أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
11506 23696

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > منبر الأئمة و الخطباء > خطب نصية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-15-2013, 01:51 AM
أبو عبد الله عادل السلفي أبو عبد الله عادل السلفي غير متواجد حالياً
مشرف منبر المقالات المترجمة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية
المشاركات: 4,025
افتراضي خطب المسجد الحرام (متجدد إن شاء الله)


خطبة المسجد الحرام 21 / 3/ 1429 هـ

الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس

نصرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم


الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نحمده ونستغفره، ونثني عليه الخير كله، أسدى إلينا نعمًا غداقًا، وأولانا مِنَنًا دفاقًا، سبحانه هو أهل المجد والثناء وجوبًا واستحقاقًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً نروم بها من الجنان تبوُّؤًا ولحاقًا، وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله، أزكى البرايا محتدًا وأعراقًا، وأظهرهم شمائلَ وأخلاقًا، وأسماهم سيرةً عمَّت الدُّنا إشراقًا، صلوات ربي وتسليماته تترى عليه إجلالاً لعظيم حقه ووفاقًا، وعلى آله وصحبه الناصرين لمحجته تنافسًا واستباقًا، والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسانٍ اقتداءً واشتياقًا، أما بعد،


فيا عباد الله:
أكرم الوصايا الشريفة، والعظات المنيفة: الوصية بتقوى الله - عز وجل - ألا فاتقوا الله - رحمكم الله - واعلموا أن تقواه تعالى سبيل لنصرة السنة، ومرقاة لأهالي الجنة، وهي دون الأهواء والمحدثات جُنَّة، وبرهانٌ للمحبة الصادقة ومئنة، وخير زاد للقلوب المطمئنة: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} [البقرة: 197].


أيها المسلمون:
لطالَما عاشتْ أرجاء المعمورة كلُّها قبل البعثة المحمديَّة حياةً مقطعةَ الروابط الاجتماعية، في بأوٍ وعنجهية، وضلالاتٍ ووثنية، تحيا في طغيان وتباب، ممزَّقة الإهاب، مشتتة الجناب، إلى أن أشرقت البعثة النبوية، على صاحِبِها أفضل صلاةٍ وأزكى سلامٍ وتحية، فنقلت العالم بفضل الله إلى مهاد التَّوحيد والحياة الإنسانيَّة، والحق والعدالة الربانية: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُّنِيرًا} [الأحزاب: 45 - 46]، فوسع نور رسالته الغراء الأنحاء، وعمَّ فضلها الأرجاء، وائتلفتْ دولةُ الإسلام وامتدَّتْ، واستوثقتْ مرهوبةً دهورًا واشتدت، تنهل العالم الصدآن جمال الحق والعدل والسلام والهدى، ورونق الكرامة والعزة إلى أقصى مدى، فلله المحامد كلها، على هذه المنة العظمى والنعمة الكبرى.


سُبْحَانَهُ أَعْطَاكَ خَيْرَ رِسَالَةٍ لِلْعَالَمِينَ بِهَا نَشَرْتَ هُدَاكَ
مَاذَا يزِيدُكَ مَدْحُنَا وَثَنَاؤنَا وَاللهُ فِي القُرْآنِ قَدْ زَكَّاكَا

معاشر المسلمين:
لقد اقتضت حكمة المولى - جل جلاله - أن يكون صاحب هذا الفضل المخصوص، والمقام العلي المنصوص - إمام الأنبياء، وسيد الحنفاء، محمد بن عبدالله - صلوات الله وسلامه عليه - صاحب الغرة والتبجيل، الموحى إليه بالتنزيل، والمؤيَّد بالمَلَك جبريل، والمنوَّه به في التوراة والإنجيل.


هَاكَ الحَبِيبُ مزاجه أَشْوَاقُ وَقَفَ الحَبِيبُ فَكُلُّنَا سَوَّاقُ
عَنْ قَلْبِهِ، عَنْ حُبِّهِ، عَنْ لُطْفِهِ عَنْ كُلِّ مَا قَدْ جَادَتْ الأَخْلاقُ
طُوبَى لِمَنْ عَنْ نَهْجِهِ لَمْ يَغْفَلُوا يَوْمًا وَذَاقُوا فِي الْهَوَى مَا ذَاقُوا

وما خصَّ الله به نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - من الفضائل والمناقب، والاصطفاء والاستباء الثاقب، لا تستقلُّ به اليراعات والمحابر، ولا الطروس والمزابر؛ بل تفضح به مجلجلةً على الدوام المنائر، وتهتزُّ له أعواد المنابر: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 4].


إخوة الإيمان:
وبِمُقْتَضى ذلك المقام الباهر، والفضْلِ العالي الزاهر، للرَّحمة المهداة، والنعمة المُسداة، ومع ما تطاير من كيد الأعداء ولؤْمِهم، حتى نعقوا بالحقد نعيقًا، وامتلأتْ قلوبُهم بنار الكيد حريقًا - آن الأوان خِلالَ هذه الهجمات التي لاحقتنا، والأوضاع التي أرَّقتنا، أن نتعرف موقعنا الحقيقي من جناب نبينا وحبيبنا - صلى الله عليه وسلم - اهتداءً وسنةً، وسيرةً ونصرةً، واقتداءً ومسيرةً، في زمن تعيش فيه الإنسانية عصرًا ماديًّا مظلمًا، وإفلاسًا روحيًّا معتمًا، وتهتُّكًا أخلاقيًّا مضرمًا؛ حيث تنكرت كثير من المجتمعات لأصول الشرائع السماوية، وعبثت بالمُثُل القِيَمِيَّة، والأعراف الدُّوَلية، وتجرأت بكل سفاقة وفدامة على أعظم البرية، صلوات ربي تترى عليه بكرةً وعشية.


وفئامٌ يعيشون أسقامًا فكرية، جنحوا إلى تحريف مراد السنة والسيرة، واقتضبوا فهمها اقتضابًا؛ فغدوا في هامة الأمة – والهفتاه - سيوفًا عضابًا، وألسنة حسرة غضابًا، وفي خضم ذلك كله، ما أقذَرَ القلوب الواعية على اختلاف مشاربها ومنازعها، وتباين أفكارها وأمصارها، وهي تنشد كرامة الإنسانية، وأمن الحضارة والمادية، أن تهرع بكل طاقاتها؛ انتصارًا لعظمة نبي الرحمة البهية، والأخلاقية السنية، وكيف لا يكون ذلك والمولى سبحانه يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].


أمة الانتصار، أحبة الحبيب المختار، صلوات ربي وسلامه عليه ما تعاقب الليل والنهار:
وتأصيلاً لحقيقة النصرة وتفصيلاً، وتآزرًا وتفعيلاً – لا بد من التأكيد على أن النصرة لخير البرية - صلى الله عليه وسلم - منهج شرعي مدى الحياة، ومعتقد رباني حتى الوفاة، وثبات على هديه - عليه الصلاة والسلام - من غير تبديل، ووفاء لسنته - صلى الله عليه وسلم - من غير تأويل، وسنلقى النتيجة البهيجة، والحصيلة الأريجة، إذا تجاوزت الأمة حيز الانفعال إلى التحقق والفعال، يوضح ذلك منهج سلفنا الصالح - رحمهم الله - امتثالاً لقوله سبحانه: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عَضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة"؛ خرجه أهل "السنن" من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه.


يقول القاضي عياض - رحمه الله -: "ومن محبته - صلى الله عليه وسلم -: نصرة سنته، والذَّبُّ عن شريعته".
ويقول الزهري - رحمه الله -: "الاعتصام بالسنة نجاة، ولا يتم ذلك إلا بتجريد الاتباع، ونفي الابتداع ببُعْدَيْه الإيماني والعملي".
وقال العز بن عبدالسلام - رحمه الله -: "فيا سعادة مَنِ اقتدى به، واستنَّ بسيرته، وأخذ بطريقته، وامتلأ قلبه بمحبته، في دق ذلك وجله، وكُثره وكُله"؛ إذ ليس ارتباطنا برسولنا وقرة أعيننا - عليه الصلاة والسلام - رهين مناسبات وأويقات، ولا هو بتغنٍّ بشمائل ومعجزات، ولا مدائح مجردة تفديه بالنفيس والمُهَج؛ بل هو قَفْوٌ للأثر بصحيح الآثار والحجج، واتِّباعٌ وحب، ونُصرة وذَب.


مَنْ جَاءَ بِالدِّينِ الحَنِيفِ مُخَلِّصًا فَلَنَا بِقَفْوِ سَبِيلِهِ إِنْ جَاحُوا
هَذَا الكِتَابُ المُسْتَبِينُ وَمِثْلُهُ سُنَنٌ حِسَانٌ تُحْتَذَى وَصِحَاحُ

أمة الإسلام:
إنه لا صلاح لحال، يستتبع صلاح العقبى والمآل، إلا بالاعتصام بالكتاب والسنة، على منهج سلف الأمة، وتمثل الميراث المحمدي الخالد في جوانب حياتنا كلها؛ السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والفكرية، والإعلامية والتعبدية، كي يكون دون ضعفنا، ودون مطاعن الأعداء درعًا واقيًا، ودون الخرافات والمحدثات حصنًا أشم باقيًا، وإن تطيعوه تهتدوا، ومن ذلك - قيامًا بشرط الإيمان به، الموجب لحبه، وتوقيره ونصرته صلى الله عليه وسلم -: استحثاث جيلنا الصاعد، ونشأنا الواعد، بل العالمين أجمعين لتعظيم قدر النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - ومعرفة شمائله وخصائصه وفضله على جميع الناس، وبيان شرعه الذي ليس به التباس، والتمسك بسنته الزكية، وتمثلها حالاً ومقالاً، لفظًا وفعالاً، تعلمًا وتعليمًا، وحفظ سيرته عمليًّا ومنهجيًّا، وجعلها مهوى أفئدة المسلمين ونجوى ضمائرهم؛ عبر المدارس والجامعات، والهيئات والمؤسسات؛ كي ترقِّينا حضاريًّا وعلميًّا، وروحيًّا وأخلاقيًّا؛ لأنها المنهج الذي تفرَّع عن أرسخ سيرةٍ عرقًا، وأطيبها سنة عَبَقًا وعِبْقَا، وتلك هي النصرة الحقيقية التي نتمثلها تفسيرًا عمليًّا في قول المولى جل شأنه: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، والتنادي بذلك، وشحن الهمم في كل محفل، في مؤتمرات القمم، وهيئات الأمم، بكل عزٍّ وإباءٍ وشمم.


