أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
6727 17031

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر العقيدة و التوحيد

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-28-2009, 03:52 AM
ابا حفص السني الوجدي ابا حفص السني الوجدي غير متواجد حالياً
موقوف
 
تاريخ التسجيل: May 2009
الدولة: المغرب
المشاركات: 35
افتراضي ملحـق العقيدة الواسطيَّة

ملحـق
العقيدة الواسطيَّة
ملحـق
العقيدة الواسطيَّة







1- الجماعة والفرقة.
2- الموالاة والمعاداة.
3- الحكم بغير ما أنزل الله.
4- عدم الخروج على الأئمة.
5- الميثاق.
6- الإسراء والمعراج.
7- أشراط الساعة.
8- الجنة والنار.
9- ذم الكلام ووجوب التسليم لنصوص الكتاب والسنة.
ولما كانت هذه المسائل التسع أهم المسائل التي عدها من كتب في العقيدة من أبواب العقيدة، ولما كانت كلها موجودة كما أسلفت في ((شرح)) ابن أبي العز لـ((العقيدة الطحاوية))؛ فقد سِرتُ على طريقة تشبه طريقة شيخ الإسلام في ((الواسطية)) وشارحها الهراس؛ من حيث الاختصار والإيجاز، وذلك على النحو التالي:
أ - أذكر متن الطحاوي.
ب- أذكر في الهامش الموضع الذي ذكر فيه المتن من ((شرح الطحاوية))؛ لابن أبي العز الحنفي (تحقيق الألباني، الطبعة الثامنة)، والموضع الذي ذكر فيه شيخ الإسلام نحو كلام الطحاوي في أيٍ من كتبه.
ج - أذكر شرح ابن أبي العز لكلام الطحاوي مختصرًا مع ذكر الصفحة.
د- علقت تعليقات يسيرة، وخرَّجت الأحاديث؛ متبعًا الطريقة نفسها في أصل الشرح.
هـ- أدخلت الآيات والأحاديث والمراجع وغيرها في مواضعها من الفهارس العامة.
هذا؛ وأسأل الله عز وجل أن أكون قد وفقت في عملي هذا، وأن يكون هذا العمل نافعًا ومفيدًا للأساتذة والمربين الذين نذروا أنفسهم لتعليم الناس عقيدة السلف أهل السنة والجماعة.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المؤلِّف





فصـل في الجمـاعة والفـرقة

قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَنَرَى الْجَمَاعَةَ حَقًّا وَصَوَابًا، وَالْفُرْقَةَ زَيْغـًا وَعَذَابًا)( ).
الشرح: قــال تعـالى: â وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ á ( ).
وقال تعالى: â وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ á( ).
وقال تعالى: â إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَá( ).
وقال تعالى : â وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ  إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ á( )، فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف.
وقال تعالى: â ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ á( ).
وقال صلى الله عليه وآله وسلم:
((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين مِلّة، وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين مِلّة (يعني: الأهواء)، كلها في النار؛ إلا واحدة، وهي الجماعة))( ). وفي رواية: قالوا: مَن هي يا رسول الله؟ قال: ((ما أنا عليه وأصحابي))( ).
والأمورُ التي تتنازع فيها الأمة في الأصول والفروع، إذا لم تُردَّ إلى الله تعالى والرسول صلَّى الله عليه وآله وسلم؛ لم يتبيَّن فيها الحقُّ، بل يصير فيها المتنازعون على غير بيِّنة من أمرهم: فإن رحمهم اللهُ؛ أقرَّ بعضُهم بعضًا، ولم يبغِ بَعضُهم على بعضٍ؛ كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الاجتهاد، فيُقر بعضهم بعضًا، ولا يَعتدِي، ولا يُعتدَى عليه. وإن لم يُرحَمُوا؛ وقعَ بينهم الاختلافُ المذموم، فبغَى بعضهم على بعض: إمّا بالقول؛ مثل تكفيره وتفسيقه، وإمّا بالفعل؛ مثل حبسه وضربه وقتله.
فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إمّا عادلون، وإمّا ظالمون ؛ فالعـادل فيهم : الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء ولا يظلم غيره، والظالم: الذي يعتدي على غيره.
وأكثرهم إنما يظلمون، مع علمهم بأنهم يظلمون؛ كما قال تعالى: â وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ á( ).
وإلاَّ؛ فلو سلكوا ما علموه من العدل؛ أقرَّ بعضُهم بعضًا؛ كالمقلِّدين لأئمة العلم، الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل، فجعلوا أئمتهم نوابًا عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: هذه غاية ما قدرنا عليه؛ فالعادل منهم لا يظلم الآخر ولا يعتدي عليه بقولٍ ولا فعلٍ؛ مثل أن يدَّعي أن قول مقلَّده هو الصحيح بلا حجة يبديها، ويذم من خالفه مع أنّه معذور. اهـ








فصـل في الموالاة والمعاداة

قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَالْمُؤْمِنُونَ كُلُّهُمْ أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَنِ، وَأَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللهِ أَطْوَعُهُمْ وَأَتْبَعُهُمْ لِلْقُرْآنِ)( ).
الشرح: قال تعالى: â أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ á( ).
الوليُّ: من الوَلاية ـ بفتح الواو ـ التي هي ضِدُّ العداوة؛ فالمؤمنون أولياء الله، والله تعالى وليُّهم:
قال الله تعالى:
â اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَات ِ á( ).
وقال تعالى: â ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ á( ).
â وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض á ( ).
وقال تعالى: â إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ  وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَá( ).
فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض، وأنهم أولياء الله،وأن الله وليهم ومولاهم.
فالله يتولى عبادَه المؤمنين؛ فيحبُّهم ويحبُّونه، ويرضى عنهم ويرضون عنه،ومن عادى له وليًّا؛ فقد بارزه بالمحاربة.
وهذه الوَلاية من رحمته وإحسانه، ليست كوَلاية المخلوق للمخلوق لحاجة إليه.
قال تعالى: â وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا á( ).
فالله تعالى ليس له وليٌّ من الذُّلِّ، بل لله العزَّة جميعًا؛ خلاف الملوك وغيرهم، ممَّن يتولاَّه لذلِّه وحاجته إلى وليٍّ ينصره.
والولاية أيضًا نظير الإيمان، وتكون كاملةً وناقصةً؛ فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين؛ كما قال تعالى: â أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ  لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَة á ( ).
فالوَلاية لمن كان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، وهم أهل الوعد المذكور في الآيات الثلاث، وهي عبارة عن موافقة الولي الحميد في مَحابِّهِ ومَساخِطِهِ.
فوليُّ الله: هو مَن والى اللهَ بموافقته في محبوباته والتقرُّب إليه بمرضاته، وهؤلاء كما قال تعالى فيهم: â وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ á ( )؛ فَالمتَّقُون يجعلُ اللهُ لهم مخرجًا مِما ضاق على الناس، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون، فيدفع الله عنهم المضارّ، ويجلب لهم المنافع، ويُعطيهم الله أشياءَ يطولُ شرحها.
وقوله: ((وأكرمُهم عندَ اللهِ أطوعُهم وأتبعهم للقرآن)) : أراد: أكرم المؤمنين هو الأطوعُ لله، والأتبع للقرآن، وهو الأتقى، والأتقى هو الأكرم.
قال تعالى: â إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم á ( ).
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأبيض على أسود، ولا لأسود على أبيض؛ إلا بالتقوى، الناس من آدم، وآدم من تراب))( ).
فإنّ التفضيل عند الله بالتقوى وحقائق الإيمان؛ لا بفقرٍ ولا غنًى.
وقال رحمه الله تعالى:
(وَنُحِبُّ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالأَمَانَةِ، وَنُبْغِضُ أَهْلَ الْجَوْرِ وَالْخِيَانَةِ)( ).
الشرح: وهذا من كمال الإيمان، وتمام العبودية؛ فإنّ العبادة تتضمن كمال المحبَّة ونهايتها؛ فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله؛ فإن المحب يُحبُّ ما يُحبُّ محبوبُه، ويبغض ما يُبغض، ويرضى لرضائه، ويغضب لغضبه.
واللهُ تعالى يحبُّ المحسنين، ويحبُّ المتقين، ويحبُّ التوَّابين، ويحبُّ المتطهِّرين، ونحن نحبُّ من أحبَّه الله.
واللهُ لا يحبُّ الخائنين، ولا يحبُّ المْفسدين، ولا يحبُّ المستكبرين، ونحن لا نحبُّهم أيضًا، ونبغضهم؛ موافقةً له سبحانه وتعالى.
وفي ((الصحيحين)) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((ثلاثٌ من كنَّ فيه وَجَدَ حلاوةَ الإيمان: مَن كانَ الله ورسوله أحبَّ إليه مِمَّا سِوَاهما، ومَن كان يحبُّ المرءَ لا يُحبُّه إلاَّ لله، ومَن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار))( ).
فالمحبَّة التامَّة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه، وولايته وعداوته.
ومن المعلوم أنّ مَن أحبَّ اللهَ المحبةَ الواجبة؛ فلا بدَّ أن يُبغض أعداءه، ولا بدَّ أن يحبَّ ما يحبُّه من جهادهم؛ كما قال تعالى: â إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ á ( )، والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر؛ فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة، والحب والبغض، فيكون محبوبًا من وجه، ومبغوضًا من وجه، والحكم للغالب. اهـ






فصل في الحكم بغير ما أنزل الله

قال ابن أبي العز شارح الطحاوية( ): ((وهنا( ) أمر يجب أن يُتفطَّن له، وهو أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفرًا ينقل عن الملّة،وقد يكون معصيةً كبيرةً أو صغيرةً، ويكون كفرًا: إما مجازيًّا، وإما كفرًا أصغر، على القولين المذكورين، وذلك بحسب حال الحكم: فإنه إن اعتقد أنّ الحكم بما أنزل الله غير واجب، وأنه مخيَّر فيه، أو استهان به، مع تيقنه أنه حكم الله؛ فهذا كفرٌ أكبر، وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله، وعلمه في هذه الواقعة( )، وعدل عنه، مع اعترافه بأنه مستحقٌّ للعقوبة؛ فهذا عاصٍ، ويسمى كافرًا كفرًا مجازيًّا أو كفرًا أصغر، وإن جهل حكم الله فيها، مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطائه؛ فهذا مخطئ، له أجرٌ على اجتهاده، وخطؤه مغفور)). ا.هـ
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)): ((ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله؛ لا بين المسلمين، ولا الكفار، ولا الفتيان، ولا رماة البندق، ولا الجيش، ولا الفقراء، ولا غير ذلك؛ إلا بحكم الله ورسوله، ومن ابتغى غير ذلك؛ تناوله قوله تعالى: â أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ á( )، وقوله تعالى: â فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًاá( )؛ فيجب على المسلمين أن يحكَّموا الله ورسوله في كل ما شجر بينهم…))( ).
وقال أيضًا: ((وولي الأمر إن عرف ما جاء به الكتاب والسنة؛ حكم بين الناس به، وإن لم يعرفه وأمكنه أن يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا، حتى يعرف الحق؛ حكم بهِ، وإن لم يمكنه لا هذا ولا هذا؛ ترك المسلمين على ما هم عليه، كل يعبد الله على حسب اجتهاده، وليس له أن يلزم أحدًا بقبول قول غيره، وإن كان حاكمًا.
وإذا خرج ولاة الأمور عن هذا؛ فقد حكموا بغير ما أنزل الله، ووقع بأسهم بينهم؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم : ما حكم قوم بغير ما أنزل الله؛ إلا وقع بأسهم بينهم))( ).
وهذا من أعظم أساب تغير الدول؛ كما قد جرى مثل هذا مرة بعد مرة في زماننا وغير زماننا.
ومن أراد الله سعادته؛ جعله يعتبر بما أصاب غيره، فيسلك مسلك من أيَّده الله ونصره، ويجتنب مسلك من خذله الله وأهانه؛ فإن الله يقول في كتابه: â وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِá( ).
فقد وعد الله بنصر من ينصره، ونصره هو نصر كتابه ودينه ورسوله، لا نصر من يحكم بغير ما أنزل الله ويتكلم بما لا يعلم؛ فإن الحاكم إذا كان ديِّنًا، لكنه حكم بغير علم؛ كان من أهل النار، وإن كان عالمًا؛ لكنه حكم بخلاف الحق الذي يعلمه؛ كان من أهل النار،وإذا حكم بلا عدل ولا علم؛ كان أولى أن يكون من أهل النار.
وهذا إذا حكم في قضية معينة لشخص، وأما إذا حكم حكمًا عامًّا في دين المسلمين( )، فجعل الحق باطلاً والباطل حقًّا، والسنة بدعة والبدعة سنة، والمعروف منكرًا والمنكر معروفًا، ونهى عما أمر الله به ورسوله؛ فهذا لون آخر ، يحكم فيه رب العالمين ، وإله المرسلين ، مـالك يوم الدين، الذي â لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونá( )، â الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا á( ).
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم))( ).
أقوال العلماء في التشريع العام :
1- قول العلامة ابن حزم الأندلسي:
((لا خلاف بين اثنين من المسلمين .... وأن من حكم بحكم الإنجيل مما لم يأتِ بالنص عليه وحي في شريعة الإسلام فإنه كافر مشرك خارج عن الإسلام))( ).
2- قول شيخ الإسلام ابن تيمية:
((نُسَخُ هذه التوراة مبدلة لا يجوز العمل بما فيها، ومن عمل اليوم بشرائعها المبدلة والمنسوخة فهو كافر))( ).
3- قول الحافظ ابن القيم:
((قالوا: وقد جاء القرآن وصحَّ الإجماع بأنَّ دين الإسلام نَسَخَ كل دين كان قبله، وأنَّ من التزم ما جاءت به التوراة والإنجيل ولم يتبع القرآن فإنَّه كافر، وقد أبطل الله كلَّ شريعة كانت في التوراة والإنجيل وسائر الملل، وافترض على الجن والإنس شرائع الإسلام؛ فلا حرام إلا ما حرمه الإسلام، ولا فرض إلا ما أوجبه الإسلام))( ).
4- قول الحافظ ابن كثير:
((من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد خاتم الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة؛ كفر. فكيف بمن تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين))( ).
وقال في تفسير سورة المائدة (الآية: 50): ((ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال( ) بلا مستند من شريعة الله.. ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير)).





فصل في عدم الخروج على الأئمة

قال الطحاوي رحمه الله:
(وَلاَ نَرَى السَّيْفَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ؛ إِلاَّ مَن وَّجَبَ عَلَيْهِ السَّيْفُ. وَلاَ نَرَى الْخُرُوجَ عَلَى أَئِمَّتِنَا وَوُلاةِ أُمُورِنَا، وَإِنْ جَارُوا( )، وَلاَ نَدْعُو عَلَيْهِمْ، وَلا نَنْزِعُ يَدًا مِنْ طَاعَتِهِمْ، وَنَرَى طَاعَتَهُم مِّنْ طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَرِيضَةً، مَا لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ، وَنَدْعُو لَهُمْ بِالصَّلاَحِ وَالْمُعَافَاةِ)( ).
الشرح: ((في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أنه قال: ((لا يحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: الثيِّب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة))( ).
قال تعالى: â يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ á ( ).
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أنه قال: ((مَن أطاعني؛ فقد أطاع الله، ومن عصاني؛ فقد عصى اللهَ، ومَن يُطع الأميرَ؛ فقد أطاعني، ومن يعصِ الأميرَ؛ فقد عصاني))( ).
وعن أبي ذرٍّ رضي الله عنه؛ قال: ((إنّ خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدًا حبشيًّا مُجدَّع الأطراف))( ).
وفي ((الصحيحين)) أيضًا: ((على المرءِ المسلمِ السمع والطاعة فيما أحبَّ وكره ؛ إلاّ أن يُؤمر بمعصيــة ، فــإن أمِرَ بمعصيـة ؛ فــلا ســمعَ ولا طاعة))( ).
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال: ((خيار أئمتكم الذين تحبُّونهم ويحبُّونكم، وتصلُّون عليهم ويصلُّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)). فقلنا: يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: ((لا؛ ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا مَن ولي عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله؛ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعةٍ))( ).
فقد دلَّ الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر، ما لم يأمروا بمعصية، فتأمّل قوله تعالى : â أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ á ( )؛ كيف قال: â وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ á ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؛ لأن أولي الأمر لا يُفْرَدون بالطاعة؛ بل يُطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله( ).
وأما لزوم طاعتهم وإن جارُوا؛ فلأنّه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم، بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور؛ فإنّ الله تعالى ما سلّطهم علينا إلا لفساد أعمالنا، والجزاء من جنس العمل؛ فعلينا الاجتهادُ في الاستغفار والتوبة وإصلاح العمل:
قال تعالى: â وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍá ( ).
وقال تعالى: â وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُون(129)á ( ).
فإذا أراد الرعيّةُ أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم؛ فليتركوا الظلم)) اهـ







فصــل في الميثـــاق

قال الطحاوي:
(وَالْمِيثَاقُ الَّذِي أَخَذَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ آدَمَ وَذُرِّيَّتِهِ حَقٌّ)( ).
الشرح: قال تعالى: â وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَá ( ).
أخبر سبحانه أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم؛ شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو.
وقد وردت أحاديث في أخذ الذريَّة من صلب آدم عليه السلام، وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال، وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم:
فمنها ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال: ((إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم عليه السلام بنعمان (يعني: عرفة)، فأخرج من صلبه كلّ ذريَّة ذرأها، فنثرها بين يديه، ثم كلَّمهُم قُبُلاً؛ قال: ألستُ بربِّكُم؟ قالوا: بلى شهدنا…)) إلى آخر الآية( ).
وروى الإمام أحمد أيضًا عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ قال: ((يُقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيءٍ؛ أكنت مفتديًا به؟ قال: فيقول: نعم. قال: فيقول: قد أردتُ منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأبيتَ إلا أن تشرك بي شيئًا)).
وأخرجاه في ((الصحيحين)) أيضًا( ).





فصـل في الإسـراء والمعـراج

قال الطحاوي رحمه الله:
(وَالْمِعْرَاجُ حَقٌّ، وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنِّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَعُرَجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إِلَى حَيْثُ شَاءَ اللهُ مِنَ الْعُلاَ، وَأَكْرَمَهُ اللهُ بِمَا شَاءَ، وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، فَصَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فِي الآخِرَةِ وَالأُولَى)( ).
الشرح: المعراجُ: من العُروج؛ أي: الآلة التي يُعرج فيها؛ أي: يُصعد، وهو بمنزلة السُّلّم، لكن لا يُعلم كيف هو، وحكمه كحكم غيره من المغَيَّبات؛ نُؤمن به، ولا نشتغل بكيفيته.
وقد أسري بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وعُرِجَ بشخصه في اليقظة. وإنّ الإسراء كان مرّةً واحدةً بمكة بعد البعثة قبل الهجرة بسنة.
وكان من حديث الإسراء: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أسريَ بجسده في اليقظة على الصحيح، من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؛ راكبًا على البراق، صحبه جبرائيل عليه السلام، فنزل هناك، وصلى بالأنبياء إمامًا، وربط البراق بحلقة باب المسجد.
ثم عُرِجَ به من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا، ثم عُرج به إلى السماء الثانية، ثم إلى الثالثة والرابعة حتى السابعة، ورأى هناك عددًا من الأنبياء، ثم رُفع إلى سدرة المنتهى، ثم رفع لـه البيت المعمور، فأوحى إلى عبده ما أوحى، وفرض الله عليه خمسين صلاةً، فرجع حتى مرَّ على موسى، فقال: بِمَ أمِرْت؟ قال: بخمسين صلاة. فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك؛ ارجعْ إلى ربك؛ فاسأله التخفيف لأمتك. فوضع عنه عشرًا، ثم نزل حتى أتى موسى، فأخبره، فقال: ارجع إلى ربك؛ فاسأله التخفيف، فلم يزل يتردَّد بين موسى وبين الله تبارك وتعالى، حتى جعلها خمسًا، فأمره موسى بالرجوع، وسؤال التخفيف، فقال: قد استحييتُ من ربي، ولكن أرضى وأسلم. فلمَّا نفذَ؛ نادى منادٍ: قد أمضيت فريضتي، وخففتُ عن عبادي( ).
وفي رؤيته صلى الله عليه وآله وسلم ربَّه عزَّ وجلَّ اختلاف، والصحيح أنه رآه بقلبه، ولم يره بعين رأسه.
ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة: قوله تعالى: â سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى á ( )، والعبد عبارةٌ عن مجموع الجسد والروح؛ كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح، هذا هو المعروف عند الإطلاق، وهو الصحيح، فيكون الإسراء بهذا المجموع، ولا يمتنع ذلك عقلاً، ولو جاز استبعاد صعود البشر؛ لجاز استبعاد نزول الملائكة، وذلك يؤدي إلى إنكار النبوّة، وهو كُفر.
فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟
فالجواب ـ والله أعلم ـ: أن ذلك كان إظهارًا لصدق دعوى الرسول e المعراج حين سألَتْه قريشٌ عن نعت بيت المقدس، فنعته لهم، وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه، ولو كان عروجه إلى السماء من مكة؛ لما حصل ذلك؛ إذ لا يمكن إطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه، وقد اطلعوا على بيت المقدس، فأخبرهم بنعته.
وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلوِّ لله تعالى من وجوهٍ لمن تدبَّره، وبالله التوفيق. اهـ




فصــل في أشراط الســاعة

قال الطحاوي رحمه الله:
(وَنُؤْمِنُ بِأَشْرَاطِ السَّاعَةِ( )؛ مِنْ: خُرُوجِ الدَّجَّالِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ السَّمَاءِ، وَنُؤْمِنُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجِ دَابَّةِ الأَرْضِ مِنْ مَوْضِعِهَا)( ).
قال الشارح: عن حذيفة بن أسيد؛ قال: اطلع النبي صلى الله عليه وآله وسلم علينا ونحن نتذاكر الساعة، فقال: ((ما تذاكرون))؟ قالوا: نذكر الساعة. فقال: ((إنها لن تقوم حتى تَرَوْن قبلها عشرَ آياتٍ، فذكر: الدُّخَان، والدجَّال، والدابّة، وطلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى بن مريم، ويأجوج ومأجوج، وثلاثة خسوف: خسفٌ بالمشرق، وخسفٌ بالمغرب، وخسفٌ بجزيرة العرب، وآخر ذلك نارٌ تخرج من اليمن؛ تطرد الناس إلى محشرهم)). رواه مسلم( ).
وفي ((الصحيحين)) عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: ذُكر الدجال عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ((إن الله لا يخفى عليكم، إن الله ليس بأعور، وأشار بيده إلى عينه، وإن المسيح الدجال أعورُ عين اليمنى، كأنّ عينهُ عنبة طافية))( ).
وروى البخاري وغيرُه عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي نفسي بيده؛ ليوشِكنَّ أن ينزلَ فيكم ابنُ مريم حَكَمًا عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيضُ المال؛ حتى لا يقبله أحد، حتى تكون السجدة خيرًا من الدنيا وما فيها)). ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: â وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا(159) á( ) [النساء: 159].
وأحاديث الدجال وعيسى بن مريم عليه السلام ينزل من السماء ويقتله، ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله الدجال، فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم… يضيق هذا المختصر عن بسطها.
وأما خروج الدابَّة وطلوع الشمس من المغرب؛ فقال تعالى: â وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَá( ).
وروى البخاري عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا تقومُ الساعة حتى تطلع الشمسُ من مغربها؛ فإذا رآها الناسُ؛ آمن مَن عليها؛ فذلك حين لا ينفعُ نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ من قبل))( ).
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو؛ قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثًا لم أنسه بعدُ، سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ((إن أول الآيات خروجًا طلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابَّة على الناس ضحًى، وأيهما ما كانت قبل صاحبتها؛ فالأخرى على إثرها قريبًا))( )؛ أي: أول الآيات التي ليست مألوفة، وإن كان الدجَّال ونزول عيسى عليه السلام من السماء قبل ذلك، وكذلك خروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك أمور مألوفة؛ لأنهم بشر، مشاهدة مثلهم مألوفة، وأما خروج الدَّابَّة بشكل غريب غير مألوف، ثم مخاطبتها الناس، ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر؛ فأمر خارجٌ عن مجاري العادات، وذلك أول الآيات الأرضية، كما أنّ طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة أول الآيات السماوية. اهـ







فصــل في الجنــة والنــار

قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، لاَ تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلا تَبِيدَانِ؛ فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ قَبْلَ الْخَلْقِ، وَخَلَقَ لَهُمَا أَهْلاً، فَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ فَضْلاً مِنْهُ، وَمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ إِلَى النَّارِ عَدْلاً مِنْهُ، وَكُلُّ يَعْمَلُ لِمَا قَدْ فُرِغَ لَهُ، وَصَائِرٌ إِلَى مَا خُلِقَ لَهُ, وَالْخَيْرُ وَالشَّرُّ مُقَدَّرَانِ عَلَى الْعِبَادِ)( ).
الشرح: أما قوله: ((إن الجنة والنار مخلوقتان))؛ فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، ولم يزل أهل السنة على ذلك.
فمن نصوص الكتاب: قوله تعالى عن الجنة:â أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَá( )، â أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِه á ( )، وعن النار:
â أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَá( )، â إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادً  لِلْطَّاغِينَ مَآبًا(22)á ( )، وقال تعالى: â وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى  عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى  عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى á( ).
وقد رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم سِدْرَةَ المُنتهى، ورأى عندها جنّة المأوى؛ كما في ((الصحيحين)) من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفي آخره: ((ثم انطلقَ بي جبرائيل، حتى أتى سِدْرَةَ المنتهى، فغشيها ألوانٌ لا أدري ما هي)). قال: ((ثم دخلت الجنّة؛ فإذا هي جنابِذُ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك))( ).
وقوله: ((لا تفنيان أبدًا ولا تبيدان)): هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف.
فأما أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد؛ فهذا مِمّا يُعلم بالضرورة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر به.
قــــال الله تعــالى : â وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍá ( )؛ أي: إلاّ مدَّة مقامهم في القبور والموقف.
وقال ابنُ جرير الطبري: إنّ الله تعالى لا خُلف لوعده، وقد وصل الاستثناء بقوله:â عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ á ؛ أي غير مقطوع، وعلى كل تقدير؛ فهذا الاستثناء من المتشابه، وقوله: â عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذ ٍ á؛ محكم، فنأخذ بالمُحْكم، وندع المتشابه إلى عالِمه.
وقوله تعالى: â أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا á( ).
وقوله تعالى: â وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَá( ).
وقد أكّدَ اللهُ خلود أهل الجنّة بالتأبيد في عدة مواضع من القرآن، وأخبر أنّهم: â لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى á( )، وهذا الاستثناء منقطع، وإذا ضممتَهُ إلى الاستثناء في قوله تعالى: â إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَá؛ تبيَّنَ أنَّ المراد من الآيتين استثناء الوقت الذي لم يكونوا فيه في الجنّة من مدَّة الخلود؛ كاستثناء الموتة الأولى من جملة الموت؛ فهذه موتة تقدمت على حياتهم الأبدية، وذلك مفارقة للجنة تقدمت على خلودهم فيها.
والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة؛ كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَن يدخلُ الجنة ينعَمُ ولا يبأس، ويخلدُ ولا يموتُ))( )، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((يُنادِ مُنادٍ: يا أهل الجنة! إنّ لكم أن تصِحُّوا فلا تسقموا أبدًا،وأن تشِبُّوا فلا تهرموا أبدًا، وأن تحيَوا فلا تموتوا أبدًا))( )، وفي حديث ذبح الموت بين الجنة والنار: ((ويقال: يا أهل الجنة! خلودٌ فلا موت، ويا أهل النار! خلودٌ فلا موتٌ))( ).
وأما أبديَّة النار ودوامُها؛ فإن الله تعالى يُخرج منها من شاء؛ كما ورد في السنة، ويُبقي فيها الكفار بقاءً لا انقضاء له.
ومن أدلَّة بقائها وعدم فنائها:قوله تعالى:â وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ á( ) â لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَá( )،âخَالِدِينَ فِيهَا أَبَدً á( )â وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارá( )،â لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا á ( ).
وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار مَن قال: لا إله إلا الله، وأحاديثُ الشفاعة صريحة في خروج عُصاة الموحِّدين من النار، وأنّ هذا حكمٌ مختصٌّ بهم؛ فلو خرج الكفار منها؛ لكانوا بمنزلتهم، ولم يختصَّ الخروج بأهل الإيمان.
وبقاءُ الجنَّة والنار ليسَ لذاتهما؛ بل بإبقاء الله لهما.
وقوله: ((وخلقَ لهما أهلاً)): قال الله تعالى: â وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنس á ( )، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن الله خلق للجنّة أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلاً، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم))( )، رواه مسلم وأبو داود والنسائي.
وقوله: ((فمن شاء منهم إلى الجنَّة فضلاً منه، ومَن شاء منهم إلى النار عدلاً منه…)) إلى آخره: مِمَّا يجب أن يُعلم أنّ الله تعالى لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه، وهو العمل الصالح؛ فإنّه: â وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًاá( )، كذلك لا يعاقب أحدًا إلا بعد حصول سبب العقاب؛ فإن الله تعالى يقول: â وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرá( )، وهو سبحانه المعطي المانع، لا مانع لما أعطى، ولا معطيَ لما منع، لكن إذا مَنَّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح؛ فلا يمنعه موجـب ذلك أصــلاً ؛ بل يُعطيه من الثواب والقُرب ما لا عــين رأت ولا أذن سمعت ولا خطَر على قلب بشر، وحيث منعه ذلك؛ فلانتفاءِ سببه، وهو العمل الصالح.
ولا ريب أنه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، لكن ذلك حكمةٌ منه وعدلٌ؛ فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله، وأما المسببات بعد وجود أسبابها؛ فلا يمنعها بحال، إذا لم تكن أسبابًا غير صالحة: إما لفساد في العمل، وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه، فيكون ذلك لعدم المقتضي، أو لوجود المانع.
وإذا كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح، وهو لم يعطِ ذلك ابتلاءً وابتداءً إلا حكمةً منه وعدلاً؛ فله الحمد في الحالين، وهو المحمود على كل حالٍ، كل عطاء منه فضل، وكل عقوبة منه عدل؛ فإن الله تعالى حكيم، يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها؛ كما قال تعالى: â وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ á( )، وكما قال تعالى : â وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَؤُلاء مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَá ( )، ونحو ذلك. اهـ






فصل في ذم الكلام
ووجوب التسليم لنصوص الكتاب والسنة

قال الطحاوي رحمه الله تعالى:
(وَلا تَثْبُتُ قَدَمُ الإِسْلاَمِ إِلاَّ عَلَى ظَهْرِ التَّسْلِيمِ والاسْتِسْلامِ)( ).
الشرح: أي: لا يثبت إسلام من لم يسلِّم لنصوص الوحيينِ، وينقاد إليها، ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه.
روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمه الله؛ أنه قال: ((مِن الله الرسالة، ومن الرسول البلاغ، وعلينا التسليم))( ).
وهذا كلامٌ جامعٌ نافعٌ.
وقال الطحاوي:
(فَمَن رَام عِلْمَ ما حُظِرَ عَنْهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَقْنَعْ بِالتَّسْلِيمِ فَهْمُهُ؛ حَجَبَهُ مَرَامُهُ عَنْ خَالِصِ التَّوْحِيدِ وَصَافِي الْمَعْرِفَةِ وَصَحِيحِ الإِيمَانِ)( ).
الشرح: هذا تقريرٌ للكلام الأول، وزيادة تحذير أن يُتَكَلَّم في أصول الدِّين ـ بل وفي غيرها ـ بغير علم.
قال الله تعالى: â وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاًá( ).
وقال تعالى: â وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدًى وَلا كِتَابٍ مُّنِيرٍ  ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ á( ).
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما ضلّ قوم بعد هدًى كانوا عليه؛ إلا أوتوا الجدل، (ثم تلا ) : â مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاًá [الزخرف:58])). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن( ).
ولا شك أن من لم يسلم للرسول؛ نقص توحيده؛ فإنه يقول برأيه وهواه، ويقلّد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله، فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء به الرسول؛ فإنه قد اتَّخذه في ذلك إلهًا غير الله.
قال تعالى: â أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه áç( )؛ أي: عبد ما تهواه نفسه.
وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق؛ كما قال عبد الله بن المبارك رحمة الله عليه:

رَأَيْتُ الذُّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ

وَقَدْ يُورِثُ الذُّلَّ إدْمِانُهَا

وَتَرْكُ الذُّنُوبِ حَيَاةُ الْقُلُوبِ

وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا

وَهَلْ أَفْسَدَ الدِّينَ إلاَّ الْمُلُوكُ

وَأَحْبَارُ سُوءٍ وَرُهبَانُهَا

فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة، ويعارضونها بها، ويقدمونها على حكم الله ورسوله.
وأحبار السوء، وهم العلماء الخارجون عن الشريعة، بآرائهم وأقيستهم الفاسدة المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله، وتحريم ما أباحه، واعتبار ما ألغاه، وإلغاء ما اعتبره، وإطلاق ما قيده، وتقييد ما أطلقه... ونحو ذلك.
والرهبان، وهم جهَّال المتصوفة، المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية، المتضمنة شرع دين لم يأذن به الله، وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه e، والتعوُّض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس.
فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع؛ قدمنا السياسة!
وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل؛ قدمنا العقل.
وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف وظاهر الشرع؛ قدمنا الذوق والكشف.
ومن المحال أن لا يحصل الشفاء والهدى والعلم واليقين من كتاب الله وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ويحصل من كلام المتحيرين؛ بل الواجب أن يجعل ما قاله الله ورسوله هو الأصل، ويتدبَّر معناه ويعقله، ويعرفَ برهانَهُ ودليله العقلي والخبري السمعي، ويعرفَ دلالته على هذا وهذا، ويجعل أقوال الناس التي توافقه وتخالفه متشابهة مجملة، فيقال لأصحابها: هذه الألفاظ تحتمل كذا وكذا، فإن أرادوا بها ما يوافق خبر الرسول؛ قُبِلَ، وإن أرادوا بها ما يخالفه؛ رُدَّ.
وسبب الإضلال: الإعراض عن تدبِّر كلام الله ورسوله، والاشتغال بكلام اليونان والآراء المختلفة، وإنما سمي هؤلاء أهل الكلام؛ لأنهم لم يفيدوا علمًا لم يكن معروفًا، وإنما أتوا بزيادة كلام قد لا يفيد. اهـ
وقال الطحاوي أيضًا:
(فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالإِيمَانِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَالإِقْرَارِ وَالإِنْكَارِ، مُوَسْوَسًا تَائِهًا، شَاكًّا زَائِغًا؛ لاَ مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا، ولاَ جَاحِدًا مُكَذِّبًا) ( ).
الشرح: هذه الحالة حال كل مَن عَدَلَ عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم، أو أرادَ أن يجمع بينه وبين الكتاب والسُّنّة، وعند التعارض يتأوَّل النصَّ ويردُّه إلى الرأي والآراء المختلفة، فيَؤول أمرُه إلى الحيرة والضلال والشك.
قال أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي في كتابه الذي صنّفه ((أقسام اللذات)): ((لقد تأمّلت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية؛ فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيتُ أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: â الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى á( )، â إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ á ( )، وأقرأ في النفي: â لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ á ( )،â وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا á( ))).
ثم قال: ((ومن جرَّب مثل تجربتي؛ عرف مثل معرفتي)).
وقال أبو المعالي الجويني: ((يا أصحابنا! لا تشتغلوا بالكلام، فلو عرفت أنّ الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ؛ ما اشتغلت به)).
وقال عند موته: ((لقد خضتُ البحر الخضم، وخليت أهل الإسلام وعلومهم، ودخلت في الذي نهوني عنه، والآن؛ فإن لم يتداركني ربي برحمته؛ فالويل لابن الجويني، وها أنذا أموتُ على عقيدة أمي (أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور))).
ومن يصل إلى مثل هذه الحالة، إن لم يتداركه الله برحمته، وإلا؛ تزندق.
قال الشافعي رحمه الله:
((حكمي في أهل الكلام: أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام)).
وقال: ((لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلمًا يقولـه، ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ـ ما خلا الشرك بالله ـ خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام)). اهـ
وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز، فيقر بما أقروا، ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك، التي كان يقطع بها، ثم تبيَّن له فسادها، أو لم يتبين له صحتها، فيكونون في نهاياتهم ـ إذا سلموا من العذاب - بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب. اهـ
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:40 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd.