أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
15434 26708

العودة   {منتديات كل السلفيين} > المنابر العامة > المنبر الإسلامي العام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 03-27-2020, 09:13 PM
ابوعبد المليك ابوعبد المليك غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Mar 2013
المشاركات: 4,329
افتراضي مِئة خطأ تقع عند دراسة المسائل الأُصولية / ا.د. الشيخ احمد بن مسفر العتيبي

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده..وبعد :

فهذه ورقات استللتُها من دروسي على الطلبة وأفردتُها لأهمِّيتها في هذا العِلم.

والتصحيح والتصويب للمناهج العلمية مما أوصى به العلماء لطلابهم ومحبيهم ،فقد قال أيوب السختياني(ت: 131هـ ) رحمه الله تعالى: ” إذا أردت أن تعرف خطأ معلمك فجالس غيره “،وقال ابن المبارك(ت: 181هـ ) رحمه الله تعالى :” إذا أردت أن يصح لك الحديث،فاضرب بعضه ببعض”. وهذا عام للعلوم الشرعية التي تحتاج إلى تمييز ونقد ودراية.

وعلم الأصول من أهم العلوم التي تُعين على فهم المسائل والدلالات ،فيجب معرفة ما يصح وما لا يصح في مسائله عند البحث والدراسة.
فلا ريب أنه عند دراسة المسائل الأصولية تحصل جُملة من الأخطاء سواء كانت منهجية أو ذاتية أو علمية.

وحتى ينضج هذا العلم ( عِلم الأصول) في قلوب الدارسين فيجب على الطالب والباحث تأصيل علمه ومنهجه على جادة صحيحة.
أما ما الفائدة من سرد هذه الأخطاء ؟، فالجواب أن الفائدة مهمة وموعبة ، لأن معرفة الخطأ تعين على معالجته والإفادة عند تصحيحه وبيانه للناس وحتى يُعبدَ اللهُ بما صح من شرعه ، وثمرة ذلك وضوح المنهج وصحة التلقِّي وسلامة مصدره واستقامة وصفاء القريحة.
وهذه الأخطاء يمكن التعرف عليها بالاستقراء أو بسؤال أهل التخصص ، أو بالرجوع إلى المصادر الأصيلة في المكتبة الأُصولية. وفي ختام سرد الأخطاء وصوابها ، سوف أُشير إلى أهم المصادر والمراجع التي تُعين على توثيق التصحيح لتلك الأخطاء ، والله ولي التوفيق :
1-البدء بقرآءة المطوَّلات في أصول الفقه قبل دراسة المختصرات. مثل قراءة البحر المحيط للزركشي والتمهيد في أصول الفقه للكلوذاني ، قبل فهم الورقات للجويني أو البلبل للطوفي.
ومن أعرض عن المنهج الصحيح في التلقِّي فسيصاب بالحيرة والتشتت الذهني والوقوع في الأغلوطات العلمية.
وهذا مجرب ورأيته رأي العين عند الطلبة وعند بعض المتعالمين في هذا الفن.
2-قرآءة المسائل الأصولية على الوجه النظري من غير تطبيقها تطبيقاً علمياً ، بتخريج الفروع على الأُصول.
والصواب دراسة المسائل الأُصولية على معلِّم فطن ،ثم تطبيق الدراسة على الفروع حتى تستقر المسائل في الذِّهن، ليمكن الإفادة منها في الحُكم على الوقائع والنوازل.
3-دراسة متن أُصولي ثم هجر مسائله وأمثلته ومعانيه .
والصواب تكراره على أقل تقدير أو الإنتقال إلى كتاب أعلى منه مرتبة ، حتى يمكن جمع المسائل الأصولية الواسعة مع قواعدها من عدة كتب أو مصنفات أصولية ، لأن هذه المتون والكتب مرتبة ترتيباً علمياً، فكل مرتبة لها ميزان علمي خاص ، فمن وقف على مرتبة متنٍ أو كتابٍ ولم يتجاوزه ،فقد وقف ميزانه عند قدر معين بقدر ما قرأ وفهم.
4-مطالعة المسائل العقدية الخاطئة في المتون أو الشروح الأُصولية دون تصحيح الخطأ فيها مثل :
الكلام النفسي، القول بخلق القرآن ، اطلاق المتكلِّمين القول بتقسيم الدين إلى أصول وفروع بلا ضابط لهذا الإطلاق، قول الأشاعرة كلام الله تعالى معنى يقوم بالذات من غير لفظ ،مسائل الحكمة والتعليل والكسب وخلق الأفعال، وغيرها من المسائل التي دسَّها المتكلِّمون والمتأوِّلة وأهل الزيغ في مصنفات الأصول.
والصواب تعلم العقيدة الصحيحة ودراسة علم الأصول عند معلِّم ناصح ، يفهم مذهب السلف ،ويعرف مواطن الغلط في المباحث الأصولية.
5-الإغراق في دراسة المباحث الكلامية والمنطقية وتضيِّيع الشهور والأعوام في تكرارها وحلِّ عقدها .
والصواب مطالعتها عند الحاجة لمن يقف بحثه عند إحدى مسائلها. والغزالي(ت: 505هـ) رحمه الله تعالى كان منكبَّاً على المسائل المنطقية والكلامية في أول حياته ، لكن قبل وفاته بأيام يسيرة صنَّف كتابه” إلجام العوام عن علم الكلام “.
6-فهم المباحث الأُصولية من غير الإلتفات والعناية بالبراهين والأدلة. والصواب تدبُّر أو حفظ الأدلة النقلية والعقلية للاحتجاج بها عند الحاجة.
والبراهين قد تكون البراهين نقلية وقد تكون عقلية ، وكذلك أهم نصوص الكتاب والسنة الموضِّحة للمسائل الأصولية ، ثم قواعد المسائل العامة للمباحث الأصولية. ويعدُّ كتاب الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم(ت:456هـ) رحمه الله تعالى ،من أنفس الكتب في هذا الباب.
7-عدم العناية بالتخريج بأنواعه: تخريج الأصول على الفروع ، تخريج الفروع على الأصول ،تخريج الفروع على الفروع.
وهذه التخريجات الثلاثة لها كتب مشهورة عند أهل الفن يعرفها المعتنون بها .
والتقصير في التخريج ملاحظ في الدورات العلمية في البلاد الإسلامية ،إلا ما ندر.
ومن أهم الكتب في التخريج عموماً :
التحرير لابن الهمام ، وجمع الجوامع لابن السبكي وإرشاد الفحول للشوكاني. وبسبب هذه الغفلة كثر المتعالمون في الفقه ، وظهرت الفتاوى المضلِّلة في أبواب الحلال والحرام ، ووقع الزلل والغلط في توضيح الأحكام الشرعية ، وقلت العناية بفقه النوازل ، والصواب بخلاف ما تقدَّم.
