أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
2119 6763

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-10-2011, 01:28 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
الدولة: الإمارات
المشاركات: 5,144
افتراضي [ تفريغ ] شهر صفر - علي بن حسن الحلبي

بسم الله الرحمن الرحيم

«شَهـرُ صَفَـر»

محاضَرةٌ (مفرَّغة)

لفضيلة الشَّيخ
علـيِّ بن حسَـن الحلبـيِّ
-حفِظهُ اللهُ-
إِنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالنَّا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

وبَعْدُ:

فمُراعاةً منا لأصلٍ شرعيٍّ ينبغي إحياؤُه، وينبغي استمرارُه، وهو: قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-: «الدِّينُ النَّصيحَةُ»؛ فأحببتُ -ونحنُ-اليومَ-في اليوم الثَّاني من الشَّهر الثَّاني مِن السَّنَة الهجريَّة الجديدة-وهو شهرُ صَفر- أن أُنبِّه على أمورٍ متعلِّقةٍ بهذا الشَّهر الكريم ورِثها كثيرٌ من النَّاس عن الجاهليَّة الأولى، ولم يُقيموا لها قَدْرَها، غيرَ مُراعين لِأصولِ الشَّريعةِ الغرَّاء، وقواعدِها العصماء؛ فوقعوا في كثيرٍ من البِدعِ والمحدَثات بغيرِ درايةٍ ولا انتِباه!

واللهُ -تَبارَك وتَعالَى- وصف الفِئة المؤمنَةَ الناجيةَ من الخُسران المُبين بقولِه -تَبارَك وتَعالَى-: {وَتواصَوا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ}.

فانطِلاقًا مِن هذا الأصل، وصُدورًا عن هذا الأساس: نُذكِّر أنفسَنا، ويُذكِّر بعضُنا بعضًا في قضايا كثيرةٍ قد يُخطئ فيها النَّاسُ -كثيرُهم أو قليلُهم، كبيرُهم أو صغيرُهم- وقد يكونُ هذا الخطأ مِن غيرِ انتِباهٍ، ومِن دون تعمُّدٍ، ولكنَّ التعمُّد لا يعني أن يكونَ البيانُ مقصورًا عليه، فحتَّى عند الخطأ غيرِ المتعمَّد؛ فإن البيانَ واجبٌ.

عندما جاء ذلك الرَّجلُ إلى رسولِ الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- قائلًا: ما شاء اللهُ وشئتَ -يا رسولَ الله-؛ لم يكنْ جواب النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- صمتًا ولا سُكوتًا؛ وإنَّما قال لهُ -باستِفهامٍ إنكاريٍّ صريحٍ وقويٍّ-صَلواتُ ربِّي وسلامُهُ عليهِ- قال: «أجعلتَني للهِ نِدًّا ؟ قُلْ: ما شاء اللهُ وحدَهُ». وفي روايةٍ: «ما شاء اللهُ ثمَّ شاءَ محمَّدٌ».

فالخللُ له صورتان:
- صورةُ التعمُّد.
-وصورةُ الخطأ.

وكما يقولُ أهلُ العلم: (المُراد لا يَدفعُ الإيراد)؛ المُراد: أي المقصود. والإيراد: أي الاستِدراك.

فمقصودُك إذا كان حسَنًا؛ فإنَّ هذا المقصودَ الحسَن لا يَنفي أن يُستدرَك عليكَ إذا أخطأتَ الصَّواب -بالقولِ، أو الفِعل-؛ لأن شُروط قَبول أيِّ عمل -مهما كانَ- مِن أعمالِ الإسلامِ التي يتقرَّب بها العباد إلى ربِّنا الملِك العلَّام شرطان:
- الشَّرط الأوَّل: الإخلاصُ لله.
- والشَّرط الثَّاني: الموافقةُ لسُنَّة رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسلَّم-.

ونحن في كلِّ مجلسٍ من مجالسِنا -تقريبًا- نبتدئُ بخُطبة الحاجةِ النَّبويَّة، والتي فيها التَّذكيرُ بأهميَّة السُّنَّة وخطرِ البدعةِ -معًا-؛ وذلك: قولُ النبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-والذي نَذكُره ونُكَرِّره، ونُذكِّر به ونتذاكَرُه-: «أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ»؛ خمسَ مرَّاتٍ للتَّوكيد على هذا الأصل -فضلًا عن تَكرار هذه المرَّات الخمس في كلِّ مقامٍ-مِن خُطبة جمُعة، أو مجلس علم، أو مَقام تعليم، أو غير ذلك-في غالبِ أمرِه-صَلواتُ ربِّي وسلامُه عليه-.

