصغر، والشِّرك الأصغر يُصبح تكفيرًا!
الحقيقة: هذه -كلُّها- استِنتاجات أستحي أن أقول: كاذبة! وعلى الأقل: هي استِنتاجات خاطئة! وعلى أقلِّ الأقل: هي استِنتاجات مغلوطة!
ما علاقة البدعة بالشِّرك الأصغر إلى أن تؤول شركًا أكبر أو كُفرًا!؟
هذه علاقة منفكَّة -بكلِّ معنى الوجوه-!
ولكن: يبدو لي أن الخللَ في غير هذا، وأنَّ هذا رُكِّب على خللٍ آخر؛ وهو: أنَّهم توهَّموا إذا قُلنا أن (هذه بدعة) أنَّه يَلزم منها أن صاحبَها مُبتدِع، وإذا استَلزَموا أن صاحبَها مُبتدِع؛ فيَلزَم من ذلك أنَّ: «كلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار»؛ أي: صاحبُها في النَّار.
وهذا -كلُّه- مما لا يَخطر لنا على بالٍ، ولا يَسنح لنا على خيال!
كلامٌ باطل، ولوازِم باطلة.
ومما تقرَّر عند العلماء -قاطبةً- أنَّ (لازمَ المذهبِ ليس بِمَذهَب)، حتى قال بعضُ أهل العلم: (مَن أُلزِمَ بِمَذهبٍ ونَفاهُ عن نفسِه؛ فإن نِسبتَه إليه كذبٌ عليه).
نحن عندما نقول: (بدعة)؛ نَصِف الفعل، الفاعل ليس له حُكم بمجرَّد فِعلِ البدعة.
نعم؛ قد يكون له حُكم إذا أصبحت البدعة مَنهجًا -له- حياتيًّا.
ومع ذلك: إذا قُلنا (مُبتدِع) لا نعنى أنَّه (مُبتدِع) بمعنى أنَّنا نَحكم عليه في النَّار!
وما أجمل كلام أئمَّة الحديث عندما قالوا: إنَّنا نتكلَّم في أقوام لعلَّهم حَطُّوا رِحالَهم في الجنَّة!
لا نتكلَّم عن جنَّة ولا نار!
لا نتكلَّم عن آخرة النَّاس وما لا يَعلمه عنهم إلا ربُّ النَّاس!
أرجو أن يُفهَم هذا -جيِّدًا-.
قضيَّة البدعة قضيَّة حُكميَّة على الفعل، وقد تكون حُكميَّة على الفاعل؛ لكن: أن تكونَ حُكميَّة متعلِّقة باليوم الآخِر؛ فلا؛ إلا بوُجود شُروط وانتِفاء موانع، وهذا مما قد يتعذَّر أو يتعسَّر، وكَلِمتا (يتعذَّر) أو (يتعسَّر) كَلِمتان دقيقتان -قد لا يفهمهما أيُّ أحد من عامَّة طلبة العلم-فضلًا عن-معذرةً-دَهمائهم-!
الأمر ليس كذلك..ينبغي أن يُفهَم.
فهذا السِّلاح..أو هذا الخوف..أو هذا التَّخويف والتَّرهيب الذي نَسمعه من بعض النَّاس من الذين يُخالِفوننا ونُخالفُهم في هذا الموضوع يقولون: أنتم ليس لكم همٌّ إلا أن تقولوا: هذه بدعة، و«كلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النَّار»!
أوَّلًا: هذا حديث النَّبي ﷺ، ليس كلامَنا.
ومع ذلك: نحن نقول ذلك في وصف الأحكام.
ووصفُ الأمر بأنَّه بدعة،أو بعض الأمور بأنَّها بدعة: هذا لم نَختصَّ به -نحن-طلبة العلم وأهل الحديث وأهل السُّنَّة ودُعاة منهج السَّلف-، لم نَختصَّ به.
هذا موجود عند (علماء المالكيَّة): انظروا كتاب «المدخل» لابن الحاج..كتاب «الاعتصام»للشَّاطبي.
وموجود عند (علماء الشَّافعيَّة): انظروا كتاب «الباعث» لابن أبي شامَة، وانظروا كتاب «الأمر بالاتِّباع والنَّهي عن الابتداع» للسُّيوطي.
وموجود عند (علماء الحنفيَّة): انظروا كتاب «اللُّمَع» لابن بَيْدَكِين الحنفي.
وأمَّا (الحنابلة): فأكثر من ذلك.
لذلك: بعض النَّاس (كأنَّهم) استبعدوا الحنابِلة من قائمة التَّفقُّه المذهبي -بالكليَّة-!
وهذا -الحقيقة- غير صحيح، ولا يجوز.