أَنْشَأْتَ مَدْرَسَةَ النُّبُوَّةِ فَاسْتَقَى مِنْ عِلْمِهَا وَيَقِينِهَا الأَبْرَارُ
هِيَ لِلْعُلُومِ قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا وَلِمَنْهَجِ الدِّينِ الحَنِيفِ مَنَارُ

فهل بعد ذلك يصح يا أمة النصرة أن نحفظ الهدي المحمدي المبرور في السطور والصدور، ولا يكون إلا أبعد ما يكون، عطاءً نوَّارًا في الشعور، أو أن نعرفه دواوين وأوراقًا، ونهمله قيمًا ومثلاً وأخلاقًا، أو نتعرف إليه أيامًا ونهجره عامًا، أو نتيه به نغمًا وكلامًا، ويُجْفَى شِرعةً حياةً وأحكامًا!!


ألا كلا ولا، وألفٌ على الوِلَى، وهل – يا رعاكم الله - إلا السنة النبوية والسيرة الرضية، والذب عن جناب حبيبنا وقدوتنا وأسوتنا - صلى الله عليه وسلم - سبلُ الفلاح، وطرق النجاح، وبُرُد السؤدد والعزة والصلاح؟!


فَيَا رَبَّاهُ يَا مَنْ لا يُضاهَى وَلا مِثْلٌ لَهُ فِي العَالَمِينَا
سَأَلْنَاكَ انْتِصَارًا عَنْ قَرِيبٍ لِدِينِكَ رَبَّنَا نَصْرًا مُبِينَا
وَصَلَّى اللَّهُ رَبِّي مَعْ سَلامٍ عَلَى خَيْرِ البَرِيَّةِ أَجْمَعِينَا

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الكَافِرِينَ} [آل عمران: 32].


بارك الله لي ولكم في الكتاب والسنة والسيرة، وجعلها خير منهج وذخيرة، وأصلح لنا الحال وزكى السريرة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب وجريرة، فاستغفروه وتوبوا إليه؛ إنه كان للأوَّابين غفورا.


الخطبة الثانية
الحمد لله، عمَّ فضله كل موجود، ونطق بوحدانيته لسان الوجود، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خُصَّ بالمقام المحمود، والحوض المورود، واللواء المعقود، اللهم فيا ربِّ صلِّ وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه الباذلين لنصرته كل طوق ومجهود، ومَنْ تبعهم بإحسان يرجو الفوز بجنات الخلود، أما بعد؛


فيا أيها المسلمون:
اتقوا الله حق التقوى، وراقبوه في السر والنجوى، واعلموا أنَّ من خير القربات وأزكى الطاعات، الذب عن جناب خير البريات: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد: 25].


أمة النصرة:
ولا يعزب عن شريف علمكم ولطيف فهمكم - أن في طيات المحن منحًا؛ فالمحنة التي أناخت بكَلْكَلِهَا في مضارب أمتنا الإسلامية، لم تزد - وايم الله - قدر نبينا - صلى الله عليه وسلم - إلا تعريفًا وعلوًّا، وتمجيدًا في العالمين وسموًّا، وتشوقًا من الآخرين لعظمته ومناقبه ورنوًا.

نعم؛ هي بلا شك طعنة للأمة نجلاء أرمضتها، ولكن - بحمد الله - وعَّتها وأيقظتها؛ فها هم المسلمون في آفاق المعمورة يحصدون غِبَّها تآلفًا حول نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وحول إخوانه من الأنبياء منهجًا عالميًّا، وتخطيطًا لنصرته آنيًا ومستقبليًّا، وصدق الله: {لاَ تَحْسَبُوهُ شَرًا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} [النور: 11].


هذا؛ وإن الغيور ليبارك جهود النصرة المتميزة الأَلِقَة، المتشحة بصوادق العزمات الغَدِقَة، التي تدأب للدفاع عن جناب المصطفى - صلى الله عليه وسلم – خصوصًا، وقضايا المسلمين عمومًا، بشتى الوسائل والإمكانات، وتعدد الطرائق والآليات، التي انتظمت المضامين العلمية البديعة، والمقاصد العالمية الرفيعة، واستشرفت المآلات النصيعة، وإنه لا يغدق ذلك الحب والإجلال للزود عن حياض الموصوف بأكرم الخلال - بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم - إلاَّ في نفسٍ على الاقتداء الصحيح ارتسمت، وبالاتباع الصدوق اتَّسمت.


على أن الطموح أفيح، ومداه أفسح وذلك بمزيد استثمار القنوات الفضائية، والمجالات التقنية، وتوحيد الجهود وترشيدها وتأطيرها من أجل نصرة الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - والسعي لنشر محاسن الإسلام وجمالياته، ورحماته وإشراقاته، وتفنيد الأباطيل حول الإسلام ونبيه - عليه الصلاة والسلام - ونشر سيرته - صلى الله عليه وسلم - بشتى اللغات والترجمات، يتوارد على ذلك جميع الجهود الرسْميَّة والشعبية من كافَّة شرائح الأُمَّة، هذا الرجاء والمأمول، وإلى الله نضرع لتحقيق كل سُول.


وبعد أيها المسلمون:
فإنَّ مُبادرة بلاد الحرمين الشريفَيْنِ - حرسها الله - الداعية للتعايش الإنساني الحضاري العالمي، الذي يكفل احترام الرسالات، وتوقير القداسات، وتواصل الحضارات، وتحاور كافة بني الإنسان فيما فيه رقيهم وأمنهم، وسلامهم وتواصلهم وتراحمهم؛ صيانةً للإنسانية من العبث والشقاء والملمَّات، زمن الاحترابات والانتهاكات والتحديات، وتحقيقًا لمصالح الأمة العليا، مع الاعتزاز بالقيم الرضيَّة، وعدم المساس بالثوابت السنية - لهي من أعظم مآثر النصرة الجليلة، والمناقب الكميلة، وإنها لَتَهْتِفُ للعالم بأسره: أنَّ هذا ديننا، وهذا نبينا - عليه الصلاة والسلام - وتلك حضارتنا ورسالتنا، تولى الله رائدها في كل ما قفز مسرةً وبشرى، وأجرى له على الألسن دعاءً موفورًا وذكرا: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} [التوبة: 105]، ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين.
ألا وصلوا وسلموا - رحمكم الله – على من:


بَلَغَ العُلا بِجَلالِهِ
سَطَعَ الدُّجَى بِجَمَالِهِ
شَرُفَتْ جَمِيعُ خِصَالِهِ
صَلُّوا عَلَيْهِ وَآلِهِ

كما أمركم بذلك ربكم - جلَّ في عليائه - فقال تعالى قولاً يهمي دومًا بأندائه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].


صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ مَا صَحِبَ الدُّجَى حَادٍ وحَنَّتْ بِالفَلا وَجْنَاءُ
وَاسْتَقْبَلَ الرِّضْوَانَ فِي غُرُفَاتِهِمْ بِجِنَانِ عَدْنٍ آلُكَ السُّمَحَاءُ

صلاة لا يمل السامع همسها ونداءها، ولا تسأم الألسن إعادتها وإبداءها، اللهم صلِّ وسلم على نبيك النبي المختار، وارض اللهم عن صحبه الكرام الأبرار، أبي بكر أنيسه في الغار، وعمر الفاروق فاتح الأمصار، وعثمان ذي الفضائل الغزار، وعلي ذي التفكُّر والاعتبار، وسائر العشرة المبشرين بدار القرار، وعنا معهم بمنِّك وجودك وكرمك يا عزيز يا غفار.


اللهم شفِّع فينا نبيك وقدوتنا يوم القيامة، واجعل حبه في سويداء قلوبنا مقامة، ونصرته في حياتنا كلها مستدامة، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمنا مطمئنًا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، وأيد بالحق إمامنا وولي أمرنا، اللهم وفقه لما تحبه وترضى، وخذ بناصيته للبر والتقوى، وهيئ له البطانة الصالحة التي تدله على الخير وتعينه عليه، اللهم ووفقه وولي عهده وإخوانه وأعوانه إلى ما فيه صلاح البلاد والعباد، يا من له الدنيا والآخرة وإليه المعاد.


اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك - صلى الله عليه وسلم - وعبادك المؤمنين، اللهم انصر إخواننا المجاهدين في سبيلك في كل مكان، اللهم انصرهم في فلسطين، اللهم انصرهم في فلسطين، على اليهود الغاصبين المعتدين المحتلين، اللهم أنقذ المسجد الأقصى من براثن المعتدين يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اجعله شامخًا عزيزًا إلى يوم الدين، اللهم أصلح إخواننا في العراق، اللهم أصلح حال إخواننا في العراق، اللهم ولِّ عليهم مَنْ يسوسهم بالسنة والكتاب، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.


اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، وألف بين قلوبهم، واهدهم سُبل السلام، وجنبهم الفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن.
اللهم ادفع عنا الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة، وعن سائر بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين.
اللهم اشف مرضانا، اللهم اشف مرضانا، اللهم ارحم موتانا، اللهم بلغنا فيما يرضيك آمالنا، اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.


ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غلاًّ للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم، ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولوالديهم وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
سبحان ربك ربِّ العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.


منقول من موقع آفاق الشريعة التابع لشبكة الألوكة

__________________
قال أيوب السختياني: إنك لا تُبْصِرُ خطأَ معلِّمِكَ حتى تجالسَ غيرَه، جالِسِ الناسَ. (الحلية 3/9).

قال أبو الحسن الأشعري في كتاب (( مقالات الإسلاميين)):
"ويرون [يعني أهل السنة و الجماعة ].مجانبة كل داع إلى بدعة، و التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، و النظر في الفقه مع التواضع و الإستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة و النميمة والسعادة، وتفقد المآكل و المشارب."


عادل بن رحو بن علال القُطْبي المغربي
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-15-2013, 02:23 AM
ابا زرعة ابا زرعة غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2013
الدولة: المغرب
المشاركات: 212
افتراضي

بارك الله فيك
__________________
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله '' العلم إما نقل مصدق عن معصوم، وإما قول عليه دليل معلوم وما سوى هذا فإما زيف مردود ,وإما موقوف لا يعلم أنه بَهْرَج ولا منقود''
و قال رحمه الله'' الإنسان لا يزال يطلب العلم والإيمان، فإذا تبين له من العلم ما كان خافيا عليه اتبعه، وليس هذا مذبذباً ؛ بل هذا مهتد زاده الله هدى ''
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 02-16-2013, 07:14 AM
أبو عبد الله عادل السلفي أبو عبد الله عادل السلفي غير متواجد حالياً
مشرف منبر المقالات المترجمة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية
المشاركات: 4,025
افتراضي

خطبة الحرم المكي يوم 28 /3 / 1429 هـ
التدخين
الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد
الخطبة الأولى


الحمد لله، الحمد لله وهو بالحمد جدير، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أحمده سبحانه وأشكره أعطى الجزيل ومنح الوفير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تنزه عن الشبيه والنظير، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبد الله ورسوله، البشير النذير، والسراج المنير، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسان، ومَنْ على نهج الحق يسير، وسلم التسليم الكثير، أما بعد:


فأوصيكم أيها الناس ونفسي بتقوى الله عز وجل؛ فاتقوا الله - رحمكم الله - وبادروا بالعمل الصالح وعجلوا التوبة؛ فإن الموت يأتي بغتة، كيف يرجو حسن جزاء مَنْ فرط في العمل، ومتى يبادر بالتوبة من سوف في طول الأمل، السعادة لمن تدبر، والسلامة لمن تفكر، والفوز لمن اعتبر وتبصر، قفوا - رحمكم الله - وقوف المنكسرين، وتبتلوا تبتل العابدين، واسكبوا دموع الخائفين: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 30].


أيها المسلمون:
شريعة الإسلام في مطلوباتها ومباحاتها جالبة للمنافع، محققة للمصالح، وهي في نواهيها وممنوعاتها دافعة للشرور، نافية للأضرار، وفي كلمة جامعة مانعة: فإن شريعتنا مبنية على جلب المصالح وتكثيرها، ودرء المفاسد ورفعها وتقليلها؛ ومن أجل هذا فقد أباح الله سبحانه لعباده كل طيب، وحرم عليهم كل خبيث: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ} [المائدة: 4].
ومن أخص أوصاف نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأظهر نعوته: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].


وإذا كان هذا متقررًا في الإسلام نصوصًا وأصولاً، وقواعد ومبادئ، ومستقرًا لدى أهل الإسلام في جميع مذاهبهم واجتهاداتهم؛ فتأملوا في هذه البلوى التي ابتليت بها البشرية، وضجَّ منها العقلاء والحكماء، فضلاً عن الأطباء والعلماء والمربين وعلماء الاجتماع؛ حتى قالوا: ليس في الوجود بأسره عامل هدم لصحة الأبناء والبنات، ولكفاءاتهم وأخلاقهم، مثل هذا البلاء؛ بل لقد قالوا: لا نظن أن الجنس البشري منذ بدء الخليقة ضعف واستكان أمام عدو من أعدائه كما فعل أمام هذه البلية، لقد أسرته وأذلته وحطمته؛ بل لقد قتلته وأهلكته، إنها المدمر لصحة الأفراد، وسلامة الأطفال، وشقاء الأسر، ومصالح المجتمع، وسعادة الأمم، واقتصاد الدول.
أتدرون ما هذه البلية؟! ومن هو هذا العدو؟! وما هو هذا القاتل المهلك السفاح؟! مهلك الحرث والنسل؟!!
إنه آفة التدخين، وبلاء التبغ والدخان بأنواعه وألوانه، تدخينا وسعوطًا، ومضغًا ونشوطًا.
التدخين مغبن غرار، وعدو مكار، عدو الإنسانية، وعامل هدمها وكيانها، الدخان أشد الأوبئة انتشارًا، وأكثرها خطرًا، وأعظمها بلاءًا وضررًا.


معاشر الإخوة:
لقد اتفق التربويون والإعلاميون، والرياضيون والاقتصاديون، وعلماء النفس والمحامون، وخبراء العلاقات العامة، وعلماء الاجتماع، وقبلهم وبعدهم علماء الشرع المطهر والأطباء - اتفقوا جميعًا على خطر هذه الآفة، ووجوب مواجهتها ومكافحتها، ومنعها ومنع وسائلها وأسبابها.
نعم، لا يستريب عاقل، مدخنًا وغير مدخن - أن الدخان خبيث لا طيب فيه، مضرٌّ لا نفع فيه، ممرضٌ لا صحة فيه، خسارةٌ لا كسب فيه، ليس بغذاء ولا دواء، لا يسمن ولا يغني من جوع، لا يجني المدخن المسكين سوى هذه الأبخرة المتصاعدة يدخلها في جوفه؛ لتسري في جميع أجزاء جسمه، ويبقى آخرها رمادًا بين أصابعه، وليته مجرد دخان، ولكنها السموم القاتلة، يدفعها إلى داخل جسده؛ لتبلغ جميع أجزاء بدنه، وتسري مع عروقه وأعصابه؛ لتفسد ولا تصلح، وتهدم ولا تبني.
التدخين مرض وهلاك، وضياع مال، وضياع أسر؛ بل ضياع أمم؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله.


عباد الله:
هذه - وربكم - ليست مبالغات ولا مزايدات، ولكن خذوا هذا المزيد من البسط والبيان، والإنذار والإعذار، في وقفات وتنبيهات، لتفصيل بعض أضراره وآثاره:
يقرر ذوو الاختصاص من الأطباء والمَخبريين، أنه قد ثبت يقينًا تسببه في أمراض سرطان الرئة، والشفة، واللسان، والبلعوم، والمريء، والمثانة، والتهاب الشعب الهوائية، وأمراض الأوعية الدموية، وانسداد الأوعية الدموية بالأطراف، كما يسبب قرحة المعدة والاثني عشر، وكل دخينة يدخنها المدخن تزيد من مخاطر الإصابة بالسكتة القلبية، فما بالكم بمن يدخن العشرات يوميًّا؟! نسأل الله السلامة والعافية.


تؤكد منظمة الصحة العالمية والهيئات الطبية أن التدخين هو أكبر خطر على الصحة تواجهه البشرية اليوم، وهو ثاني أكبر أسباب الوفاة في العالم - بإذن الله - إن عدد الذين يلاقون حتفهم أو يعيشون حياة قاسية مليئة بالأسقام والأمراض المزمنة بسبب التدخين بكافة صوره يفوقون - دون ريب - عدد الذين يموتون بسبب المخدرات والطاعون والسل والجذام ومرض نقص المناعة (الإيذر) مجتمعةً كل عام.


وهذه المقارنة ليست تقليلاً من خطر هذه الأمراض والآفات عياذًا بالله - ولاسيما المخدرات ونقص المناعة - ولكن لبيان خطر هذا الداء التدخين الفتاك.
إنه لا يترك جزءًا من أجزاء الجسد إلا وناله من ضرره وأذاه؛ من الصدر، والرئة، والقلب، والأسنان، والمخ، وجهاز الهضم، والجهاز العصبي، وتجاعيد الوجه والجلد، واضطراب النوم، والاكتئاب، والعقم، واضطراب الطمث عند النساء؛ حتى الجنين في بطن أمه!
بل قرروا أن التدخين مفتاح المخدرات وسوء الأخلاق، وضعف شعور بالمسؤولية الأخلاقية، والميل إلى الكذب والنفاق والسرقة.


معاشر المسلمين:
أما آثاره الاقتصادية على الفرد والأسرة والأمة والإنسانية؛ فحدث عن الفقر والإفلاس والدمار ولا حرج، مع أن ما سبق من آثاره الصحية كافٍ لمَنْ كان له قلب، ولصاحب المسؤولية وصانع القرار!


