أنت غير مسجل في المنتدى. للتسجيل الرجاء اضغط هنـا

             
41225 93826

العودة   {منتديات كل السلفيين} > منابر الأخوات - للنساء فقط > منبر الصوتيات والمرئيات والكتب و التفريغات - للنساء فقط

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 10-18-2011, 03:16 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي [ تفريغ ] جامع المناسك - سلطان العيد

بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم

جَـامِـعُ المَنـاسِـكِ (*)

[محاضرة مفرَّغة]

لفضيلةِ الشَّيخ
سلطانِ بن عبد الرَّحمنِ العيد

-حفظه اللهُ-
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمرسَلين، نَبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِه، وصحبِه -أجمعين-.
أمَّا بعدُ:
فهذه كلماتٌ في بيانِ أحكامِ مَناسكِ الحجِّ والعمرةِ اختصرتُها مِن كتابي الموسومِ بـ: «جامع المناسك»؛ فأسأل اللهَ -تباركَ وتَعالَى- أن يرزقنا العلمَ النَّافعَ والعملَ الصالحَ، وأن يتقبَّلَ مِنَّا؛ إنَّه هو السميعُ العليم.
* الحجُّ المبرور:
قال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كفَّارةٌ لِما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس له جَزاءٌ إلى الجنَّة».
وحتَّى تَكونَ عُمرتُهُ مُتقبَّلةً، وحجُّهُ مبرورًا؛ فلْيحرصْ -قبل الخروج إليهما- على ما يأتي:
أوَّلًا: أن يتخلَّص من الشِّركِ والبِدعِ؛ لأنَّ الشِّركَ مُحبطٌ للعملِ.
وممَّا يُحزِن الغيورين على الدِّين: أنَّ فئامًا مِن الحُجَّاج والمُعتمِرين قد تَلبَّسوا بِشيءٍ مِن البِدعِ والشِّركيَّاتِ؛ كـ: دُعاءِ غيرِ اللهِ، والاستِغاثة بالأمواتِ -في النَّوازِل والملمَّات-، وطلبِ المددِ منهم، وكشفِ الكُرباتِ، ويعتقدون أنَّ هؤلاء الأولياءَ والصَّالِحين -الذين غَلَوا فيهم- يُقرِّبونهم إلى اللهِ زُلفى، ويَرفعون حاجاتِهِم إلى عَلام الغُيوب! فتراهُم يَعكُفون على قُبورِهم، ويُقدِّمون إلى أضرِحتِهم ومَزاراتِهِم القرابين والنُّذور! وهذا هو اعتِقادُ المُشرِكين الذين قاتلهُم رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ كما قال ربُّنا -سُبحانهُ وتعالَى-: {وَيَعبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ ما لا يضرُّهُمْ ولا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاءِ شُفعاؤُنا عِندَ اللهِ}.
وبعضُهُم يَخرجُ إلى الحجِّ وا لعُمرةِ وقد وقع في السِّحرِ، والكَهانةِ، والعَرافةِ، والتَّنجيمِ، وتَعليقِ التَّمائِم والحُروزِ، والنَّذرِ لِغيرِ اللهِ -سبحانهُ وتعالَى-، وسَبِّ الدِّينِ والرَّبِّ -عند الخُصومةِ-، أو يَنفي صِفاتِ اللهِ -أو بعضَها-بالتَّأويلِ والتَّحريفِ-الذي لم يُنَزِّل اللهُ به سُلطانًا-، أو يَطعنُ في أحدٍ مِن أصحابِ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وأزواجِه الطَّاهراتِ -أمَّهاتِ المؤمنين-، أو يحلفُ بِالنَّبيِّ والوليِّ والكعبةِ والأمانةِ والجاهِ والشَّرَف ونحوِ ذلك! والحلفُ بِغير اللهِ شركٌ؛ لقولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَن حَلَفَ بِغَيرِ اللهِ؛ فَقدْ كَفَرَ، أَو أَشْرَكَ».
وهذه البِدعُ والشِّركيَّاتُ والعَظائمُ مِن مَوانع قَبولِ الحجِّ والعُمرة، والواجبُ التوبةُ من ذلك كلِّه.
ثانيًا: أن يتوبَ إلى الله -سبحانهُ وتعالَى- مِن الذُّنوبِ والمعاصي؛ ليُقبَلَ حجُّه وعُمرتُه؛ فإِنَّ الله -سبحانهُ وتعالَى- يقولُ: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِن المتَّقينَ}.
ثالثًا: أن يتزوَّد لسفرِه بالتَّقوى والعملِ الصَّالح، ثم بما يكفيهِ ويُغنيه عن سُؤال النَّاس حتَّى يرجعَ إلى أهلِه، قال الله -جلَّ وعلا-: {وَتَزوَّدُوا فإنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى}.
رابعًا: أن يَتزوَّد بمالٍ حلالٍ، وأن يتخلَّصَ مِن المالِ الحرامِ؛ ليُقبَلَ دُعاؤُه؛ فإن اللهَ طيِّبٌ لا يَقبلُ إلا طيِّبًا.
خامِسًا: أن يُخلِصَ نِيَّتَه لله -سبحانهُ وتعالَى-؛ فلا يقصِد بِحَجِّهِ أو عُمرتهِ رياءً ولا سُمعة، أو ليُقال عنه: (الجاجُّ فلان)! ولو اتَّجر في حجِّه؛ لم يُؤثِّر في صِحَّةِ الحجِّ -والحمدُ لله-.
سادسًا: أن يتفقَّهَ ويتعلَّم أحكامَ الحجِّ والعُمرة والسَّفر -مِن: الجمعِ والقَصر، ونحوِ ذلك-، ويَسألَ عمَّا أشكلَ عليهِ مِن المناسِك.
ويُستحبُّ أن يصطحبَ كتابًا في المناسكِ واضحًا، ويُديم مطالعتَه.
سابعًا: أن يَحرِصَ -في سَفرِهِ- على مُصاحبةِ الصَّالحين، ولْيحذَرْ مُصحابةَ المفرِّطين وأهلِ الأهواءِ والبِدع.
ثامنًا: عَدمُ إيذاءِ المؤمنين ومجادلتهم بالباطِل.

يتبع إن شاء اللهُ

_______________
(*) فرغته من محاضرة صوتية (من هنـا)، وهي عبارة عن شريطين مُتوفِّرين في الموقع الرَّسمي لفضيلتِه، وأصلُهما كتاب (جامع المناسك) له -أيضًا-حفظه اللهُ ونفع به-.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 10-20-2011, 12:09 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