8 -هجر المصنفات الأُصولية بحجة صعوبتها وغموض ألفاظها ووعورة مسالكها. والصواب التحول إلى الكتب الأُصولية الميسرة في عرض المسائل مثل:
الورقات للجويني، وبلغة الوصول للكناني، وروضة الناظر لابن قدامة ،والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم، رحمهم الله تعالى، والأخير صاحبه شاعر وله ذوق أدبي ، فلا تجد عنده المعاني المستغلقة ولا الألفاظ الثقيلة المنفِّرة.
9 -الإفادة من المتون والكتب الأصولية من غير تميِّيز لمنهج مصنِّفيها :
هل هم على مذهب الجمهور أم على مذهب الفقهاء أم على مذهب المتأخِّرين؟ والتمييز له فوائد :
معرفة قواعد العلماء في كل مذهب، وفهم تعليل العلماء في المسائل المختلفة ، ومعرفة مفاتيح الإستنباط في كل مذهب.
والصواب يكون بتميِّيز المذاهب في كل متن أصولي.
فمذهب الجمهور يتميز بتحقيق وتقرير القواعد الأصولية تقريرا منطقياً نظرياً وتقعيدها وبنائها على الحجج والبراهين ، وتأييد العقل بعيداً عن الاستقاء من الفروع الفقهية. والمسائل الفقهية في هذا المنهج قليلة جداً ، لأن هذا المنهج في الغالب يفصل بين الفقه والأُصول فلا يخلط بينهما.
وأشهر كتابين في هذا المنهج هما : البرهان للجويني، والمستصفى للغزالي رحمهما الله تعالى.
أما منهج الفقهاء ويُسمى منهج الحنفية فيتميز بكثرة الفروع الفقهية ، فيستخرجون قواعد الأصول من الفروع.
وهم بهذا يربطون بين الفقه والأصول، والأصول عندهم مقرِّرة للفروع وليست حاكمة عليها.
وأشهر كتابين في هذا المنهج هما :
تنقيح الفصول للقرافي، والتمهيد للإسنوي رحمهما الله تعالى.
أما منهج المتأخِّرين ويسمى تخريج الفروع على الأصول ،فهو مزج بين المنهجين السابقين؛ ففيه استخدام للعقل والمنطق في تحليل القواعد الأُصولية مع تطبيقها على المسائل الفقهية.
وأشهر كتابين في هذا المنهج هما :
تخريج الفروع على الأصول للزنجاني، وجمع الجوامع لابن السُّبكي. رحمهما الله تعالى.
10-البدء بدراسة الفقه قبل دراسة الأصول. والصواب الجمع بينهما أو البدء بدراسة الُأصول.
وسبب ذلك أن تعريف الفقه لمن تأمل : العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية.
وتعريف الأصول : معرفة دلائل الفقه إجمالاً وكيفية الإستفادة منها وحال المستفيد.
وهذا يؤكد أن فهم الأصول قبل دراسة الأصول لازم جداً.
وكثير من علماء الفقه قديما ًكانوا يُقدِّمون كتب الفقه بمقدِّمات أصولية قبل الشروع في تبسيط المسائل الفقهية ، منهم ابن عبد الهادي (ت:909هـ) رحمه الله تعالى في كتابه ” مُغني ذوي الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام”، و” المقدِّمة الأصولية” لابن هبيرة (ت:560هـ )رحمه الله تعالى.
11-تقديم الإجماع الذي لا يستند على نص أو تقديم القياس أو تقديم الأدلة المختلف فيها ، على نصوص الكتاب والسنة خطأ منهجي وضلال في الفكر ،وقد نبَّه على هذه الملاحظة الآمدي رحمه الله تعالى في الإحكام ( 1/263 )، وابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاويه( 19/195 ) وابن رجب رحمه الله تعالى في كتابه فتح الباري(9/22)، وأورد أمثلة عليها، وكذلك فلتراجع .
فالعلم الصحيح هو علم الكتاب والسنة أولا ،ثم تأتي بعده الأدلة بحسب المتاح والمقبول منها.
12-الإستدلال في بعض المسائل الأصولية بإحدى القرآءات القرآنية المنقولة ،التي لم تُوافق العربية ولم توافق رسم أحد المصاحف ولم يصح سندها ، فهي قرآءة مردودة لا يحتج بها ولا قيمة لها.
فصحة السند وموافقة الرسم العثماني وموافقة اللغة العربية أمر لازم لتكون القرآءة صحيحة مقبولة.
13-الإستدلال بالقرآءة القرآنية من غير عزوٍ يُضعف قوة الاحتجاج بها ، والصواب ضبطها بالشكل وعزوها إلى مصدرها بأنها لفلان من القراء ،وتُروى عن فلان في البلد الفلاني.
14-القرآءة التي صح سندها ولم تُوافق رسم المصحف فإنها قراءة شاذَّة مردودة كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أقرأني رسول الله صلى الله عليه وسلم ” إني أنا الرزاق ذو القوة المتين).
وقرآءة رسم المصحف المتواترة هي : ” إن الله هو الرزاقُ ذو القوة المتين” ( الذاريات: 58).
15-الجزم بصحة القراءة القرآنية لأنها منسوبة إلى قارىءٍ من القراء السبعة لا يكفي في تحقيق صحتها والعمل بها ، بل يجب التحقق من توفر شروط الصحة المذكورة آنفاً ، فقد تكون القرآءة منسوبة إليهم ،وهي قرآءة شاذة مردودة.
16-عند دراسة أحكام البسملة – في المسائل الفقهية والأصولية – يرُجِّح بعض الدارسين أن البسملة آية من الفاتحة فقط ، وليست آية من القرآن نزلت للفصل بين السُّور. والصحيح هو العكس.
فالبسملة آية في كل سورة في أولها سوى براءة.
وهذه المسألة مهمة ويتنازع فيها دائماً القراء والمحدِّثون والأصوليون والفقهاء.
17-القول بأن في القرآن شيٌ من التراكيب الأعجمية مثل :
مشكاة وسجيل وإستبرق وناشئة الليل ،والقسطاس وغيرها ،خطأ ظاهر ، فالقرآن كله عربي، وما ورد فيه من ألفاظ أعجمية فهو من توافق اللغات، بين العربية وألفاظ الأعاجم والأمم الأخرى.
وهذا لا يدل على أن القرآن غير عربي كله.
والقرآن معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فكيف يتحدَّاهم بشي فيه غمز للنبوة أو الرسالة؟!.
18يختلف معنى السُّنة عند الأُصوليين والمحدِّثين عن معناه عند الفقهاء والُّلغويين، فالحجية تكون بالمعنى الأُصولي الحديثي، لأن الحكم الشرعي يتعلَّق بهما، وهي : كل ما أُثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير سوى القرآن.