معاشر الإخوة:
يعجز العادُّون في الدراسات الإحصائية أن يحصوا بدقة الآثار الاقتصادية والخسائر المالية التي تخسرها الدول والأفراد في التدخين والمدخنين وغير المدخنين، ويكفي الإشارة إلى أن تكاليف الرعاية الصحية لضحايا التدخين لا تحسب إلا بمئات الآلاف من الملايين من العملات الصعبة، نصفهم من المنتمين إلى ما يعرف بالعالم الثالث، ناهيكم في خسارات الأفراد في علاجهم أنفسهم وأسرهم من مضاعفات التدخين وآثاره؛ من السعال والحساسية وضعف المناعة وغيرها.
وفي مقارنة أخرى؛ فإن ما تنفقه الدولة - أي دولة - على خدمات الرعاية الصحية وعلاج أضرار التدخين وآثاره، يفوق كثيرًا وكثيرًا الأرباح التي ترجوها من التبغ ومنتجاته! فالدول تخسر المليارات من مواردها ومداخلها، والضحايا في تزايد مضطرد مخيف من المدخنين وغير المدخنين، لقد بلغ علاج آثار التدخين في بعض الدول ثلث ميزانياتها!!


إن من المضحك المبكي أن استهلاك الدخان يزيد في الفجوة بين الأغنياء والفقراء؛ فعائلات المدخنين في البلدان الفقيرة محرومون من الضروريات الأساسية في الصحة والتعليم؛ حتى إن الإنفاق السنوي على التدخين يمثل ستة أضعاف المُنفَق على الصحة، وضعف المنفق على التعليم، وكفى بالمرء والدولة إثمًا أن يضيعوا من يقودون.


عباد الله:
هذه بعض آثاره الصحية والاقتصادية، وثم دافع آخر لا يقل أهمية منها - إن لم يتفوق عليها - وهو إحدى آفات هذه البلية العظيمة، تلكم هو ما يعرف بالتدخين القسري، أو التدخين السلبي، أو التدخين بالإكراه؛ وهو تأثر غير المدخنين بالدخان المتصاعد من المدخنين، وتلوث المكان، والملابس، والحيطان، والأسقف، والأثاث، والفرش، يستنشقها غير المدخنين من الرجال والنساء والأطفال؛ فيبتلون بآثار هذا البلاء، وإن لم يدخنوا بجرة! مما يوجب ويحتم اتخاذ إجراءات الحماية الفعالة، ووقاية الأمة والمجتمع، وقد أثبتت الدراسات العلمية أن الإجراءات والتدابير الطوعية لا تكفي لحماية الناس، ولا سيَّما في مواقع العمل والتعليم، والتجمعات العامة من المطاعم وقاعات الاجتماعات والاحتفالات، ووسائل النقل والمركبات العامة وغيرها.


عباد الله، معاشر مسلمين:
إذا كان الأمر كذلك - بل إنه لأشد من ذلك - فيجب على الجميع مكافحة تجارة الموت، وصناعة الهلاك والإهلاك.
أيها الإخوة المبتلون بالتدخين:
اقتلوه قبل أن يقتلكم، واهربوا منه قبل أن يلتف عليكم بحباله فيوثقكم، احموا أنفسكم وأطفالكم وأهليكم، واحفظوا أموالكم، واسمعوا إلى ما تقوله التقارير العلمية الموثقة؛ إنها تقول:
إن التوقف عن التدخين سيؤدي - بإذن الله - إلى تحسن الأوضاع كافة؛ الصحية والاقتصادية، بما لا تستطيعه جميع الوسائل الصحية والطبية الأخرى مجتمعة.


إن من اليقين والمعلوم أن هؤلاء الإخوة المبتلين بهذه الآفة - عافاهم الله وسلمهم - يملكون قلوبًا طيبةً وعواطفَ قوية جياشة نحو أسرهم وأهليهم ودينهم، إلا أنهم بلوا بهذا البلاء المدمر، وهم لا يكابرون في الاعتراف بأضرار التدخين؛ بل لعلهم لا يشكون في حرمته والإثم في تعاطيه، ويؤملون ويتمنون تركه والإقلاع عنه، فلهؤلاء جميعًا حق على إخوانهم أن يعينوهم، ويأخذوا بأيديهم، ويشجعوهم، ويبذلوا الوسائل لإنقاذهم.


أخي المبتلى:
تأمل هذه العبارة الجميلة للإمام ابن القيم - رحمه الله - فهو يقول: "إنما تكون المشقة في ترك المألوفات والعوائد ممن تركها لغير الله، أما مَنْ تركها مخلصًا في قلبه لله؛ فإنه لا يجد في تركها مشقة إلا في أول وهلة؛ ليمتحن: أصادق هو في تركها أم كاذب؟ فإن صبر على ترك المشقة قليلاً استحالت لذة!".
فاجتهد - وفقك الله - في الخلاص بعزيمة عازمة، وهمة حازمة، وبتَّ في أمرك بتًّا، عليك أن تقلل من شرها ما استطعت على نفسك وعلى غيرك، واحذر أن تحسنها لغيرك، أو تغري بها أحدًا صغيرًا أو كبيرًا، وحينما يعافيك الله وينجيك من هذه الآفة؛ فإن آثارها العاجلة - بإذن الله -: حياة أطول، وزيادة في اللياقة الجسمية، وصفاء في البشرة، ومظهر أجمل، ورائحة أزكى، وطعم أشهى، ومال أوفر، وحياة أسعد: {وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36].


أيها المسؤولون، يا أصحاب القرار:
أما على مستوى الأمة؛ فلابد أن يتنادى العلماء، والعقلاء، والمفكرون، والإعلاميون، والأطباء، وأصحاب القرار، والتجار، والتربويون - للإسهام جميعًا في إنقاذ المبتلين والأمة، فتعاونوا - رحمكم الله - تعاونوا على الأمر بالمعروف والبر والتقوى، وتناهوا - رحمكم الله - عن المنكر والإثم والعدوان.
احفظوا الأمة، واحفظوا شبابها، واحفظوا الصحة الاقتصاد، واحفظوا الأموال والثروات، وإن شبابها لأعظم ثرواتها؛ بالجهود المنسقة، والعزيمة الصادقة، مقرونةً بالأنظمة الصارمة، يكون التغلب - بحول الله وقوته - على هذه الآفة المهلكة المدمرة، ومع الأسف الشديد؛ فإن منطقتنا تصنف بأنها إحدى الأقاليم الموبوءة بانتشار هذه الآفة، كما أنها – مع الأسف - من أكبر الأسواق المستهدفة لترويج هذه المصيبة العظيمة.


يجب إصدار الأنظمة والقوانين والتعليمات الصارمة لمنع التدخين عن الأفراد والمؤسسات في كل المنتديات والتجمعات، يجب بحزم منع الترويج له أو الدعاية، يجب إصدار التعليمات الحازمة التي تحفظ صحة الناس، وتؤمن أماكن نظيفة خالية تمامًا من هذا الوباء الفتاك وآثاره، وإذا أصدرها ولي الأمر؛ أصبحت تعاليمه واجبة الطاعة والاتباع، وتحرم مخالفتها، ويأثم المتجاوز فيها.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [البقرة: 195].
والتهلكة: كل ما صار عاقبته إلى هلاك.
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمد - صلى الله عليه وسلم.
وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله المحمود بكل لسان، أحمده سبحانه وأشكره حمدًا يملأ الميزان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ما لم يشأ لم يكن وما شاء كان، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمد عبد الله ورسوله المبعوث للثقلين الإنس والجان، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين ومَنْ تبعهم بإحسان، وسلم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد؛
أيها المسلمون:
التدخين عبث بالأبيض والأسود، والحاضر والبادي، والمتعلم والأمي، والشريف والوضيع؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
المدخن لا يربح إلا قلبًا سقيمًا، ونفسًا مضطربًا، وذهنا كليلاً، وأعصابًا ثائرةً مهتاجةً، وحيويةً مهدمةً، وحياةً قصيرةً مرهقةً.
وإذا كان ذلك كذلك - وأشد من ذلك - فإنتاج التبغ وتسويقه والاتجار به مسالك مضرة مهلكة، لا يمكن قبولها، أو الدفاع عنها.


إن تجار التبغ وصناعه وشركاته تنشر الموت والأمراض، وتفسد البيئة، وتهلك الأنفس، وتضيع الأموال في أرجاء الدنيا كلها؛ فهي التجارة الخاسرة؛ الزارع، والمنتج، والمصدر، والمستورد، والمسوق، والمستعمل، وبعضهم أكثر من بعض، و((لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل: عن عمره؛ فيما أفناه؟ وعن جسمه؛ فيما أبلاه؟ وعن ماله؛ من أين اكتسبه، وفيما أنفقه؟)).
أين يذهب هؤلاء جميعًا من هذا الحديث وهذه المساءلة؟!!


تفحصوا إعلانات التدخين؛ كيف يخدع هؤلاء المعلنون كثيرا من البسطاء وغير البسطاء لترويج هذه البضاعة المهلكة، ناهيكم من أولئك الذين يسلكون الطرق الملتوية، والسبل المعوجة وغير الأخلاقية؛ من الرشوة، وشراء الذمم، والإعلانات المضللة، والتأثير على ذوي النفوذ - فهذه خيانة لأوطانهم وأهليهم ومسؤولياتهم.
إنها صناعة الموت، وتجارة الهلاك والإهلاك.


وبعد؛
فيا أيها الشباب، ويا أيها الأبناء، ويا أيها البنات، ويا أيها الناس جميعًا:
نزهوا أنفسكم عن الوقوع في هذه الآفة التي تهلك النفس، وتفسد الصحة، وتضعف القوة، وتذهب بالنضارة، وتضيع المال، وحذاري أن تسقط في الوهم أيها الشاب؛ فتتخيل أنها علامات رجولة أو استقلال شخصية.


ألا فاتقوا الله - رحمكم الله جميعًا - واحفظوا أنفسكم، وقوا أنفسكم وأهليكم، وحافظوا على أموالكم وثرواتكم.
ثم صلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم؛ فقال عز قائل عليمًا: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب :56].


اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد النبي الأمي، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارض اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين، والأئمة المهديين؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بفضلك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واحمِ حوذة الدين، وانصر عبادك المؤمنين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتنا فيمن خافك واتقاك، واتبع لوائك يا رب العالمين.


اللهم وفق إمامنا وولي أمرنا بتوفيقك، وأيده بتأييدك، وأعزه بطاعتك، وانصر به دينك، وأعلِ به كلمتك، واجعله نصرة للإسلام والمسلمين، واجمع به كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين، اللهم ارزقه البطانة الصالحة التي تدله على الخير، وتعينه عليه، اللهم وفقه وإخوانه وأعوانه لما تحب وترضى، وخذ بنواصيهم للبر والتقوى، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين، للعمل بكتابك وسنة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - واجعلهم رحمة لرعاياهم، واجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرم لأمة الإسلام أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعتك، ويُهدى فيه أهل معصيتك، ويُؤمر فيه بالمعروف، ويُنهى فيه عن المنكر، إنك على كل شيء قدير.
اللهم اكتبنا في ديوان السعداء، وأعذنا من حال أهل الشقاء، واغفر اللهم لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين.


اللهم ارفع عنا الغلاء والوباء، اللهم ارفع عنا الغلا والوبا، والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.
اللهم اجعل جزاءنا موفورًا، وسعينا مشكورًا، وذنبنا مغفورًا.
اللهم أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، ولذة مناجاتك.
اللهم وفقنا للتوبة والإنابة، وأصلح لنا أبواب القبول والإجابة.
اللهم تقبل صلاتنا ودعاءنا، وكفر عنا سيئاتنا، وتب علينا، واغفر لنا، وارحمنا يا أرحم الراحمين: {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23]، {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [البقرة: 201].


عباد الله:
{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.



منقول من موقع آفاق الشريعة التابع لشبكة الألوكة
__________________
قال أيوب السختياني: إنك لا تُبْصِرُ خطأَ معلِّمِكَ حتى تجالسَ غيرَه، جالِسِ الناسَ. (الحلية 3/9).

قال أبو الحسن الأشعري في كتاب (( مقالات الإسلاميين)):
"ويرون [يعني أهل السنة و الجماعة ].مجانبة كل داع إلى بدعة، و التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، و النظر في الفقه مع التواضع و الإستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة و النميمة والسعادة، وتفقد المآكل و المشارب."


عادل بن رحو بن علال القُطْبي المغربي
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 02-17-2013, 02:53 AM
أبو عبد الله عادل السلفي أبو عبد الله عادل السلفي غير متواجد حالياً
مشرف منبر المقالات المترجمة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية
المشاركات: 4,025
افتراضي

خطبة المسجد الحرام 5/ 4/ 1429 ه
رسول الله صلى الله عليه وسلم

الشيخ صالح آل طالب
إن الحمد لله، نَحمده ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، عزَّ عن الشبيه وعن الندِّ وعن النظير، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11]، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله البشير النذير والسراج المنير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم البعث والنشور وسلَّم تسليمًا كبيرًا.

أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وراقبوه، وأطيعوا أمره ولا تعصوه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18]، بالتقوى تستجلب الأرزاق، وتفتح الأغلاق، وتفرج الكرب، وتدفع النقم، {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاًّ * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2 - 3].

أيها المسلمون:
حديث اليوم حديث تستلذه الأسماع، وتهفو به الأفئدة، وتجثو عندها العواطف، حديث اليوم في سيرة تتقاصر دونها السير، وصفاتٍ لا تدانيها الأوصاف، إنه لمحات ونفحات، تعبق من صفات الرسول المجتبى، وشمائل الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم.

شذرات تزيد الحب حبًّا، والقلب قربًا، تجدد الإيمان، وتعضد الولاء، وتثمر الاتباع، صفاته وشمائله، وكراماته وفضائله، أفق أفيح، وسماء رحبة، وحديقة غناء، يحار الناظر ماذا يقطف، وأي شيء يتخير.

أيها المسلمون:
حين نتحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإننا نتطلب زيادة الإيمان، ومزيد التعظيم والتبجيل، وقدره حقَّ قدره، وازدياد محبته، وكل ذلك مطلوب شرعًا، والثمرة في ذلك طاعته واتباعه، وتعظيم أمره ونهيه، واقتفاء سنته، والثبات على شرعته.


أيها المسلمون:
ومع إيماننا بأنَّه بشرٌ مَخلوق، إلا أنَّ الله تعالى جَمَّله وكمَّله، وطيَّبه خَلْقًا وخُلُقًا، وجَمع له الفضائلَ كُلَّها نسقًا متَّسقًا، مُحمَّد بن عبدالله بن عبدالمطلب الهاشمي القرشي، شرفُ نسبِه، وكرم أصلِه، وفضل بلده ومنشئِه - لا يحتاج إلى دليل عليه؛ فإنه نخبة بني هاشم، وسلالة قريش وطميمها، وأشرف العرب وأعزُّهم نفرًا من جهة أبيه وأمه، صلى الله عليه وسلم.

أما بلده مكة؛ فأكرم بلاد الله على الله وعلى عباده، محمد بن عبدالله رسول الله وخليله، فاضت بمحبته القلوب، وامتلأت بإجلاله الصدور، وأسبغ الله عليه من الحسن والجمال في منظره ومخبره، وخَلْقه وخُلُقه، ما جعله آية في الكمال والجمال.

وصفتْه أم معبد فقالت: "إنه ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخَلْق، وسيم قسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، وفي عنقه سطع، أحور، أكحل، أزج، أقرن، شديد سواد الشعر، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلَّم علاه البهاء، أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنه وأحلاه من قريب، حلو المنطق فصل، لا نذر ولا هذر، لا تقحمه عين من قصر، ولا تشنؤه من طول.


قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في وصفه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبيض مشربًا بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار، إذا مشى تقلع كأنما يمشي في صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفًّا، وأجرأ الناس صدرًا، وأصدق النَّاس لَهجة، وأوفاهم ذمَّة، وألينُهم عريكة، مَنْ رآه بديهةً هابه، ومَنْ خالطه معرفةً أحبَّه، يقول ناعِتَهُ: لم أر قبله ولا بعده مثله"!!

وقال أبو الطفيل: "كان أبيضَ مليح الوجه".

وقال أنس - رضي الله عنه -: "كان بسط الكفين، أزهر اللون، ليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، إنما كان شيءٌ يسيرٌ في صبغيه".

وقال البراء - رضي الله عنه -: "كان مربوعًا، بعيد ما بين المنكبين، له شعر يبلغ شحمة أذنيه، رأيته في حلة حمراء، لم أر شيئًا قط أحسن منه، كان مثل القمر".

وقال جابر - رضي الله عنه -: "كان لا يضحك إلا تبسمًا، إذا نظرت إليه قلت: أكحل العينين، وليس بأكحل، رأيته ليلة أضحيان - أي ليلة بدر - فجعلت أنظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه حلة حمراء، وأنظر إلى القمر؛ فإذا هو عندي أحسن من القمر"، وقال أبو هريرة - رضي الله عنه -: "لم أر شيئًا أحسن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأن الشمس تجري في وجهه، وما رأيت أحدًا أسرع في مشيه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كأنما الأرض تُطوَى له، وإنا لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث"!!


وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "كان أبلج الثنيتَيْنِ، إذا تكلَّم رؤي كالنور يخرج من بين ثناياه".

وقال أنس - رضِيَ الله عنه -: "ما مسِسْتُ حريرًا ولا ديباجًا ألْيَنَ من كفِّ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلَّم - ولا شَمَمتُ ريحًا ولا عَرفًا أطيب من ريح أو عَرف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم".

ولمَّا قدِمَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - المدينة مُهاجرًا، وأقبل الناس ينظرون إليه، جاء عبدالله بن سلام - رضي الله عنه – مع الناس لينظر إليه - وكان من أحبار اليهود وعلمائهم - يقول: "فلما نظرتُ إلى وجه النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عرفتُ أن وجهه ليس بوجه كذاب".

هذه بعض أوصاف النبي الكريم، في جَمال الخلق، وحسن الصورة، وكمال الهيئة.


أمَّا كمال النفس ومكارم الأخلاق؛ فقد كان في أعلاها، وله من الذرى أسناها، ويكفي في ذلك شهادة ربه له: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((أدبني ربي فأحسن تأديبي))، لذا فقد كان مثالاً عاليًا في كل فضيلة، كان - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخَّاب ولا فحَّاش، ولا عتَّاب ولا مدَّاح، طويل السكوت، لا يتكلَّم في غير حاجة، لا يضر أحدًا ولا يعيِّره، ولا يتبع عورته، يعفو ويصفح، ويعاشِرُ النَّاس بالرحمة واللطف، يتغافل عما لا يشتهيه ولا يهمُّه، أما الحلم والاحتمال، والعفو والصبر - فهي صفات ميزه ربه بها، ما خير بين أمرين إلا اختار أيْسَرَهُما، ما لم يكن إثما؛ فإن كان إثما كان أبعد الناس عنه، ما انتقم لنفسه، إلا أن تُنتهك حرمة الله؛ فإنه يغضب لله.

أمَّا الجود والكرم والبذل والعطاء؛ فإنه يعطي عطاءَ مَنْ لا يخشى الفقر، وكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان أعدل النَّاس وأعفَّهم، وأصدقهم لهجة وأعظمهم أمانة، كان يسمى قبل نبوته بالصادق الأمين.


وكان أشجعَ النَّاس؛ لاقى الشدائد والأهوال وثَبَتَ وصمد، لم يلن ولم يتزعزع؛ قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "كنا إذا حمي البأس، واحمَرَّت الحُدُق، اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه".

أمَّا أدبه وحياؤه؛ فيقول أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -: ((كان أشدَّ حياءً من العذراء في خدرها، وإذا كره شيئًا عُرف في وجهه))؛ رواه البخاري.
لا يثبت نظره في وجه أحد، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، كان متواضعًا بعيدًا عن الكبر، يعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب دعوة العبد، ويجلس في أصحابه كأحدهم، ويَمنع من القيام له كما يُقام للملوك، تقول عائشة - رضي الله عنها -: "كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويحلب شاته، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته".
كان أوفى الناس بالعهود، وأوصلهم للرحم، وأشفقهم، وأرحم الخلق بالخلق، وصدق الله: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة: 128].


إنَّها الرحمة التي جمعت له قلوب الخلق: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظاًّ غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 159].
لطف في المعشر، وتبسم عند اللقاء؛ في "الصحيحين" عن جابر - رضي الله عنه - قال: "ما حجبني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم".

أمَّا زُهْدُه في الدنيا؛ فحسبُك تقلُّله منها، وإعراضُه عن زهرتِها، وقد سيقتْ إليْهِ بحذافيرها، وترادفَتْ عليْهِ فتوحُها، إلى أن توفِّي - صلى الله عليه وسلم - ودِرْعُه مرهونةٌ عند يهودي في نفقة عياله، وهو يدعو يقول: ((اللهم اجعلْ رِزْقَ آل مُحمد قوتًا))؛ رواه البخاري ومسلم.


عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "ما شبِع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام تباعًا من خبز حتى قُبِضَ"، وقالتْ أيضًا: "ما ترك رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم - دينارًا ولا دِرْهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا))، وقالت: "كان فراشُه من أدم، وحشوُه من ليف".. كل ذلك مخرج في "الصحيحين".
أمَّا خوفه من ربه، وخشيته وطاعته له، وشدة عبادته - فذاك شأن عظيم؛ يقوم الليل إلا قليلاً، ويسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء، ويصلي حتى تَرِمَ أو تنتفخ قدماه، فيقال له: "قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"!! فيقول: ((أفلا أكون عبدا شكورًا!))؛ رواه البخاري ومسلم.


قام ليلةً فقرأ في ركعة سورة البقرة والنساء وآل عمران، ومع كل ذلك فإنه يقول: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))!!

عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اقرأ عليَّ))، قلت: يا رسول الله، أأقرأُ عليك وعليك أنزل! قال: ((إني أحب أن أسمعه من غيري))؛ فقرأت سورة النساء حتى أتيت هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً} [النساء: 41]، قال: ((حسبك الآن))، فالتفتُّ، فإذا عيناه تذرفان؛ رواه البخاري ومسلم.
صَلَّى عَلَيْكَ اللهُ يَا خَيْرَ الوَرَى وَهَمَتْ عَلَيْكَ سَحَائِبُ الرِّضْوَانِ

هذا الحبيب يا محب، وهذه بعض القطوف من شمائل النبي الرؤوف، بحر من الحب لا ساحل له، وفضاء من الخير لا منتهى له، شمائل المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لا تحدها الكلمات، ولا توفيها العبارات، وحسبنا من ذلك الإشارات.


وإن على أمة الإسلام أن تتربى على سيرته، وأن تتخلق بخُلُقه، وتتبع هديه، وتستنَّ بسنته، وتقفو أثره، فما عرفت الدنيا ولن تعرف مثله، وإن لدينا - نحن المسلمين - من ميراثه ما نفاخر به الأمم، ونسابق به الحضارات.

فهذا النبع فأين الواردون؟! وهذا المنهل فأين الناهلون؟!

{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الأحزاب: 21].

بارك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعنا بما فيهما من الآيات والحكمة، أقول قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.


الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.


أيها المسلمون:
لقد كانت لرسول الله مُحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - عند ربه المكانة العلية، والمنزلة السامية الجلية؛ فقربه واصطفاه، أسرى به وناجاه، ومن كل فضل حباه، واقرأ في ذلك: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى} [النجم: 1 - 4].

صلَّى بالأنبياء، ثم عرج به إلى السماء، ووصل إلى سدرة المنتهى، ودنا واقترب، وراجع ربَّه في عدد الصلوات، وقال لموسى - عليه السلام -: ((قد رَجَعْتُ إلى ربِّي حتَّى استحْيَيْتُ منه))؛ رواه مسلم.

شرح الله صدره، وغفر ذنبه، ورفع ذكره: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: 1 - 4].
قرن الله اسْمَهُ باسْمِه في شهادة التوحيد، وفي الأذان، وفي الإيمان: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ} [النساء: 136]، وفي الطاعة: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [المائدة: 92]، {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]، صلى الله عليه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [الأحزاب: 56]، جعله شاهدًا على الناس: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45 - 46]، أقسم الله تعالى به: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72]، ولاطَفَهُ بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: 43]، ووعده بالعطاء حتى الرضا: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} [الضحى: 5]، {وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ} [القلم: 3]، طمأنه ربه بالحفظ والرعاية والأمن والكفاية: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ المُسْتَهْزِئِينَ} [الحجر: 95]، {وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]، وقال سبحانه: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [الطور: 48].


كانت حياته أمانًا لأهل الأرض، أمانًا من الهلاك العام والعذاب الطَّام: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} [الأنفال: 33].


أعطاه الله الكوثر، وآتاه السبع المثاني والقرآن العظيم، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأتم عليه نعمته عليه، وهداه ونصره، وجعله رحمة للخلق: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

أيها المسلمون:
نَبِيٌّ هذا شأنه، ورسولٌ هذا شأوه، وعظيمٌ هذا قدره - لا يضره شَنَأُ الشانئين، ولا ينال سماءه حقد الحاقدين.

إن رسول الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم - قد فاضت بمحبته قلوب المسلمين، وتشربت بمودته جوارح المؤمنين، وقدره عند الله عظيم، ولن يضر الشمس أن تشتمها خفافيش الظلام، ولن يغير الحق تهويش الباطل، وإذا عجز الباغي أمام الحقيقة فزع إلى الشِّتام، ومن جف دلوه من الماء أثار التراب والغبار.

فاللهم اشرح صدورنا بمحبة نبينا، واشف صدورنا ممن آذانا في نبينا، اللهم ارزقنا طاعة رسولك محمد - صلى الله عليه وسلم - واتباع سنته.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، في العالمين إنك حميد مجيد.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، واجعل هذا البلد آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

اللهم أمِّنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم انصر من نصر الدين، واخذل الطغاة والملاحدة والمفسدين.

اللهم وفق ولي أمرنا لهداك، واجعل عمله في رضاك، اللهم أصلح بطانته، واصرف عنه بطانة السوء يا رب العالمين، اللهم وفقه ونائبه وإخوانهم وأعوانهم لما فيه صلاح العباد والبلاد.

اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين، اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في فلسطين، وفي كل مكان يا رب العالمين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يعجزونك، اللهم أنزل عليهم بأسك ورجْزَك إله الحق.

اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفث كرب المكروبين، وفك أسر المأسورين، واقض الدين عن المدينين، واشف برحمتك مرضانا ومرضى المسلمين.

اللهم اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، ويسر أمورنا، وبلغنا فيما يرضيك آمالنا.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

اللهم ادفع وارفع عنا الغلاء والوباء، والربا والزنا، والزلازل والمحن وسوء الفتن، ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.

ربنا اغفر لنا ولوالدينا ووالديهم وذرياتهم، ولجميع المسلمين.

ربنا لا تؤاخذنا بذنوبنا، ولا بما فعل السفهاء منا، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.

نستغفر الله، نستغفر الله، نستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ونتوب إليه.

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم أغثنا، اللهُمَّ أغِثْنا، اللهم أغثنا غيثًا هنيئًا مريئًا، سحًّا غدقًا مجللاً، عامًّا نافعًا غير ضار، تحيي به البلاد، وتسقي به العباد، وتجعله بلاغًا للحاضر والباد، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب ولا بلاء ولا هدم ولا غرق.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182].



__________________
قال أيوب السختياني: إنك لا تُبْصِرُ خطأَ معلِّمِكَ حتى تجالسَ غيرَه، جالِسِ الناسَ. (الحلية 3/9).

قال أبو الحسن الأشعري في كتاب (( مقالات الإسلاميين)):
"ويرون [يعني أهل السنة و الجماعة ].مجانبة كل داع إلى بدعة، و التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، و النظر في الفقه مع التواضع و الإستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة و النميمة والسعادة، وتفقد المآكل و المشارب."


عادل بن رحو بن علال القُطْبي المغربي
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 02-18-2013, 05:28 PM
أبو عبد الله عادل السلفي أبو عبد الله عادل السلفي غير متواجد حالياً
مشرف منبر المقالات المترجمة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الولايات المتحدة الأمريكية
المشاركات: 4,025
افتراضي

خطبة المسجد الحرام 12/ 4/ 1429هـ
جبروت الإنسان وذل الحيوان لله تعالى

الشيخ سعود الشريم



الخطبة الأولى
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجاً * قَيِّماً لِّيُنذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِّن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً} [الكهف: 1 - 2]، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، كرم بني آدم، وحملهم في البر والبحر، ورزقهم من الطيبات، وفضلهم على كثير ممن خلق تفضيلاً، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخيرته من خلقه، تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه، ومَنْ سار على طريقهم واتبع هداهم إلى يوم الدين.


أما بعد:
فاتقوا الله أيها المسلمون، وراقبوه في السر والنجوى، والخلوة والجلوة؛ فـ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ * هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 5 - 6].


عباد الله:
إن الباري - سبحانه وتعالى - بحكمته وعدله وعلمه خلق هذا الكون علويه وسفليه، ظاهره وباطنه، وأودعه من الموجودات: الملائكة، والإنس، والجن، والحيوان، والنبات، والجمادات، وغيرها من الموجودات التي لا يعلمها إلا هو، كل ذلك لأجل أمر واحد لا ثاني له، ولأجل حقيقة كبرى لا حقيقة وراءها؛ إنه لأجل أن تكون العبودية له وحده دون سواه، ولأجل أن تعترف هذه الموجودات بربوبيته، وتحقيق ألوهيته، وتقر بفقرها واحتياجها وخضوعها له جل شأنه، ومن ثم فإن تحقيق العبودية لا يمكن أن يبلغ مكانه الصحيح إلا بتحقيق الطاعة والاستقامة، ولزوم الصراط المستقيم؛ ليكون الدين لله، والحكم لله، والدعوة إلى الله.


كل ذلك يقوم به من جعلهم الله مستخلفين في الأرض، مستعمرين فيها، ومثل هذا لا يتم لبني الإنسان بين سائر المخلوقات إلا من خلال قول اللسان وعمل القلب والجوارح على حد سواء، كما أنه لا يمكن إتمام العبودية على أكمل وجه إلا بتكميل مقام غاية الذل والانقياد مع غاية المحبة لله سبحانه، فأكبر الخلق عبوديةً لله هو أكملهم له ذلاًّ وانقيادًا وطاعة؛ إذ هذه هي الذلة لله ولعزته ولقهره، وربوبيته وإحسانه وإنعامه على ابن آدم.


وجماع العبودية - عباد الله - أنها هي الدين؛ فالدين عند الله الإسلام: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85].
هذا هو سر خلق الله للخلق، وغاية إيجاده لهم على هذه البسيطة: {وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ} [المؤمنون: 115]، {أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى} [القيامة: 36].


أيها المسلمون:
يقول الله تعالى: {أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ} [الأعراف: 185]، ويقول سبحانه عائبًا فئة من البشر غافلة ساهية، لم تأخذ العبرة والعظة مما تشاهده ليلاً ونهارًا في أنحاء هذا الكون المعمور: {وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ * وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ} [يوسف: 105 - 106].
فيا سبحان الله! أفلا يرون الكواكب الزاهرات، والأفلاك الدائرات، والجميع بأمره مسخرات؟!


وكم في الأرض من قطع متجاورات، وحدائق وجنات، وجبال راسيات، وبحار زاخرات، وأمواجٍ متلاطمات، وقفار شاسعات، ثم هم يجعلون لله البنات، ويعبدون من دونه من هو كالعزى واللات!! فسبحان الواحد الأحد خالق جميع المخلوقات.
وثم أمر لذي اللبُّ المتأمل، يجعل العجب يأخذ من نفسه كل مأخذ، حينما يرى أمر هذا الكائن البشري، وهو ينكص على عقبيه، ويولي الدبر، منصرفًا عن عبودية خالقه ومولاه، منشغلاً بالأولى عن الأخرى، والفاني عن الباقي، يتقلب بين الملذات والشهوات ملتحفًا بأكنافها، بعد أن أكرمه الله وكرمه، وحمله في البر والبحر، وفضله على كثير ممن خلق تفضيلاً، وبعد أن أسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة، وبعد أن خلقه وصوَّره، وشق سمعه وبصره: {وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34].


ومع ذلك يستكبر الإنسان، ويكفر الإنسان، ويجهل الإنسان، ويقتر الإنسان، ويجادل الإنسان؛ فيقول الله عنه: {إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]، {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]، {قُتِلَ الإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ} [عبس: 17]، {وَكَانَ الإِنسَانُ قَتُوراً} [الإسراء: 100]، {وَكَانَ الإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} [الكهف: 54]، {كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7]، {بَلْ يُرِيدُ الإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5]، {إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} [العصر: 2].


وكان الأجدر بهذا الإنسان وقد أكرمه الله ونعمه - أن يكون عابدًا لا غافلاً، طائعًا لا عاصيًا، مقبلاً إلى ربه لا مدبرًا، شكورًا لا كفورًا، محسنًا لا ظالمًا.
إن المتأمل في كثير من المخلوقات في هذا العالم المشهود، ليرى أنها لم تحظ من العناية والرعاية والعمارة والاستخلاف كما أعطي الإنسان، ولا كلفت كتكليف ابن آدم؛ بل جعلها الله خادمة مسخرة له: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً} [البقرة: 29]؛ بل حتى الملائكة سخرها لابن آدم، فجعل منهم الكتبة عليهم، والدافعين عنهم من معقبات من بين أيديهم ومن خلفهم، يحفظونهم من أمر الله، ومنهم المسخرين لإرسال الريح والمطر، كما جعل الله من أكبر وظائفهم الاستغفار لبني آدم: {وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأَرْضِ} [الشورى: 5]!


ومع ذلك - عباد الله - فإن هذه المخلوقات - عدا ابن آدم - قد كملت في عبوديتها لله جل شأنه، وخضوعها له، وذلها لقهره وربوبيته وألوهيته، إلا بعض المخلوقات العاصية كالشياطين وعصاة الجن، وبعض الدواب كالوَزَغ؛ الذي قال عنه النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((اقتلوا الوَزَغ؛ فإنه كان ينفخ النار على أبينا إبراهيم))؛ رواه أحمد.


غير أن أولئك مع عصيانهم - إلا أنهم لا يبلغون مبلغ عصيان بعض بني آدم! وما ذاك إلا لأنه قد وجد في بني آدم من يقول: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، ومنهم من يقول: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} [المائدة: 17]، ومن يقول: {إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]، ووجد منهم من يقول: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} [البقرة: 258]، ووجد من يقول: { اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ} [الأعراف: 138]، ووجد منهم من يقول عن القرآن: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25] ، ومن يقول: {إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ} [المدثر: 25]، ناهيكم - عباد الله - عمن يقول: {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة/64]، ومن يجعل الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، وكيف إذن بمن يقول: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181]!!!


وهكذا - عباد الله - تمتد حبال الطغيان والجبروت في بني الإنسان، إلى أن يخرج من يقول: "إن الشريعة الإسلامية غير صالحة لكل زمان ومكان"، أو من يقول بفصل الدين عن الدولة؛ "فلا سياسة في الدين، ولا دين في السياسة"، أو من يقول: "الدين لله، والوطن للجميع"، أو: "دع ما لله لله، وما لقيصر لقيصر"، أو من يصف الدين بالرجعية، والحدود والتعزيرات بالهمجية والغلظة، أو أن يصفه بالمقيِّد للمرأة، والظالم لها، والمحجِّر على هُويتها، أو من يرى حريتها وفكاكها من أسرها إنما يتمثل في خروجها من حدود ربها، وإعلان عصيانها لشريعة خالقها، وجعلها نهبًا لكل سارق، وإناءًا لكل والغ، ولقيطًا لكل لاقط، جسدًا للإغراء والمتاجرة، وحب شيوع الفاحشة في الذين آمنوا!!


هذه هي مقولات بعض بني الإنسان؛ فهل من التفاتة ناضجة إلى مواقف إبليس اللعين في كتاب ربنا؛ لأجل أن تروا: هل تجدونه قال شيئا من ذلك، غير أنه وعد بالغواية؟ بل إن غاية أمره أنه فضل جنسه على جنس آدم؛ فاستكبر عن السجود لمن خُلِقَ طينا؛ بل إنه قد قال لبعض البشر: {إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ العِقَابِ} [الأنفال: 48]، فلله ما أعظم عصيان بني آدم، وما أشد استكباره ومكره السيئ: {وَلاَ يَحِيقُ المَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً} [فاطر: 43].


ويؤكد الباري - جل شأنه - حقيقة عصيان بعض بني آدم من بين سائر المخلوقات، واستنكافهم أن يكونوا عبيدًا لله الذي خلقهم وفطرهم؛ فقال سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذَابُ} [الحج: 18]، فدل على أن أكثر بني آدم عصاة مستكبرون ضالون: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [الأنعام: 116]، {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13]، {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103].


أيها المسلمون:
من أجل أن نصل وإياكم إلى غاية واحدة، وهي استشعار عبوديتنا لله - سبحانه وتعالى - وأن منَّا مفرطين ومستنكفين، وأن من أطاع الله بشيء من العمل؛ أخذه الإعجاب بنفسه كل مأخذ، وأقنع نفسه ومجتمعه بأنه يعيش أجواء الأمن والأمان والاستقامة والهداية، وأنه أدى ما عليه، فليس هناك دواعٍ معقولة للتصحيح والارتقاء بالنفس إلى البُلْغَة المرجوَّة.
إنه لأجل أن نعلم ذلك، ولأجل أن نزدري عملنا مهما كان صالحًا، في مقابل أعمال المخلوقات الأخرى من جماد ونبات وحيوان - فإن من المستحسن هنا أن نسلط الحديث على أمثلة متنوعة لمخلوقات الله سبحانه؛ لنبرهن من خلالها الهوة السحيقة بيننا وبينهم في كمال العبودية لله والطاعة المطلقة له.


فمن ذلك: ما ألهم الله به بعض مخلوقاته من استشعار عقيدة التوحيد، وذم الشرك في ألوهيته - جل وعلا - وذلكم من خلال ما ذكره الله سبحانه عن هدهد سليمان - عليه السلام - حينما أنكر عليه أهل السماء من الكفر بالله والشرك به، إضافةً إلى دعوته لتوحيد الله سبحانه؛ فقد قال الله تعالى عن الهدهد: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ * أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ} [النمل: 24 - 26].
ومن ذلك - عباد الله -: ما أودعه الباري سبحانه بعض الجمادات من الغيرة على دينه، والتأذي من انتهاك ابن آدم لحرمات الله سبحانه؛ ففي الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مُرَّ عليه بجنازة؛ فقال: ((مُسترِيحٌ ومُسترَاح منه))، فقالوا: يا رسول الله، ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: ((إن العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب))؛ رواه البخاري.


فانظروا - يا رعاكم الله - كيف يتأذى الشجر والدواب من الرجل الفاجر، وما يحدثه في الأرض من فساد وتخريب، وإعلان المعصية لله تعالى، والتي لا يقتصر شؤمها على ابن آدم فحسب.
وفي مقابل ذلكم؛ فإن بعض الدواب تفرح بالتدين، وتشعر بأثره في ابن آدم، وبركته على وجه الأرض؛ فلذلك هي تدعو له، وتصلي عليه، وتستغفر له؛ فقد روى الترمذي في "جامعه"، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إن الله وملائكته، وأهل السموات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت - ليصلون على معلم الناس الخير))، بل إن الدواب جميعًا لتشفق من يوم القيامة، وتفرق من قيام الساعة؛ خوفًا من هولها وعرصاتها؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ما من دابة إلا وهي مصغية يوم الجمعة؛ خشية أن تقوم الساعة))؛ رواه أحمد، والمصغية: هي المنصتة.
ولقد ورد أيضًا ما يدل على عبودية الديك لله، ودعوته للفلاح والخير؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((لا تسبوا الديك؛ فإنه يدعو إلى الصلاة))؛ رواه أحمد وأبو داود.


وقد روى الإمام أحمد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إنه ليس من فرس عربي، إلا يؤذن له مع كل فجر يدعو بدعوة، يقول: اللهم إنك خولتني من خولتني من بني آدم، فاجعلني من أحب أهله وماله إليه))، فيقول - صلى الله عليه وسلم -: ((إن هذا الفرس قد استُجيب له دعوته))؛ رواه أحمد.
وأما النمل - يا رعاكم الله - فتلك أمة من الأمم المسبحة له سبحانه، مع صغر خلقتها، وهوان حالها، وازدراء البشر لها، وهي التي قال الله عنها: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ} [النمل: 18]، هذه النملة يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها: ((قرصت نملة نبيًّا من الأنبياء، فأمر بقرية النمل فأحرقت؛ فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح الله!!))؛ رواه البخاري.


وأما الشجر - وهو من النبات عباد الله - فقد قال الله عنه: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6]، وروى ابن ماجه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((ما من ملبٍّ يلبي، إلا لبَّى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر، حتى تنقطع الأرض من ها هنا وها هنا)).
وأما ولاء الحجر والشجر للمؤمنين، ونصرته لدين الله حينما يستنطقه خالقه، فينبئ عن عمق عبوديته لربه، وغيرته على دينه؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد قال عنه: ((لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود، فيقتلهم المسلمون، حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر؛ فيقول الحجر أو الشجر: يا مسلم، يا عبد الله، هذا يهودي خلفي، تعال فاقتله))؛ رواه البخاري.


انظروا - يا رعاكم الله - هذه المخلوقات الآنفة!
إضافة إلى الجبال الراسيات والأوتاد الشامخات، كيف تسبح بحمد الله، وتخشى علاه، وتشفق وتهبط من خشية الله، ومن الكفر به ونسبة الولد إليه سبحانه: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الجِبَالُ هَداًّ * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} [مريم: 90 - 92]، وهي التي خافت من ربها وخالقها؛ إذ عرض عليها الأمانة فأشفقت من حملها، وكيف أنه تدكك الجبل لما تجلى له ربنا - جل وعلا -: {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً} [الأعراف: 143]؛ فهذه حال الجبال وهي الحجارة الصلبة، وهذه رقتها وخشيتها وتدكدكها من جلال ربها وعظمته، وقد أخبر الله أنه لو أنزل عليها القرآن لتصدعت من خشية الله.


فيا عجبًا من مضغة لحم أقسى من صخر صلب، تسمع آيات الله تتلى عليها، ثم تصر مستكبرة كأن لم تسمعها! كأن في أذنيها وقرًا، فهي لا تلين ولا تخشع، ولكن صدق الله: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمن الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفارًا.


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، ثم أما بعد.


فيا أيها الناس:
تكلم ذئب كلامًا عجبًا إبان حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - كلامًا يفيد بأن الذئب يؤمن بأن الرزق من عند الله؛ بل قد أمر هذا الذئب راعي الغنم بتقوى الله سبحانه، إضافةً إلى علم الذئب بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ورسالته! فلقد أخرج الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلب الراعي فانتزعها منه، فأقع الذئب على ذنبه، قال: ألا تتقِ الله، تنزع مني رزقًا ساقه الله إليَّ! فقال: يا عجبي! ذئب مقعٍ على ذنبه يكلمني كلام الناس!! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك، محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق))؛ الحديث، وفي رواية للبخاري: "فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم!! فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((فإني أؤمن بذلك أنا وأبو بكر وعمر)).


فاتقوا الله - أيها المسلمون - واقدروه حق قدره، واستشعروا أثر عبودية الجماد والنبات والحيوان وكمالها لله تعالى، وهي أقل منكم فضلاً وتكريمًا، واعلموا أنكم مقصرون مهما بلغتم، وظالمون لأنفسكم مهما ادعيتم القصد أو الكمال؛ فإن بُعد البشر عن الحقيقة، وضعف يقينهم بالآمر الناهي، وغلبة شهواتهم مع الغفلة - تلك كلها تحتاج إلى جهاد أعظم من جهاد غيرهم من المخلوقات الطائعة المسبحة لله.


يصبح أحدنا وخطاب الشرع يقول له: استقم في عبادتك، واحذر من معصيتك، وتنبه في كسبك، وقد قيل قبلُ للخليل - عليه السلام -: اذبح ولدك بيدك، واقطع ثمرة فؤادك بكفك، ثم قم إلى المنجنيق لتُرمى في النار، ويقال للغضبان: اكظم، وللبصير: اغضض، ولذي المقول: اصمت، ولمستلذ النوم: تهجد، ولمن مات حبيبه: اصبر، وللواقف في الجهاد بين الغمرات: لا يحل لك أن تنفر، وإذا وقع بك مرض فلا تشكو لغير الله.


فاعرفوا - أيها المسلمون - شرف أقدار بني آدم بهذا الاستخلاف، وصونوا هذا الجوهر بالعبودية الحقة عن تدنيسها بشؤم الذنوب، ولؤم التفريط في الطاعة، واحذروا أن تحطكم الذنوب إلى حضيض أوهد؛ فتخطفكم الطير، أو تهوي بكم الريح في مكان سحيق: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ} [الحج: 32].
والعجب - عباد الله - ليس من مخلوقات ذُلِّل لها الطريق فلا تعرف إلا الله، ولا من الماء إذا جرى، أو من متحدِّر يسرع، ولكن العجب من مصَّعِدٍ يشق الطريق شقًّا، ويغالب العقبات معالجة، ويتكفأ الريح إقبالاً، ولا عجب فيمن هلك كيف هلك؟! ولكن العجب فيمن نجا كيف نجا؟! {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35].


والعبد كلما ذل لله، وعظم افتقارًا إليه وخضوعًا له - كان أقرب له، وأعز وأعظم لقدره، فأسعد الخلق أعظمهم عبودية لله، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - قال الله سبحانه: ((يا ابن آدم، تفرغ لعبادتي؛ أملأ صدرك غنًى وأسد فقرك، وإن لم تفعل ملأت صدرك شغلاً ولم أسد فقرك))؛ رواه ابن ماجه.
هذا وصلوا - رحمكم الله - على خير البرية، وأزكى البشرية، محمد بن عبدالله صاحب الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنى بملائكته المسبحة بقدسه، وأيه بكم أيها المؤمنون؛ فقال - جل وعلا -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب:56].


اللهم صلِّ وسلم على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور، والجبين الأزهر، وارضَ الله عن خلفائه الأربعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعن سائر صحابة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - وعن التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعز الإسلام والمسلمين، واخذل الشرك والمشركين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك المؤمنين.


اللهم فرج هم المهمومين من المسلمين، ونفث كرب المكروبين، واقضِ الدين عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح أئمتنا وولاة أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفق ولي أمرنا لما تحبه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلح له بطانته يا ذا الجلال والإكرام.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.



__________________
قال أيوب السختياني: إنك لا تُبْصِرُ خطأَ معلِّمِكَ حتى تجالسَ غيرَه، جالِسِ الناسَ. (الحلية 3/9).

قال أبو الحسن الأشعري في كتاب (( مقالات الإسلاميين)):
"ويرون [يعني أهل السنة و الجماعة ].مجانبة كل داع إلى بدعة، و التشاغل بقراءة القرآن وكتابة الآثار، و النظر في الفقه مع التواضع و الإستكانة وحسن الخلق، وبذل المعروف، وكف الأذى، وترك الغيبة و النميمة والسعادة، وتفقد المآكل و المشارب."


عادل بن رحو بن علال القُطْبي المغربي
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 02:13 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.