* فضل الحجِّ والعُمرة:
قال رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مَن حَجَّ للهِ فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفسُق؛ رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ».
وعن أمِّ المؤمنين عائشةَ -رضيَ الله عنها- أنها قالَت: يا رسول الله! نَرى الجهادَ أفضلَ العَمَلِ؛ أفلا نُجاهِد؟ قال -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «لا؛ ولكنَّ أفضلَ الجهادِ الحجُّ المَبرورُ».
وعن أبي هُريرةَ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قال: «العُمرةُ إلى العُمرة كفَّارةٌ لما بينهما، والحجُّ المبرورُ ليس لهُ جزاءٌ إلا الجنَّة».
* وُجوبُ الحجِّ والعُمرة:
أما الحجُّ: فإنَّ اللهَ -سُبحانهُ وتعالَى- أوجبه على عبادِه في كتابِه، وجعله أحدَ أركانِ الإسلام ومبانيه العِظام؛ قال اللهُ -تَعالى-: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}.
وقال رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «بُنِي الإسلامُ على خمسٍ» وعَدَّ منها الحجَّ.
وثبتَ عن عمرَ بنِ الخطَّاب -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّه قال: «لقد هَممتُ أن أبعثَ رجالًا إلى هذه الأمصارِ، فينظروا كلَّ مَن كان لهُ جِدَةٌ ولم يَحجَّ؛ فيضربوا عليهم الجِزيةَ؛ ما هُم بِمُسلمين، ما هُم بِمُسلِمين».
وأجمع المسلمونَ على أنَّه أحدُ أركانِ الإسلام.
وأداءُ الحجِّ واجبٌ على الفَور في حقِّ المستطيعِ، فلا يجوزُ تأخيرُه؛ لقولهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «تعجَّلُوا إلى الحجِّ» يعني: الفريضةَ «فإنَّ أحدَكُم لا يدري ما يَعرِضُ لَه».
وأمَّا العمرةُ: فقد دلَّ على وُجوبِها أحاديثُ منها: قوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لجبرائيلَ -عليهِ السَّلامُ- لما سألهُ عن الإسلام: «الإسلامُ: أن تشهَدَ أنْ لا إله إلا اللهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللهِ، وتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتحجَّ، وتعتَمِر» الحديث.
وقال -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- في النِّساءِ: «عليهِنَّ جهادٌ لا قِتالَ فيه: الحجُّ والعُمرة»، وإذا وجبت على النِّساء؛ فالرِّجالُ أَولى.
ولا يجبُ الحجُّ والعُمرةُ في العُمُرِ إلا مرَّةً واحدةً؛ لقوله -عَليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «الحجُّ مرَّةً فمَن زادَ فهُوَ تطوُّعٌ».
ومَن حجَّ مِن مالٍ حرامٍ؛ صحَّ حجُّهُ، وسقط عنه الفرضُ؛ لأنَّ أعمال الحجِّ -كلَّها- بَدنيَّة؛ لكنَّ حجَّه ناقصٌ، وعليه التَّوبةُ مِن الكسبِ الحرام.
* شُروطُ وُجوبِ الحجِّ والعمرةِ، وهي خمسةٌ:
الشَّرطُ الأوَّل: الإسلام.
الشَّرطُ الثَّاني: العقل؛ فلا يجبُ على المجنون.
الشَّرطُ الثَّالثُ: البلوغُ؛ فلا يجبُ على مَن دون البُلوغ؛ لكنْ يصحُّ حجُّه، والأجرُ له؛ لحديثِ جابرٍ -رضيَ اللهُ عنهُ- أنَّ امرأةً رفعتْ صَبيًّا إلى رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فقالت: ألهذا حَجٌّ؟ قال: «نعم، ولكِ أجرٌ».
ولا يُجزئُه عن حَجَّة الإسلام؛ لقولِ رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أيُّما صبيٍّ حجَّ ثم بلغَ؛ فعليه حجَّةٌ أُخرى، وأيُّما عبدٍ حجَّ ثم [أُعتقَ]؛ فعليهِ حجَّةٌ أُخرَى».
ويُجنَّب الصَّبيُّ محظوراتِ الإحرام؛ إلا أنَّ عَمدَه خطأ، فإذا فعلَ شيئًا مِن المحظوراتِ؛ فلا فِديةَ عليه، ولا على وليِّه.
الشَّرطُ الرَّابعُ: الحريَّة؛ فلا يجبُ على مملوكٍ؛ لعدم استِطاعته.
الشَّرطُ الخامس: الاستطاعةُ بالمالِ والبدن، لقوله -سُبحانه وتعالَى-: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}، ولحديثِ أنسٍ -رضيَ اللهُ عنه-: قيل: يا رسولَ الله! ما السَّبيلُ؟ قال: «الزَّادُ والرَّاحلةُ»، على أن يكونَ ذلك زائدًا عن نفقاتِ مَن تلزمُه نفقتُه حتى يرجعَ مِن حَجِّه، ولو حجَّ غيرُ مستطيعِه؛ أجزأهُ.
ومما ورد في فضلِ النَّفقةِ في الحجِّ والعُمرةِ: قولُه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لعائشةَ -رضيَ اللهُ عنها-: «إنَّما أجرُك في عمرتِك على قَدرِ نفقَتِكِ».
ويجبُ الحجُّ على مَن كان عليهِ دَينٌ ويستطيعُ الحجَّ وقضاءَ الدَّين، ولا يكون مُستطيعًا ببذلِ غيرِه له، وقضاءُ الدَّين مقدَّم على الحجِّ إن كان مالُه لا يكفي لهما؛ إلا إذا كان حَجُّه لا يحتاجُ لمالٍ -كرَجُلٍ بمكَّة يحجُّ على قدمَيه دون بذلِ مالٍ-؛ فيجبُ عليه الحجُّ.
وكذلك: مَن تهيَّأ له أن يَحجَّ مجَّانًا -كمَن تبرَّع له رفيقُه بالنَّفقةِ-؛ فلا بأس -إذا كان الدَّينُ لا يتضرَّر-، ولو أذِن له ربُّ الدَّين بالخروج؛ لم يجبْ عليه الحجُّ؛ لأنَّ إبراء الذِّمة مُقدَّم.
ومَن مات ولم يحجَّ، وهو مستطيعٌ الحجَّ؛ وجبَ الحجُّ عنه مِن التَّركة -أوصى، أو لم يوصِ-؛ لحديث ابن عبَّاس -رضيَ اللهُ عنهُما-: أنَّ امرأةً من جُهينةَ جاءت إلى النَّبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فقالت: إنَّ أمي نذرتْ أن تحجَّ فلم تحجَّ حتى ماتت؛ أفأحجُّ عنها؟ قال -عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ-: «نعم؛ حُجِّي عنها، أرأيتِ لو كان على أمِّك دَين أكُنتِ قاضيتَه؟ اقضُوا اللهَ، فاللهُ أحقُّ بالوفاء».
ومَن عليه دَين مؤجَّل لصندوق التَّنمية العقاريِّ، أو غيرِه، وكان يعلمُ مِن نفسِه الوفاءَ إذا حلَّ الأجلُ؛ فيجبُ عليه الحجُّ، ولا يمنعه هذا الدَّين؛ إلا إذا كان عليه أقساطٌ حالَّة لم يؤدِّها؛ فليبدأ بها.
ولا يجبُ على الزَّوجِ بذلُ نفقةِ حجِّ زوجتِه؛ وإنَّما ذلك عليها إن استطاعت، وإن تبرَّع بذلك؛ فهو مأجورٌ، والواجبُ عليه -مِن ذلك- نفقةُ الحضَر؛ إلا إذا كان مَشروطًا عليه -في عقدِ النِّكاح-؛ فيجبُ عليه الوفاء.
ومِن الاستطاعةِ أن يكونَ للمرأةِ مَحرَم بالغٌ عاقِل؛ فلا يجبُ الحجُّ على مَن لا مَحرمَ لها؛ لامتناعِ السَّفر عليها -شرعًا-؛ فقد ثبت عن رسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أنه قال: «لا يَخلوَنَّ رجلٌ بامرأةٍ إلا معها ذو محرَم، ولا تُسافرُ المرأةُ إلا مع ذِي مَحرَمٍ»، فقام رجلٌ، فقال: يا رسول الله! إنَّ امرأتي خرجتْ حاجَّةً، وإني اكتُتبتُ في غزوةِ كذا وكذا؛ فقال -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: «انطلقْ فحُجَّ مع امرأتِك».
والمحرَم: هو زوجُ المرأة، وكلُّ مَن تحرُم عليه تحريمًا مُؤبَّدًا -لقرابةٍ، أو رضاعٍ، أو مُصاهرة-، ولو حَجَّتْ بلا محرمٍ ؛ صحَّ حجُّها -مع الإثم-؛ لأنَّها لا يجوزُ لها السفرُ بلا مَحرَمٍ.
وإن كانت مُحِدَّة لوفاةِ زوجها؛ فإنَّها تبقى في البيتِ ولا تحجُّ -ولو وجدت مَحرمًا-؛ لأنَّها غيرُ مستطيعةٍ -شرعًا-.
ولا يُشترط إذنُ الوالِدَين لحجِّ الفَرضِ، ولو منعاهُ مِن أدائه؛ لم يُطِعهُما؛ لأنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِق.
والزَّوجُ إذا منعَ زوجتَه الحجَّ الذي تمت شُروطُه؛ أَثِم، وتحجُّ ولو لم يأذن؛ إلا أن تخافَ أن يُطلِّقها؛ فتكون -حينئذٍ- معذورةً؛ لأنَّ طلاقَها ضررٌ عليها.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 10-21-2011, 03:02 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