وما أجملَ -أيُّها الإخوةُ- ما قالهُ التَّابعيُّ الجليلُ حسَّان بنُ عطيَّة -رحمَهُ اللهُ-: (ما أحدَثَ قومٌ في دِينِهم بدعةً؛ إلا رفعَ اللهُ مكانَها سُنَّة؛ حتَّى تحيا البِدعُ وتموتَ السُّنن).

فيا لهُ من خطر عظيم يتهاون فيه الكثيرون، ولا يتنبَّه إليه الأكثرون، وهم يَحسبون أنَّهم للخير يصنعون، وهم -في ذلكَ كلِّه- غالِطون مخطِئون.

بعضُ النَّاس إذا سمعنا نُذكِّر بالسُّنَّة، أو ننهى ونُحذِّر من البدعة؛ قال: هذه قُشور؛ اهتمُّوا باللُّباب، هذه صغائر؛ اهتمُّوا بالكبائر!! -يعني: الأمور الكبيرة-؛ وهذا خللٌ وزللٌ؛ فلا فرقَ في دِين الله بين صغيرٍ وكبير، ما دامَ أنَّه دِين، فما تَحسبُه هيِّنًا؛ قد يكونُ عند الله عظيمًا.

وأَذكُر في ذلك نصَّين:

- أما النَّصُّ الأوَّل: فهو قولُ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ما حسدتْكُم اليهودُ على شيءٍ كمِثلِ ما حَسَدَتْكُمْ عَلى (آمينَ) في الصَّلاة».

اليهود قومُ حسَدٍ -فوق خُبثِهم، وكُفرِهم، وضلالِهم، وغضبِ الله عليهم-؛ يقول النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «ما حسدتْكُم اليهودُ على شيءٍ كَمِثلِ ما حَسَدَتْكُمْ عَلى (آمينَ) في الصَّلاة»؛ {يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ}.

نحن -الآن- لا نُقدِّر هذه الكلمةَ -التي هي عندهم ذاتُ مكانةٍ عُظمى، ومنزلةٍ كُبرى-.

قد يقولُ قائلٌ، أو يسألُ سائل: ولماذا هذا التعظيمُ لكلمةِ (آمين)؟

اسمعوا ماذا يقولُ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «إنَّ الإمامَ يقولُ (آمينَ)، وإنَّ الملائكةَ تقولُ (آمينَ)، فمَن وافقَ تأمينُه تأمينَ الملائكةِ؛ غُفِر له ما تقدَّم مِن ذنبِه».

كلمة واحدة: خفيفةٌ على اللِّسان، ثقيلةٌ في الميزان، حبيبةٌ إلى الرَّحمن -جلَّ في عُلاهُ، وعَظُم في عالي سَماه- لا يتنبَّه إليها النَّاس، ولا يَنتظرون ثوانيَ معدودةً لنَيْلِ هذا الأجر، والحظوةِ بهذا الصَّواب والثَّواب على وجهِ الحقِّ والصَّواب.

كثيرٌ مِن النَّاس -وللأسفِ- لا يَكادُ ينتهي الإمامُ مِن (آمينَ) -بل حتَّى قبل أن ينتَهي-؛ فإذا بهِ يسبِقونَه: (آمين)!! وهذا خطأ!!

إذا سمعتَ الإمامَ يقولُ: {ولا الضَّالِّين}، سمعتَ النونَ بسُكونِها مِن {وَلا الضَّالِّين}؛ فإنَّ هذا أوانُ بدئِه بالتَّأمين وبدئِك معه، لا تَسبقْه، واحرصْ على أن لا تتأخَّر عنه.

إذًا: سُنَّة قد يظنُّها بعضُ النَّاس شيئًا يسيرًا؛ لكنَّها عند الله -فعلًا، وأثرًا- شيءٌ كبير جدًّا.

واسمعُوا -أيضًا- الحديثُ الآخَر:

النبيُّ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جالسٌ في المسجد مع أصحابِه -وبينهم عُمَر-، فإذا برجلٍ -بعد الصَّلاةِ- يُصلِّي صلاةً أخرى مِن غيرِ تمهُّل؛ فقال عُمرُ -رضِيَ اللهُ-تَعالَى-عَنهُ-: (إنَّ أهلَ الكِتاب ما ضلُّوا إلا لأنَّهم لم يَجعلوا بين صلاتِهم فَصْلًا).

كم مِن النَّاس -اليومَ- يُخالِفون هذه السُّنَّة؟! ما أن ينتهيَ الإمام من صلاةِ الفريضة: (السَّلام عَليكُم ورحمةُ اللهِ.. السَّلام عَليكُم ورحمةُ اللهِ)؛ إذا بهم -كأنَّهم على جمرٍ مِن النَّار- لا ينتظِرون، وليس لهم قرارٌ، يقومون -كأنَّما أصابهم المسُّ!!- مباشرةً ليُصلُّوا السُّنَّة؛ وهذا خلافُ السُّنَّة.