فعند الاستدلال والاستنباط يجب تتبُّع قوله وفعله وتقريره وكتابته وإشارته وهمُّه وتركه صلى الله عليه وسلم ،بحسب قواعد الأصول.
19-لا يجوز الإنتصار لقول أحدٍ من الناس لمجرد إنفراده بتقرير حُكم من الأحكام ،مثل من ينتصر لفتوى شيخه أو إمامه أو معلِّمه.
فلا حجة إلا فيما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكل أحدٍ يُؤخذ من قوله ويُردُّ إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
20-الإستدلال بحديث تأبير النخل على عدم جواز الاستدلال بالسُّنة في كل شؤون الحياة استدلال مغلوط ،لأن حديث تأبير النخل قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” ما أظن ذلك يُغني شيئاً “،وقال :” فلا تؤاخذوني بالظن ” أخرجه مسلم في صحيحه.
ولأنه أيضاً علَّق صلاح النخل بعلمهم لا بعلمه كما في قوله ” إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه “.
وهذا يدلُّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم إلا ما علَّمه الله تعالى ، وما قاله في النخل كان من تلقاء نفسه ، فهو معصوم في أمور الشرع والنبوة وغير معصوم في الأمور الدنيوية التي لا تعلُّق لها بالشرع.
-21اطلاق القول بأن خبر الواحد يفيد العلم غير صحيح ، بل المسألة فيها تفصيل عند أئمة التحقيق.
وفي كتاب الرسالة للشافعي رحمه الله تعالى ،أمثلة كثيرة ومهمة عن خبر الواحد.
فخبر الواحد يفيد العلم إذا احتفت به القرائن، وقد يفيد الظن إذا تجرَّد عن القرائن.
وخبر الواحد إذا تلقَّته الأمة بالقبول ووقع الإجماع على العمل بمقتضاه ،فإنه يفيد العلم.
وهذا الميزان مهم جداً لمعرفة حال خبر الواحد.
22-الخلط بين أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم التي على سبيل التشريع ،وبين تصرف الإمام والحاكم لا يصح.
ودليل ذلك تصرفه صلى الله عليه وسلم في لحوم الأضاحي وادخارها بعد ثلاث ، وهي مسألة فقهية مشهورة في أحكام أقضيته، والخلاف حولها معروف. وهذه مسألة مهمة أشار إليها الشافعي والقرافي رحمهما الله تعالى في كتابيهما الرسالة والفروق.
23-من الغلط القول إن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وحدَه يدل على الوجوب، فالصحيح عكسه.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يتوضأُ لكل صلاة طاهراً وغير طاهر، ووجوب الوضوء أو نقضه لا يثبتُ بالفعل فقط، لأن الفعل لا يدل على الوجوب إلا أن يفعله ويأمر الناس بفعله أو ينص عليه.
24-القول باستحباب التأسِّي به صلى الله عليه وسلم في الأفعال الخَلقية الجبلية قول فيه نظر ،ولا دليل صريح من صحيح السُّنة المتواترة على هذا الاستحباب ، وانفراد بعض الصحابة كابن عمر وغيره رضي الله عنهم لاستحباب ذلك ، لا يكفي لتقوية دليل الاستحباب ،وتشريعه في الأُمور الجبلية.
25-استخراج حُكم من أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم من غير بيان نوع الفعل النبوي لا يصح. فأفعاله صلى الله عليه وسلم قد تكون خواطر نفسية أو جِبلية أو تشريعاً أو أمراً خاصاً به، أو ما يقصد للقربة فيه ،أو ما لا يُقصد للقربة فيه، أو ما يفعله عقوبة أو إعطاءاً أو انتظاراً للوحي ، أو فعلاً مجردا يظهر حكمه فيه.
فهذه تسعة أنواع يجب التنبُّه لها عند استخراج الحُكم الشرعي منها.
26-خصائص النبي صلى الله عليه وسلم لا تثبت إلا بدليل صحيح، ولا تثبت بغير ذلك.
والخصائص هي الفضائل والأُمور التي انفرد بها النبي صلى الله عليه وسلم وامتاز بها عن اخوانه الأنبياء ،وعن غيره من البشر من أمته.
وتعرف الخصائص النبوية بالدليل الصحيح كالنصِّ على ذلك مثل قول الله تعالى ” خالصةً لك من دون المؤمنين”(الأحزاب: 50).
وكالإجماع على أن هذا من خصائصه ،مثل الإباحة له بنكاح أكثر من أربع نساء.
27-الإجماع هو اتفاق مجتهدي عصر من الأمة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم على أمر ديني ،والقول بأن الذي يُحتج به من الإجماع هو إجماع الصحابة أو هو المعلوم من الدِّين بالضرورة ، وأنه لا إجماع غيره، وأن الإجماع الذي يدَّعيه بعض الأصوليين لا يمكن الجزم بوقوعه في الجملة، قولٌ قويٌّ في جُملته وله وجاهة ، وهذا ما يُفهم من قول الإمام أحمد في القول المشهور عنه في الإجماع ، وهو إحدى الروايتين في المذهب عنه .
لكن إذا استند الإجماع إلى نص واجتهاد واستنباط وقياس صحيح، فإن إجماع مَن بعد الصحابة معتبر وله هيبة وقوة بين الأدلة، ولهذا قال كثير من العلماء إن الإجماع مراتب منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني.
28-تعميم صحة حُجية عمل أهل المدينة خطأ. والمقصود بعمل أهل المدينة : الأقوال والسُّنن والأقضية والاجتهادات التي رواها أهل المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ،وتواتر العمل بها عند قضاة وحُكاَّم المدينة.
فإجماع أهل المدينة الذي يكون إجماعاً ما نُقل وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، أما ما اجتهدوا فيه فليس بحجة.
29-ليس كل لفظة للقياس تَرِدُ عند العلماء يُقصد بها مصطلح القياس الأصولي المعروف. فبعضهم يُطلق القياس ويَقصد به الإستنباط المبنيَّ على التعليل.
ومن ذلك قول الشافعي رحمه الله تعالى : ” فهذا قياس على الخبر”. فمعناه استنباط مبنيُّ على التعليل بالنص.
30-من الخطأ في باب القياس الخلط بين العِلة الصحيحة والعلة الفاسدة. فالعلة الصحيحة هي ما دلَّ عليها التعليلُ للحكم بها في نصِّ الكتاب أو السنة بأيِّ حروف التعليل المعروفة في اللغة ،أو بتعليق الحكم على الوصف المناسب للتعليل.
والعلة الفاسدة ما لم يأت تعليل الحُكم بها في كتاب ولا سنة كالشَّبه والدوران ونحوهما من مسالكهما الباطلة.