(المذهب الحنبلي) مذهب إمام من الأئمَّة الأربعة الكرام المعتَبَرين، كما أنَّ له وعليه؛ كذلك (المذهب الحنفي) له وعليه، كذلك (المذهب المالِكي) له وعليه، كذلك (المذهب الشَّافعي) له وعليه..كل المذاهب.
نعم؛ أغلبُها -والحمد لله- على صواب، وأغلبُها على حقٍّ وهدى، وما أخطؤوا فيه -لِمن يَعرف كيف يُخطِّئهم، ومتى يُخطِّئهم، وبأيَّة حجَّة يُخطِّئهم-؛ فهُم مأجورون عليه غير مأزورين، مأْجورون لا مَأْزورون.
كل هذه الأمور -للأسف!- المخالِفون لنا كأنَّهم لا يَعرِفونها، أو -أقول- كأنَّهم لا يُريدون أن يُعرِفوها!
لماذا؟
أيَّة مصلحة في استِمرار هذا الخلاف وإخراجِه مِن حيِّز العلم والبحث العلمي والمناقَشة العلميَّة إلى حيِّز الإرهاب والتَّرهيب والتَّخويف وسَلِّ سيوف الإنكار والتَّشديد!؟
أنتم -بالأمس القريب- تتَّهِموننا بذلك بغير حقٍّ؛ فما بالُكم -اليوم- قد وقعتُم فيه؟!!
وهذا هو الواقع -ما له من دافع-!
واللهِ..وتاللهِ..وباللهِ؛ نُحبُّ لكم الخير بِمثل ما نُحبُّ لأنفسِنا، وإذا تكلَّمنا نتكلَّم بالرَّحمة والشَّفقة ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- يقول -كما في المتَّفق عليه-: «والذي نفسي بيده؛ لا يُؤمن أحدُكم حتى يُحبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لنفسِه».
نحن لا نُريد أن نتكلَّم بالكلام الْمُزَوَّق والْمُنَمَّق!
نُريد أن نتكلَّم بالكلام الْمُحقَّق والْمُصدَّق.
هذا هو العلم.
نعم؛ نُخطئ كما يُخطئ غيرُنا، ونُصيبُ كما يُصيبُ غيرُنا، وما اختلَفْنا فيه على مائدة البحث: الحجَّة بالحجَّة، والدَّليل بالدَّليل ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أمَّا إلقاء الكلام على عواهِنِه، والإعراض وعدم الالتِفات إلى كلام المخالِف وحُجَجِه؛ هذا ليس من أخلاق أهل الإيمان.
لقد سمعتُ..(أكثر) ما قيل -وما يُقال- مِن نَقدات لمنهج السَّلف في العقيدة وفي الفقه، ورأيتُه، وتأمَّلتُه، وتملَّيتُ منه، وعرفتُ مِقدار ما فيه من حقٍّ أو باطل، ما فيه من صواب أو مِن خطأ.. طبعًا؛ إذا قلنا: حق أو باطل -حتى لا تَخافوا-؛ أي: القول -لا شكَّ ولا ريب- ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾، والنَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- يقول: «إذا اجتهد الحاكمُ وأصاب؛ فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ؛ فله أجر..»، فهناك صواب وخطأ -حتى في الاجتهاد، وعند أهل الاجتهاد-؛ فلا يُخيفنَّكم مثلُ هذه التَّعبيرات.
نعم؛ قد تكونون عِشتُم في بؤرة معيَّنة، وإطار معيَّن، لم تعتادوا على مثلِ هذه العبارات، وعلى مثل هذه التَّقريرات..
انطلقوا مما أنتم فيه، وادرُسُوا كلام العلماء، واعرِفوا كُتبَ الخلاف كيف تكون.
ومِن أعجب ما يمكن -قبل أيَّام قليلة-: أحد النَّاس -من المتصدِّرين- يقول: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وواللهِ؛ استَعمَلَ هذه الجملة وهو يُنكِر على مُخالِفيه!
عجيب! هذا ناقِضٌ ومنقوض!!
مع أنَّ كلمة (لا إنكارَ في مسائل الخلاف) لها معنًى عند أهل العلم:
(لا إنكارَ)؛ بمعنى: التَّأثيم.. بمعنى: التَّبديع.. بمعنى: التَّضليل.
ليس (لا إنكارَ)؛ بمعنى: التَّخطئة أو التَّصويب؛ وإلا: افتَحْ أيَّ كتاب من كتب الخلاف الفقهي الموسَّعة؛ ستجد العلماء يُخالِف بعضُهم بعضًا؛ بل حتى علماء المذهب الواحد -أحيانًا- يخالِف بعضُهم بعضًا.
كم من مسألة خالفَ فيه الإمام النَّووي مذهب الشَّافعيَّة -أو المشهور من مذهب الشَّافعيَّة-، ولا نريد أن نجعل سلسلة في المخالِفين والمخالَفات، وهكذا في سائر المذاهب، هذه ليس قضيَّة مُنحصِرة في مذهب، هكذا العلم وسلاسل أهله.
لو وقف الأمر عند الرَّملي وابن حجر الهيتمي: ما فائدة هذا التُّراث في ستِّمئة أو سبعِمئة سَنة -إذَن-بعد ذلك-؟!
خلاص؛ نقِف عن الرَّملي وعند النَّووي وعند الرَّافعي وعند ابن حجر الهيتَمي، ولا نتجاوز ذلك! لأنَّهم هُم أهل التَّرجيح وأهل التَّخريج!
عجيب!! هذا لا يقوله قائل!
لا يقول به قائل؛ بدليل أن التَّفقُّه والتَّأليف والاستِنباط والفتاوى على مذهب الشَّافعيَّة استمرَّ إلى هذه السَّاعة، حتى ممن يقولون هذا الكلام لا يَزالون يؤلِّفون..
ما فائدة تآليفِكم إذا جعلتُم العلم يقِف الرَّافعي والنَّووي والرَّملي وابن حجر الهيتَمي؟!
وهذا قُلْهُ -تمامًا- في المذاهب الأخرى.
وباختصار: نحن لسنا ضد المذهبيَّة؛ بل أكاد أحلِف يمينًا مُغلَّظًا: أنَّنا ننتفع من المذاهب ونستفيد من المذاهب أكثر من استِفادة المتعصِّبة للمذاهب الذين يَنسبون أنفسَهم للمذاهب؛ لأن أكثر هؤلاء لا يخرجون عن مذهب؛ بل عن رأي بعض مُجتهِدي المذهب!
نحن ننطلق في رحابة المذاهب -كلِّها-، ونرى الأقرب للدَّليل، ضمن الحجج والأصول والقواعد، لا نَخرج عنها، ولا نتجاوزها، وقواعدُنا وأصولُنا..حتى لا يُقال منهج أهل الحديث، أو مذهب أهل الحديث مذهب استِعماري -كما قاله (زيدٌ) و(عمرٌو)-من النَّاس-؛ لا؛ مذهب أهل الحديث متوارَث.
وانظر أي كتاب من كتب التَّواريخ والتَّراجم؛ سترى عشرات -بل مئات-..
وأنا نقلتُ -قبل أيَّام قلائل- عن الشَّهرستاني أنَّه أصَّل لمذهب أهل الحديث، وذكَر عُيون أسماء علمائه وأئمَّته وكُبرائه.
فنحن نستفيد في الأصول مِن «الرِّسالة» للإمام الشَّافعي، وغيرها من المؤلَّفات الأصوليَّة المعتبرة.
ليس مذهب أهل الحديث خارجًا عن المذاهب؛ بالعكس: هو يضمُّ المذاهب كلَّها؛ لكنَّه يجعل همَّه الأكبر التَّرجيح بالدَّليل، والانتصار للدَّليل.
نعم؛ المذاهب الأخرى تَفعل ذلك؛ لكن: فَرْق بين أن تكون مُختارًا بين الأقوال -كلِّها- الأدلَّةَ الأرجح، وبين أن تَنظر للأمور بمنظار ضيِّق، أو بِنظَّارتَين مُلوَّنتَين!
هنا الآفة!
وهذه الآفة لا تُشعِرُك أنَّها آفة!
قد تمرُّ بك، وتَنطلي عليك وأنتَ تحسب أنَّك من المحسِنين صُنعًا!
قُل.. ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾: المذهبيَّة غير مُنكَرة.. التَّعصُّب هو المنكَر.
وعندما نقول: (بدعة) لا نَحكم على فاعِلها بأنَّه مُبتدِع؛ نحكُم على الفعل بأنَّه بدعة.
ولو حكمْنا على فلان بأنَّه (مُبتدِع)؛ليس لنا علاقة بآخرتِه؛ بل قد يدخل الجنَّة قبْلَنا.
هذا شأنُ الله ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ -ليس شأنَنا-.
نحن نتكلَّم عن الأحكام الدُّنيويَّة الظَّاهرة، قد نظنُّ أن شيئًا -ما- هو الصَّواب المطلَق، ولا يكون.
أخذنا الوقتُ! وأظنُّه وقتًا عِلميًّا تأصيليًّا..لا بُد من هذه الكلمة -في هذا الوقت، وفي هذه اللَّحظات- لِمُخالِفينا -قبل إخواننا-، وللذين يُسيئون الظنَّ بنا -قبل مَن يحسِنون بنا الظنَّ-.
سائلًا ربي -سبحانه وتعالى- التَّوفيق للجميع والهدى والرَّشاد والسَّداد لنا ولكم ولجميع العباد؛ إن ربي سميع مُجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
والسَّلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



انتهى اللِّقاء التاسع والأربعون

رد مع اقتباس