الأصل: أن يكونَ -ثمَّةَ- فصلٌ؛ إمَّا بكلامٍ، أو بِحركةٍ؛ أمَّا: (السَّلام عَليكُم ورحمةُ اللهِ.. السَّلام عَليكُم ورحمةُ اللهِ.. اللهُ أكبر)!! كما يفعلُ كثيرون مِن النَّاس -وبخاصَّة في هكذا مساجد في الأسواقِ-؛ حتى يُدرِك دُكانَه، أو مكتبَه، أو شركتَه، ولو أنَّه جلس دقيقةً -أو دقيقتَين-؛ لم يُخطئ؛ بل لهُ أجرُه، وله ثوابُه.

قال عمرُ: (إنَّ أهلَ الكِتاب ما ضلُّوا إلا لأنَّهم لم يَجعلوا بين صلاتِهم فَصْلًا).

النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- جالس؛ ماذا قال له؟ «أصابَ اللهُ بكَ -يا ابن الخطَّاب-»؛ فصار قولُ عمرَ كأنَّه حديثٌ لرسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وآلِه وسَلَّم-.

هذه مقدِّمات أكثرُ إخواننا يعرِفونها؛ لكنَّ الذِّكرى تنفع المؤمنين.

شهرُ صفَر: شهرٌ من الشُّهور الهجريَّة التي ذكرَها الله -تَبارَك وتَعالَى- على وجهِ الجُملة في كتابِه: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ..} إلى آخرِ الآياتِ الكريمات.

سُمِّي شهرُ صفَر بهذه التَّسميةِ -كما يقولُ ابنُ منظور في «لسانِ [العرب]»- لأنَّه سببٌ في إصفارِ أهلِ مكَّة منها -أي: إخلائِها-؛ فسُمِّي صفرًا مِن هذه الحيثيَّة.

وقيل -كذلك-: لأنَّ العربَ في الجاهليَّة كانوا يغزو بعضُهم بعضًا فيجعلون مَن لقَوْهُم مِن الذين غُزُوا يجعلونهم صِفرًا؛ يعني: فارغين؛ ينهبونَهم، ويأخذونهم، وكان ذلك في هذا الشَّهر؛ سُمِّي بذلك.

أيضًا: يكثرُ التَّشاؤُم من شهرِ صفر -للأسفِ الشَّديد-، ولا يزالُ لذلك بقيَّة -وإن كان بصُورةٍ خفيَّة-، والنبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقولُ: «لا عدوَى، ولا طِيَرةَ، ولا هامَةَ، ولا صفرَ، وفِرَّ مِن المجذومِ فِرارَك مِن الأسَد».

ومُرادُنا من الحديث -وهو في «الصَّحيحَين»- قولهُ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «لا صفَر»؛ أي: لا اعتقادَ فيه فسادٌ في شهرِ صفر.

«لا صفَر»: هذا نفيٌ للاعتقاداتِ الفاسدة مِن عقائد الجاهليَّة.

ولا نُريد أن نتطرَّق -هذه السَّاعة- إلى شرح الحديث، وما قد يَرِد على الأذهانِ فيه -وإن كُنَّا قد شرحناه مِرارًا، وبخاصَّة قولَ النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-: «لا عدوَى، ولا طِيَرةَ»، وبيَّنَّا وجهَ توجيه أهل العلم في ذلك-.

هُنا فتوى لأستاذِنا الشَّيخ محمَّد بن صالح العُثيمين -رحمَهُ اللهُ- يقول:
(و«صَفَر»: فُسِّر بتفاسيرَ)؛ يعني في الحديث: «لا صَفر» (الأوَّل: أنَّه شَهر صَفَر المعروف، والعرب يتشاءَمون منه. والثَّاني: أنَّه داءٌ في البطن يُصيب البعير، وينتقل مِن بعيرٍ إلى آخرَ؛ فيكونُ عطفُه على العدوى من باب عطف الخاصِّ على العام) قال: «لا عدوَى، ولا طِيَرةَ.. ولا صفرَ».

لكن: هذا ليس هو القول الرَّاجح.

القولُ الرَّاجح: أنَّه المُراد به: شهرُ صفرٍ -نفسُه-؛ فقد كانوا -أي العرب- في الجاهليَّة يُؤخِّرون تحريم شهر المحرَّم إلى صَفر! {إنَّما النَّسيءُ زِيادَةٌ في الكُفرِ}؛ النَّسيءُ: التَّأخير؛ لماذا؟ لأن عندهم عقيدة فاسدة في صفر؛ حتى وردَ عن ابنِ عبَّاس -رضِيَ اللهُ عنه- في «صحيح البخاري» و«مسلم» قال: (كانوا -أي: في الجاهليَّة- يَرَون أن العمرةَ في أشهرِ الحج مِن أفجرِ الفُجور في الأرض، ويجعلون المحرَّم صفرًا)! كل ذلك تلاعب! يُغيِّرون ما خلق الله، وما جعله بين النَّاس قواعد عامَّة، وأصولًا هامَّة.
قال: ([وأرجَحُها] أن المُرادَ شهر صَفَر؛ حيثُ [كانوا] يتشاءَمون به في الجاهليَّة).