31-من الخطأ الخلطُ بين القياس الجليِّ والخفيِّ ، ولو حصل هذا فستكون النتيجة الحكمية غير صحيحة. وهذا كله باعتبار القوة والضعف.
فالجليُ ما قُطع فيه بنفي الفارق المؤثِّر أو كانت العلة فيه منصوصاً أو مجمعا عليها.
وهذا النوع من القياس لا يُحتاج فيه إلى التعرض لبيان العلة الجامعة ،لذلك سُمِّي بالجليِّ مثل قياس إحراق مال اليتيم وإغراقه على أكله في الحُرمة.
والقياس الخفي ما لم يقُطع فيه بنفي الفارق ولم تكن عِلته منصوصاً أو مُجمعاً عليها ،مثل قياس القتل بالمثقَّل على القتل بالمحدَّد في وجوب القصاص ، وهذا النوع لا بد فيه من بيان العِلة وبيان وجودها في الفرع.
32-القول بأن القياس ليس حجة شرعية وأنه باطل مذهب الظاهرية ومن وافقهم من الشيعة. وهو قول ضعيف واهٍ.
وحجتهم أن القياس ليس ردٌّ لله ولا لرسوله صلى الله عليه وسلم ،وأنه ظن وليس بعلم.
ولهم أدلة أخرى من السُّنة ساقها ابن حزم في كتابه الإحكام. والصحيح أن القياس حجة شرعية قال به الجمهور وكثير من العلماء قديماً وحديثاً.
والصحابة رضي الله عنهم احتجوا بالقياس كما في قياس الزكاة على الصلاة في قتال الممتنع منها ، بجامع كونهما عبادتين من أركان الإسلام.
ويكون القياس حجة إذا كان بشروطه وضوابطه الصحيحة .
ولابن القيم رحمه الله تعالى ردود قيِّمة على نُفاة القياس في كتابه أعلام الموقعين، وللشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان مثلها، فلتراجع.
33-القول بجواز القياس في المعاملات وعدم تجويزه في العبادات قولٌ منسوب للحنفية ، وفيه نظر.
والصحيح جواز القياس في العبادات والمعاملات، وهذا قول الجمهور.
لأن كل ما جاز إثباته بالنص جاز إثباته بالقياس ،لأنه لا يوجد في الشريعة ما يُخالف القياس.
34-لا يصح القياس في أبواب التوحيد والعقائد لأنه يُفضي إلى البدعة والإلحاد وتشبيه الخالق بالمخلوق وتعطيل الأسماء والصفات.
والمستثنى من المنع قياس الأولى .
وسُمِّي بالأَولى لأن الفرع المقيس يكون في حكمه أولى من المقيس عليه، مثال ذلك: مسألة دفع الوالدين ،فلم يأتِ دليلٌ خاصٌّ يُبيِّن تحريمها؛ أي: تحريم الدفع، فدفعهما في هذه الحالة مقيس، والتأفيف عليهما مقيس عليه، وجاء دليل خاص في بيان تحريمه “:فَلَا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنهَرهُما “( الإسراء: 23 )؛ فيكون دفع الوالدين فرع ومقيس غير منصوص عليه، والتأفيف على الوالدين أصل ومقيس عليه منصوص عليه، والعلة الجامعة بينهما العقوق، أما الحكم: فهو تحريم الدفع كما حُرِّم التأفيف.
وقد سُمِّي هذا بقياس الأَوْلى؛ لأن الدفع أولى في التحريم من قول “أُفٍ”؛ لذلك سمَّاه المحققون بهذا، بمعنى أن حكم المقيس أولى من حكم المقيس عليه.
35 -من الأصوليين من لا يُفرِّق بين العلة والسبب، لكنّ أهل التحقيق من الأصوليين على التفريق بينهما، والفرق عندهم : أن العلة يُمكن أن تُدرك بالعقل كالإسكار في تحريم الخمر، ولا يمنعون من تسميتها سبباً، لكنهم يخصُّون الأسباب المحضة بما لا مدخل للعقل في معرفة حكمتها ومعقوليتها، وذلك ككون الزوال سبباً لصلاة الظهر ، وعلى هذا يُمكن أن يقال: كُّل علة سبب، وليس كل سبب علةً.
والذي تقرَّر عند الأصوليين أن كلاً من العلة والسبب علامة على الحُكم، كل منهما بنُي الحكم عليه وربط به وجوداً وعدماً، وكل منهما للشارع حِكمة في ربط الحكم به، وبنائه عليه، ولكن إذا كانت المناسبة في هذا الربط مما تُدركه العقول سُمِّي الوصف: العلة، وسمي أيضاً : السبب.
وإن كان مما لا تُدركه عقولنا سُمِّي السبب فقط، ولا يُسمَّى علة، فالسفر لقصر الصلاة الرباعية علة وسبب. وأما غروب الشمس لإيجاب فريضة المغرب، وزوالها لإيجاب فريضة الظهر، وشهود هلال رمضان لإيجاب صومه، فكل من هذه سببٌ لا عِلة، فتنبَّه ، فكل علة سبب، وليس كل سبب علة.
36-من الأصولييِّن من لا يُفرِّق بين العِلة والحكمة ، والصواب التفريق بينهما. فقالوا : إن العلة هي الوصف الظاهر المنضبط الذي يكون مظنةَ تحققِ الحكمة من وراء تشريع الحكم، بينما الحكمة هي المقصد الشرعي الذي شُرِّع الحكم لأجله .
ومثال ذلك :القصاص حكم شرعي. وعلته: القتل عمداً وعدواناً، وحكمته : حفظ النفوس.
وكذلك إباحة الفِطر في رمضان حكم شرعي. وعلته: السفر أو المرض، وحكمته: رفع الحرج والمشقة.
37-ليس كل تكليف يُعقل معناه .
فالعبادات الظاهرة غالباً غير معقولة المعنى، دلَّ على ذلك الاستقراء، فالصلاة مثلاً تؤدَّى على صفةٍ مخصوصة، إن خرجت عنها لم تكن عبادة، وكذلك الأمر في بقية العبادات كالصوم والحج.
والمقرَّر عند أهل العلم أن الحكمة العامة في العبادات هي التذلل والانقياد لأوامر الله والخضوع له سبحانه وتعالى.
ولذلك فالأصل في تعليل العبادة أن تُعلَّل بالطاعة والانقياد والتسليم لله.
38 -لا يجوز تعليل الأحكام الشرعية بعلل قاصرة غير منضبطة مثل: الحج مؤتمر سياسي، الصيام استجمام صحي، المرأة لا تستحق الولاية لحملها وولادتها ! ،ونحو ذلك.
بل تعلل بما جاء به النص أولا ثم يُضافُ إليها ثانياً ما يُمكن استنباطه بالقياس أو بالتدبر.