* النِّيابةُ في الحجِّ والعُمرة:
مَن لم يكن مُستطيعًا بمالِه؛ فلا حجَّ عليه، وإذا كان مستطيعًا بمالِه عاجزًا ببدنِه؛ نَظَرنا: فإنْ كان عجزهُ يُرجَى زوالُه -كمرضٍ يُرجى زوالُه-؛ انتُظر حتى يزولَ، ثم يحجُّ ويعتمرُ بنفسِه، وإن كان لا يُرجَى زوالُه -ككِبرٍ ومرضٍ لا يُرجَى برؤُه-؛ فإنَّه يُنيبُ مَن يحجُّ عنه ويعتمرُ -ولو مِن بلدٍ أقربَ إلى مكَّة مِن بلده-؛ لحديثِ ابنِ عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهما-: أنَّ امرأةً مِن خثعمَ قالت: يا رسولَ الله! إنَّ أبي أدركتهُ فريضةُ اللهِ في الحجِّ شيخًا كبيرًا لا يستطيعُ أن يستويَ على الرَّاحلة؛ أفأحجُّ عنهُ؟ قال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «حُجِّي عنهُ».
فإن تُوفِّي مَن وجبَ عليه الحجُّ قبل أن يؤدِّيهُ؛ أُخرج مِن تركتِه ما يُحجُّ به عنهُ ويعتَمرُ -أوصى، أو لم يُوصِ-.
والعَمى ليس عُذرًا في الإنابةِ في الحجِّ -فرضًا كان أو نفلًا-؛ فعلى الأعمى أن يحجَّ بنفسِه -إن كان مُستطيعًا-.
وتارك الصَّلاة لا يُحَجُّ عنه، ولا يُتصدَّق عنه؛ لأنَّ ترك الصَّلاة كفرٌ -في أصحِّ قولَي العُلماء-؛ لقولِه -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: «بين الرَّجُلِ وبين الشِّركِ والكُفرِ تَركُ الصَّلاةِ».
وكذا مَن يذبحُ أو يَنذرُ لقُبور الأولياء والصَّالحين -كالحُسينِ، والبدويِّ، والجيلانيِّ، والعيدروسي، وغيرهم-، أو يدعوهم ويطلبُ منهم المددَ؛ لا يُحَجُّ عنه؛ لأنَّ هذا شِركٌ بالله -سبحانهُ وتعالَى-.
ولا يحجُّ النائبُ المستطيعُ عن غيرِه إلا بعد أن يحجَّ عن نفسِه، فلو فعل؛ انصرفت الحجَّةُ لنفسِه.
ولا يلزمُ النَّائبَ عند الإحرامِ ذِكرُ اسمِ المحجوجِ عنه؛ بل تكفي النيَّةُ عنه، وإن تلفَّظ باسمِه؛ فحَسَن.
ويجبُ على النَّائبِ أن يتمتَّع؛ لأنَّ مَن وُكِّلَ في شيءٍ؛ فالواجبُ عليه فِعلُ الأصلحِ والأفضلِ، والتمتُّع أفضلُ الأنساكِ؛ إلا أن يختارَ مُوكِّلُه غيرَه.
والنَّائبُ إذا قيل له: (خُذ هذه الدَّراهمَ فحُجَّ منها)؛ فإنه يُعيد ما بقي، وإن قيل له: (حجَّ بها)؛ فالباقي له.
* مواقيتُ الحجِّ والعُمرة:
وهي نوعان: زمانيَّة ومكانيَّة.
النَّوع الأوَّل: الميقاتُ الزَّمانيُّ للحجِّ، وهو المذكور في قولِ ربِّنا -سُبحانهُ وتَعالى-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} وهي: شوَّال وذو القعدةِ والعَشر الأولُ مِن ذي الحجَّة.
وأمَّا ميقاتُ العُمرة الزَّمانيُّ: فهو العامُ كلُّه؛ فله أن يُحرمَ بها متى شاء، ولا يُعلَم أقلُّ حدٍّ بين العُمرة والعُمرة؛ لكنَّ الأفضلَ لأهل مكَّة الاشتغالُ بالطَّواف والصَّلاةِ وسائر القُربات، وعدمُ الخُروجِ إلى الحلِّ لأداءِ العُمرة إن كانوا قد أدَّوا عمرةَ الإسلام، وقد يُقال باستِحباب خروجِهم للحلِّ لأداءِ العُمرة في الأوقاتِ الفاضلة كرمضانَ.
وأجرُ العُمرة في رمضانَ يحصلُ لمن أحرمَ بها وأدَّاها أثناءَ الشَّهرِ، فلو أحرمَ بها في آخرِ ساعةٍ مِن شَعبانَ، ثم غربتِ الشَّمسُ ودخل رمضانُ فأدَّاها؛ لم يحصلْ له أجرُ عُمرةٍ في رمضان؛ لأنَّه أحرمَ بها قبل دُخولِه.
النَّوعُ الثَّاني: المواقيتُ المكانيَّة، وهي خمسةٌ وقَّتها رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-؛ كما قال ابن عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنها-: «وقَّت رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لأهلِ المدينةِ (ذا الحُلَيفة)، ولأهلِ الشَّام (الجُحفة)، ولأهل نجد (قَرْنَ المنازِل)، ولأهلِ اليمن (يَلَمْلَم)، فهُنَّ لهنَّ ولمن أتَى عليهنَّ مِن غيرِ أهلهنَّ لمن كان يريدُ الحجَّ والعُمرة، فمَن كان دونَهنَّ فمُهَلُّه مِن أهلِه، وكذاك حتَّى أهلُ مكَّة [يُهِلُّون] منها»، وفي حديثِ جابر -رضيَ اللهُ عنهُ-مرفوعًا-: «ومُهَلُّ أهلِ العِراقِ مِن (ذاتِ عِرق)».
وأعيانُ هذه المواقيتِ لا تُشترط؛ بل له أن يُحرِمَ منها ومما يُحاذيها.
والواجبُ على مَن مرَّ على هذه المواقيتِ مُريدًا الحجَّ أو العُمرة أن يُحرِمَ منها -سواءٌ كان مُرورُه عن طريقِ الأرض، أو الجو-، ويُشرَع له أن يتأهَّبَ بالغُسلِ ونحوِه قبل رُكوب الطَّائرةِ، وله لبسُ إزارِه ورِدائه قبل رُكوبِها، أو قبل الدُّنوِّ مِن الميقات، ولكن لا ينوي الدُّخولَ في النُّسُك إلا إذا حاذى الميقاتَ أو دنا منهُ؛ خوفًا مِن مُجاوزتِه بِغَير إحرام.
ولا يجوزُ لهُ تأخيرُ الإحرامِ إلى الهُبوطِ في جُدَّة إلا إذا لم يُحاذِ ميقاتًا -مثلُ أهلِ (سواكِن) في السُّودان، ومَن يمرُّ في طريقِهم-؛ فإنَّهم يُحرِمون مِن جُدَّة.
وجُدَّة ليست ميقاتًا للوافدين إليها -ولو أقاموا بها مُدَّة-؛ بل يُحرِمون إذا حاذَوا المقياتَ -بَرًّا، وبحرًا، وجوًّا-، نعم؛ هي ميقاتٌ لأهلِها، ولمَن وفد إليها غيرَ مُريدٍ للحجِّ أو العُمرة، ثم أنشأ الحجَّ أو العُمرة منها.
ومَن لم يكن في طريقِه مِيقاتٌ؛ فإنَّه يُحرِم إذا حاذَى أوَّل ميقاتٍ منها، فإن لم تُمكنِ المُحاذاةُ؛ أحرمَ إذا كان بينه وبين مكَّة مَرحلتان؛ وهما يومٌ وليلةٌ، ومقدار ذلك: ثمانون كِيلًا -تقريبًا-.
ومَن مرَّ بهذه المواقيت وهُو لا يريدُ حجًّا ولا عُمرةً، ثم بدا له -بعدَ ذلك- أن يحجَّ أو يعتمرَ؛ فإنَّه يُحرِمُ مِن المكان الذي عزمَ فيه على ذلك؛ لحديثِ ابن عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما-المتقدِّم-، وفيه: «ومَن كان دونَ ذلك فمِن حيثُ أنشأَ».
لكنْ: إن كان بالحرمِ ونوَى العُمرة؛ خرجَ إلى الحلِّ لِيُحرمَ منه؛ لأن عائشةَ -رضيَ اللهُ عنها- لما أرادت العُمرةَ؛ خرجتْ إلى التَّنعيمِ -بأمرِه-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
ومَن قدِم مِن بلدِه قاصدًا المدينةَ -أوَّلًا-كما يفعلُه كثيرٌ مِن الحجَّاج-الآن-، ونزل في جُدَّة، ثم سافر مِن جُدَّة إلى المدينة، ثم رجع مِن المدينةِ مُحرِمًا مِن ميقاتِ أهلِ المدينة -ذي الحُليفة-؛ فلا بأس؛ لأنَّه نوى العُمرةَ مِن المدينة.
ومَن كان مَسكنُه دون المواقيت -كسُكَّان جُدَّة، وأمِّ سَلَم، وبَحرَةَ، والشَّرائع، وأشباهِها-؛ فمُسكنُه هُو ميقاتُه، فيُحرِم منه بما أراد مِن حجٍّ أو عُمرة.
وجزم الشيخُ مَرعيٌّ في «الغاية» بأن بلادَه -كلَّها- مَنزلُه.
وقال العلامة الخَلوتيُّ: ومَن مَنزلهُ دونها؛ فميقاتُه منه والمراد مِن بلده.
ومَن مرَّ بهذه المواقيت وهو لا يريد الحجَّ ولا العُمرة؛ فإنَّه لا يجبُ عليه الإحرامُ إن كان قد أدَّى الفريضةَ؛ لمفهوم قوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «مِمَّن أراد الحجَّ والعُمرة»، أما مَن لم يؤدِّ الفريضةَ؛ فالواجبُ عليه أن يؤدِّيَها إذا استطاع ذلك ولا يؤخِّر.
ومَن قصد الحجَّ أو العمرةَ فتجاوز الميقاتَ ولم يُحرمْ منه؛ فإنَّه يرجعُ ويُحرِم من الميقاتِ الذي مرَّ عليه، فإن لم يَرجعْ وأحرمَ مِن دونه؛ فعليه دمٌ يُجزئُ في الأضحيةِ؛ لقول ابن عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنها-: «مَن نَسِيَ مِن نُسُكهِ شيئًا أو تركَهُ؛ فَلْيُهرِقْ دَمًا».
وأهلُ الطَّائفِ -ونحوُهم- لا حرجَ عليهم في الاغتسالِ وارتداء ملابسِ الإحرام والتَّطيُّب في منازلهم، ثم يَخرجون بسياراتهم، ويُحرِمون مِن الميقات.
وأهلُ الشَّام إذا اجتازوا بالمدينةِ النَّبويَّة أحرمُوا مِن ميقاتِ أهلِ المدينة -ذي الحُلَيفة-؛ فإنه هذا هو المستحبُّ لهم -بالاتِّفاق-.
رجَّح العلامةُ ابنُ عثيمين -غفر اللهُ له- وجوبَ إحرامِهم من ذي الحُليفة؛ فلا يحلُّ لهم تأخيرُ الإحرام إلى الجُحفةِ -ميقاتِهم الأصليِّ-؛ لقولهِ -صلى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «هُنَّ لهنَّ ولمن أتَى عليهنَّ مِن غيرِ أهلهنَّ لمن أراد الحجَّ والعُمرة».




يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 10-21-2011, 02:42 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

* أعمالُ المعتَمِر والحاجِّ عند الميقاتِ:
إذا وصلَ إلى الميقاتِ؛ شُرع له أمورٌ منها:
يُستحبُّ له أن يغتسلَ؛ لأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تجرَّد لإهلالِه واغتَسل.
ويُسَنُّ له أن يتطيَّبَ بأطيب الطيب في رأسِه ولحيتِه -لا في ثيابِ الإحرامِ-، ويأخذَ -إن لم يكنْ مُريدًا التَّضحيةَ، ودخل شهرُ ذي الحجَّةِ- يأخذَ مِن شاربِه وأظفارِهِ وعانتِه وإبطَيهِ ما تدعو الحاجةُ إلى أخذِه، وليس هذا مِن خصائصِ الإحرام؛ لكن لئلَّا يحتاجَ إلى أخذِ ذلك بعد الإحرام وهو مُحرَّمٌ عليه، وأمَّا اللِّحيةُ فيَحرُم حلقُها وأخذُ شيءٍ منها في جميعِ الأوقات.
ثم يلبسُ الذَّكرُ إزارًا ورِداءً، ويُستحبُّ أن يكونَا أبيضَينِ نظيفَين، ويجوزُ غيرُ الأبيض، ويستحبُّ أن يُحرِمَ في نَعلَين؛ لقولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «ولْيُحرِمْ أحدُكُم في إزارٍ ورِداءٍ ونَعلَيْنِ».
وأمَّا المرأةُ فيجوزُ لها أن تُحرِم فيما شاءت مِن الثياب -دون تبرُّج، أو تشبُّه بالرِّجالِ في لباسِهم-.
وليس لها لُبس البُرقع والنِّقابِ والقُفَّاز حالَ إحرامها؛ لكن يجبُ أن تغطِّيَ وجهَها وكفَّيْها عند مُرورِ الرِّجالِ الأجانبِ بغيرِ النِّقابِ والقُفَّازَين؛ لأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- نهَى المُحرِمةَ عن لُبسِهما، ولا شيءَ عليها إن مسَّ الخِمارُ وجهَها عند الحاجةِ له، ولا يُشرعُ لها وضعُ عِصابةٍ على رأسِها، وتخصيصُ إحرامِ المرأة بالأخضرِ أو الأسودِ أو غيرِهما لا أصلَ له.
ويجوز تغييرُ ثيابِ الإحرام بثيابِ إحرامٍ أخرى.
وليس للإحرامِ صلاةٌ تخصُّه؛ لكنْ: إن أدركتهُ الصَّلاةُ المفروضةُ قبل إحرامهِ صلَّى ثم أحرمَ بعدها؛ لأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أحرمَ بعد صلاةِ الظُّهرِ، فإن لم يكن وقتُ فريضةٍ صلَّى ركعتَين ينوي بهما سُنَّة الوُضوء.
وأمَّا الحائضُ والنُّفَساءُ فإنَّهما لا تُصلِّيان.
وبعد فراغِه مِن الصَّلاة يُحرِم، والإحرام نيَّةُ الدُّخولِ في النُّسُك، فينوي بِقلبِه الدُّخولَ في النُّسُك الذي يُريده من حجٍّ وعمرة، ويُشرع له التلفُّظ بما نَوى، فإن كانت نيَّتُه العُمرة؛ قال: (لبَّيكَ عُمرةً)، وإن كان نيَّته الحج؛ قال: (لبَّيكَ حجًّا)، أو: (اللَّهُمَّ لبَّيكَ حجًّا)، وإن نواهما جميعًا؛ لبَّى بذلك فقال: (اللَّهُمَّ لبَّيكَ عُمرة وحجًّا)، ولو لم يتلفَّظ كفَتِ النِّيَّةُ، ولا يقول شيئًا بين يدي التَّلبِية؛ مثل قولِهم: (اللَّهُمَّ إني أريدُ الحجَّ -أو العمرةَ- فيسِّرهُ لي وتقبَّلهُ مني)؛ لعدمِ وُرودِه عن رسُول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
والأفضلُ أن يكونَ التَّلفُّظُ بذلك بعد استوائِه على مركوبِه -مِن دابَّةٍ أو سيَّارة أو غيرهما-؛ لأنَّ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إنَّما أهلَّ بعدما استوى على راحلتِه، وانبعثتْ به من الميقاتِ للسَّير، هذا هو الأصح من أقوالِ أهل العلم.
ويكون مُستقبِلًا القِبلةَ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ -رضيَ اللهُ عنهُما- كان يَركبُ راحلتَه، فإذا استوتْ به؛ استقبلَ القِبلةَ قائمًا، ثم يُلبِّي، ويخبر أنَّ رسُول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- فعل ذلك، ويقول: «اللهمَّ هذه حجةٌ لا رِياءَ فيها ولا سُمعةَ» -كما رواه الضِّياءُ بسندٍ صحيح عن رسُول اللهِ-صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وإن أحبَّ قرَن مع تلبيتِه الاشتراطَ على ربِّه -جلَّ وعلا-؛ خوفًا من العارِض -مِن مرضٍ، أو خوفٍ-؛ فيقولُ عند إحرامِه: «فإن حَبَسني حابِسٌ فَمَحِلِّي حيث حبَسْتَني» -كما جاء في تعليم النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ضباعةَ بنت الزُّبير-وكانت شاكية-.
* فائدةُ الاشتِراطِ:
أنَّه إذا مُنع مِن إتمام نُسُكِه؛ تَحلَّل مجَّانًا؛ أي: ليس عليه فديةٌ، ولا قَضاءٌ.
وإذا أَحرمت المرأةُ بالعُمرة فلها أن تشترطَ؛ خشيةَ الحيض؛ لأنَّه يحبسُها عن إتمامِ عُمرتِها، ولا تستطيعُ معه التَّخلُّفَ عن رِفقتها، وأما الحجُّ فوقتُه واسع؛ فالحيضُ لا يكونُ فيه إحصارٌ، ولا حرجَ أن تأخذَ المرأةُ ما يمنعُ العادَةَ الشَّهريَّة في أيَّام الحجِّ والعمرةِ حتى تطوفَ ولا تُحبَس عن شيءٍ من أعمال الحج.
ومَن رفض إحرامَه؛ لم يفسُد إحرامُه بذلك، ولم يلزمْهُ دمٌ لذلك الرَّفض؛ لأنَّه مجرَّد نيَّةٍ، والتَّحلُّل مِن الحجِّ لا يحصلُ إلا بأحد ثلاثةِ أمورٍ: إمَّا بإكمالِ أفعالِه، أو التَّحلُّل منهُ عند الحصرِ، أو بالعُذر إذا شرط في ابتداءِ إحرامِه: (أنَّ مَحلِّي حيثُ حبَسْتَني).
وقد ذكر العلامةُ ابنُ عُثيمين -رحمهُ الله- في «فتاويه» مسألةَ الاشتراط خوفًا مِن حوادثِ السَّيَّاراتِ، فقال: «الأفضلُ أن لا تشترطَ، وإن اشترطتَ؛ فلا بأسَ»، ومالَ إليه سماحةُ الشَّيخِ ابنِ بازٍ -رحمهُ الله- في شرحِه لـ«بلوغِ المرام».
* التَّلبِية وآدابُها:
التَّلبِية مِن شعائر الحجِّ، وهي إجابةُ دعوةِ اللهِ لخلْقِه حين دعاهم إلى حجِّ بيتِه على لسانِ خليله إبراهيم -عليه السَّلام-، وهي سُنَّةٌ مؤكَّدة، وفي التَّلبِية توحيد لله -تعَالَى-؛ ولهذا قال جابرٌ: «فأهَلَّ رسُولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- بالتَّوحيد: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ..» إلى آخره.
وقولُه: «أهَلَّ.. بالتَّوحيدِ» إشارة إلى قولِه: «لا شريكَ لهُ».
ومِن آدابِ التَّلبِية أن يلبِّيَ بتلبيةِ النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وهي: «لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيك، إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ والملكَ، لا شريكَ لكَ»، وقد قال جابرٌ -رضيَ اللهُ عنهُ-: «لزِم رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- تلبيتَه، وكان مِن تلبيتِه: لبَّيكَ إلهَ الحقِّ».
وعن ابن عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما-: أن رسُول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وقف بِعرفاتٍ، فلما قال: «لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ» قال: «إنَّما الخيرُ خيرُ الآخِرَةِ».
والاقتصارُ على تلبيتِه أفضل، وإن كانت الزِّيادةُ عليها جائزة؛ لقولِ جابر -رضيَ اللهُ عنهُ-: «والنَّاس يَزيدون: لبَّيكَ ذا المعارِج، لبَّيكَ ذا الفواضِل؛ فلم يردَّ رسول الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عليهم شيئًا منه»، وكان ابن عمر -رضيَ اللهُ عنهُما- يزيد فيها: «لبَّيكَ وسعدَيك، والخيرُ بيدَيك، والرَّغباءُ إليكَ والعمل».
والسُّنَّة رفع الصَّوت بالتَّلبِية؛ لقولهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «أتاني جبريلُ فأمرني أن آمرَ أصحابي ومَن معي أن يَرفَعوا أصواتَهم بالتَّلبِية»، ولقوله -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلام-: «أفضلُ الحجِّ العَجُّ والثَّجُّ» والعَجُّ: هو رفعُ الصَّوت بالتَّلبِية، والثَّجُّ: سَيلان دِماء الهدي والأضاحي.
والنِّساء في التَّلبية كالرِّجال -لعُموم النُّصوص-؛ فيرفعنَ أصواتَهنَّ ما لم تُخش الفتنة، قال شيخُ الإسلام ابن تيميَّة -رحمهُ الله-: «المرأةُ ترفعُ صوتَها بحيثُ تُسمعُ رَفيقتَها».
ولتَّلبِية مشروعةٌ في العُمرة مِن الإحرام إلى أن يَبدأَ الطَّواف، وفي الحجِّ مِن الإحرام إلى أن يبدأ برميِ جَمرة العقبةِ يومَ العيد.
والتَّلبِية الجماعيَّة -بأن يُلبِّيَ أحدُهم ويتبعه الآخرون-؛ لا تجوز؛ لعدمِ وُرودها عن النبي -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ولا عن خلفائه الرَّاشدين؛ بل هي بدعة.


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 10-23-2011, 12:57 AM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

صِفةُ الأنساك الثَّلاثة:
مَن وصل إلى الميقاتِ في أشهر الحجِّ -وهي: شوَّال وذو القَعدةِ والعَشرُ الأُوَل مِن ذي الحجَّة- وهو قاصدٌ الحجَّ مِن عامِه؛ فإنه يُخيَّر بين ثلاثة أنساكٍ: التَّمتُّع، والقِران، والإفراد.
الأوَّل التَّمتُّع: وهو أن يُحرِمَ في أشهر الحجِّ بالعُمرة وحدَها، ثم يَفرغَ منها بطوافٍ أو سعيٍ، وحلقٍ أو تقصيرٍ، ويَحلَّ مِن إحْرامِه، ثم يُحرِم بالحجِّ في وقتِه مِن ذلك العام.
الثَّاني القِرانُ: وهو أن يُحرِم بالعُمرةِ والحجِّ -جَميعًا-، أو يُحرِمَ بالعُمرةِ -أوَّلًا-، ثم يُدخلَ الحجَّ عليها قبل الشُّروعِ في طوافِها، فإذا وصل إلى مكَّة طاف للقُدوم، ثم سَعى بين الصَّفا والمروةِ للعُمرة والحجِّ سعيًا واحدًا، ولا يَحلِق ولا يُقصِّر، ولا يحلُّ مِن إحْرامِه إلا يومَ العيد، وإن أخَّر السَّعي إلى ما بعد طواف الحجِّ؛ فلا بأسَ.
الثَّالثُ الإفرادُ: وهو أن يُحرمَ بالحجِّ وحدَه، فإذا وصلَ مكَّة طاف للقُدوم، ثم سعَى للحجِّ، ولا يَحلِق ولا يُقصِّر، ولا يحلُّ مِن إحْرامِه إلا يومَ العيد، ويجوزُ أن يُؤخِّر السَّعي إلى ما بعدَ طواف الحجِّ -كالقارِن-، ولا يأتي بعُمرةٍ بعد حجِّ الإفراد؛ لأنَّه لا أصلَ لذلك؛ إلا المرأة: إذا حصل لها مثلُ ما حصل لعائشةَ -رضيَ اللهُ عنهَا- لمَّا حاضت فاعتمرتْ بعد طُهرِها مِن التَّنعيم، وكذلك مَن يصعبُ عليه الرُّجوع لمكَّة ولم يؤدِّ فرضَ العُمرة -بعدُ-؛ فلْيَخرجْ إلى التَّنعيم -أو غيرِه مِن الحِلِّ، ولْيُحرِم بها -قضاءً للواجبِ-.
وممَّا تقدَّم: يتبيَّن أنَّ أعمال المُفرِد والقارِن سواءٌ؛ إلا أنَّ القارِن عليه الهديُ لحصول النُّسُكَين له -دون المُفرِد-.
وأفضلُ هذه الأنواع: (التَّمتُّع) إذا كان لم يَسُقِ الهَدْي؛ لأنَّ النَّبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- أمر أصحابَه به، وحثَّهم عليه؛ بل أمرهم أن يَفسَخُوا نيَّة الحجِّ إلى العُمرة مِن أجلِ التمتُّع.
وعليه: فمَن أحرمَ قارِنًا أو مُفرِدًا، ولا يخشى فواتَ الحجِّ؛ فإنَّه يتأكَّد عليه أن يَقلِبَ إحْرامَه ليصيرَ مُتمَتِّعًا -ولو بعد الطَّواف والسَّعي-.
وذكر الشيخُ ابن عُثَيمين أنه يَقلبُ إحْرامَه ولو بعد أربعةِ أيَّام، ويصيرُ مُتمَتِّعًا.
يقول جابر -رضيَ اللهُ عنهُ-: حتَّى إذا كان آخرُ طَوافِه على العُمرة؛ قال -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ-: «يا أيُّها النَّاسُ! لو أني استَقبلتُ مِن أمري ما استَدبرتُ لما سُقتُ الهَدْيَ، ولجعلتُها عُمرةً، فمَن كان مِنكُم ليس معه هديٌ؛ فَلْيحِلَّ، ولْيَجعلْها عُمرةً».
وعُلم -مما تقدَّم-: أن القارِن إذا ساق الهديَ؛ يبقى على إحْرامه حتى يحلَّ يومَ النَّحر، وكذا المُفرِدُ إن ساق هَدْيًا، وكذا المتمتِّعُ إن ساق هَدْيًا؛ كما قاله العلامةُ ابن جاسِر -رحمهُ اللهُ- في «مَنْسَكِه»، وذكرَ أنَّه لا يَحلِق ولا يُقصِّر بعد العُمرة.
وإذا أحرم بالعُمرةِ مُتمَتِّعا بها إلى الحجِّ، ثم لم يتمكَّن من إتمامِها قبل الوُقوف بِعَرفةَ -لعائقٍ مَنعهُ مِن دُخول مكَّة، أو حيضٍ حبَس المُتمَتِّعةَ عن أداءِ عُمرتِها-؛ ففي هذه الحالةِ يُدخلُ الحجَّ على العُمرةِ ويصيرُ قارِنًا.
ويجبُ على المُتمَتِّع هَديُ شُكرانٍ -لا جُبران-؛ بشُروطٍ أربعة:
الأوَّل: أن لا يرجعَ لبلدِه؛ فلو سافر لغيرِ بَلدِه -كالمدينةِ وجُدة والطائف-؛ لم ينقطعْ تَمتُّعُه.
الثَّاني: أن يُحرِم بالعُمرةِ في أشهر الحجِّ، فلو أحرمَ بها في رمضانَ، وأقامَ بمكَّة، ثم حجَّ من عامِه؛ فلا يلزمُه الهَدْيُ؛ إلا أن يأتيَ بعُمرةٍ بعد رَمضان.
الثَّالثُ: أن يَحجَّ مِن عامِه.
الرَّابع: أن [لا] يكونَ مِن حاضِري المسجدِ الحرام.
و(حاضِرو المسجدِ الحرام): هُم أهلُ الحَرَم ومَن كانوا قَريبِين منهُ بحيثُ لا يكون بينهم وبين الحَرَمِ مَسافةٌ تُعدُّ سفرًا -كأهلِ الشَّرائعِ ونحوهم-؛ فيصحُّ التَّمتُّع والقِران منهم، ولا هديَ عليهم؛ لقولِه -جلَّ وعلا-: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ}، وأمَّا مَن بينهم وبين الحرَمِ مسافةٌ تُعدُّ سفرًا -كأهلِ جُدَّة-؛ فإنَّه يلزمهم الهَدْي.
والهَدْي الواجب على المُتمَتِّع والقارِن: شاةٌ تُجزئ في الأضحيةِ، أو سُبع بَدَنة، أو سُبع بَقرةٍ، فإن لم يجدْ؛ فصيامُ ثلاثة أيَّامٍ في الحجِّ وسبعةٍ إذا رجع إلى أهله، ويجوزُ صومُ الثَّلاثةِ في أيَّام التَّشريق، ويجوزُ صومُها قبل ذلك مِن حين إحْرامِه بالعُمرةِ؛ لقولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «دَخلتِ العُمرةُ في الحجِّ إلى يومِ القيامةِ»، ولا يصومُها يوم العيدِ ولا يومَ عرفةِ؛ لنهيه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- عن ذلك، ويجوزُ صومُها متواليةً ومُتفرقةً، ولا يؤخِّرُها عن أيَّام التَّشريق، وأمَّا السَّبعةُ الباقيةُ فيصومُها إذا رجع إلى أهلِه.
والمُفرِد لا هَديَ عليه.
ومَن لم يصل إلى مكَّة إلا يومَ التَّرويةِ بعد خروج النَّاس إلى مِنى؛ فإنَّه لا يتمتَّع بالعُمرة إلى الحجِّ؛ لأن وقتَ الحجِّ دخل، وقد قال -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «إذا كان يومُ التَّرويةِ فأهِلُّوا بالحجِّ»، وقال -تَعالَى-: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ}، وهذا يدلُّ على أنَّ بين العمرةِ والحجِّ زمنًا للتمتُّع، وقد دخل الآن وقتُ الحجِّ؛ فاشتغاله به أَولى من اشتغالِه بالعُمرة؛ فهذا ينوي إفرادًا، أو قِرانًا، قالت عائشةُ -رضيَ اللهُ عنهَا- لرسولِ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-يومَ الترويةِ-: «والنَّاسُ يذهَبونَ إلى الحجِّ الآن»؛ فكيف يذهبُ هذا إلى العُمرة؟
ويجوزُ للمُتمَتِّع أن ينويَ العُمرةَ لشخصٍ والحجَّ لشخصٍ آخرَ، وكذلك القارِن، ولو أحرَمَ وأطلَق -بأن قَصَدَ النُّسُكَ ولم يُعيِّن تَمتُّعًا ولا إفرادًا ولا قِرانًا-؛ صحَّ إحْرامُه، وصَرَفَهُ لما شاءَ مِن الأنساك الثَّلاثةِ، وكذا يصحُّ لو أَحرم بمثلِ ما أحرم به فلانٌ؛ وينعقدُ بِمثلِه؛ لقولِ عليٍّ -رضيَ اللهُ عنهُ-؛: «اللهمَّ إنِّي أُهلُّ بما أهَلَّ به رسولُ الله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-».


يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 10-23-2011, 04:47 PM
أم زيد أم زيد غير متواجد حالياً
مشرفة
 
تاريخ التسجيل: Jan 2009
المشاركات: 5,264
افتراضي

* محظوراتُ الإحْرامِ:
وهي ما يُمنع منهُ المُحرِم -بحجٍّ، أو عُمرةٍ- بسبب الإحْرام.
ومحظوراتُ الإحْرامِ تسعةٌ؛ وهي:
أوَّلًا: إزالةُ الشَّعر من البدنِ كلِّه -بحَلْقٍ، أو غيره- بلا عُذرٍ؛ لقوله -جلَّ وعلا-: {وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ}.
ويجوزُ للمُحرمِ أن يَحُكَّ رأسَهُ برِفقٍ، وأن يَغسلَهُ، فإن سَقط شيءٌ منهُ بلا تعمُّدٍ؛ فلا شيءَ عليه.
الثَّاني: تقليم أظافرِ اليدَين أو الرِّجلين؛ لكنْ إن انكسرَ ظفرُه وتأذَّى به فلا بأسَ أن يقُصَّ المؤذيَ منه -فقط-، ولا شيءَ عليه.
الثَّالث: تغطيةُ رأس الذَّكر بمُلاصقٍ -كالطَّاقيَّةِ، والغترةِ، والعمامة، ونحوها-، وهكذا وجهُ الذَّكر؛ لقولِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الذي مات مُحرِمًا: «اغْسِلُوهُ بِماءٍ وسِدرٍ، وكفِّنوهُ في ثَوبَيهِ، ولا تُخمِّرُوا رأسَه ولا وجْهَهُ؛ فإنَّه يُبعثُ يومَ القيامةِ مُلَبِّيًا».
وأمَّا غيرُ الملاصِق -كالخيمةِ، والمظلَّةِ، والشَّمسيَّة، وسقفِ السَّيارةِ-؛ فلا بأس به؛ لأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إنَّما نهى عن تغطيةِ الرَّاس لا عن تظليلِه، ولأنَّه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- نزل في نَمِرةَ بِقُبَّةٍ، وذلك يوم عرفة.
وللمُحرِم حملُ مَتاعِه على رأسِه إذا لم يَقصدْ سَترَهُ، ولا يجوزُ للمُحرمِ أن يُغطِّي رأسَهُ للبردِ إلا أن يَخاف الضَّررَ فيُغطيهُ ويدفع فِديَةَ الأذى.
وأمَّا المرأةُ؛ فقد قال فيها رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «وَلا تَنتَقِبُ المُحْرِمَةُ ولا تَلبَسُ القُفَّازَين»، وقالت عائشةُ -رضيَ اللهُ عنها-: «المُحرِمةُ تلبسُ مِن الثِّيابِ ما شاءتْ؛ إلا ثوبًا مسَّهُ وَرسٌ أو زَعفران، ولا تَتبرقَعُ، ولا تتلثَّم».
والمشروع للمرأةِ حالَ الإحْرام أن تكشفَ وجهَها، لكن إذا كانت بحضرةِ الرِّجالِ الأجانبِ -في المسجدِ الحرامِ وغيرهِ-؛ وجبَ عليها تغطيةُ وجهِها وكفَّيها -ولو بِمُلاصقٍ للبشرةِ غيرِ النِّقاب ونحوه-؛ لأنَّها عورة؛ قالت أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ -رضي اللهُ عنها-: «كُنَّا نُغطِّي وُجوهَنا مِن الرِّجالِ».
الرَّابع: لُبسُ الذَّكر للمَخيطِ؛ وهو: أن يلبسَ ما يُلبَس عادةً على الهيئةِ المُعتادة -كالقُمُصِ، والسَّراويل، والخِفافِ، والجواربِ، ونحوها-، وإذا لم يجدْ إزارًا؛ جاز له لُبسُ السَّراويلِ، وإذا لم يجدْ نَعلَين؛ جازَ له لُبسُ الخُفَّين مِن غير قَطعٍ، ولاشيء عليه، وأمَّا حديثُ الأمرِ بِقطعِ الخُفَّينِ؛ فمنسوخٌ -كما في «التَّحقيقِ» للعلامة ابنِ باز، واختارهُ شيخُ الإسلام -رحمهُ اللهُ-.
ويجوزُ له عَقدُ الإزارِ وربطُه بخيطٍ ونحوِه، ولهُ عقدُ رِدائه وإزارِه بمِشبكٍ؛ لعدمِ الدَّليل المقتضي للمَنع، قال الشيخُ ابنُ عثيمين -رحمهُ الله-: «بعضُ النَّاس يزرُّه بِمشابكَ مِن الرَّقبة إلى السُّرَّة حتى يكونَ كأنَّه قميص؛ فأنا أشكُّ في جوازِ هذا؛ لأنَّه -حينذاك- يُشبهُ القيمص».
وله لُبس الخاتمِ وساعةِ اليدِ ونظَّارة العينِ وسمَّاعةِ الأذنِ والنَّعلِ المخروزةِ والحِزامِ -ولو كان فيه خياطةٌ-؛ فعن عائشة -رضيَ اللهُ عنهَا- أنَّها سُئلت عن الهِمْيان للمُحرم؛ فقالت: «وما بأس؟ لِيستوثقَ مِن نفقَتِه»، وله لُبسُ المخيطِ لبردٍ أو مرضٍ، ويفدي.
وأمَّا المُحرِمةُ فيَحرُم عليها أن تلبسَ مَخيطًا لوجهِها -كالبُرقعِ، والنِّقابِ-، أو ليَدَيها -كالقُفَّازَين-، ويُباح لها ما سوى ذلك مِن المخيط؛ قال العلامة ابن عُثَيمين: «لا تلبس المرأةُ في حالِ الإحرامِ ثوبًا أبيض؛ لأنَّ ذلك يلفتُ النَّظر، ويُرغِّب في النَّظر إليها».
الخامسُ: استِعمالُ الطِّيبِ في ثوبِه، أو بدَنِه، أو غيرِهما مما يتَّصلُ به؛ لقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في الذي مات مُحرِمًا: «وَلا تَمسُّوهُ بِطيبٍ»؛ فيَحرُم على المُحرِمِ شَمُّ الطِّيبِ عمدًا، وشُربُ قهوةٍ فيها زَعفران؛ لأنَّه طيبٌ؛ إلا إذا كان قد ذهب طعمُه وريحُه بالطَّبخ، ولم يبقَ إلا مجرَّد اللون؛ فلا بأسَ به.
وفي «مفيد الأنام» للعلامة ابنِ جاسرٍ: «يَحرُم عليه لُبسُ ما غُمِسَ في ماءِ وردٍ، أو بُخِّر بِعُودٍ ونحوه».
وله شمُّ الرَّيحانِ؛ لقولِ ابن عبَّاسٍ -رضيَ اللهُ عنهُما-: «المُحرِمُ يدخلُ الحمَّام، وينزعُ ضِرسَه، ويشمُّ الرَّيحان»، ولو مسح الحجَرَ الأسودَ، أو الرُّكنَ اليمانيَّ -وعليه طِيبٌ، وهو لا يعلمُ فعلق بيدِه-؛ فإنَّه يمسحُ يدَه بكسوةِ الكعبة ليتخلَّص منه، ولا يمسحها بجسدِه وثيابه.
السَّادس: قتلُ الصَّيدِ -بمباشرةٍ، أو تسبُّب، أو إعانةٍ على قتلِه-بدلالةٍ أو إرشادٍ أو مُناولةِ سلاح، ونحو ذلك-.
والذي يَحرُم اصطِيادُه: كلُّ حيوانٍ بريٍّ حلالٍ مُتوحِّشٍ طبعًا -كالظِّباءِ، والأرانب-؛ لقول ربِّنا -جلَّ وعلا-: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا}، وأمَّا أكلُه مما صادَه الحلالُ؛ فقد بيَّن النَّبيُّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- حُكمَه بِقولِه: «صيدُ البرِّ لكُم حَلالٌ ما لم تَصيدُوهُ، أو يُصَد لكم» رواهُ الإمام أحمدُ وغيرُه.
قال في «الفُروع»: «احتجَّ أحمدُ بهذا الخبرِ في روايةِ مُهنَّا، وقال: إليه أذهب».
قال المحبُّ الطَّبريُّ: «لا يَحرُم عندنا على المُحرِمِ مِن الصَّيدِ إلا ما اصطادهُ، أو كان له أثرٌ في صيدِه، أو صِيدَ لأجلِه».
وأما صيدُ البحرِ فيحلُّ لهُ.
وإذا افترشَ الجرادُ في طريقِه -ولم يكنْ طريقٌ غيرُها- فوطئَ شيئًا منها مِن غيرِ قصدٍ؛ فلا شيء عليه؛ لأنه لم يقصدْ قتلَه، ولا يمكنهُ التَّحرُّزُ منه.
ويَحرُم على المُحرِم والحلالِ قتلُ صَيد الحرَمِ، والإعانةُ عليه، وتَنفيرُه مِن مكانه، وكذا تحرمُ لُقَطَتُه؛ إلا لمن يُعرِّفُها.
ويَحرُم قطعُ شجرِهِ وحَشيشِه الأخضرَين، ولا فِديَة في قطعِهما؛ لعدم الدَّليل؛ بل عليه التَّوبة إلى اللهِ -سُبحانه وتَعالى-.
وأما ما غرسهُ الآدميُّ في الحرَمِ فلا يَحرُم قطعُه؛ لأنَّه للآدمي -لا للحَرَم-، وكذلك رعيُ الدَّواب في الحرَمِ لا يَحرُم.
وليس لِحَمامِ مكَّة والمدينة خصوصيَّة سوى أنه لا يُصادُ ولا يُنفَّر -ما دام في الحرَم-، وإذا أَمسَكَ صَيدًا في الحِلِّ فله أن يُدخِلَهُ في حرم مكَّة والمدينة، وأن يذبحَه فيه، أو يَبيعَه؛ لأنه ملَكَهُ خارج الحرَمِ وهو حلال، وكذلك لو أحرمَ وبيدِه صَيدٌ مَلَكَهُ مِن قبلُ؛ فلهُ ذبحُه وبَيعُه.
وصيدُ حرَمِ مكَّة فيه الجزاء، وصَيد حرَمِ المدينة ليس فيه جزاء، قال العلامةُ ابن عثيمين: «إن رأى الحاكِمُ أن يعزِّر مَن تعدَّى على صَيد المدينةِ بِأخذِ سَلبِه، أو تضمينِه؛ فلا بأس».
وأما المسجدُ الأقصى فليس بِحَرَمٍ -أصلًا-.
ومِنًى ومُزدلفة مِن الحرَم، وأمَّا عرفة فمِنَ الحِلِّ.
السَّابع: عقدُ النِّكاح؛ لقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «لا يَنكِحُ المُحرِم، ولا يُنكِح، ولا يَخطب»، فيحرُم عليه أن يتزوَّج، أو يُزوِّج موليَّته، أو يكون وكيلًا في ذلك، أو يخطب.
الثَّامن: الوطءُ الموجبُ للغُسل؛ لقولِه -تَعالَى-: {فمَن فرضَ فِيهِنَّ الحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ} والرَّفث: الجماعُ ومقدماتُه، فإن كان قبل التَّحلُّل الأوَّل؛ فسدَ النُّسُك، ووجبَ إِتمامُه، والقَضاءُ مِن قابلٍ -ولو كان حجَّ تَطوُّعٍ-، والفِديَةُ على الزَّوج والزَّوجة، وهي: بَدنةٌ أو بَقرةٌ تُجزئ في الأضحية، وعليهما التَّوبة إلى الله -سُبحانهُ وتَعالى-، وأما باقي المحظوراتِ؛ فلا تُفسدُ النُّسُك.
وإذا كان الجماعُ بعد التَّحلُّل الأوَّل -أي: بعد رميِ جمرةِ العقبة والحلْق وقبل طوافِ الإفاضة-؛ فالحجُّ صحيحٌ، وعليه دَمٌ يُذبح بمكَّة، ويوزَّع على الفقراء، ولا يلزمُه الذَّهاب إلى الحِلِّ لِيُحرِم من جديد-كما اختاره العلامة ابنُ باز-غفر الله له-.
وإذا جامع في العُمرة قبل السَّعي؛ فسدتْ، وعليه قضاؤُها من الميقات الذي أحرمَ منه بالأُولى، وعليه دمٌ -أيضًا-، أمَّا إن كان الجماعُ بعد الطَّواف والسَّعي وقبل الحَلْق؛ فالعُمرةُ صحيحةٌ؛ لأنَّه كالوطء في الحجِّ بعد التَّحلُّل الأوَّل، وعليهِ فِدية أذى.
التَّاسع: المباشرةُ لشهوة -بتقبيل، أو لمسٍ، أو ضمٍّ، ونحوه-؛ لقوله -تَعالَى-: {فَلَا رَفَثَ}، ويدخلُ في الرَّفث: مُقدِّمات الجماع -كالتَّقبيل لشهوةٍ، ونحوه-.
* فاعِلُ هذه المحظورات له ثلاثُ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أن يفعلَ المحظورَ عمدًا بلا عُذرٍ ولا حاجةٍ؛ فهذا آثِمٌ، وعليه الفِديَة.
الحالةُ الثَّانية: أن يفعلَه عمدًا لكن لحاجةٍ؛ فعليه الفِديَة ولا إِثمَ؛ لقولِه -تَعالى-: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِديَة مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.
الحالةُ الثَّالثة: أن يفعله ناسيًا أو جاهلًا أو مُكرَهًا أو نائمًا؛ فلا شيءَ عليه -لا إِثمَ، ولا فِديَة، ولا فسادَ نسُك-أيًّا كان المحظور-؛ لقوله -تَعالى-: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} قال اللهُ -عزَّ وجلَّ-: «قَد فَعلتُ».
* تنقسمُ المحظوراتُ -باعتبارِ الفِديَة- إلى أربعةِ أقسامٍ:
أوَّلًا: ما لا فِديَةَ فيه؛ وهو عَقد النِّكاح.
ثانيًا: ما فديتُه بَدَنة؛ وهو الجماعُ في الحجِّ قبل التَّحلُّل الأوَّل.
ثالثًا: ما فِديتُه جزاؤُه، أو ما يقومُ مقامَه؛ وهو قتلُ الصَّيد؛ فيُخيَّرُ: بين المِثلِ مِن النَّعَم فيذبحه بالحرمِ ويوزِّعُه على مساكينِ الحرمِ المُقيمين به والمُجتازين، أو يُقوِّمُ المِثلَ -لا الصَّيد-، ويشتري بقيمتِه طعامًا يُفرِّقه على مَساكينِ الحرم، لكلِّ مسكينٍ نِصفُ صاعٍ، أو يصومُ عن إطعامِ كلِّ مسكينٍ يومًا.
فإن لم يكن للصَّيدِ مِثلٌ -كالجَرادِ-؛ قوَّمَه وأخرجَ بقِيمتِه طعامًا، لكل مِسكينٍ نِصف صاعٍ، أو صامَ عن إطعامِ كلِّ مسكين يومًا.
رابعًا: بقيَّة المحظورات -سوى الثَّلاثة المتقدِّمة-؛ كلُبس المخيط، وإزالةِ الشَّعر، والمباشرة لشهوة، وفديتُها (فِديَة الأذى) على التَّخيير: ذبحُ شاةٍ، أو إطعام ستَّة مساكينَ -لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ مما يُطعم-، أو صيامُ ثلاثة أيَّام -إن شاء مُتواليةً، أو متفرِّقة-.
هديُ التَّمتُّع والقِرانِ لا يصحُّ ذبحُه إلا في الحرَمِ، فإذا ذُبح في عرفةَ -وهي مِن الحلِّ- لم يُجزئ -ولو دخل به إلى الحرم-.
وما وجبَ لِفعلِ محظور؛ فحيثُ وُجِد المحظور -في أيِّ زمانٍ ومكان-، ويجوز نقلُه للحرَمِ إلا جزاء الصَّيد لا بُدَّ أن يبلغَ إلى الحَرَم -ذبحًا وتفريقًا-؛ لقولِه -تَعالَى-: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}.
وهديُ الإحصار يُذبح في مكانِ الإحصار.
ويجزئُ الصَّومُ بكلِّ مكانٍ؛ لأنه لا يتعلَّق بنفعِ شخصٍ آخر؛ فيُجزئُ في كلِّ مكان، وكذا الحَلْق.
* افعَلْ ولا حَرجَ:
لا حرجَ على المُحرِم في أمورٍ منها:
- الاغتسالُ لغيرِ احتلامٍ، ولو بِدَلكِ رأسِه؛ لفعلِه -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.
- وكذلك استِعمال الصَّابونِ المعطَّر؛ لأنه ليس طِيبًا، ولا يُسمَّى مُستعمِلُه مُتطيِّبًا، وإن تركه تورُّعًا؛ فحسَن.
- والحنَّاء ليس طِيبًا؛ فيجوز استعماله.
- والمجادلةُ بالتي هِي أحسنُ -لإظهارِ الحقِّ، وردِّ الباطل-؛ لا بأس بها؛ بل هي مما أمر اللهُ به في قولِه -تَعالَى-: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، وأما قولُه -تَعالَى-:{وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ}؛ فالمرادُ: المخاصمةُ في الباطل، أو فيما لا فائدةَ فيه.
- ولهُ قتلُ الفواسق المؤذيةِ في الحِلِّ والحرَمِ؛ لقوله -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-: «خَمسٌ مِن الدَّوابِّ مَن قتلهُنَّ وهُو مُحرِمٌ؛ فلا جُناحَ عليه: العقربُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقور، والغُراب، والحدَأة» رواهُ البُخاريُّ، وعند مسلمٍ من حديثِ عائشة بزيادة: «الحيَّة».
- ويجوزُ للمُحرمةِ أن تُحرِم وبِيَدِها أَسوِرةٌ مِن ذهبٍ أو خَواتم، ونحو ذلك، وتسترُهُ عن الرِّجالِ الأجانب.
- قال شيخُ الإسلامِ -رحمهُ اللهُ-: «والمُخطِئُ فيما فهمه مِن قولِ المُفتي يُشبهُ خطأَ المجتهِد فيما فهِمَهُ مِن النَّصِّ».



يتبع إن شاء الله
رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
تفريغات أم زيد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 12:23 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.11
Copyright ©2000 - 2024, Jelsoft Enterprises Ltd.