يقول الشَّيخ ابنُ عثيمين -رحمَهُ اللهُ-تَعالَى-: (والأزمنةُ لا دَخْل لها في التَّأثير، وفي تقدير الله -عزَّ وجَلَّ-؛ فهو كغيرِه) أي: شهر صفر (مِن الأزمنة؛ يُقدَّر فيه الخير والشِّر).

لذلك: ماذا قال النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وعلى آلِه وصحبِه أجمعين-؟ قال: «لا تَسُبُّوا الدَّهرَ؛ فإن اللهَ هو الدَّهْر» وفي رواية: «فإنِّي أَنا الدَّهر أُقلِّب الليلَ والنَّهارَ كيفما أشاء».

يعني: لو أن أحدًا مِن النَّاس سبَّ الدَّهر، هو لا يسبُّ الدَّهر الذي هو شيءٌ اعتِباري؛ لكنْ: يَسبُّ الوقائعَ التي حصلت في هذا الدَّهر مما آذتْه، أو أثَّرتْ عليه؛ أو مسَّته، أو أصابتْهُ؛ فجعلته يَسبُّ؛ إذًا: وقع سَبُّه على ماذا؟ على ما قدَّره اللهُ عليه -وإن كان سبُّه-في اللَّفظ-للزَّمن، أو للدَّهر-؛ لكنَّ اللهَ هو الذي يُقلِّب الدَّهر، ويقدِّر فيه الخير والشرَّ.
قال: (وبعض النَّاس إذا انتهى مِن عملٍ معيَّن) مثلًا (في اليومِ الخامس والعشرين... من شهرِ صفر...؛ قال: انتهى الخامسِ والعشرين من شهرِ صَفر الخير)، قال: (فهذا من باب مُداواة البدعةِ بالبدعة)؛ يعني: أهلُ الجاهليَّة يقولون: (شهر صفر شَرٌّ)؛ فيأتي [مِن] أهل الإسلام مَن يقول: (شهر صفر الخير).

يقول الشَّيخُ ابن عُثيمين: (فهو ليس شهرَ خيرٍ ولا شرٍّ)؛ هو كباقي الشهور، كباقي الأيام؛ قد يقعُ فيه خير، وقد يقع فيه شرُّ -بحسب التَّقادير الإلهيَّة-؛ أمَّا أن نُعالج الخطأ بخطأ، والبدعةَ بالبدعة؛ فهذا ليس من الهُدى في شيءٍ.

لذلك قال: (ولهذا أنكرَ بعضُ السَّلف على مَن إذا سمع البومةَ تنعِق قال: خيرًا إن شاء الله؛ فلا يُقال خيرٌ، ولا شرٌّ؛ بل هي تنعَق كبقيَّة الطُّيور).
الآن: كثير من النَّاس يقول: فلان كالبوم لا يأتي إلا بالخراب! وهذا خطأ وخطرٌ عقائدي؛ البومُ خلْق من خلْقِ الله، ليس علامةَ شرٍّ، ولا علامةً على غيرِ ذلك؛ إنَّما هو له صوته -هكذا خلَق اللهُ صوتَه-، إنَّ أَنْكَرَ الأَصواتِ صَوتُ الحَميرِ؛ هل هذا يعني أن فيها خيرًا أو شرًّا؟ وكذلك البُوم.

فاعتقادات بعضِ النَّاس في البُوم أنَّه دليلُ خرابٍ، أو علامة شُؤم؛ هذا -أيضًا- مِن بقايا الجاهليَّة.

وهنالك بعضُ البِدع والاعتقاداتِ الفاسدة التي وقع فيها بعضُ النَّاس -أيضًا- سئلتْ عنها اللجنةُ الدَّائمة للإفتاء في بلادِ الحرَمين الشَّريفَين؛ فقال السَّائل:

(إن بعضَ العلماءِ في بلادِنا يَزعمون أنَّ في دِين الإسلام نافلةً تُصلَّى يوم الأربعاء آخرَ شهر صفَر، وقت صلاةِ الضُّحى، أربع ركعاتٍ بتسليمةٍ واحدةٍ، تَقرأ في كلِّ ركعةٍ فاتحةَ الكِتابِ وسورةَ الكوثر سبع عشرةَ مرَّة، وسورةَ الإخلاصِ خمسين مرةً، والمعوِّذتين مرةً مرةً، تفعل ذلك في كلِّ ركعة وتسلِّم، وحين تُسلِّم..) القضية لسَّة طويلة شوي!! (وحين تُسلِّم تَشرع في قراءةِ قولهِ-تَعالَى-: {اللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} ثلاثمائة وستين مرَّة)!! هذا حديث مركَّب على أصولِه؛ حتى مَن قرأهُ، أو فعلهُ؛ لا يَرجع إليه!!!

