أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
17940 21802

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر الأئمة و الخطباء > خطب نصية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 07-19-2019, 09:50 PM
د. عماد البعقوبي د. عماد البعقوبي غير متواجد حالياً
عضو جديد
 
تاريخ التسجيل: Nov 2014
الدولة: العراق
المشاركات: 42
افتراضي خطبة مكانة الإمام البخاري وصحيحه

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة - ٢٥ - شوال - ١٤٤٠

الخطبة الأولى عن مكانة الإمام البخاري رضي الله عنه
والخطبة الثانية عن منزلة صحيح البخاري

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونسعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات اعمالنا ... [ الخ خطبة الحاجة ].
اعلموا عباد الله أن الله عز وجل حفظ لهذه الأمة دينها قال تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر: ٩ ].
وتكفل بنصرة الدين وإظهاره على الأديان جميعا، فقل جل وعلا:
{ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ } [ التوبة: ٣٣ ، الصف: ٩ ].
وقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً } [ الفتح: ٢٨ ].
وإن من المعلوم أن إظهار الدين على جيع الأديان مستلزم لحفظه، ورعايته، ونصرته. وإنما يكون ذلك باصطفاء الله أولياء له يحملون هذا الدين ويتعلمونه ويعلمونه ويذبون عنه.
لذلك ي الحديث الصحيح: « يحمـل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين ». [ صححه الألباني رحمه الله في مشكاة المصـابيح: ١ / ٥٣ ].
وقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم في طاعته ». [ حديث حسن. ينظر: السلسلة الصحيحة، تسلسل الحديث: ٢٤٤٢ ].
وقد حفظ لنا التاريخ رجالاً وعلماء مسلمين، حملوا دين الإسلام وحفظوه، ونقلوه للنّاس عبر قرون طويلة، وما دام الإسلام قائماً، فسيظل ذكرهم قائماً ومحفوظاً،

◇◇◇ ومن هذا الغرس، ومن أوائل هؤلاء العدول الثقاة الأتقياء الأنقياء الأصفياء الإمام البخاري رضي الله عنه صاحب الصحيح المعروف بصحيح البخاري.
نقف بعض الوقفات مع سيرة هذا الإمام المحدث الفقيه المجتهد العابد الزاهد التقي الورع رضي الله عنه..
كان رجل اسمه إسماعيل في منطقة بخارى من دولة أوزبكستان هذا الرجل كان محدثا وتاجرا قال لما حضرته الوفاة لأهله: " لا أعلم من مالي درهمًا من حرام ، ولا درهمًا من شبهة ". [ تاريخ الإسلام: ١٨ / ٢٣٩ ].

وعمَّا قليل توفي هذا المحدث، وترك أبناءه لترعاهم أمهم تلك المرأة الصالحة التقيَّة الزاهدة، " كانت أمُّ الإمام البخاري ، كثيرة العبادة والدعاء ، وقد أكرمها الله وابنها بكرامةٍ عجيبة ، ذلك أنّ ابنها محمدًا ؛ ذَهبَتْ عيناه في صغره ، فرأت والدته الخليلَ ابراهيمَ في المنام ، فقال لها : يا هذه ؛ قد ردَّ الله على ابنكِ بصَره ، بكثرة دعائكِ ، فأصبح وقد رَدَّ الله عليه بصره ". [ شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي: ٩ /٢٩٠ ].

◇ فنشأ هذا الابن الصغير في منبت حلال طيب فماذا كان ومن كان انه الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أعلم الناس بالسنة وجامع أصح كتاب بعد القرآن الكريم وهو صحيح البخاري ..
لم يكن من العرب، لكن الإسلام رفع أصله، وأعلى العلم ذكره، وبوأه ما يستحق من منزلة وتقدير؛ فهو شيخ شيوخ الحديث وإمام من أئمة الهدى، ومرجع للأمة في الصحيح من حديث نبيها صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

◇ اتِّفقُ كبارِ أهلِ العِلمِ في عصرِه على الثَّناءِ عليه، والإشادةِ بفِقهِه وفَهمِه وحِفظِه، وبالسبق في الحديث، ولقّبوه بأمير المؤمنين في الحديث، وهي أعظم درجة ينالها عالم في الحديث النبوي، وأثنوا عليه ثناءً عطرًا..