39-لا تُعلَّل الأحكام بالمصالح المتوهَّمة أو الملغاة ولذلك خطَّأ المحقِّقون من أهل العلم ،الفقيه الأندلسي الذي أفتى أحد الملوك بأن الواجب عليه في كفارة الجماع في نهار رمضان: صيام ستين يوماً لا غير.
ولما سُئل عن فتواه هذه، علَّلها بقوله: إن الخليفة قادر على العتق والإطعام، ولو أفتيناه بذلك سهَّلنا عليه، ولكن نشدِّد عليه حتى يكون في ذلك زجر وردع !.
فمثل هذه المصلحة التي رآها الفقيه، وهي زجر الحاكم عن العودة إلى الوقاع في نهار رمضان، وإن كانت في نظر المتأمل مصلحة، إلا أنها مصلحة مُلغاة لا يصح التعليل بها؛ لأن هنالك مصالح شرعية أكبر منها، وهي : العتق، وإطعام المساكين، وسدِّ حاجة المحتاجين.
40-الإقتصار على التنبيه على المصالح المادية أو الدنيوية في الشريعة مثل حفظ الدماء والأموال والأنفس والأبدان والفروج لا يكفي لحفظ هيبة الدِّين وضرورة الإلتفاتِ إليه، إلا إذا تمَّ التنبيهُ على حِفظ الإيمان وتهذيب النفوس والقلوب.
وهذا خطأٌ يقع فيه كثير من الأصولييِّن، وهو تقديم مصالح التشريع المادية على القلبية والإيمانية.
وهذه الفائدة مهملة كثيراً في كتب الأصوليِّين.
41-لا يصح خَرقُ الإجماع القطعي، ويكون فاعِله مُرتكباً كبيرة أو كفراً بحسب حال المسألة، إذا كان الإجماع قطعيا ثابتاً. أما خَرق الإجماع المظنون فهو محلُّ نظر وتأمل وفيه خلاف.
42-لا يصح في التعليل معارضة النصوص الصحيحة القطعية، أو معارضة الإجماع، إذا كان الإجماع صحيحاً ولا ريبة فيه ،فالنص سيِّد والتعليل تابع.
43-كل تعليل يعود على النص بالإبطال فهو باطل ،ولا يجوز إبطال النص إذا كان قطعياً وصريحاً، مثال ذلك من يُعلِّل من أهل التصنيف كراهة صيامِ ستة أيام من شوال ،بأنه لم يُشاهد أحداً يصومها !.
فهذا التعليل عليل ولا يُلتفت إليه ،وقد يكون قائله لم يقف على نصِّ في المسألة فيكون معذوراً.
44-لا يجوز تقديم العِلة المستنبطة على العلة المنصوصة. مثل من يستنبط من حديث الذباب ،أن كل حشرة تسقط في الإناء ففي أحد جناحيها دواء وفي الآخر دواء، أو أن الذباب لا نفس له سائلة.
45-لا يجوز ربط الأحكام بالحِكمة مطلقاً .فالحكمة لخفائها ولعدم انضباطها لم تُربط بها الأحكام في كثير من النصوص، لكن رُبطت الأحكامُ بالعِلل لأنها ظاهرة وجلية ومنضبطة.
فإباحة الفِطر للمسلم عنده سفره ليست للمشقة، لأن المشقة نسبية، وإنما لِعلة السفر.
والحكمة والعِلة متلازمان وقد قرَّر هذا المعنى العلويُّ(ت: 1233هـ)رحمه الله تعالى في المراقي حين قال في نظمه:
لم تُلف في المعلَّلات علة…خاليةً من حِكمة في الجُملة.
46-ليس كل حكمة تكون علةً .فقد يُطلق لفظ العِلة ويُراد به الحكمة أو غيرها.
فالعلة هي الوصف الظاهر المنضبط ، والحكمة هي المقصد الشرعي من الحكم.
لكن عند تعليل الأحكام يجب التفريق بينهما بحسب سِّياق المسألة، كما في الأمثلة الواردة في هذا السِّياق.
47 -لم تتفق الطوائف المشهورة على مسألة تعليل الأحكام ، فالأشاعرة والمعتزلة والظاهرية أنكروا تعليل الأحكام وقالوا لا يفعل الله تعالى شيئاً من الأحكام لعلة أصلاً، وأحكامهم مردودة ومُتعقَّبة من أهل التحقيق.
وأهل السنة والجماعة قالوا بجواز التعليل في الأحكام، وهذا قول الجمهور.
48-اطلاق القول بأن قول الصحابي ليس بحجة غيرُ صحيح، وهذا من دسائس المتكلِّمين في علم الأُصول ، وقد تتابع على نقل هذه الشُّبهة كثير من أهل العلم بدون تحقيق.
فقول الصحابي إما أنَّ له حُكم الرفع إن كان في أمرٍ لا مجال للرأي فيه ، أو يكون كالإجماع إذا اشتهر ،أو يكون حجة لعدالتهم إن لم يشتهر وكان مجالًا للرأي ولم يخالف قول جماهير الصحابة، أو يُحمل على التوقيف إن خالف القياس.
49-ما يستحسنه العالِم أو المجتهد بعقله لا يكون دليلاً للتشريع ، وما نُسب إلى بعض العلماء من القول بالإستحسان المنهيِّ عنه فهو استحسان بالرأي ولا يصح ولا يُتابع عليه.
أما الإستحسان المشروع وهو العدول عن المسألة إلى نظائر أخرى لها من الكتاب والسنة والإجماع والقياس ،فهو جائز ومتفق عليه.
50-تعميم قول إن شرعُ من قبلنا ليس شرعاً لنا فيه نظر .
والصواب أن شرع من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يأت في شرعنا ما ينسخه.
ودليل ذلك استدلال الرسول صلى الله عليه وسلم بقول الله تعالى :” وأقم الصلاة لذكري”(طه: 14).والآية وردت خِطاباً لموسى عليه السلام.
51-لا يصح تقديم العمل بالاستصحاب على غيره من الأدلة المجمع عليها ، وهي : الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
فلا يعمل بالاستصحاب إلا بعد انتفاء الأدلة لأنه أضعفها عند الاحتجاج.
52-لا يجوز تحميل الاستصحاب لمعاني لا يحتملها، لأنه قد يكون قطعياً وقد يكون ظنيا ً، بحسب تحقق الدليل الناقل أو انتفائه.
ولهذا لا يلجأ المفتي أو الباحث له إلا عند الضرورة.
53-استصحاب حُكم الإجماع في محلِّ النزاع لا يكون حجة في الغالب، لأنه يؤدِّي إلى تكافؤ الأدلة. ويمكن تطبيق أمثلتها على كل مسألة فقهية فيها نزاع بين العلماء، فيستصحب كل صاحب قول صحة أو بطلان عبادة الآخر بناءاً على استصحابه .
54-ليس كل استصحاب يكون صحيحاً .فالاستصحاب المعتبر هو استصحاب البرآءة الأصلية ، كاستصحاب أن محمدا صلى الله عليه وسلم آخر الرسل أو استصحاب انتفاء نبيِّ بعده. واستصحاب دليل الشرع سواء عموم النص أو العمل به ،واستصحاب حكم دلَّ الشرع على ثبوته.
55-لا يصح التمسك بالاستصحاب بدون حجة وبرهان مُحرَّر.
فسواء كان المثبت أو النافي متعلِّقا بالاستصحاب، فيلزمهما اقامة الدليل والحجة على دعواهما.
مثال ذلك استصحاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتزوج امرأة قبل خديجة رضي الله عنها ، فيلزم إقامة الدليل على هذه الدعوى سواء عن طريق الخبر أو عن طريق إمعان النظر في كتب السِّير.
56-لا يجوز تقديم المصلحة الملغاة أو المصلحة الحاجية أو المصلحة التحسينية على المصلحة الضرورية المعتبرة شرعاً بالأدلة المتفق عليها، مثل تقديم مصلحة الربح في البيع على مصلحة حضور صلاة الجمعة بعد النداء الثاني ،أو تقديم مصلحة ستر العورة على مصلحة حفظ النفس من الهلاك أو التلف عند طبيب مؤتمن.
-57لا يُلتفت إلى المصلحة إذا كانت مصادمة لنص أو إجماع ، ولا يُعمل بها إذا كانت لا تتفق مع مقاصد الشريعة الإسلامية، وكذلك إذا ترتب على المصلحة مفسدة راجحة أو مساوية لها في المآل، مثل تعليم الرقص والموسيقى والطرب ونحوها من الملاهي التي لا غاية شرعية من ورائها.
58-يخلط بعضُ الباحثين بين معنى النسخ عند المتقدِّمين ومعناه عند المتأخِّرين. فعند المتقدِّمين هو تخصيص العام وتقييد المطلق وتبييِّن المجمل ورفع الحكم. ويطلق على الجميع البيان.
أما عند المتأخِّرين فهو رفع الحكم الثابت بخطاب متقدِّم بخطاب متراخٍ عنه.
59-لا يصح تسمية النسخ تخصيصاً. ويختلف النسخ عن التخصيص من وجوه ستة: النسخ إخراج ما أُريد باللفظ الدلالة عليه ويشترط فيه التراخي، والنسخ يدخل في الشي الكلي الواحد، والنسخ يكون بخطاب جديد، والنسخ يكون في الإنشاء وليس في الإخبار، والنسخ لا يبقي بعده دلالة على المنسوخ.
60-لا يصح أن يتحقق النسخ بنقل الإجماع .ومن نقل ذلك من العلماء فقصدهم مُستند الإجماع وهو النص. لأن الإجماع لا يتحقق إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، وبعد وفاته لا يتحقق النسخ ، فلم يبق إلا النص .
61-لا يجوز النسخ بالقياس ولا بأدلة العقل ،لأن القياس من شرطه عدم وجود النص ، والنسخ في أصله بعكس ذلك ، فيتحقَّق بنص من كتاب أو سنة أو بإجماع. وأما بالعقل فهذا لا يكون إلا عند انتفاء الوحي.
62-لا يصح اشتراط أن يكون الناسخ أقوى من المنسوخ أو في مرتبته، بل يكفي أن يكون الناسخ وحياً صحيح الثبوت. مثل نسخ تغييِّر القبلة من بيت المقدس إلى مكة ،لقول الله تعالى : ” إلا لنعلمَ من يتبعُ الرسولَ” (البقرة: 143).
63-الإعتقاد بأن هناك تعارضاً بين الأدلة الشرعية والعقل اعتقاد باطل. لأن العقل الصريح موافق للنقل الصحيح. والله تعالى هو الذي خلق العقل وأنزل الوحي ويعلم حالهما ومرتبة كل منهما.
64-لا يقع التعارض بين دليليين قطعييِّن سواء كانا عقليين أو سمعيِّين ، أو أحدهم سمعي والآخر عقلي. لأن تعارض القطعيين يلزم منه اجتماع النقيضين وهو محال. ولا يقع التعارض بين قطعي وظني لأن الظن لغو ، والعمل لا يكون إلا بالقطعي والظن لا يرفع اليقين.
65-لا يجوز الإختيار لأحد الدليلين عند تعذر الترجيح بين دليليين ظنيين. بل الصحيح التوقف والبحث عن دليل جديد.
66-الترجيح بين الأدلة المتعارضة قبل الجمع بينها خطأ علميُّ ومنهجي. فالصواب محاولة الجمع ثم الترجيح بعد ذلك. ولا يجوز الترجيح بين دليلين متعارضين بدون دليل، لأن هذا من التشهِّي وهو باطل غير معتبر.
67-لا يجوز في باب الترجيح العمل بالظن الذي لا يُعلم رجحانه، لأن هذا من اتباع الظن ،وقد عاتب الله سبحانه من يتبع الظن الخالِ من العلم، كما في سورة يونس آية (36).
68-لا يجوز النظر إلى الأحكام الشرعية بمقياس الحكم العقلي والعادي ، فهناك فرقٌ بين الحكم العقلي والعادي والشرعي. مثال ذلك من يُرجِّح نصيب الميراث بالحكم العقلي من غير نظر في النص أو الخبر في المسألة. ومثله من يقيس أحوال الملائكة على المخلوقات التي يشاهدها في الدنيا. فهذه أحكام عادية وعقلية لا يتعلَّقُ بها حكم شرعي.
69-لا يصح النظر إلى الأحكام التكليفية الخمسة وهي :الإيجاب والندب والتحريم والكراهة والإباحة بنظرٍ متساوي .فطلب الترك يشمل المحرم والمكروه. وطلب الفعل يشمل الواجب والمندوب. والمباح لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم.
70-لا يجوز إلحاق الأحكام بالألفاظ والأسماء، لأنها في النصوص ملحقة بالمعاني والحقائق. مثل لفظتي الواجب والفرض، فينظر إلى المعنى الملحق بهما ،فما ينطبق عليه فإنه يسمى إما فرضاً أو واجباً بحسب ما يستحقه كل منهما ، لأن المأمور في الشرع ليس على درجة واحدة.
71-يجب التفريق بين ما لا يتم الواجب إلا به ،وبين ما لا يتم الوجوب إلا به مثال ذلك :
الإستطاعة شرط في وجوب الحج ،ومُلك النِّصاب شرط في وجوب الزكاة.
ووجوب الحج لا يتم الا بالاستطاعة ،ووجوب الزكاة لا يتم إلا بملك النصاب.
ولا يجب على العبد تحصيل الاستطاعة ولا ملك النصاب.
فما لا يتم الواجب إلا به يتوقف عليه ايقاع الواجب ،وما لا يتم الوجوب إلا به يتوقف عليه وجوب الواجب.
72-لا يصح قول القائل: إن المباح مأمور به. لأن المباح قد يكون واجباً إذا كان الواجب لا يتم الا به ، وقد يكون مندوباً وقد يكون حراما بحسب تعلُّقه بغيره، وقد يبقى على أصله الذي جاء في النص.
73-الحكم الوضعي ليس مقتصراً على السبب والشرط والمانع والعِلة، فيمكن بيان حاله أيضاً بالصحة والفساد والقضاء والأداء والإعادة والرخصة والعزيمة، وأمثلتها واضحة وظاهرة في كتب الفقه والأصول.
74-لا يجوز متابعة المعتزلة في قولهم إن العقل يُدرك الحسن والقبح استقلالاً من نفسه، ولا يجوز متابعة الأشاعرة القائلين بنفي الحسن والقبح العقليين، وأهل السنة والجماعة بين هذين المذهبين.
75-مسألة مبدأُ اللغات وهل هي توقيفية أم لا؟ مسألة لا جدوى من ورائها ، ولا يرتبط بها عمل ولا عبادة ولا حُكم، فلا يجوز الخوض فيها وصرف الأوقات في الردِّ على من يُجادل في تقريرها على رأيٍ معين.
76-أهل البدع يتصرَّفون في الأسماء الشرعية فَيُغيِّرون معناها الذي ورد في النصوص والأدلة ،مثل تغييرهم لمعاني الإيمان والكفر والإحسان والملائكة بحسب ما يتفق مع أهوائهم .
وقد تصرَّفت المرجئة في اسم الإيمان فجعلوا المراد منه التصديق فقط ،مما أخرج العمل عندهم عن حقيقة الإيمان.
77-من الخطأ الاستدلال بأهل الُّلغة إذا كان للفظة الشرعية معنى مُعيَّن ومدلول محدَّد في نصوص الوحي. ومن أمثلة ذلك تحريف أهل البدع لمعاني الأسماء والصفات مثل النُّزول والقرب والكلام ،وصرفها عن حقيقتها الشرعية الواضحة ، بحجة أن أهل اللغة استعملوها في غير مراد أهل السُّنة والجماعة.
78-تحميلُ اللفظ المعيَّن ما لا يحتمل خطأٌ يقع فيه كثيرٌ من طلبة العلم وكثير من العوام ، مثل تسمية بعض الكحول بالمشروبات الغازية أو الروحية أو المقبِّلات الإنسانية ، ومثل التهاون في بعض أنواع القِمار والربا ،بحجة التسامح للمصلحة الدينية.
79-من الخطأ حَملُ المشرك اللفظي على معنىً واحدٍ وترك المعنى الآخر المحتمل ، مثل القُرء للحيض والطهر.
فالصوابُ أن يُحمل على المعنيين ليكون المعنى شاملاً للمسائل المتشابهة بين الحيض والطُّهر ،كما فهم ذلك علماء الشريعة وحرَّروه في مصنفاتهم.
80-لا يجوز إنكار الترادف في اللغة، والترادف نوعان ترادف ذات وترادف تباين ،فهو موجود في الأسماء والأفعال والحروف.
لكن وجود الترادف في القرآن والسنة قليل. ويمكن الإفادة من الترادف في فهم الأسماء والصفات لله تعالى ،وفي فهم ألفاظ الأدعية.
81-حرف الواو لا يدلُّ على الترتيب فحسب ولا التعقيب ولا الجمع المطلق فحسب، بل هو لمطلق الجمع. وبناءاً عليه فهو يفيد المعاني السابقة كلها. مثال ذلك قول الله تعالى: “وادخلوا الباب سُجداً وقولوا حِطةٌ”( البقرة:58) وقوله :”وقولوا حِطةٌ وادخلوا الباب سجداً“الأعراف:161).
82-دلالة الاقتران ليست على درجة واحدة من القوة عند الإستدلال بها، فتارة تكون ضعيفةً وتارة تكون قويةً وتارة يظهر التساوي. فمثال الضعف حديث أبي داود المرفوع : ” .. ولا يغتسل من الجنابة” ،عطفاً على ما قبلها . ومثال القوة حديث أحمد المرفوع : ” .. ويمسُّ من طِّيب إن وجد” عطفاً على ما قبلها. ومثال التساوي حديث ابن ماجة المرفوع: “كلوا واشربوا وتصدَّقوا”.
83-لا يجوز ترك الإستدلال بالدليل إن كان نصاً صريحاً في المسألة، مثل النص على وجوب الصلوات الخمس والنص على تحريم الخمر والنص على النهي عن أكل أموال اليتامى ،ونحوها من الأدلة الصريحة .
84-لا يجوز ترك القول الراجح أو المعنى الراجح في المسألة أو في نص الدليل ، بدعوى تأويله أو عدم العمل به إلا لدليل أقوى منه.
مثال ذلك ترجيح أنه لا عدد محدَّد لصحة صلاة الجمعة .
85-يجوز تأويلُ النص لكن بدليل قوي راجح ، لا بدليل بعيد مرجوح، مثال ذلك تأويل روايات عدم رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربِّه ليلة الإسراء. فمن الصحابة من أثبتها ومنهم من نفاها ،لأن كلَّ فريقٍ منهم مُستمسك بتأويل سائغ.
86-لا يجوز الخوض في معنى المجمل إلا بقرينه قوية تُبيِّن معناه، فإن لم تكن قرينة فالتوقف أسلم وأحكم. مثال ذلك معنى حديث مسلم:” إذا قال الرجلُ هلكَ الناسُ فهو أهلكهم”. فالمعنى مُجمل لأن ضبط حركة الكاف إما أن تكون بالضمِّ أو بالفتح ،ولا بد من دليل آخر لزيادة البيان.
87-لا يحصل البيان بقوله صلى الله عليه وسلم فقط ، بل يكون البيانُ بالقول النبويِّ وبالفعل وبالكتابة وبالإشارة والإقرار والسُّكوت والترك النبويِّ.
88-لا يُشترط في البيان أن يفهمه جميع المكلَّفين في العهد النبوي.
مثال ذلك تعجُّب الصحابة رضي الله عنهم من بعض الأحكام التي لم يعرفوها قبل وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.
كقصة عمر وأبي بكر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة ، وقصة فاطمة رضي الله عنها في طلبها لإرث والدها صلى الله عليه وسلم.
89-لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، لأن ثمرة ذلك هي تكليف ما لا يُطاق. مثل تأخير بيان قتل الصبيان وكبار السِّن بعد بداية الأشهر الحرم إلى وقت لاحق.
90-أهل البدع يقولون لا صيغة للأمر ،لأن الكلام عندهم معنى قائم بالنفس مجرد عن الألفاظ والحروف. وأهل السُّنة والجماعة بخلاف ذلك.
والدليل على بطلان زعم مذهب أهل البدع : أن مَن حلف لا يتكلَّم فحدَّث نفسه بشي دون أن ينطق بلسانه لا يحنث. والناس يُسمُّون الناطق متكلِّماً والمتوقِّفُ عن الكلام يُسمُّونه ساكتاً .
91-القول بأن النهي لا يقتضي الفساد قول ضعيف لا يُحتجُّ به. فالنهي يقتضي الفساد عند جماهير علماء الأمة، مثال ذلك النكاح بلا وليِّ ونكاح المشركة، فهذا منهيُّ عنه ويقتضي فساد العقد.
92-يجب العملُ بالنص الدالِّ على العموم ، وإذا وجد مُخصِّص ينُظر إلى صحته ، فإن صح وجب العمل به فوراً حتى ،ولو كان آحاداً.
مثال ذلك قول الله تعالى :”وما تفعلوا من خيرٍ يعلمه الله”(البقرة:197).
93-لا يجوز حمل المطلق على المقيَّد في حالتين : الأولى إذا ورد قيدان عكس بعضهما ،ولا وجود لمرجِّح بينهما، مثال ذلك تقيِّيد صوم الظِّهار بالتتابع وتقيِّيد صوم التمتع بالتفريق ،مع إطلاق صوم قضاء رمضان ، والحالة الثانية عند وجود قرينة مانعة مثل تأخير البيان عن وقت الحاجة.
94-بعض الباحثين في المسائل الأصولية يُفرِّقون بين مفهوم الموافقة وفحوى الخطاب ولحن الخطاب والقياس الجلي والتنبيه ،والصحيح أنها مترادفات لمعنىً واحد ،وهو ما وافق المسكوتُ عند المنطوق في الحُكم.
مثال ذلك: تحريم ضرب الوالدين وتحريم حرق أموال اليتامى.
95-بعض الباحثين في الدراسات الأصولية يُفرِّقون بين مفهوم المخالفة ودليل الخطاب ، والصحيح أنهما مترادفان لمعنى واحد وهو ما خالف المسكوتُ عنه المنطوق في الحُكم، مثل عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة.
96-من الخطأ تقليد إمام أو شيخ بعينه في كل المسائل من غير بيِّنة، مثل من يقلِّد من يتتبَّع رخص مالك وأبي حنيفة رحمهما الله تعالى. بل الواجب تحرِّي الحق والصواب ولو من إمامٍ لا يَنتسب إليه.
97-لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب مُعيَّن مشهور، لكن يلزمه معرفة الحق من الوحيين إن كان يقدر على ذلك ويستوعبه. وله أن يكثر من السُّؤال عن ما يُشكل عليه فهمه حتى يطمئن قلبه.
98-فهم المسائل الأصولية لا يتمُّ على منهج العلماء الراسخين إلا بطريقتين : الأولى : الاستيعاب في جرد مفردات المسألة العلمية.
والثانية : نقد الأقوال الواردة في عموم المسألة. ويتفرَّع من ذلك الوقوف على دلائل المسائل القطعية والظنية ،ومعرفة موارد الخلاف، وتوقِّي سوء الفهم للنص القرآني أو النبوي، والنظر في تخلُّف الحُكم المانع أو ثبوته ومعرفة القرآئن وموجب العموم والتخصيص والمعارض ،وتأمل موجب القياس والاستصحاب. وهي تنتظم في المقدِّمات اليقينية التي أثبتها الوحي ، والحواس الخمس الصحيحة التي عليها مناط الفهم عند العقلاء .
99-لا يجوز حصر التخريج الأصولي في معنى التعليل أو الإستنباط ، بل الصحيح أنه يشمل الفروع الفقهية في المذهب وأصول الأئمة وفهم القواعد الأصولية إضافة إلى التعليل والإستنباط.
وهذا لا يكون إلا بالاستقراء ومطالعة الفتاوى والتدبر لكتب المذاهب وأقوال المحققين وتفريعاتهم وتحقيقاتهم.
100- الاقتصار على المتون النثرية الأُصولية مع عدم النظر والمراجعة للمنظومات الأصولية خطأ فادح.
وعندي أن المَلكة الأُصولية تقوى وتتسع بالمنظومات أسرع من اتساعها بالمتون والمصنفات (بشرط فهم شرحها)، ومن جرَّب عرف.
وأهم المنظومات الُأصولية: نظم ابن حزم في أصول الظاهرية ،والنُّبذة الألفية للبِرماوي ،ومهيع الأصول لابن عاصم ،والكوكب الساطع للسُّيوطي ،وسُلَّم الأصول لابن مطير ،وتسهيل الطرقات للعمريطي ،ومنظومة الكواكبي ،وبغية الآمل للصنعاني ،ودرر الأصول لابن بونة ،ومراقي السُّعود للعلوي ،ونظم الورقات للكُنتي ،ونظم أصول مالك لابن أبي كف ،ونظم مختصار المنار للكوراني ،والبدر اللامع للأشموني ،وهداية الأصول للعبادي ،وسّلَّم الوصول للجزائري ،ورشف الشمول لابن بدران ،ووسيلة الوصول للحكمي ،والتحفة المرضية للأثيوبي ،ونظم مفتاح الوصول لابن الإمام ،ونظم الأُصول لابن مود الجكني ،والقلائد الجلية للفضفري. رحمهم الله تعالى أجمعين.
هذا ما تيسر تحريره ،والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



1441/8/2
__________________
أموت ويبقى ما كتبته ** فيا ليت من قرا دعاليا
عسى الإله أن يعفو عني ** ويغفر لي سوء فعاليا

قال ابن عون:
"ذكر الناس داء،وذكر الله دواء"

قال الإمام الذهبي:"إي والله،فالعجب منَّا ومن جهلنا كيف ندع الدواء ونقتحم الداءقال تعالى :
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)
ولكن لا يتهيأ ذلك إلا بتوفيق الله ومن أدمن الدعاءولازم قَرْع الباب فتح له"

السير6 /369

قال العلامة السعدي:"وليحذرمن الاشتغال بالناس والتفتيش عن أحوالهم والعيب لهم
فإن ذلك إثم حاضر والمعصية من أهل العلم أعظم منها من غيرهم
ولأن غيرهم يقتدي بهم. ولأن الاشتغال بالناس يضيع المصالح النافعة
والوقت النفيس ويذهب بهجة العلم ونوره"

الفتاوى السعدية 461

https://twitter.com/mourad_22_
قناتي على اليوتيوب
https://www.youtube.com/channel/UCoNyEnUkCvtnk10j1ElI4Lg
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:10 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.