قال: (و"جَوهر الكمالِ" ثلاث مرَّات)؛ هذا دليل على أن هذه من أفاعيل الصُّوفيَّة والمخرِّفة.. (واختتِم بـ{سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عمَّا يَصِفُونَ - وسلامٌ عَلى المُرسَلينَ - والحمدُ للهِ ربِّ العالَمين}، وتصدَّق بشيءٍ من الخبز إلى الفقراء)!

قال: (وخاصيَّة هذا: دفعُ البلاء الذي يَنزل في الأربعاء الأخير من شَهر صفر)!

قال: (وقولُهم: إنه يَنزلُ في كلِّ سَنةٍ ثلاثمائة وعشرون ألفًا من البليَّات، وكل ذلك يوم الأربعاء الأخير من شهر صفر؛ فيكون ذلك اليومُ أصعبَ الأيَّام في السَّنة كلِّها، فمَن صلَّى هذه الصَّلاة بالكيفيَّة المذكورة؛ حفظهُ اللهُ -بكرمِه- مِن جميعِ البلايا التي تَنزِلُ في ذلك اليوم، ولم يَمسَّه شيءٌ مِن الشَّرِّ ..) إلى آخرِه!

فأجابَ عُلماء اللَّجنة الدائمة.. قال:

(هذه النَّافلةُ المذكورةُ في السُّؤال: لا نعلم لها أصلًا -لا مِن الكتاب، ولا من السُّنَّة-، ولم يَثبتْ لدينا أن أحدًا مِن سلف هذه الأمَّة وصالحي خلَفِها عمل بهذه النَّافلة؛ بل هي: بدعةٌ مُنكرَةٌ).

نقولُ: وكلُّ بدعةٍ مُنكرة؛ النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- يقول: «كل بدعةٍ ضلالةٌ، وكل ضلالةٍ في النَّار».

قال: (وقد ثبتَ عن رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- أنَّه قال: «مَن عملَ عملًا ليسَ عليهِ أمرُنا؛ فهو ردٌّ»، وقال -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- : «مَن أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منه؛ فهو ردٌّ») روايتان، والرِّوايتان في «الصَّحيحين» -البخاري ومسلم-.

قال: (ومَن نَسب هذه الصَّلاةَ وما ذُكر معها إلى النبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-، أو إلى أحدٍ من الصَّحابة -رضِيَ اللهُ عنهم؛ فقد أعظمَ الفِريَةَ، وعليه مِن الله ما يستحقُّ مِن عقوبةِ الكذَّابين).

اسمعوا ماذا يقولُ النبيُّ الكريم -صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وصحبهِ أجمعين-: «إنَّ كذِبًا عليَّ؛ ليس ككَذِبٍ على أحدٍ، ومَن كذَب عليَّ متعمِّدًا؛ فلْيتبوَّأ مقعدَه مِن النَّار»، ويقول -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «مَن حدَّث عنِّي بحديثٍ يُرى..»؛ «يُرى» أي: يُظن. (يَرى): يعتقد. «يُرى»: يُظنُّ، تقولُ: إنِّي أرى هذا الشيءَ كذا وكذا؛ أي: أعتقد. إنِّي أُرى هذا الشيءَ كذا وكذا؛ أي: أظن.

«مَن حدَّث عنِّي بحديثٍ يُرى؛ فهو أحدُ الكاذِبِين»، وفي لفظ: «فهو أحدُ الكاذِبَين»؛ الكاذب الأوَّل: مفتَريه، والكاذِب الثَّاني: ناقلُه.

فكذلك الذي يَرويه دون هذا التثبُّت؛ فهو كاذِب.

يقولُ الإمامُ ابنُ حبَّان: (إنَّ الشَّاكَّ بما يَروِي؛ كالكاذِب على رسول الله -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-).

بعض النَّاس -وللأسفِ- قد يخطبُ الخطبةَ الكاملةَ، أو يُدرِّس الدرسَ الكامل؛ بناءً على ورقةِ الرُّوزنامة التي تُعلَّق في المساجد! يقرأ الرُّوزنامة: (قال رسول الله)؛ فيُقيم خطبتَه، أو دَرسَه، أو مجلسَه عليه!! وقد يكونُ الحديثُ من المكذوبات، والمفترَيات، والباطِلات، والنُّصوص التي لا أصل لها في الدَّفاتر، ولا في كُتب علماء الإسلام -الغابرات، والحاضِرات-!

وهل نقصتْ علومُ أهل السُّنة وكتبُهم ومؤلَّفاتهم حتى لا يكونَ لهذا مِن مصدرٍ إلا من الجريدةِ أو مِن الرُّوزنامةِ وما أشبه؟!! هذا خللٌ عظيمٌ -وعظيم جدًّا-.

ومِن الطَّريف: أنَّه قد حدث في هذا الشَّهر -وهو كما قُلنا-ونُكرِّر-: لا نقولُ شهرَ خير، ولا نقول شهر شرٍّ، لا نتشاءمُ منه، ولا نتفاءل به- حدثتْ فيه أمورٌ -كما حدثتْ في عددٍ من الشُّهور الأخرى- مع النَّبي الكريمِ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-.

فالرَّسولُ -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- غزا غزوةَ الأبواءِ -وهي أوَّل غزوةٍ غزاها بنفسِه- في شهرِ صفر على رأس اثني عشرَ شهرًا بعد الهجرة. هذا حصل في شهر صفر.

وأيضًا: كانت وقعةُ بئرِ مَعونة في شهر صفر من السَّنَة الرَّابعة -أيضًا-، وهي مِن معالِم الإسلام ومعارِكه العُظمى.

وأيضًا: خروج النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- إلى خَيبر كان في أواخِر المحرَّم، وفتحُها كان في صَفر.

إذًا: هنالك أمورٌ حصلتْ في هذا الشَّهر، كما حصلت أمور أخرى عظيمة ومُباركة وجليلة في شُهورٍ أخرى في واقعِ النَّبي وحياتِه الشَّريفة -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-.

وكذلك: نُشير إلى أنَّه قد وردتْ أحاديثُ مكذوبةٌ في شهر صَفَر -ليس-فقط-هذا الحديث الذي هُو كما يُقال: (حديثُ خُرافةٍ يا أمَّ عمرو)!!-..

ومِن علامات الأحاديثِ الباطلة والموضوعة: طولُها.

لذلك: الأحاديثُ الطوال محدودةٌ ومعدودةٌ، وأهل العلم ألَّفوا فيها كتُبًا خاصَّة:

ألَّف الإمامُ أبو موسى المَديني كتاب: «الأحاديث الطوال»، وألَّف الطَّبراني كتابًا -أيضًا- في الأحاديث الطوال.

جُلُّ -إن لم يكن: كلُّ- الأحاديثِ الخارجة عن هذَين الكتابَين؛ تكون باطلةً ولا أصلَ لها.

حتى هذان الكتابان وقعت فيهما بعضُ الأحاديث التي لا تَصحُّ ولا تَثبتُ عن النَّبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-؛ منها: الحديث المشهور بحديث الصُّور، وهو مِن الأحاديث الطَّويلة التي تتكلَّم عن أعمال يومِ القيامة ومُجرياتِها، ولم يَرِد لفظُ أن إسرافيل هو الموكَّل بالصُّور؛ إلا في هذا الحديث الضَّعيف -على كثرةِ، وشُهرة، وتردُّد ما يقع على ألسنةِ أهلِ العلم وفي كتُبهم: أنَّ الملَك الموكَّل بالصُّور هو: إسرافيل-؛ وهذا لم يصحَّ -قطُّ- عن النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-، ولم يَرِد إلا في حديث الصُّور -الذي هو حديث ضعيف-؛ بل وَرد في حديثٍ آخر -وهو حديثٌ صحيح-: أن إسرافيل هو الملَك الموكَّل في الجيشِ، والنُّصرةِ للجيشِ، والقيامِ بمُعاداة الأعداء للمسلمين -أو كما ورد عن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِه وسَلَّم-.

إذًا: قاعدة عامَّة: أنَّك إذا رأيتَ حديثًا طويلًا؛ فيجب أن تتثبتَ منه أكثر مما تتثبتَ من الأحاديث العاديَّة، أو القصيرة، أو المتوسِّطة؛ لأن أكثر ما وَرد مِن ذلك؛ مما لا يَصحُّ، ولا يَثبت عن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-.

حديث: «من بشَّرني بخروجِ صفر بشَّرتُه بالجنَّة»؛ حديث مكذوبٌ، وحديثٌ موضوع، ذكرهُ الإمامُ الشَّوكاني في كتابِه «الفوائد المجموعة»، والعلامة علي القاري في كتابه «الأسرار المرفوعة في الأخبارِ الموضوعة».