فقال الامام ابو عيسى الترمذي رحمه الله: " لم أرَ أحدا بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أحد أعلم من محمد بن إسماعيل ".

وقال أبو أحمد الحاكم: " كان البخاريّ أحد الأئمة في معرفة الحديث وجمعه، ولو قلت: إني لم أرَ تصنيف أحد يشبه تصنيفه في المبالغة والحسن لرجوت أن أكون صادقا ".

وقَالَ الإِمَامُ ابْنُ خُزَيْمَةَ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْه: « مَا رَأَيْتُ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَحْفَظَ لَهُ مِنْ محَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيّ ". [ الإِمَامُ الذَّهَبيُّ في سِيَرِ أَعْلاَمِ النُّبَلاَء ، طَبْعَةِ مُؤَسَّسَةِ الرِّسَالَة: ١٢ / ٤٣٢ ].

ويقول ابن خزيمة ايضا: "ما تحت أديم السماء أعلم بالحديث من محمد بن إسماعيل البخاري".

وقال قتيبة بن سعيد: "جالست الفقهاء والعباد والزهاد؛ فما رأيت -منذ عقلت- مثل محمد بن إسماعيل، وهو في زمانه كعمر في الصحابة".
وقال يحيى بنُ جعفرٍ البِيكَنْدِي رحمه الله: " لو قدرتُ أن أزيد في عُمُر محمد بن إسماعيل مِن عُمُري ؛ لفعلتُ ، فإنَّ موتي يكون موت رجلٍ واحدٍ ، وموته ذهابُ العلم ". تاريخ بغداد: ٢ / ١٢ ].

وقال محمد بن يوسف رحمه الله: " كنتُ مع البخاري بمنزله ذات ليلة ، فأحصيتُ عليه أنه قام وأسرج ، يستذكر أشياء ، يعلِّقها في ليلةٍ ، ثماني عشرة مرة ! ". [ تهذيب الكمال: ٣ / ١١٧٠ ].

◇ وأما في الفقه فقد بلغ من العلم مبلغا عظيما فكان في الفقه من أئمَّةِ الاجتهادِ المُطلَقِ بشَهادةِ أساطينِ العِلمِ، فهو إمام مجتهد حاله كحال الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل رضي الله عنهم، وإن اشتهر بالحديث لكنه في الفقه لا يقل عن ذلك.

ولم يكن الإمام البخاري رضي الله عنه مجرد عالم وحافظ ، بل كان اماما في الزهد والورع والعبادة ،
" بلغ مِن شدَّة وَرَعِ الإمام البخاري، أن ابنه أرسل إليه بضاعةً، فطلبها بعض التجار بربح خمسة آلاف درهم، فقال: انصرفوا الليلة..
فجاءه من الغد تجارٌ آخَرون، وطلبوها بربح عشرة آلاف، فقال: إني نويتُ أن أبيعها للذين أتوا البارحة ، ولا أحبُّ أن أغيِّر نيَّتي " [ تاريخ بغداد: ٢ / ١١ ].

ومِن دقيق محاسبة الإمام البخاري لنفسه؛ أنه قال يومًا لأبي معشر الضرير: " اجعلني في حِلٍّ يا أبا معشر ، فقال : من أيِّ شيء ٍ؟
قال: رويتُ يومًا حديثًا ، فنظرتُ إليكَ ، وقد أُعجِبتَ به وأنت تحرِّك رأسَك ويدَك ؛ فتبسَّمتُ من ذلك، قال: أنت في حِلٍّ، رحمك الله يا أبا عبدالله ". [ سير أعلام النبلاء: ١٢ / ٤٤٤ ].

وقبَّله تلميذه النجيب "مسلم بن الحجاج" -صاحب صحيح مسلم- بين عينيه، وقال له: "دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذِين، وسيد المحدِّثين، وطبيب الحديث في علله".
لله درّك يا بخاري قال الفِرَبْرِيُّ، عن شيخه الإمام البخاري رحمه الله: " أمْلَى يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا ، فخاف مَلالي؛ فقال: طِبْ نفسًا ، فإنَّ أهل الملاهي في ملاهيهم ، وأهل الصناعات ، في صناعتهم ، والتجار في تجاراتهم ، وأنت ؛ مع النبيِّ ﷺ وأصحابه " سير اعلام النبلاء: ١٢ / ٤٤٥ ].

◇ ومن زهده في الدنيا:

أنه لم يذل العلم ولم يقف على ابواب أهلها، بل ضحى بنفسه من أجل أعزاز العلم فانه رضي الله عنه لم يكد يستقر ببخارى أواخر عمره بعد ان قضى سني عمره في الرحلة والطلب والتصنيف حتى طلب منه أميرها " خالد بن أحمد الدهلي : أن يأتي إليه ليُسمعه الحديث؛ فقال البخاري لرسول الأمير: "قل له إنني لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء فليحضرني في مسجدي أو في داري، فإن لم يعجبك هذا فأنت سلطان، فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند الله يوم القيامة أني لا أكتم العلم ".
لكن الحاكم المغرور لم يعجبه رد البخاري، وحملته عزته الآثمة على التحريض على الإمام الجليل، وأغرى به بعض السفهاء ليتكلموا في حقه، ويثيروا عليه الناس، ثم أمر بنفيه من المدينة؛ فخرج من بخارى إلى "خرتنك"، وهي من قرى سمرقند، وظل بها حتى تُوفِّيَ فيها، وهي الآن قرية تعرف بقرية "خواجة صاحب" في ( ٣٠ رمضان ٢٥٦ )، ليلة عيد الفطر المبارك، وكان عمره رضي الله عنه اثنين وستين سنة.

◇ شيوخه:

يقول الإمام البخاري رضي الله عنه: " كتبت عن ألف ثقة من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث لا أذكر إسناده ". ويحدد عدد شيوخه فيقول: " كتبت عن ألف وثمانين نفسًا ليس فيهم إلا صاحب حديث ".
ولم يكن البخاري يروي كل ما يأخذه أو يسمعه من الشيوخ، بل كان يتحرى ويدقق فيما يأخذ، ومن شيوخه المعروفين الذين روى عنهم: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وعلي بن المديني، وقتيبة بن سعيد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو حاتم الرازي.

أحبتي في الله نحتاج وقفة وتأمل كيف بلغ هذا الإمام وغيره من الأئمة ما بلغوا وما هي الأسباب التي قدرها الله لهم
فالإمام البُخاريَّ رضي الله عنه ما بلَغَ تلك المنزلةَ الرَّفيعةَ إلَّا لأسبابٍ؛ منها:

١- طيب المطعم، فلم يورث له ابوه رحمه الله دينارا من حرام ولا دينارا من شبهة ، واكل الحلال، واطعام الأهل والولد والعيال الطعام الحلال له تأثير عجيب في صلاح الذرية واستقامتهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: { أطب مطعمك تُجَب دعوتك.

٢- صلاح والديه وهذا أمر عظيم فصلاح الوالدين له تأثير عظيم في صلاح الذرية ، كان ابن مسعود رضي الله عنه يقوم في الليل يصلي وينظر إلى ابنه الصغير فيقول : " من أجلك يا بني ".
وفي قصة موسى والخضر عليهما السلام قال : { وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا فأراد ربك ان يبلغا اشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك }.
فبعد أن ذم الله تعالى القرية ببخلها وعدم إعطائهم الطعام لموسى والخضر عليهما الصلاة والسلام ذكر انه رحم الغلامين اليتيمين وسخر نبيين يصلحان لهما الجدار ويحفظان لهما كنزهما بسبب صلاح ابيهما.

٣- نقاءُ سيرتِه، وصفاءُ سريرتِه، وما حبَاه اللهُ تعالى من قُوَّةِ الحِفظِ، وما تميَّز به من النُّبوغِ المُبكِّرِ، والذَّكاءِ المُفرِطِ.
فرحمه الله ورضي عنه وجزاه الله خيرا عنا وعن الإسلام والمسلمين وعن سنة النبي صلى الله عليه وسلم .
اقول قولي هذا واستغفر الله وهو حسبنا ونعم الوكيل..
عباد الله ادعوا الله وانتم موقنون بالإجابة.

◇◇ الخطبة الثانية:

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده..
اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم
و بارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد..

وبعد:

◇منزلة صحيح البخاري:

انتهت إلى الإمام البخاري رضي الله عنه رئاسة الحديث في عصره، وبلغ تصنيف الحديث القمة على يديه، ورُزِق كتابه الجامع الصحيح إجماع الأمة بأنه أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى، واحتل مكانته في القلوب؛ فكان العلماء يقرؤونه في المساجد كما تتلى المصاحف، وأوتي مؤلفه من نباهة الصيت مثلما أوتي أصحاب المذاهب الأربعة، وكبار القادة والفاتحين.

◇ صحيح البخاري في سطور:

• جمعه البخاري من ٦٠٠ ألف حديث
• روى فيه عن ٢٨٩ شيخ
• عدد أحاديثه نحو ٧٥٦٣
• حوى ٩٧ كتابا، و ٣٤٥٠ بابا
• بلغت مدة جمعه ١٦ عاما
• سمعه منه نحو ٩٠ ألف راو، أشهرهم: الفربري وهو أشهر راوٍ لصحيح البخاري.

◇ بلغت الجهود التي اعتنت به نحوا من ٥٠٠ كتاب بين شرح واختصار ودراسة وغيره .
صحيح البخاري هو أشهر كتب البخاري، بل هو أشهر كتب الحديث النبوي قاطبة. بذل فيه صاحبه جهدًا خارقًا، حيث بدأ الإمام بتصنيفه وترتيبه في المسجد الحرام، وجمع فيه ستمائة ألف حديث، في ست عشرة سنة، ومع علمه واشتغاله بالحفظ والحديث، إلّا أنّ ذلك لم يُشغله عن العبادة والقرآن، والصلاة والقيام، وانتقل في تأليفه وجمعه وترتيبه وتبويبه ستة عشر عامًا، هي مدة رحلته الشاقة في طلب الحديث. ويذكر البخاري السبب الذي جعله ينهض إلى هذا العمل، فيقول: كنت عند إسحاق ابن راهويه، فقال: لو جمعتم كتابًا مختصرًا لصحيح سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ فوقع ذلك في قلبي، فأخذت في جمع "الجامع الصحيح".
وعدد أحاديث الكتاب ( ٧٥٦٣ ) حديثًا، اختارها من بين ستمائة ألف حديث كانت تحت يديه؛ لأنه كان مدقِّقًا في قبول الرواية، واشترط شروطًا خاصة في رواية راوي الحديث، وهي أن يكون معاصرًا لمن يروي عنه، وأن يسمع الحديث منه، أي أنه اشترط الرؤية والسماع معًا، هذا إلى جانب الثقة والعدالة والضبط والإتقان والعلم والورع.

وكان البخاري لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل قبل ذلك وصلى ركعتين، وابتدأ البخاري تأليف كتابه في المسجد الحرام والمسجد النبوي، ولم يتعجل إخراجه للناس بعد أن فرغ منه، ولكن عاود النظر فيه مرة بعد أخرى، وتعهده بالمراجعة والتنقيح؛ ولذلك صنفه ثلاث مرات حتى خرج على الصورة التي عليها الآن.

وقد استحسن شيوخ البخاري وأقرانه من المحدِّثين كتابه، بعد أن عرضه عليهم، وكان منهم جهابذة الحديث، مثل: أحمد بن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين؛ فشهدوا له بصحة ما فيه من الحديث، ثم تلقته الأمة بعدهم بالقبول باعتباره أصح كتاب بعد كتاب الله تعالى.
وقد أقبل العلماء على كتاب الجامع الصحيح بالشرح والتعليق والدراسة، بل امتدت العناية به إلى العلماء من غير المسلمين؛ حيث دُرس وتُرجم، وتجاوز الخمسمائة كتاب ما كُتبت حوله من شروح وتعليقات واختصار وفوائد وغيرها. وأشهرها فتح الباري شرح صحيح البخاري في أربعة عشر مجلدا لشيخ الإسلام ابن حجر الذي قيل عنه " فتح الباري مكتبة كاملة ".

◇ اهمية صحيح البخاري العلمية:

يُعَدُّ صحيح البخاري أول مصنّفٍ صُنّف فيه الأحاديث الصحيحة المجردة، وللعلماء كلام كثير في استحسان هذا الكتاب، وبيان مكانته العلمية الرفيعة،
شهادة العلماء لصحيح البخاري:
روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروي بإسناده إلى أبي زيد المروزي قال: " كنت نائمًا بين الركن والمقام فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في المنام فقال لي: يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟
فقلت: يا رسول الله وما كتابك؟
قال: جامع محمد بن إسماعيل. [ أي: صحيح البخاري ].
ذكر هذه الرؤيا الحافظ ابن حجر في آخر مقدمة "فتح الباري".
قال الإمام النووي: ( اتفق العلماء رحمهم الله تعالى على أنّ أصح الكتب بعد القرآن الكريم صحيحا البخاري ومسلم "، وتلقّتهما الأمة بالقبول، وكتاب البخاري أصحّهما، وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة ).
قال الإمام ابن حجر: ( وقد رأيت الإمام أبا عبدالله البخاري، في جامعه الصحيح، قد تصدى للاقتباس من أنوارهما البهية يعني: القرآن والسنة تقريراً واستنباطاً، ورزق بحسن نيّته السعادة فيما جمع، حتى أذعن له المخالف والموافق، وتلقّى كلامه في الصحيح بالتسليم المطاوع والمفارق ).
ولله در القائل:
صحيح البخاري ولو انصفوا *** لما خط إلا بماء البصر
وما ذاك إلا لضبط الأصول *** وعدل الرواة بنقل الخبر
وفيه علوم الورى جمة *** تضمنها قول خير البشر
وقد فاق فضلا على غيره *** فأضحى إماماً لكتب الأثر
هو البحر علماً فإن خضته *** ظفرت بكنز الهدى والدرر
لقد كان نقد الكتابين ابتداء من المشايخ المعاصرين للإمامين، وما تلا ذلك من القرون مرورًا بأبي الحسن الدارقطْنًي، وأبي علي الغساني، وأبي مسعود الدمشقي، ومن بعدهم من أرباب وأئًمة هذا الشأن.
ومثاله عرض أبو الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري كتابه (الصحيح) على سَيًّدً الحفاظ إمام الجرح والتعديل أبي زُرعة الرازي. قال مكي بن عبدان (1): سمعت مسلما يقول عرضت كتابي هذا (المسند) على أبي زرعة، فكل ما أشار علي في هذا الكتاب أن له علة وسببا تركته، وكل ما قال: أنه صحيح ليس له علة، فهو الذي أخرجت .اهـ
فاستقر الأمر على قبول الكتابيْن، عدا أحرف يسيرة بيَّنَها العلماءُ، وقد تلقت الأمة هذين الكتابين بالقبول، وحصل لهما من الإجماع ما لَم يحصل لغيرهما من كتب الحديث.
وكانت لًهذين الكتابيْن مكانة عظيمة عند أهل السنة، فمن أتى بعد ذلك ناقدًا أو مستدركًا، فهو لا ينقد (صحيح البخاري)، و(صحيح مسلم)، بل ينقد ويستدرك على جموع العلماء، ويتَّهم مجموع الأمة بالخطأ.

أحبتي في الله إن في أخذ الصحيحين، ودراستهما والنظر فيهما بركة عجيبة، نأخذ مثالين على ذلك:
١- كان السلطان العثماني عبد الحميد الثاني صاحب مدة طويلة في الحكم إذ حكم العالم 33 عاما، وصاحب إنجازات كثيرة، لكن ذهبت إنجازاته، مع الأيام، لكن بقي اسمه وذاع صيته، ولعل هذا بسبب انجاز عظيم قدمه في عصره، ولا يزال إلى الآن ينتفع به الناس، ألا وهو طبعه أول طبعة لصحيح البخاري، ولا تزال هذه الطبعة إلى اليوم تنير المكتبات والمساجد وهي الطبعة المعتمدة عند أكثر العلماء، لما نالت من عناية وتدقيق ومراجعة.

٢- بل إن المسلمين فيما سبق يستنزلون النصر من الله بقراءة صحيح البخاري، فقد ذكر المؤرخون أن حاكم مصر قبل 150 عام تقريبا الخديوي توفيق كان يقول: إن الله عودني أنه إذا صارت الحرب أن أجمع العلماء يقرأون صحيح البخاري في المساجد فينصرنا الله ".
الله أكبر ما هذا الفضل وما هذه البركة، وما هذا الخير في صحيح البخاري، والله لو انصفوه لما خطت حروفه إلا بماء الذهب.
لذا ينبغي أن تكون " للصَحيحَيْن البخاري ومسلم " هيبة عند أهل السنة والجماعة، حتى لا يجرؤ غًمْري يُصَحًّحُ ويُضَعًّفُ أحاديثَ في صحيحي البخاري ومسلم، فيفتح باباً لأهل الأهواء والبدع، للنيل من دين هذه الأمة، فأهل البدع يستدلون بًغَمْزً جُهَّالً أهل السنة في كتب وعلماء السنة، وربما فُتًحَ بابُ شَرّي لكل من أراد أن يتكلم في رواية تخالف ما عليه المذهب والمشرب، فيعظم قول إمامه، ويطرح قول الرسول صلى الله عليه وسلم، بًحُجَّةً النقد الحديثيً إنَّ الواجب على المسلمين في عصرنا، وفي كل عصر، الوقوف بقوة أمام أي محاولة للنيل من كتب السنة عامة، والصَّحيحَيْن خاصة؟
وإن كان ثمة تساهل أمام أيّ تطاول على صحيح البخاري، وصحيح مسلم، فلن يبقى لأهل السنة كتاب خاص بالحديث الصحيح يرجعون إليه، ولأصبح الناس في شك وتردد أمام مرويات السنة، وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندها فلا تسأل إن ظهرت وعلت رايات أهل الأهواء، ولا تعجب عندما ترى لدعاةً الرأي والفكرً شوكة.
فالخير كل الخير في اتباع السنة والتمسك بها وتعظيمها وتوقيرها والاعتناء بها ولا سيما أصح ما صنف فيها ..
فتمسكوا بذلك فإنه فضل كبير وثواب عظيم تنال به مرافقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة قال عليه الصلاة والسلام: " يحشر المرء مع أحب يوم القيامة "
فما فرح أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بعد فرحهم بالإسلام مثل فرحهم بهذا الحديث فكونوا على نصيب من ذلك وثبتوا محبتكم بالتمسك بالصحيحين البخاري ومسلم وكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم..
اللهم وفقنا إلى ما تحب وترضى وانفعنا بما سمعنا وأسمعنا ما ينفعنا، اللهم انا نسألك حبك وكل عمل يقربنا إلى حبك، اللهم وفقنا لمحبة النبي صلى الله عليه وعفى آله وسلم واتباع سنته والتمسك بشرعته ومناهجه ..
اللهم انا نسألك الجنة وما قرب اليها من قول أو عمل ونعوذ بك من النار وما قرب اليها من قول أو عمل..
اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الشرك والمشركين وأذل الظلم والظالمين وأذل الكفر والكافرين، وانصر بفضلك من نصر الدين وأخذل بقدرتك من خذله يا رب العالمين ..
اللهم اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات يا غفور يا غفار يا رحيم..
اللهم انت ربنا لا اله الا انت خلقتنا ونحن عبادك ونحن على عهدك ووعدك ما استطعنا نعوذ بك من شر ما صنعنا نبوء لك بنعمك علينا ونبوء بذنوبنا فاغفر لنا فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت..
اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا معصوما، اللهم لا تجعل فينا ولا معنا شقيا ولا مطرودا ولا محروما..
اللهم لا تدع لنا في جمعنا هذا ولا لاحد من عبادك المسلمين ذنبا إلا غفرته ولا هما إلا فرجته ولا مريضا إلا شفيته وعافيته ولا غائبا إلا بالخير والعافية إلى أهله رددته ..
اللهم احفظ بلدنا هذا وسائر بلاد المسلمين اللهم اجعلها آمنة مطمئنة سخاء رخاء مدفوعا عنها الغلاء والوباء وكل فتنة ومحنة وشر يا رب العالمين يا ارحم الراحمين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان وأهل السنة والجماعة إلى يوم الدين.
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
مكانة.الامام.البخاري

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 03:51 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.