عرض مشاركة واحدة
  #50  
قديم 06-03-2021, 04:06 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,263
افتراضي

اللِّقاء الخمسون
(22 شوال 1441)


[كلمة حول حديث: «لكلِّ عملٍ شِرَّة..»]
... أحببتُ أن أتكلَّم -دقائق قليلة-قبل البدء بالإجابات على السُّؤالات التي وردت إلينا في هذا اليوم المبارَك، وفي هذه الأمسية المباركة-:
النَّبي -عليه الصَّلاةُ والسَّلام- صحَّ عنه أنَّه قال: «إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فترة، فمَن كانت فَترتُه إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومَن كانت فَتْرَتُه إلى غيرِ ذلك فلا يَلومَنَّ إلا نَفسَه» -أو كما قال ï·؛-.
الشِّرَّة: هي النَّشاط والاجتهاد -الذي ممكن أن أقول:- الزَّائد.
والفَتْرة: عكسُ ذلك؛ فهي: الفتور والانكِماش.
فإذا وجدتَ -يا طالبَ العلم- مِن نفسِك شيئًا من الفتور فلا تيأسْ، ولا تضعُف، ولا تَهَنْ؛ ولكنْ: اجعَلْ من هذه الفترة راحةً لكَ ولنفسِك لتنطلِق بعدها قويًّا ماضِيًا ثابتًا -إن شاء الله-تعالى-.
أمَّا (الشِّرَّة): فشيءٌ طبيعي، وشأنٌ واقعيٌّ، لا يستطيع أحدٌ أن يُنكره، ولا يستطيع أحدٌ أن يَدفعه؛ لكن: قد تكون هذه الشِّرَّة على غير وجهِها، وعلى غير سدادِها واستِقامتِها إذا كانت -أوَّلًا- مِن غير تشاوُر ومُشاورةٍ لأهل العلم وطُلاب العلم.
الأمر الثَّاني: إذا كانت غيرَ مَنضبطة، ولا موجَّهة التَّوجيه الصَّحيح.
ونَلحظُ أن هذين الأمرَين مُرتبِطان بعضُهما ببعض.
فمَن تشاوَر هو مع مَن هو أكبرُ منه وأعلمُ منه: فإن ذلك سبيل -إن شاء الله- يُسدِّده به، ويَنصحُه فيه، ويُرشده إليه فيما هو خيرٌ له وأبقى.
وأمَّا إذا فَقَدَ هذا الشَّأن من المشاورة والتَّشاوُر: فإن قراراتِه -بل قُل:- انفِعالاته وتحرُّكاته وإن كان في ظاهرِها خيرٌ؛ لكن: قد يكون في مآلِها ما يُخالِف هذا الخيرَ، وما [..انقظاع..](1)، وما قد يكون يُناقضُه، والله -عزَّ وجلَّ- يقول: {بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} ، أنت أدرى بِنفسك، وكل واحد منا أدرى بنفسِه.
لكن: إيَّاي وإيَّاكم؛ أن تكونَ معرفة هذه الدِّراية سبيلًا يَدخل منه إلينا الشَّيطان الرَّجيم ليُفسد علينا الطَّريق، وليُنغِّص علينا السَّلامة والاستقامة، فإذا بِنا يُصيبُنا الغرور والاغترار والعجب -والعياذُ بالله-تعالى-، وهذا -كلُّه- مما لا نَرضاه لأنفسِنا [..انقطاع..](2)، والنَّبي ï·؛ يقول: «والذي نَفسِي بِيدِه؛ لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يُحبَّ لأخيهِ ما يُحبُّ لنفسِه».
هذه كلمات أحببتُ أن أبتدئ بها في هذه الأمسية المباركة، سائلًا ربي -سبحانه وتعالى- لي ولكم جميعًا للمزيد من التَّوفيق والسَّداد.
[الأسئلة]
1. السُّؤال:
هل ثبَتَ عن السَّلَفِ الامتحانُ بالأشخاصِ؟ وإذا قُلتُم: نعم؛ فما مدَى صحَّة تنزيلِه اليومَ على بعضِ العلماءِ؟
الجواب:
لا شكَّ -ولا رَيبَ- أنَّه ثبَتَ؛ بلْ ألَّف بعضُ العلماء -قديمًا -قبل قرونٍ وقرونٍ- كتابًا سمَّاه «امتحان السُّنِّيِّ مِنَ البِدْعِيِّ»، الحقيقة: الكتاب لنا عليه بعضُ الملاحظاتِ -لا شَكَّ -ولا رَيْبَ-؛ لكنْ -بشكلٍ عامٍّ-: الامتحانُ ثبَتَ.
لكن: الامتحان كيف؟ وبماذا؟
الامتحان في أصول -وقواعد- الإسلام المقرَّرة المعتبَرة، ليس في فروع المسائل، هذا واحد.
ثانيًا: الامتحان بالأشخاص المتَّفق على جلالتِهم، أو -على الأقلِّ- المشهور أنَّهم أجِلَّاء في السُّنَّةِ، وعُظَماء في دعوة أهل السُّنَّةِ.
أمَّا مَن اختلف فيه الناس: هذا يشهد له بالخير، وهذا يخالِفُه؛ فلا زال أهل العلم يخالفُ بعضُهم بعضًا في الأشخاصِ، ولا زال أهل العلم يختلف بعضُهم مع بعض في الجرح والتَّعديل -حتَّى في التَّبديعِ-.
وأنا أضرب -على ذلك- مثلًا متكرِّرًا؛ أقول: أبو إسحاق الجوزجانيُّ -صاحب كتاب «أحوال الرِّجال»- اتَّهمه جماهير العلماء بأنَّه ناصِبِيّ، وبعض العلماء المعاصِرين انتصر للقول المخالف أنَّه ليس بِناصبيّ، وأنَّه من أهل السُّنَّة؛ لكن: هذا ما أدَّاه إليه اجتهادُه، ليس مكابرةً ولا غُلُوًّا ولا تساهُلًا.
فقضيَّة الامتحان إذا لم تُضبطْ؛ تؤدي إلى خَلَلٍ كبيرٍ -وكبير جدًّا- كما هو واقعٌ اليومَ -بالتَّمام-للأسف الشَّديد-!
وفي كتابي «منهج السَّلف الصَّالح»، وهو مبذول على شبكة (الإنترنت) بكلّ سهولةٍ: لو تدخل وتكتب «منهج السَّلف الصَّالح» لفلان؛ فإنك تجد الكتاب بسهولة، وفيه تأصيلٌ علميٌّ -إن شاء الله- أقربُ إلى الشُّموليَّة في هذا الموضوع المهمِّ.
فالقضيَّةُ -إذَن- موجودٌ لها أصلٌ عند السَّلف وعلماء السَّلف؛ لكنْ: تنزيلُها في هذه الأيَّام -وفي هذا الزَّمان- أصابَه كثيرٌ من الخَلَلِ، وكثيرٌ من الارتيابِ، وكثيرٌ من البَلاءِ -ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا باللهِ-.

2. السُّؤال:
إذا تعارَض ترجيحانِ لشيخِ الإسلامِ، أحدُهما في «المجموع» والآخَر في كتاب «الاختيارات»؛ فأيُّهما يُقدَّم؟
الجواب:
موضوع (التَّعارُض) هذا موجودٌ في كثيرٍ من أهل العلمِ وفي مسائلهم ومؤلَّفاتهم؛ يعني: هذا ممَّا لا يختصُّ به شيخُ الإسلام؛ وإنَّما هو في كثير من العلماء، هذه طبيعة البشر.
ولشيخ الإسلام ابن تيميَّة كلمةٌ خاصَّةٌ في هذا الموضوع؛ يقولُ: ما مِن عالمٍ إلَّا وله ما يقع -بمعنى الكلام- مِن تناقُضٍ؛ هذه طبيعة البشر {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}.
فالنَّظَرُ يكونُ مِن ثلاثِ جهاتٍ:
الجِهة الأُولَى: أَنْ يُصَرِّحَ العالِمُ بتراجُعِه عن قَوْلٍ إلى قَوْلٍ.
الأمر الثَّاني: أَنْ تَرَى أنَّ الدَّليلَ في القَوْلِ أَقْوَى مِنَ الدَّليلِ في القَوْلِ الآخَرِ.
والصُّورة الثَّالثة: أنْ ترَى آخِرَ القَوْلَيْن زمانًا.
قد يوجَد -هنالك- وسائل أُخرى وأدلَّة أُخرَى -أو طرائق أُخرى- لمعرفة آخِرِ القَوْلَيْنِ؛ لكن: هذا هو الكلام -بشكلٍ عامٍّ-.

3. السُّؤال:
مسافِر لحاجةٍ مَا مكَث مدَّة سفره عند أقاربِه: هل يبقى حكمُه حُكم المسافر طيلة مدَّة مكثه عند أقاربِه؛ بِحُكم أنَّه لا يلقى من العناء والمشقَّة فيما لو مكَث في فندق -مثلًا- أو استأجر بيتًا؟
الجواب:
هذا يختلفُ باختلاف العُرْف:
هل سفَره هذا الَّذي هو فيه: سفَرٌ طارئ أم سفَرٌ فيه استقرارٌ؟
لأنَّ بعض العلماء يفرِّقون بين سفر المقيم وإقامة المسافر، فملاحظةُ هذا الأمر مهمٌّ -جِدًّا- لمعرفة حال هذا الرَّجل، هذا أوَّلًا.
الأمر الثَّاني: أقاربه؛ فرق بين أن يكون عند -مثلًا- أمِّه أو ابنته أو أبيه أو ابنه، وبين أن يكون -مثلًا- في بيت أخيه المتزوِّج أو في بيت عمّه المتزوِّج -مثلًا-؛ فلا شكَّ -ولا ريب- أنَّه إذا وَجَد أمانًا وراحةً كأنَّه في بيتِه؛ فحُكمُه -حينئذٍ- حُكمُ المقيم.
أمَّا إذا لا يزال شأنُه ليس فيه الرَّاحة والاستقرار الَّذي يجدُه المقيمُ في بيتِه؛ فهذا -حينئذٍ- نقول: هو -لا شكَّ- داخلٌ في معنى السَّفَر، لا يَزال.
وأنا لا أنسى الشَّيخ الألبانيّ -رحمه الله- في أواخر السَّبعينات وأوائل الثَّمانينات- لمَّا كان يزور الأردن؛ فبعض الإخوة كان يَسأله -وهذا سمعتُه بنفسي- يقول: يا شيخ؛ أنت تأتي من سورية يومين.. ثلاثة أيام كل شهر -أو كذا-، ولا نراك تقصُرُ، وأنت مسافر؟ قال: أنا آتي إلى بيتِ ابنتي، وبيتُ ابنتي كبَيْتي، فأنا كصاحب البَيْتَيْن والزَّوجتَيْن.
يعني؛ المقصود بالتَّشبيه: هو أنَّه لا يجد قلقًا ولا يجد إزعاجًا ولا حرجًا في سُكناه أو مُكثه عند ابنتِه.

4. السُّؤال:
ما الأَوْلَى للدِّراسةِ بالنّسبة للمبتدئ في الطَّلب: (البَيْقُونيَّة) أم (غَرامي صَحيحٌ)؟
الجواب:
لا شكَّ -ولا ريب-: (البَيْقُونِيَّة)؛ لأنَّ (البَيْقُونِيَّة) هي في النَّظمِ فيها شَرْحٌ لمصطلحاتِ الحديثِ؛ بينما (غَرامي صحيح) ليس فيها شرحٌ، فيها -فقط- ألقاب المصطلحات الحديثيَّة، فيها ذِكر الصَّحيح فقط:
غَرَامِي صَحِيحٌ وَالرَّجَا فِيكَ مُعْضَلُ * وَحُزْنِي وَدَمْعِي مُرْسَلٌ وَمُسَلْسَلُ
ما المعضَل؟ ما الصَّحيح؟ ما المرسَل؟ ما المسلسل؟ لا يوجد في النَّظمِ، يوجد في الشُّروحِ.
وأنا عندما اخترتُ شَرْحَ (غرامي صحيح) ليس من أجل المتن؛ المتن مُغلَقٌ مِن حيثُ شروحُ المصطلَحاتِ؛ ولكن: مِن جِهة شَرْحِ الإمام الحافظِ محمَّد بن عبد الهادي (المتوفَّى سنة 744)، وهو من تلاميذِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميَّةَ -رحمه اللهُ تعالى-.
فـ(البَيْقُونِيَّة) -مع بعض شُرَّاحها- أفضلُ، وحِفظُها للمبتدئ -من حيث شرحُ المصطلَحاتِ- كذلك- أفضلُ.

5. السُّؤال:
هل عندكم تفصيل في مسألة صلاة المتباعِدِين؟
الجواب:
يا إخواني؛ موضوع صلاة المتباعِدِين -أو الصَّلاة بالتباعُدِ- شأنٌ طارِئٌ، وشأنٌ اضطراريٌّ، ليسَ أمرًا دائمًا، ولا أمرًا بالـخيارِ، وأرجو ملاحظةَ ذلك.
أمَّا بعضُ النَّاس الَّذين يقولون: الصَّلاةُ باطلةٌ -مع انتباههم وإدراكهم للاضطرارِ-؛ فهذا كلام غير صحيح.
القولُ بالبُطلانِ -بُطلان الجماعة، ليس بطلان الصَّلاة- القولُ بِبُطلان الجماعة كان له وجهٌ قبلَ فَرضِ هذه الصُّورة في المساجدِ.
أمَّا الآن؛ بعض النَّاس يقولون بِبُطلان الصَّلاة -بالكُلِّيّةِ-! وهذا غريبٌ عجيبٌ!
هل التَّراصُّ مِن شُروطِ صِحَّةِ الصَّلاة؟
أكثر ما يقال فيه: واجبٌ، وتركُ الواجبِ لحاجةٍ لا إثمَ فيه، تركُ الواجبِ بالتعمُّد -في أرجح الأقوال- إثمٌ، وليس إبطالًا للصَّلاةِ.

6. السُّؤال:
أنا أصلِّي جميع الصَّلوات في البيت وأنا لست مريضًا؛ لأجل هذا الوباء، وأخذت بالرُّخصةِ؛ هل أنا آثَم إذا ما ذهبت إلى المسجد لأداء الصلاة؟ مع الدَّليل على الإثم.
الجواب:
اترُك موضوع الوَباءِ وموضوع البَلاءِ؛ قبل وجود (الكورونا) وجائحة (الكورونا): ألم تكن تذهب إلى المسجد؟ إذا قلتَ: لا؛ فنقول لك: لماذا؟ وإذا قلتَ: نعم؛ فنقول لك: ما الفرق؟ طالما أنَّ سؤالك -ابتداءً- تقول: أنا لستُ مريضًا.. لأجل هذا الوباء؛ فإذن: أيُّ رخصة هذه التي تأخذُها؟ لا يوجد رخصة في الموضوع، وما يدفعُ موضوع البلاء والخوف منه: هو اتِّخاذ أسباب السَّلامة الَّتي فرضتْها الجهات المختصَّة في هذا البابِ.

7. السُّؤال:
شاهدتُّ مقطعًا للشَّيخ الحوينيِّ عن بداية طلبه للعلم، يقول: كنتُ لما أمسك الكتاب؛ أنسى كلّ الهموم، وأشعر كأنَّ الدُّنيا حِيزتْ لي؛ فكيف أصل إلى هذه المرحلةِ -شيخَنا-؟
الجواب:
يا أخي؛ كما كانَ شيخُنا الشَّيخ الألباني يُذكِّرُنا -أحيانًا- بلاميَّة ابن الورديِّ في بعض أبياتِها، أذكُرُ منها قولَ ابن الورديّ:
لا تَقُلْ قَدْ ذَهَبَتْ أَرْبابُهُ * كُلُّ مَن سَارَ عَلَى الدَّرْبِ وَصَلْ
لا تيأسْ، لا تحزنْ، لا تنقطعْ، لا تسأمْ، لا تهتمّ، استمرّ..
مَن حافظَ علَى القليلِ؛ يفُزْ بالكثيرِ.
أمَّا مَن قصَّر بالقليل؛ فلن يحظَى بشيءٍ!
فانتبهْ لنفسكَ، وجاهِدْ نفسَكَ، وعليكَ بالدُّعاءِ والتَّضرُّع إلى الله، وإن شاء اللهُ: ستجدُ أثرَ ذلك -إيجابيًّا- فيما أنت بصَدَدِه من هذا الأمرِ.

8. السُّؤال:
هل الصَّلاة بعد أذان الفجر بعشر دقائق صحيحة؟
الجواب:
الأصل أنَّها صحيحة، وهذه فتوى عامَّة لكلِّ المسلمين؛ لا نستطيع أن نُلزِمَ النَّاس بأن يكونَ العامِّيُّ مجتهدًا، أو المقلِّدُ صاحبَ تخصُّصٍ في علمِ الفَلَك ومعرفةِ الفجر الصَّادق والفجر الكاذِب، هذه نقطة مهمَّةٌ.
فالخِطابُ العامُّ مُلزِمٌ من الجهاتِ المختصَّة، وإذا كان ثمَّةَ إثمٌ؛ ففي أعناقهم؛ الرَّسولُ -عليه الصَّلاةُ والسَّلام- يقولُ: «الإمامُ ضامِنٌ والمؤذِّنُ مُؤتَمَنٌ»؛ إذن: الأمانةُ ليس لكَ تعلُّقٌ بها؛ وإنَّما تعلُّقُها بِمَنْ؟ بالمؤذِّنِ، بصاحِبِ التَّوقيتِ، بالموقِّت، واليوم: صاحبُ التَّوقيتِ هو الجهات الرَّسميَّة المختصَّة، فهم الَّذينَ يتولَّونَ هذا الأمرَ بهذه الصُّورة.
لكنْ -بالمقابل-: إنسان طالب علم، يفهم الأمور ويفقهها، ورأى بأمِّ عينِه -على وجه اليقين- خَللًا؛ فهو بينه وبين اللهِ؛ لكن: لا يُثيرُ الفِتن في النَّاس، ولا يُثير الخلاف والخلل في المجتمع؛ هذا -لا شكَّ- سيُسبِّب كثيرًا من المتاعبِ.
والله -تعالى- الهادي إلى سواء السَّبيلِ.

9. السُّؤال:
هل سبق وأن سمعتم الإمام الألبانيّ في مجلسٍ له قال: «اسألوا أخانًا مشهورًا؛ فهو أفقَهُ مِنَّا»؟ هذا مع أنَّني سمعتُ الشيخ مشهورًا يذكركم كتوصيةٍ من الإمامِ الألبانيّ للرُّجوع إليكم في علم الحديث.
الجواب:
أوَّلًا: أخي فضيلة الشَّيخ مشهور أفقَهُ منِّي -لا شكَّ، ولا ريبَ- وأعلَمُ منِّي، وأفضَلُ عند الله منِّي -إن شاء الله -تعالى-؛ لكن: أنا -الحقيقة- لم أسمعْ ذلك مِن شيخِنا، وقد يكونُ قالَه؛ إنَّما أنفي أنا ما سمعتُ، وحُسنُ ظنِّنا بفضيلة الشَّيخ أنَّه مِن نوادِرِ أهل العلم والفقهاء في هذا الزَّمانِ -جزاه الله -تعالى- خيرًا، وزاده من فضلِه-.

10. السُّؤال:
هل تغطية الأنف والفم أثناء الصلاة تفسد الصلاة؟ كمثل الكمامة.
الجواب:
لا نستطيع أن نُبطِلَ الصَّلاةَ، وبخاصَّة مع ما أشرتُ إليه من ماذا؟ مِن حالة الاضطرارِ وحالة الاختيارِ، يجب أن نفرِّقَ بين حالة الاضطرارِ وحالة الاختيارِ، أرجو التَّفريق بين هاتَين الصُّورَتَين.
ومع ذلك: مسألة وجود النَّهي في الصَّلاةِ مسألة خِلافيَّة بين أهلِ العلمِ: هل النَّهي في الشَّيءِ يُبطِلُه؟
إذا كان النَّهي عن الشيءِ في الصَّلاة؛ فإنه لا يُبطلها.
إذا كان النَّهي عن الصَّلاة في الشَّيءِ؛ فإنَّ مِن العلماء مَن يقول بِبُطلانِها.
فتغطية الفمِ جاء النهي عنها في الصَّلاة، ولم يجئ النهي عن الصَّلاة فيها.
أرجو التفريق بين هاتين الصُّورتَين، وهما من الدِّقَّةِ بمكانٍ.

11. السُّؤال:
عن حديثِ عائشةَ -رضي الله عنها- قالَتْ: ما جلس رسول الله ï·؛ مجلسًا قطُّ ولا تلا قرآنًا ولا صلَّى صلاةً إلَّا خَتَمَ ذلكَ بكلماتٍ، قالت: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، أراكَ ما تجلسُ مجلسًا ولا تتلو قُرآنًا ولا تُصلِّي صلاةً إلَّا ختمتَ بهؤلاءِ الكلماتِ؛ قال: «نعم؛ مَن قال خيرًا؛ خُتِمَ له طابَعٌ على ذلك الخيرِ، ومن قالَ شرًّا؛ كُنَّ له كُفارةً: سبحانك اللَّهمَّ وبحمدك، لا إله إلَّا أنتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ»، وصحَّحه الألباني في «الصحيحة».
هل يُستفاد من هذا الحديث ذِكر هذا الدُّعاء بعد الفراغِ من تلاوة القرآن؟

الجواب:
الأحاديثُ المتكاثرةُ في هذا الحديث تُبيِّن أنَّ هذا الدُّعاءَ دُعاءُ خَتْمِ المجلِسِ، فأنتَ في مجلسٍ، وكان في المجلسِ مِنكَ تِلاوةُ قرآن -ليس أن يكونَ مجلس تلاوة قرآن-، كما في مجالس تداوُل العلم والبحث العلميّ؛ تختمُه.
أمَّا فهم هذا الحديث أنَّه في نهاية خَتْمِ القُرآنِ؛ فهذا غير صحيحٍ، هذا الحديثُ أكثرُ وُرودِه في رِواياتٍ متعدِّدةٍ، وقد أطالَ الحافظُ ابنُ حَجَر في كتابِه «النُّكَت على ابن الصَّلاح» طوَّل في ذِكر طُرُق وألفاظ هذا الحديثِ.

12. السُّؤال:
هل صحَّ ذِكر التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير بين تكبيرات العيد السَّبع والخمس؛ أي يقول: (الله أكبر)، ثمَّ يقول الباقيات الصَّالحات، ثم يُكبِّر؟
الجواب:
(الباقيات الصَّالحات) لا أعلم وُرودها في ذلك؛ إنَّما ورد الذِّكرُ بين التَّكبيرتَيْن، ليس عن النَّبيِّ ï·؛؛ وإنَّما عن الصَّحابة، ولعله -فيما أذكر -الآن- عن ابن مسعودٍ -رضي الله -تعالى-عنه وأرضاه-.
أمَّا كلمة (الباقيات الصَّالحات)؛ فلا أذكرُها في هذا المقام -مطلقًا-.
والله -تعالى- أعلى وأعلم.

13. السُّؤال:
عن حديث: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ» حديث عائشة -رضي الله -تعالى- عنها- في ليلة القَدْر؟
الجواب:
بعض العلماء يصحِّحه، وبعضهم يُضعِّفُه، ويجعله موقوفًا على عائشةَ.
الدُّعاء -إذن- ثابتٌ؛ وإنَّما اختُلِفَ في رَفعِه ووَقْفِهِ، وأنا أميلُ إلى الرَّفعِ.
والله -تعالى- أعلى وأعلم.

14. السُّؤال:
أختٌ كان عليها صيامُ ثمانية عشر يومًا، ولم تكن تعلم بِحُكم مَن جاءه رمضان آخر ولم يَقضِ ما عليه من صيام، وعند علمِها بالحكم بادرت مباشرة بالقضاء، ولكن كان باقي تسعة أيَّام -فقط- ويدخل رمضان: فماذا يترتب عليها؟ وإذا كان لا بُد أن تَفدي مع القضاء -فالآن وضعُها المادي صعب قليلًا-: فهل تَبقى الفدية مُتعلِّقة في ذِمتها؟
الجواب:
نرجو أن: (لا)، وإن شاء الله: بعد انقضاء رمضان كما هو الحال -والسُّؤال يبدو أنه قديم قبل رمضان أو أثناء رمضان-، فطالما أنَّ الأمر متعلِّق بجهلها بالحكم؛ فلا بأس عليها -إن شاء الله-، والله يتقبَّل منَّا ومنها.

15. السُّؤال:
هل يجوز أن أصلّي أربع ركعات من التَّراويح بعد العشاء، ومِن ثَم أصلي أربع ركعات والوتر في الساعة الثَّانية عشرة؟
الجواب:
يجوز، لا مانع من ذلك -إن شاء الله-.

16. السُّؤال:
قول: (بِدِين الحبِّ آمنَّا)، وأن هذا برنامج.. [كأنَّه متعلِّق بفتوى سابقة للشَّيخ -رحمه الله-]
الجواب:
يا أخي؛ كلامي دقيقٌ، وشيخ الإسلام ابن تيميَّة يقول: العبارات المطلَقة لا تُعطَى جوابًا مطلَقًا؛ وإنما تُفصَّل.
إذا قصدتّ كذا؛ فيكون كذا، وإذا قصدتّ كذا؛ فيكون كذا.
أمَّا أن نقول بقول واحد مع احتماله لأكثر من قولٍ؛ هذا غير صحيح، وهو مخالف لكلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله-.
مع التَّوكيد: أنَّنا ضدّ ما يُسمَّى بِوحدة الأديان، وضدّ ما يسمَّى بتوحيد الأديان، ضدّ مباشرة -هكذا-لا شمالًا ولا يمينًا-، دين الله واضح، ودين الشَّرع الإسلامي واضح، ودين نبينا محمَّد ï·؛ واضح، التَّوحيد لا يلتقي مع الشِّرك.
لكن: هل هذا يَنفي التَّعايش الإنساني البشري بين النَّاس؟
هذه قضية أخرى، والرَّسول الكريم -عليه الصَّلاةُ والسَّلام- مات ودِرعه مرهونة عند يهوديّ -كما في «الصَّحيحِ»-، وزارَ ولد جاره اليهوديّ ودعاه للإسلام وأسلم، وأبوه يقول له: أطِعْ أبا القاسم ï·؛.
فقضية التَّعايش الإنساني بين النَّاس المختلفين في الدَّولة الواحدة شيء، وقضيَّة العقائد والأديان ودمجها وتوحيدها في شيء واحد؛ هذا باب آخَر لا يجوز القرب منه -لا من قريب ولا من بعيد-مهما كان القائل ومهما كان المدَّعي-.
وإن كنتُ أعلم أن هنالك من النَّاس -للأسف- بدون تقوى، وبدون وَرَع، وبدون خوف مِن العزيز الجبار لا يَزالون يتَّهمونني -إلى الآن- بهذه الفرية التي يعلمُ الله فوق عرشِه أنَّها كذب مَحض صُراح -لم يَخطر لي على بال ولم يَرِدْ لي على خيال-في ليل أو نهار-، والله الهادي لنا ولكم ولهم إلى سواء السبيل؛ إن ربي سميع الدعاء.


انتهى اللِّقاء الخمسون



__________
(1) لعله: قد يُغيِّره.
(2) لعله: ولا نرضاه لإخواننا.
رد مع اقتباس