وكذلك ورد -في هذه المصادر-: أنَّهم يَنسِبون إلى النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- أنَّه قال: «يكونُ في صفرٍ صوتٌ، ثُم تتنازعُ القبائلُ في شهرِ ربيعٍ، ثم العَجَبُ كلُّ العجب بين جمادَى ورجبٍ» وهذا حديثٌ منه العجَب!! فهو حديث -أيضًا- باطلٌ، ما أنزلَ اللهُ به مِن سلطان.

وقد ألَّف الحافظُ ابنُ حجرٍ العسقلاني كتابًا -طُبع قديمًا-، وهو كتاب صغير بعنوان «تبيينُ العجَب فيما ورد في فَضلِ رجب»؛ أيضًا: عامَّة النَّاس تتعلَّق كثيرًا بفضائل موهومة لم تصحَّ ولم تَثبت في فضلِ شهر رجب -على ما ورد عن النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-في أشياء يسيرةٍ من السُّنَّة في فضله-.

الإمامُ ابن القيِّم له كلمةٌ جميلة جدًّا في كتابه «المنار المُنيف»، يقول -مُبيِّنًا علاماتِ الحديث الموضوع-..

الحديث الموضوع عند أهلِ العلم: له علاماتٌ وإشاراتٌ يَعرفُها هؤلاء العُلماء؛ نتيجة تمكُّنهم وخِبرتِهم في معرفةِ ألفاظِ النُّبوَّة، وفي إدراكِ مقاصد الأحاديثِ الشَّريفة وتمييزِها..

يقول: (ومنها) أي: مِن هذه العلامات (أن يكونَ في الحديثِ تاريخُ كذا وكذا؛ مثل ما يُنسب إلى النبي -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- أنَّه قال: إذا كانت سَنَة كذا وكذا وقعَ كَيت وكَيت، وإذا كان شهرُ كذا وكذا وقع كيْت وكيت).

قال: (وكقولِ الكذَّاب الأشِر)؛ يعني: الوضَّاع الذي يضعُ الأحاديث، ويَفتريها، ويَنسبُها إلى النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم- (إذا انكسف القمرُ في المحرَّم؛ كان الغلاءُ والقِتال وشُغل السُّلطان وإن انكسفَ في صَفر؛ كان كذا وكذا)!

الحمد للهِ أنَّنا أوردنا الحديثَ بعد كُسوفِ الشَّمس؛ وإلا لاستدلَّ به بعضُ الجَهلة على ذلك، وقد يقولُ: القمر والشَّمس سيَّان؛ فيجعل ما في الليلِ في النَّهار؛ كما كان أهلُ الجاهِليَّة يجعلون المحرَّم في صفر، وهكذا أهل الأهواءِ والبِدع، وأهلُ الجهلِ والفُجور يفعَلون ما يَحلو لهم -مِن غيرِ بيِّنةٍ، ولا هُدًى، ولا كِتابٍ مُنير-.

قال: (وكذلك استمرَّ هذا الكذَّاب في الشُّهور كلِّها)!! يعني: لم يكتفِ -فقط- بشَهر المحرَّم وشهرِ صَفر؛ بل أتَى بقصَّة وحِكايةً وتنبُّؤ مُفتَرًى في كلِّ شهرٍ من الشُّهور الهجريَّة الاثني عشر!!

قال: (وأحاديثُ هذا البابِ كلُّها كذِب مُفترى)؛ يعني: الأحاديث التي فيها تقدير الشُّهور وذِكر الوقائع فيها؛لم يصح في ذلك شيءٌ من سُنَّة النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-.

ونذكِّر إخوانَنا بما ذكرهُ الإمامُ الذَّهبي في كِتابِه «سِيَر أعلامِ النُّبلاء» عن الإمامِ عبد اللهِ بن المبارك أنَّه قال: (في الحديثِ الصَّحيح غُنيةٌ عن الحديثِ الضَّعيف).

بعضُ النَّاس تراهُم كأنَّما يَبحثونَ في خُطبِهم ومواعظِهم في «موضوعاتِ» ابن الجوزي! أو في «سلسلة الأحاديث الضَّعيفة»!! ويتركون «الصَّحيحَين»، ويَتركون كُتب الصِّحاح الثَّابتة المُنقَّاة المصفَّاة عن أئمَّة الإسلام

(في الصَّحيح غُنيةٌ عن الحديثِ الضَّعيف).

واللهِ؛ لو عشتَ دهركَ كلَّه تُدرِّس وتَدرُس، وتُعلِّم وتتعلَّم من الأحاديثِ الصَّحيحة.. سواء منها ما كان في «الصَّحيحَين»، أو «السُّنن الأربعة»، أو «المُسنَد» -ولا نُريد أن نزيد-، مع أنَّها ليستْ كلُّ السُّنة الصَّحيحة -فقط- مِن هذه الكتب؛ لكن: هي أكثرها.. أنا أكاد أجزم: أنَّ هذه الكتب حوَت أكثر من ثمانين في المئة مِن الأحاديثِ الصَّحيحة عن النبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وآلِه وسَلَّم-.

تراهُ يأتي بأحاديثَ ضعيفة، وأحاديث لا أصلَ لها، وأحاديثَ باطلة؛ كلُّ ذلك بسببِ الجهل، وبسببِ الهوى!!

يقول لك: واللهِ هذا الحديث يُؤثِّر في قلوب الناس!!!

تؤثِّر في قلوب النَّاس بالكذب؟!

تؤثِّر في قلوب النَّاس بالافتِراء، والدَّجل على النَّبي -صلَّى اللهُ عَليهِ وسَلَّم-؟!

لو هذا الإنسان الذي علَّمتَه، أو ذكَّرتَه، أو وعظتَه بهذا الحديث، ثم حصل أن تعلَّم العِلمَ، وتفهَّم؛ ماذا سيقولُ عنك؟ سيقول عنك: إنَّك مخادِع! سيقولُ عنكَ: إنَّكَ مُفترٍ! لأنك تَنسبُ إلى رسولِ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- مالم يعلم.

كنتُ -مرَّة- في أحد المساجد: فإذا برجلٍ يتكلَّم هكذا؛ كحالِ -للأسفِ- كثير من وُعاظ هذا الزَّمان؛ فأورد حديثًا باطلًا، لا أصلَ له، فبعدَ أن انتهى -مِن باب الأدبِ في الإنكار- نصحتُه وقلتُ له: (يا أخي! هذا الحديثُ الذي ذكرتَه باطل، لا أصلَ له)؛ فإذا به يُجيب فيقول -واعجَبوا مما يقول-: (يجوزُ الاستدلال بالأحاديث الضَّعيفة في فضائل الأعمال)! وأنا أقول له: (باطلٌ، لا أصلَ له)، ويقول: (يجوزُ الاستدلال بالضعيف في فضائل الأعمال)!!

حتى أهل العلم -الذين ذكَروا هذه القاعدةَ- ذكرُوا لها شُروطًا؛ مِن أهمِّ شروطِها: أن لا يكونَ الحديث المُستدلُّ به شديد الضَّعف.

وأنا أكاد أجزم: أنَّه ليس في بلاد المُسلمين ممَّن يستطيعون تمييز الأحاديث الضَّعيفة -بعضها عن بعض-: (هذا ضعيف.. هذا شديد الضَّعف.. هذا موضوع.. هذا لا أصلَ له..)؛ إلا أفراد قليلون لا يكادون يتجاوزُون عددَ أصابع اليَد، وإن شئتَ؛ فإنَّ هذا قد يكونُ أكثر بقليلٍ وقليلٍ جدًّا.

وكما يُقال: (والجاهِلون لأهلِ العلم أعداءُ)، و(الجاهِل عدُوُّ نفسِه).
هذا لو أنَّه أدرك قيمةَ السُّنَّة وعظَمَتها ومكانتَها ومنزلتَها في الإسلام؛ لما تجرَّأ هذه الجُرأة، ولا يَشفع له حُسنُ نيَّتِه.. كما قلنا: لا بُدَّ من الإخلاصِ لله والموافقة لسُنَّة رسولِ الله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-.

بعضُ النَّاس -إذا أنكرتَ عليه- يقول: يا شيخ! إنما الأعمال بالنِّيَّات! وجهل قولَ أهل العلم -شرحًا لهذا الحديث-: (إنَّما الأعمال الصَّالحة بالنِّيَّات الصَّالحة)؛ أمَّا أعمال فاسدة بنيَّات صالِحة؛ هذان ضدَّان لا يجتمعان!
واجتماع ضدَّين معًا في حالِ
مِن أقبحِ ما يأتي من المُحال

ونسأل الله -سُبحانَهُ وتَعالَى- أن يُعلِّمنا ما يَنفعُنا، وأن يزيدَنا علمًا، وأن يرزقَنا العلمَ النَّافع والعمل الصالح؛ إنَّه -سُبحانَه- وليُّ ذلك والقادِر عليه.

وصلى الله وسلم وباركَ على نبيِّنا محمد وعلى آلهِ وصحبِه أجمعين.


-تمَّ بحمد الله-

[تفريغ / أم زيد]


من هنا للاستماع للمحاضرة
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 11-28-2014, 08:59 PM
أم سعد أم سعد غير متواجد حالياً
عضو مميز
 
تاريخ التسجيل: Oct 2012
المشاركات: 397
افتراضي

...........................
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
تفريغات أم زيد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 10:58 AM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd.